قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَسَالِمٌ شَيْخُهُ هُوَ عَمُّهُ، وَعُمْرُ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَكَذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ الْمَذْكُورُ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ، فَاعْتَضَدَتْ إِحْدَى الطَّرِيقَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ أَحَدِ قِسْمَيِ الصَّحِيحِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَطَرِيقُ عُمَرَ الْمُعَلَّقَةُ وَصَلَهَا أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَقِيلٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ عَنْهُ، وَعَقِيلٌ فِيهِمَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (يَسْتَسْقِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ فِي رِوَايَتِهِ: عَلَى الْمِنْبَرِ وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا فِي الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (يَجِيشُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، يُقَالُ: جَاشَ الْوَادِي إِذَا زَخَرَ بِالْمَاءِ، وَجَاشَتِ الْقِدْرُ إِذَا غَلَتْ، وَجَاشَ الشَّيْءُ إِذَا تَحَرَّكَ. وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ مِيزَابٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالزَّايِ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْهُ الْمَاءُ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ حَتَّى يَجِيشَ لَكَ بِتَقْدِيمِ اللَّامِ عَلَى الْكَافِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
١٠١٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ وَالْأَنْصَارِيُّ شَيْخُهُ يَرْوِي عَنْهُ الْبُخَارِيُّ كَثِيرًا وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً كَهَذَا الْمَوْضِعِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا قُحِطُوا) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ أَصَابَهُمُ الْقَحْطُ، وَقَدْ بَيَّنَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي الْأَنْسَابِ صِفَةَ مَا دَعَا بِهِ الْعَبَّاسُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَالْوَقْتَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ الْعَبَّاسَ لَمَّا اسْتَسْقَى بِهِ عُمَرُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَمْ يُكْشَفْ إِلَّا بِتَوْبَةٍ، وَقَدْ تَوَجَّهَ الْقَوْمُ بِي إِلَيْكَ لِمَكَانِي مِنْ نَبِيِّكَ، وَهَذِهِ أَيْدِينَا إِلَيْكَ بِالذُّنُوبِ وَنَوَاصِينَا إِلَيْكَ بِالتَّوْبَةِ فَاسْقِنَا الْغَيْثَ.
فَأَرْخَتِ السَّمَاءُ مِثْلَ الْجِبَالِ حَتَّى أَخْصَبَتِ الْأَرْضَ، وَعَاشَ النَّاسُ وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَسْقَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَامَ الرَّمَادَةِ بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَخَطَبَ النَّاسَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرَى لِلْعَبَّاسِ مَا يَرَى الْوَلَدُ لِلْوَالِدِ، فَاقْتَدُوا أَيُّهَا النَّاسُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عَمِّهِ الْعَبَّاسِ وَاتَّخِذُوهُ وَسِيلَةً إِلَى اللَّهِ، وَفِيهِ: فَمَا بَرِحُوا حَتَّى سَقَاهُمُ اللَّهُ وَأَخْرَجَهُ الْبَلَاذُرِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ بَدَلَ ابْنِ عُمَرَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِزَيْدٍ فِيهِ شَيْخَانِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ عَامَ الرَّمَادَةِ كَانَ سَنَةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ مَصْدَرَ الْحَاجِّ مِنْهَا وَدَامَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَالرَّمَادَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، سُمِّيَ الْعَامُ بِهَا لِمَا حَصَلَ مِنْ شِدَّةِ الْجَدْبِ فَاغْبَرَّتِ الْأَرْضُ جِدًّا مِنْ عَدَمِ الْمَطَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ رَفْعُ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي قِصَّةِ عُمَرَ، وَالْعَبَّاسِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ قِصَّةِ الْعَبَّاسِ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِشْفَاعِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَفِيهِ فَضْلُ الْعَبَّاسِ وَفَضْلُ عُمَرَ لِتَوَاضُعِهِ لِلْعَبَّاسِ وَمَعْرِفَتُهُ بِحَقِّهِ.
٤ - بَاب تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ
١٠١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ.
١٠١٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ
يُحَدِّثُ أَبَاهُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: هُوَ صَاحِبُ الْأَذَانِ، وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ لِأَنَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ مَازِنُ الْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ) تَرْجَمَ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ خِلَافًا لِمَنْ نَفَاهُ، ثُمَّ تَرْجَمَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكَيْفِيَّتِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ عَبَّادٍ أَبُوهُمَا: أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو، كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ بَابًا.
