قَوْلُهُ: (بَابُ حَجِّ النِّسَاءِ) أَيْ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى حَجِّ الرِّجَالِ أَوْ لَا؟ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ.
الأول: قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ أَذِنَ عُمَرُ) أَيِ: ابْنُ الْخَطَّابِ (لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَلَمْ يَسْتَخْرِجْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ولَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَنَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنِ الْبَرْقَانِيِّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَسْعُودٍ. انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ سَاقَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا، وَجَعَلَ مُغَلْطَايْ تَنْظِيرَ الْحُمَيْدِيِّ رَاجِعًا إِلَى نِسْبَةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ مُرَادُ الْبَرْقَانِيِّ، بِإِبْرَاهِيمَ جَدِّ إِبْرَاهِيمَ الْمُبْهَمِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، فَظَنَّ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّهُ عَيْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ جَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وَقَوْلُهُ: وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيِ: ابْنُ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ، وَقَوْلُهُ: أَذِنَ عُمَرُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عُمَرَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ، وَإِدْرَاكُهُ لِذَلِكَ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ عُمُرَهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَقَدْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ مِنْ عُمَرَ، يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي عُمَرُ لَكِنَّ الْوَاقِدَيَّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ، وَابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ الْأَغَرِّ الْمَكِّيِّ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَزْرَقِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ حَفِظَ أَصْلَ الْقِصَّةِ وَحَمَلَ تَفَاصِيلَهَا عَنْ أَبِيهِ، فَلَا تَتَخَالَفُ الرِّوَايَتَانِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي اقْتِصَارِ الْبُخَارِيِّ عَلَى أَصْلِ الْقِصَّةِ دُونَ بَقِيَّتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) زَادَ عَبْدَانُ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ عُثْمَانُ يُنَادِي: أَلَا لَا يَدْنُو أَحَدٌ مِنْهُنَّ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، وَهُنَّ فِي الْهَوَادِجِ عَلَى الْإِبِلِ، فَإِذَا نَزَلْنَ أَنْزَلَهُنَّ بِصَدْرِ الشِّعْبِ فَلَمْ يَصْعَدْ إِلَيْهِنَّ أَحَدٌ، وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعُثْمَانُ بِذَنَبِ الشِّعْبِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْدٍ فَكَانَ عُثْمَانُ يَسِيرُ أَمَامَهُنَّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ خَلْفَهُنَّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَعَلَى هَوَادِجِهِنَّ الطَّيَالِسَةُ الْخُضْرُ فِي إِسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَجْنَ فِي هَوَادِجَ عَلَيْهَا الطَّيَالِسَةُ زَمَنَ الْمُغِيرَةِ أَيِ: ابْنُ شُعْبَةُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ زَمَنَ وِلَايَةِ الْمُغِيرَةِ عَلَى الْكُوفَةِ لَمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ قَبْلَهَا.
وَلِابْنِ سَعْدٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ قَالَتْ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ حَجَّا بِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلْنَ بِقُدَيْدٍ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ ثَمَانٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّ عُثْمَانَ فِي الْحَجِّ فَقَالَ: أَنَا أَحُجُّ بِكُنَّ،
فَحَجَّ بِنَا جَمِيعًا إِلَّا زَيْنَبَ كَانَتْ مَاتَتْ، وَإِلَّا سَوْدَةَ فَإِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ وَاقِدِ بْنِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِنِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَكُنَّ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَحْجُجْنَ، إِلَّا سَوْدَةَ وَزَيْنَبَ فَقَالَا: لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ صَحِيحٌ.
وَأَغْرَبَ الْمُهَلَّبُ فَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ لِقَصْدِ ذَمِّ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فِي خُرُوجِهَا إِلَى الْعِرَاقِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ فِي قِصَّةِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَهُوَ إِقْدَامٌ مِنْهُ عَلَى رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَالْعُذْرُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا تَأَوَّلَتِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرُهَا مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ غَيْرُ تِلْكَ الْحَجَّةِ، وَتَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهَا بِقَوْلِهِ ﷺ: لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَكَأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْجَوَازُ فَأَذِنَ لَهُنَّ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ فِي عَصْرِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ: مَنَعَ عُمَرُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمِنْ طَرِيقِ أُمِّ دُرَّةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنَعَنَا عُمَرُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ عَامٍ فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّالِثِ.