قَوْلُهُ: (اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ طُولَ رِدَائِهِ ﷺ كَانَ سِتَّةَ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَطُولَ إِزَارِهِ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَشِبْرَيْنِ فِي ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرٍ، كَانَ يَلْبَسُهُمَا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْأَحْكَامِ لِابْنِ بَزِيزَةَ ذَرْعَ الرِّدَاءِ كَالَّذِي ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ فِي ذرْعِ الْإِزَارِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: تُرْجِمَ بِلَفْظِ التَّحْوِيلِ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ سَاقَهُمَا لَفْظُ الْقَلْبِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. انْتَهَى.
وَلَمْ تَتَّفِقِ الرُّوَاةُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ عَلَى لَفْظِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ رِوَايَةَ أَبِي ذَرٍّ حَوَّلَ وَكَذَا هُوَ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ بِالْمُصَلَّى فِي زِيَادَةِ سُفْيَانَ، عَنْ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَلَفْظُهُ: قَلَبَ رِدَاءَهُ جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ وَزَادَ فِيهِ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: وَالشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَالْمَسْعُودِيُّ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ زِيَادَتَهُ اسْتِطْرَادًا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ كَوْنِ زِيَادَتِهِ مَوْصُولَةً أَوْ مُعَلَّقَةً فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَهُ شَاهِدٌ أَخَرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادٍ بِلَفْظِ: فَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَعِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّادٍ اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلُهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ وَقَدِ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ فِعْلَ مَا هَمَّ بِهِ ﷺ مِنْ تَنْكِيسِ الرِّدَاءِ مَعَ التَّحْوِيلِ الْمَوْصُوفِ، وَزَعَمَ الْقُرْطُبِيُّ كَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ فِي الْجَدِيدِ تَنْكِيسَ الرِّدَاءِ لَا تَحْوِيلَهُ، وَالَّذِي فِي الْأُمِّ مَا ذَكَرْتُهُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّحْوِيلِ فَقَطْ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الَّذِي اسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ أَحْوَطُ (^١) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ لَا يُسْتَحَبُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَحَبَّ الْجُمْهُورُ أَيْضًا أَنْ يُحَوِّلَ النَّاسُ بِتَحْوِيلِ الْإِمَامِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبَّادٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: وَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ وَقَالَ اللَّيْثُ، وَأَبُو يُوسُفَ: يُحَوِّلُ الْإِمَامُ وَحْدَهُ. وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ النِّسَاءَ فَقَالَ: لَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِنَّ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: فَقَلَبَ رِدَاءَهُ أَنَّ التَّحْوِيلَ وَقَعَ بَعْدَ فَرَاغِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَعْنَى: فَقَلَبَ رِدَاءَهُ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ. وَقَدْ بَيَّنَهُ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ: حَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: وَإِنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ وَأَصْلُهُ لِلْمُصَنِّفِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادٍ: فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ
_________
(^١) ليس الأمر كما قاله الشارح، بل الأولى والأحوط هو التحويل يجعل ما على الأيسر وعكسه، لأن الحديث بذلك اصح أصرح، ولأن فعله أيسر وأسهل. والله أعلم
رِدَاءَهُ، فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّحْوِيلَ وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّعَاءِ.
وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ هَذَا التَّحْوِيلِ: فَجَزَمَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّهُ لِلتَّفَاؤُلِ بِتَحْوِيلِ الْحَالِ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْفَأْلِ أَنْ لَا يُقْصَدَ إِلَيْهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا التَّحْوِيلُ أَمَارَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، قِيلَ لَهُ: حَوِّلْ رِدَاءَكَ لِيَتَحَوَّلَ حَالُكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي جَزَمَ بِهِ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ، وَالَّذِي رَدَّهُ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَالَهُ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِالظَّنِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَكُونَ أَثْبَتَ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ فَلَا يَكُونُ سُنَّةً فِي كُلِّ حَالٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّحْوِيلَ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ لَا يَقْتَضِي الثُّبُوتَ عَلَى الْعَاتِقِ، فَالْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَوْلَى، فَإِنَّ الِاتِّبَاعَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ لِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ قَالَ: قَالَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُيَيْنَةَ حَذَفَ الصِّيغَةَ مَرَّةً، وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِحَذْفِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْخَطِّ، وَفِي حَذْفِهَا مِنَ اللَّفْظِ بَحْثٌ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي بِلَفْظِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَصَرَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَتِهِ بِتَحْدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بِهِ لِابْنِ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ أَبَاهُ) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ أَبَاهُ يَعُودُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ لَا عَلَى عَبَّادٍ، وَضَبَطَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَرَاءٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ أَظُنُّهُ. وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّ رِوَايَةَ عَبَّادٍ لَهُ عَنْ عَمِّهِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَوْلُهُ: عَنْ أَبِيهِ زِيَادَةٌ وَهِيَ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ، وَكَذَا لِابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ - أَيِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ -: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ يَحْيَى، وَالْمَسْعُودِيُّ عَنْ أَبِيكَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: سَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ عَبَّادٍ يُحَدِّثُ أَبِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى) فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الْمَذْكُورَةِ: فَخَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَلَى سَبَبِ ذَلِكَ وَلَا صِفَتِهِ ﷺ حَالَ الذَّهَابِ إِلَى الْمُصَلَّى وَعَلَى وَقْتِ ذَهَابِهِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ حِبَّانَ، قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَحْطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ بِالْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى فَرَقَى الْمِنْبَرَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ: قَحَطَ الْمَطَرُ، فَسَأَلْنَا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَنَا، فَغَدَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاخْتِلَافَ فِي وَقْتِهَا، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا وَقْتَ لَهَا مُعَيَّنٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ أَحْكَامِهَا كَالْعِيدِ، لَكِنَّهَا تُخَالِفُهُ بِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ، وَهَلْ تُصْنَعُ بِاللَّيْلِ؟ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ كَوْنِهِ ﷺ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بِالنَّهَارِ أَنَّهَا نَهَارِيَّةٌ كَالْعِيدِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتْ تُصَلَّى بِاللَّيْلِ لَأَسَرَّ فِيهَا بِالنَّهَارِ وَجَهَرَ بِاللَّيْلِ كَمُطْلَقِ النَّوَافِلِ.
وَنَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُصَلَّى فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، وَأَفَادَ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ خُرُوجَهُ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى لِلِاسْتِسْقَاءِ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: وَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الْآتِيَةِ فِي بَابِ كَيْفَ حَوَّلَ ظَهْرَهُ: ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ
فِي الِاسْتِسْقَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَيْنِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ حَيْثُ قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ (^١)، وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ الثَّانِي، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ كَذَلِكَ، وَرِوَايَةُ يُخَيَّرُ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ صِفَةُ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا مَا يَقْرَأُ فِيهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهِمَا سَبْعًا وَخَمْسًا كَالْعِيدِ، وَأَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِسَبِّحْ وَهَلْ أَتَاكَ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، لَكِنْ أَصْلُهُ فِي السُّنَنِ بِلَفْظِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: يُكَبِّرُ فِيهِمَا. وَنَقَلَ الْفَاكِهِيُّ شَيْخُ شُيُوخِنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابَ التَّكْبِيرِ حَالَ الْخُرُوجِ إِلَيْهَا كَمَا فِي الْعِيدِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ ﷺ بَدَأَ بِالدُّعَاءِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَ، فَاقْتَصَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَلَى شَيْءٍ وَبَعْضُهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنِ الدُّعَاءِ بِالْخُطْبَةِ فَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: إِنَّ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ دَالَّةٌ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَهُوَ أَضْبَطُ مِنْ وَلَدَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ مِنْ سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ وَلَا مُسْلِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَعْتَضِدُ الْقَوْلُ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ لِمُشَابَهَتِهَا بِالْعِيدِ، وَكَذَا مَا تَقَرَّرَ مِنْ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ أَمَامَ الْحَاجَةِ. وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا الدُّعَاءُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ قَائِمًا وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِيهِ وَحَمَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى حَالِ الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِدُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّعَوَاتِ بِالدُّعَاءِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِالِاسْتِسْقَاءِ، وَكَأَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ: وَتَرْجَمَ أَيْضًا لِكَوْنِهَا رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَا، وَلِكَوْنِهَا فِي الْمُصَلَّى، وَقَدِ اسْتَثْنَى الْخَفَّافُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَسْجِدَ مَكَّةَ كَالْعِيدِ، وَبِالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَبِتَحْوِيلِ الظَّهْرِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَهُوَ مِنْ لَازِمِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ، وَقَوْلُهُ: (كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِلَخْ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيقًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ، وَيُرَجِّحُ الثَّانِي أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي أَرَى النِّدَاءَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ غَلِطَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ هَذَا) يَعْنِي رَاوِيَ حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ (عَبْدُ اللَّهِ) أَيْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (ابْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ) فَالتَّقْدِيرُ لِأَنَّ هَذَا أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ.