(تَكْمِلَةٌ): رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَحَجَجْنَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ عُمَرُ مِنَ الْحَصْبَةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَيْنَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْزِلُ؟ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ وَأَنَا أَسْمَعُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلَهُ. فَأَنَاخَ فِي مَنْزِلِ عُمَرَ، ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى:
عَلَيْكَ سَلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ … يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
الْأَبْيَاتَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُمْ: اعْلَمُوا لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ. فَذَهَبُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا، فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: إِنِّي لِأَحْسَبُهُ مِنَ الْجِنِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ، عَنْ حَبِيبٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ.
قَوْلُهُ: (أَلَا نَغْزُو أَوْ نُجَاهِدُ) هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ مُسَدَّدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو كَامِلٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ شَيْخِ مُسَدَّدٍ بِلَفْظِ: أَلَا نَغْزُو مَعَكُمْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْغَزْوَ الْقَصْدُ إِلَى الْقِتَالِ، وَالْجِهَادَ بَذْلُ النَّفْسِ فِي الْقِتَالِ. قَالَ: أَوْ ذَكَرَ الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ اهـ. وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْأَلِفَ تَتَعَلَّقُ بِـ نَغْزُو، فَشَرَحَ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْغَزْوِ بِالْوَاوِ، أَوْ جَعَلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ حَبِيبٍ بِلَفْظِ: أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ، عَنْ حَبِيبٍ مِثْلُهُ وَزَادَ فَإِنَّا نَجِدُ الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ حَبِيبٍ لَوْ جَاهَدْنَا مَعَكَ. قَالَ: لَا جِهَادَ، وَلَكِنْ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ، عَنْ حَبِيبٍ بِلَفْظِ: نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ فَظَهَرَ أَنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنَ الرُّوَاةِ فَيَقْوَى أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي تَوْجِيهِهِ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ وَهَلْ هُوَ بِلَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ، أَوْ بِلَفْظِ خِطَابِ النِّسْوَةِ.
قَوْلُهُ: (الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ: حَجُّ الْبَيْتِ حَجٌّ مَبْرُورٌ وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ بِلَفْظِ: اسْتَأْذَنَهُ نِسَاؤُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: يَكْفِيكُنَّ الْحَجُّ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ
حَبِيبٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ يُنَقِّصُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْجَمَلِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ السَّفَرِ عَلَيْهِنَّ. قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ،؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُنَّ جِهَادًا غَيْرَ الْحَجِّ، وَالْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْهُ اهـ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَا فِي جَوَابِ قَوْلِهِنَّ: أَلَا نَخْرُجُ فَنُجَاهِدَ مَعَكَ أَيْ: لَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْكُنَّ كَمَا وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِنَّ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَفَهِمَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ وَافَقَهَا مِنْ هَذَا التَّرْغِيبِ فِي الْحَجِّ إِبَاحَةَ تَكْرِيرِهِ لَهُنَّ كَمَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ تَكْرِيرُ الْجِهَادِ، وَخَصَّ بِهِ عُمُومَ قَوْلِهِ: هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصُرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وَكَأَنَّ عُمَرَ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ قُوَّةُ دَلِيلِهَا فَأَذِنَ لَهُنَّ فِي آخَرِ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ بَعْدَهُ يَحُجُّ بِهِنَّ فِي خِلَافَتِهِ أَيْضًا. وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُهُنَّ عِنْدَ ظَاهِرِ النَّهْيِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ وُجُوبُ الْحَجِّ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالرِّجَالِ، لَا الْمَنْعُ مِنَ الزِّيَادَةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ. وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْمَرْأَةِ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا وَلَا مَحْرَمًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الَّذِي يَلِيهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ بِهِ، وَلِعَمْرٍو بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيْنَ نَزَلْتَ؟ قَالَ: عَلَى فُلَانَةٍ. قَالَ: أَغْلَقْتَ عَلَيْهَا بَابَكَ؟ مَرَّتَيْنِ. لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرٍو أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ أَوْ أَبُو مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قُلْتُ: وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا مُرْسَلُ عِكْرِمَةَ. وَفِي الْآخَرِ رِوَايَةُ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ) كَذَا أَطْلَقَ السَّفَرَ، وَقَيَّدَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فِي الْبَابِ فَقَالَ: مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، وَمَضَى فِي الصَّلَاةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُقَيَّدًا بِمَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَعَنْهُ رِوَايَاتٌ أُخْرَى، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَعَنْهُ رِوَايَاتٌ أُخْرَى أَيْضًا، وَقَدْ عَمِلَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْمُطْلَقِ لِاخْتِلَافِ التَّقْيِيدَاتِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ التَّحْدِيدِ ظَاهِرَهُ، بَلْ كُلُّ مَا يُسَمَّى: سَفَر، فَالْمَرْأَةُ مَنْهِيَّةٌ عَنْهُ إِلَّا بِالْمَحْرَمِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّحْدِيدُ عَنْ أَمْرٍ وَاقِعٍ، فَلَا يُعْمَلُ بِمَفْهُومِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي مَوَاطِنَ بِحَسَبِ السَّائِلِينَ.