قَوْلُهُ: (مَازِنُ الْأَنْصَارِ) احْتِرَازٌ عَنْ مَازِنِ تَمِيمٍ، وَهُوَ مَازِنُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، أَوْ مَازِنُ قَيْسٍ وَهُوَ مَازِنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ خَصْفَةَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ابْنُ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، وَمَازِنُ ابْنُ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَمَازِنُ ضَبَّةَ وَهُوَ مَازِنُ بْنُ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ، وَمَازِنُ شَيْبَانَ وَهُوَ مَازِنُ بْنُ ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ شَيْبَانَ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الرَّشَاطِيُّ: مَازِنٌ فِي الْقَبَائِلِ كَثِيرٌ، وَالْمَازِنُ فِي اللُّغَةِ بَيْضُ النَّمْلِ وَقَدْ حَذَفَ الْبُخَارِيُّ مُقَابِلَهُ وَالتَّقْدِيرُ: وَذَاكَ أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ رَائِي الْأَذَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، وَقَدِ اتَّفَقَا فِي الِاسْمِ وَاسْمِ الْأَبِ وَالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ إِلَى الْخَزْرَجِ وَالصُّحْبَةِ وَالرِّوَايَةِ، وَافْتَرَقَا فِي الْجَدِّ وَالْبَطْنِ الَّذِي مِنَ الْخَزْرَجِ لِأَنَّ حَفِيدَ عَاصِمٍ مِنْ مَازِنٍ وَحَفِيدَ عَبْدِ رَبِّهِ مِنْ بِلْحَارِثِ ابْنِ الْخَزْرَجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________
(^١) أخرج أحمد ﵀ حديث أبي هريرة المذكور باسناد حسن، وصرح فيه بأنه خطب بعد الصلاة، ويجمع بين هذين الحديثين بجواز الأمرين. والله أعلم
٥ - باب انتقام الرب جل وعز من خلقه بالقحط إذا انتهكت محارم الله
قولُهُ: (بَابُ انْتِقَامِ الرَّبِ ﷿ مِنْ خَلْقِهُ بِالْقَحْطِ إِذَا انْتُهِكَتْ مَحَارِمُهُ، هَكَذَا وَقَعَتْ هَذَهِ التَّرْجَمَةُ فِي رِوَايَةِ الْحَموِي وَحْدَهُ خَالِيَةً مِنْ حَدِيثٍ وَمِنْ أَثَرٍ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: كَأَنَّهَا كَانَتْ فِي رقْعَةٍ مُفْرَدَةٍ فَأَهْمَلَهَا الْبَاقُونَ، وَكَأَنَّهُ وَضَعَهَا لِيُدْخِلَ تَحْتَهَا حَدِّيًّا، وَأَلْيَقُ شَيْءٍ بِهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي ثَانِي بَابٍ مِنَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَأَخَّرَ ذَلِكَ لِيَقَعَ لَهُ التَّغْيِيرُ فِي بَعْضِ سَنَدِهِ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ غَالِبًا فَعَاقَهُ عَنْ ذَلِكَ عَائِقٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦ - بَاب الِاسْتِسْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ
١٠١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، قَالَ أَنَسُ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً وَلَا شَيْئًا وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، قَالَ: فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ، قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَل تُ أَنَسًا أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْمُصَلَّى لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ لِأَنَّ الْمَلْحُوظَ فِي الْخُرُوجِ الْمُبَالَغَةُ فِي اجْتِمَاعِ النَّاسِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ بِنَاءً عَلَى الْمَعْهُودِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ عَدَمِ تَعَدُّدِ الْجَامِعِ، بِخِلَافِ مَا حَدَثَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ فِي بِلَادِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنِ اكْتَفَى بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَتَرْجَمَ لَهُ أَيْضًا الِاسْتِسْقَاءُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ إِنِ اتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ انْدَرَجَتْ خُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاتُهَا فِي الْجُمُعَةِ، وَمَدَارُ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ عَلَى شَرِيكٍ: فَالْأُولَى عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ، وَالثَّانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ، وَالثَّالِثَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ شَرِيكٍ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ سَنُشِيرُ إِلَيْهَا عِنْدَ النَّقْلِ لِزَوَائِدِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَسِّرَ هَذَا الْمُبْهَمَ بِأَنَّهُ كَعْبٌ الْمَذْكُورُ وَسَأَذْكُرُ بَعْضَ سِيَاقِهِ بَعْدَ قَلِيلٍ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلَةٍ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِأَنَّهُ خَارِجَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، وَلَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شُرَحْبِيلَ بْنِ السَّمْطِ أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ: يَا كَعْبُ حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحْذَرْ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ اللَّهَ عَزَّ
وَجَلَّ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْحَدِيثَ.