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْيَوْمَ الْمُفْرَدَ وَاللَّيْلَةَ الْمُفْرَدَةَ بِمَعْنَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، يَعْنِي: فَمَنْ أَطْلَقَ يَوْمًا أَرَادَ بِلَيْلَتِهِ، أَوْ لَيْلَةً أَرَادَ بِيَوْمِهَا وَأَنْ يَكُونَ عِنْدَ جَمْعِهِمَا أَشَارَ إِلَى مُدَّةِ الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ، وَعِنْدَ إِفْرَادِهِمَا أَشَارَ إِلَى قَدْرِ مَا تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ.
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ تَمْثِيلًا لِأَوَائِلِ الْأَعْدَادِ، فَالْيَوْمُ أَوَّلُ الْعَدَدِ، وَالِاثْنَانِ أَوَّلُ التَّكْثِيرِ، وَالثَّلَاثُ أَوَّلُ الْجَمْعِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي قِلَّةِ الزَّمَنِ لَا يَحِلُّ فِيهِ السَّفَرُ فَكَيْفَ بِمَا زَادَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الثَّلَاثِ قَبْلَ ذِكْرِ مَا دُونَهَا فَيُؤْخَذُ بِأَقَلِّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَأَقَلُّهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْبَرِيدِ، فَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَلُ السَّفَرُ طَوِيلَ السَّيْرِ وَقَصِيرَهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ امْتِنَاعُ سَيْرِ الْمَرْأَةِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْمَنْعَ الْمُقَيَّدَ بِالثَّلَاثِ مُتَحَقِّقٌ وَمَا عَدَاهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيُؤْخَذُ بِالْمُتَيَقَّنِ، وَنُوقِضَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُطْلَقَةَ شَامِلَةٌ لِكُلِّ سَفَرٍ فَيَنْبَغِي الْأَخْذُ بِهَا وَطَرْحُ مَا عَدَاهَا فَإِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَمِنْ قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَتَرْكُ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَقَدْ خَالَفُوا ذَلِكَ هُنَا، وَالِاخْتِلَافُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّقْيِيدُ، بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ.
وَفَرَّقَ سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ بَيْنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فَمَنَعَهَا دُونَ الْقَرِيبَةِ، وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَقَالَ: إِذَا لَمْ تَجِدْ زَوْجًا أَوْ مَحْرَمًا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَقَوْلِ مَالِكٍ وَهُوَ تَخْصِيصُ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ سَفَرِ الْفَرِيضَةِ، قَالُوا: وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ السَّفَرُ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ إِلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ إِلَّا كَافِرَةً أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَسِيرَةً تَخَلَّصَتْ. وَزَادَ غَيْرُهُ أَوِ امْرَأَةً انْقَطَعَتْ مِنَ الرُّفْقَةِ فَوَجَدَهَا رَجُلٌ مَأْمُونٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا حَتَّى يُبَلِّغَهَا الرُّفْقَةَ. قَالُوا: وَإِذَا كَانَ عُمُومُهُ مَخْصُوصًا بِالِاتِّفَاقِ فَلْيُخَصَّ مِنْهُ حَجَّةُ الْفَرِيضَةِ. وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمُغْنِي بِأَنَّهُ سَفَرُ الضَّرُورَةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ، وَلِأَنَّهَا تَدْفَعُ ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بِتَحَمُّلِ ضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ وَلَا كَذَلِكَ السَّفَرِ لِلْحَجِّ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِلَفْظِ: لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَنَصَّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ الْحَجِّ، فَكَيْفَ يُخَصُّ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَسْفَارِ؟ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُ الزَّوْجِ أَوِ الْمَحْرَمِ أَوِ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ، وَفِي قَوْلٍ: تَكْفِي امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ثِقَةٌ. وَفِي قَوْلٍ نَقَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُهَذَّبِ: تُسَافِرُ وَحْدَهَا إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَاجِبِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَأَغْرَبَ الْقَفَّالُ فَطَرَدَهُ فِي الْأَسْفَارِ كُلِّهَا، وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ. قُلْتُ: وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى نَفْيِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ آنِفًا. وَاخْتَلَفُوا هَلِ الْمَحْرَمُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا، أَوْ شَرْطٌ فِي التَّمَكُّنِ فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَالِاسْتِقْرَارَ فِي الذِّمَّةِ؟ وَعِبَارَةُ أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ مِنْهُمْ: الشَّرَائِطُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْحَجُّ عَلَى الرَّجُلِ يَجِبُ بِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ، فَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تُؤَدِّيَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ إِذَا أُمِنَ الطَّرِيقُ أَوَّلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ، لِاتِّفَاقِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَعَدَمِ نَكِيرِ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّمَا أَبَاهُ مِنْ جِهَةٍ خَاصَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، لَا مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفِ السَّفَرِ عَلَى الْمَحْرَمِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ الْحَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَقِبَ الْآخَرِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ خَصَّهُ بِغَيْرِ الْعَجُوزِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنَ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي شُهُودِ الْمَرْأَةِ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِي قَالَهُ الْبَاجِيُّ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى، يَعْنِي: مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَمْرِ الْأَغْلَبِ. وَتَعَقَّبُوهُ بِأَنَّ لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةً، وَالْمُتَعَقِّبُ رَاعَى الْأَمْرَ النَّادِرَ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ. قَالَ: وَالْمُتَعَقِّبُ عَلَى الْبَاجِيِّ يَرَى جَوَازَ سَفَرِ الْمَرْأَةِ فِي الْأَمْنِ وَحْدَهَا فَقَدْ نَظَرَ أَيْضًا إِلَى الْمَعْنَى، يَعْنِي: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْبَاجِيِّ، وَأَشَ رَ بِذَلِكَ إِلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَقَدِ احْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ مَرْفُوعًا: يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ الْبَيْتَ لَا زَوْجَ مَعَهَا الْحَدِيثَ. وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وَجُودِ ذَلِكَ لَا عَلَى جَوَازِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَبَرٌ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ وَرَفْعِ مَنَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْجَوَازِ.
وَمِنَ الْمُسْتَظْرَفِ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْمَحْرَمَ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي، وَمِنْ مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُهُ أَنَّهُ حَجَّ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِهَذَا قَوْلَ هَذَا وَبِالْعَكْسِ. وَأَمَّا مَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جِبْرِيلَ فِي بَيَانِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِبَاحَةِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَلَا مَنْعِ بَيْعِهِنَّ، خِلَافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ سَيَقَعُ يَكُونُ مُحَرَّمًا وَلَا جَائِزًا. انْتَهَى.
وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الْمَذْكُورَةَ تُقَوِّي الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَامَّيْنِ إِذَا تَعَارَضَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ عَامٌّ فِي
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى السَّفَرِ إِذَا وُجِدَتْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَوْلُهُ: ﷺ: لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ عَامٌّ فِي كُلِّ سَفَرٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَجُّ، فَمَنْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ خَصَّ الْحَدِيثَ بِعُمُومِ الْآيَةِ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ خَصَّ الْآيَةَ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّرْجِيحِ مِنْ خَارِجٍ، وَقَدْ رُجِّحَ الْمَذْهَبُ الثَّانِي بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ لِكَوْنِهِ عَامًّا فِي الْمَسَاجِدِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى السَّفَرِ بِحَدِيثِ النَّهْيِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) أَيْ: فَيَحِلُّ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ الزَّوْجِ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ: لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا وَضَابِطُ الْمَحْرَمِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا، فَخَرَجَ بِالتَّأْبِيدِ أُخْتُ الزَّوْجَةِ وَعَمَّتُهَا، وَبِالْمُبَاحِ أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَبِنْتُهَا، وَبِحُرْمَتِهَا الْمُلَاعَنَةُ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ مِنْ حَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ مُسْلِمَةً لَهَا أَبٌ كِتَابِيٌّ، فَقَالَ: لَا يَكُونُ مَحْرَمًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَفْتِنَهَا عَنْ دِينِهَا إِذَا خَلَا بِهَا. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ لَهَا يَحْتَاجُ أَنْ يَزِيدَ فِي هَذَا الضَّابِطِ مَا يُدْخِلُهُ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَنْ يُقَيِّدَهُ بِمَا إِذَا كَانَا فِي قَافِلَةٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا وَحْدَهُمَا فَلَا؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَفِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الزَّوْجَ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْمَحْرَمِ، فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى الْمَحْرَمَ فَقَالَ الْقَائِلُ: إِنَّ امْرَأَتِي حَاجَّةٌ. فَكَأَنَّهُ فَهِمَ حَالَ الزَّوْجِ فِي الْمَحْرَمِ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا فَهِمَهُ، بَلْ قِيلَ لَهُ: اخْرُجْ مَعَهَا.
وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ابْنَ الزَّوْجِ فَكَرِهَ السَّفَرَ مَعَهُ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ فِي النَّاسِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْكَرَاهِيَةُ عَنْ مَالِكٍ، فَإِنْ كَانَتْ لِلتَّحْرِيمِ فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّنْزِيهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ لَفْظَ: لَا يَحِلُّ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ الْكَرَاهَةَ التَّنْزِيهِيَّةَ؟
قَوْلُهُ: (وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) فِيهِ مَنْعُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ يَقُومُ غَيْرُ الْمَحْرَمِ مَقَامَهُ فِي هَذَا كَالنِّسْوَةِ الثِّقَاتِ؟ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ بِهِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا بُدَّ مِنَ الْمَحْرَمِ، وَكَذَا فِي النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ إِحْدَاهُنَّ مَحْرَمٌ. وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ بِنِسَاءٍ مُفْرَدَاتٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُنَّ مَحْرَمًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ وَلَا امْرَأَتِهِ وَلَا عَلَى تَعْيِينِ الْغَزْوَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ: إِنِّي اكْتَتَبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا، أَيْ: كَتَبَتْ نَفْسِي فِي أَسْمَاءِ مَنْ عُيِّنَ لِتَلِكَ الْغَزَاةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي، إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا تَأَخَّرَ الرَّجُلُ مَعَ رُفْقَتِهِ الَّذِينَ عُيِّنُوا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ. كَذَا قَالَ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ بِلَازِمٍ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ حَجُّوا قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ مَنْ حَجَّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَوْ أَنَّ الْجِهَادَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَى الْمَذْكُورِينَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ، كَمَا لَوْ نَزَلَ عَدُوٌّ بِقَوْمٍ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ وَيَتَأَخَّرُ الْحَجُّ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: (اخْرُجْ مَعَهَا) أَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَوْجَبَ عَلَى الزَّوْجِ السَّفَرَ مَعَ امْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَالْوَلِيِّ فِي الْحَجِّ عَنِ الْمَرِيضِ، فَلَوِ امْتَنَعَ إِلَّا بِأُجْرَةٍ لَزِمَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا فَصَارَ فِي حَقِّهَا كَالْمُؤْنَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا لِكَوْنِ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَلَهَا مَالٌ وَلَا يَأْذَنُ لَهَا فِي الْحَجِّ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْطَلِقَ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا؟ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ مَنْعَ
زَوْجَتِهِ مِنَ الْخُرُوجِ فِي الْأَسْفَارِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا كَانَ وَاجِبًا، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ ابْنُ حَزْمٍ جَوَازَ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ لِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّهَا وَلَا عَابَ سَفَرَهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا لَمَا أَمَرَ زَوْجَهَا بِالسَّفَرِ مَعَهَا وَتَرْكِهِ الْغَزْوَ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا مَا رَخَّصَ لَهُ فِي تَرْكِ النَّذْرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَعَارِضَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا عَرَضَ لَهُ الْغَزْوُ وَالْحَجُّ رَجَّحَ الْحَجَّ؛ لِأَنَّ امْرَأَتَهُ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي السَّفَرِ مَعَهَا بِخِلَافِ الْغَزْوِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.