فَفِي هَذَا أَنَّهُ غَيْرُ كَعْبٍ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ وَمِنْ ثَمَّ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَهُوَ وَهْمٌ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ إِذَا اسْتَشْفَعَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَصَابَ النَّاسَ سَنَةٌ - أَيْ جَدْبٌ - عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَيْنًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْآتِيَةِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ إِذَا كُثْرَ الْمَطَرُ عَنْ أَنَسٍ فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا فَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوهُ بَعْدَ أَنْ سَأَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ لِمُوَافَقَةِ سُؤَالِ السَّائِلِ مَا كَانُوا يُرِيدُونَهُ مِنْ طَلَبِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ أَيْضًا عِنْدَ أَحْمَدَ إِذْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهِيَ تُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَابِ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ) بِكَسْرِ وَاوِ وِجَاهٍ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا أَيْ مُوَاجِهَةً، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ التِّينِ أَنَّ مَعْنَاهُ مُسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةِ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْبَابَ الْمَذْكُورَ كَانَ مُقَابِلَ ظَهْرِ الْمِنْبَرِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ مِنْ بَابِ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ دَارَ الْقَضَاءِ بِأَنَّهَا دَارُ الْإِمَارَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ دَارُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَسُمِّيَتْ دَارُ الْقَضَاءِ لِأَنَّهَا بِيعَتْ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ فَكَانَ يُقَالُ لَهَا دَارُ قَضَاءِ دَيْنِ عُمَرَ، ثُمَّ طَالَ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهَا دَارُ الْقَضَاءِ ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ عَنْ أَبِي غَسَّانَ الْمَدَنِيِّ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ عَمِّهِ كَانَتْ دَارُ الْقَضَاءِ لِعُمَرَ، فَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ، وَحَفْصَةَ أَنْ يَبِيعَاهَا عِنْدَ وَفَاتِهِ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ، فَبَاعُوهَا مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ تُسَمَّى دَارَ الْقَضَاءِ. قَالَ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ سَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ: إِنْ كَانَتْ لَتُسَمَّى دَارَ قَضَاءِ الدَّيْنِ.
قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَمِّي أَنَّ الْخَوْخَةَ الشَّارِعَةَ فِي دَارِ الْقَضَاءِ غَرْبِيَّ الْمَسْجِدِ هِيَ خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ صَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَرْوَانَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَلَعَلَّهَا شُبْهَةُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا دَارُ الْإِمَارَةِ فَلَا يَكُونُ غَلَطًا كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُ، وَجَاءَ فِي تَسْمِيَتِهَا دَارَ الْقَضَاءِ قَوْلٌ آخَرُ رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ الْمَدَنِيِّ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أُمِّ الْحَكَمِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمَّتِهَا سَهْلَةَ بِنْتِ عَاصِمٍ قَالَتْ: كَانَتْ دَارُ الْقَضَاءِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ دَارَ الْقَضَاءِ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ اعْتَزَلَ فِيهَا لَيَالِيَ الشُّورَى حَتَّى قُضِيَ الْأَمْرُ فِيهَا فَبَاعَهَا بَنُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَكَانَتْ فِيهَا الدَّوَاوِينُ وَبَيْتُ الْمَالِ، ثُمَّ صَيَّرَهَا السَّفَّاحُ رَحْبَةً لِلْمَسْجِدِ. وَزَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ إِنِّي لَقَائِمٌ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَأَفَادَ بِذَلِكَ قُوَّةَ ضَبْطِهِ لِلْقِصَّةِ لِقُرْبِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَرِدْ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السِّيَاقِ كُلِّهِ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ.
قَوْلُهُ: (قَائِمٌ يَخْطُبُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ فِي الْأَدَبِ بِالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ كَانَ مُسْلِمًا فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ أَبَا سُفْيَانَ فَإِنَّهُ حِينَ سُؤَالِهِ لِذَلِكَ كَانَ لَمْ يُسْلِمْ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَبِي ذَرٍّ جَمِيعًا عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْمَوَاشِي وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْأَمْوَالِ هُنَا لَا الصَّامِتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ بِلَفْظِ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَهُوَ بِضَمِّ الْكَافِ يُطْلَقُ عَلَى الْخَيْلِ وَغَيْرِهَا، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْآتِيَةِ هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ، هَلَكَ الْعِيَالُ، هَلَكَ النَّاسُ وَهُوَ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، وَالْمُرَادُ بِهَلَاكِهِمْ عَدَمُ وُجُودِ مَا يَعِيشُونَ بِهِ مِنَ الْأَقْوَاتِ الْمَفْقُودَةِ بِحَبْسِ الْمَطَرِ.
قَوْلُهُ: (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَتَقَطَّعَتْ بِمُثَنَّاةٍ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِبِلَ ضَعُفَتْ