وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ فَإِنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ فَضِيلَةِ الْمَنِيحَةِ وَقَوْلُهُ: لَنْ يَتِرَكَ أَيْ لَنْ يَنْقُصَكَ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ:
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ أَيْضًا، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا مَا دَلَّ مِنْ قَوْلِهِ: لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ عَلَى فَضْلِ الْمَنِيحَةِ.
٣٦ - باب إِذَا قَالَ: أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ فَهُوَ جَائِزٌ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ، وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ فَهُوَ هِبَةٌ
٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ فَأَعْطَوْهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ، وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً؟ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ: أَخَدَمْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ فَهُوَ جَائِزٌ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ، وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ فَهَذِهِ هِبَةٌ) أَوْرَدَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَهَاجَرَ وَقَالَ فِيهِ: وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً قَالَ: وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ مَنْ قَالَ: أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ أَنَّهُ قَدْ وَهَبَ لَهُ الْخِدْمَةَ خَاصَّةً، فَإِنَّ الْإِخْدَامَ لَا يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ، كَمَا أَنَّ الْإِسْكَانَ لَا يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الدَّارِ. قَالَ: وَاسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ: فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ عَلَى الْهِبَةِ لَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا صَحَّتِ الْهِبَةُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَعْطَوْهَا هَاجَرَ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَنَّ لَهُ شَرْطَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَجَلًا فَهُوَ هِبَةٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ وَلَمْ تَخْتَلِفِ الْأُمَّةُ أَنَّ ذَلِكَ تَمْلِيكٌ لِلطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ إِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْعُرْفِ حُمِلَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الْوَضْعِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ جَرَى بَيْنَ قَوْمٍ عُرْفٌ فِي تَنْزِيلِ الْإِخْدَامِ مَنْزِلَةَ الْهِبَةِ فَأَطْلَقَهُ شَخْصٌ وَقَصَدَ التَّمْلِيكَ نَفَذَ، وَمَنْ قَالَ: هِيَ عَارِيَّةٌ فِي كُلِّ حَالٍ فَقَدْ خَالَفَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٧ - باب إِذَا حَمَلَ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ فَهُوَ كَالْعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا
٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ فقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ ﵁: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَمَلَ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ فَهُوَ كَالْعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا) أَوْرَدَ فِيهِ
حَدِيثَ عُمَرَ حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَا كَانَ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الْخَيْلِ تَمْلِيكًا لِلْمَحْمُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: هُوَ لَكَ فَهُوَ كَالصَّدَقَةِ، فَإِذَا قَبَضَهَا لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَمَا كَانَ مِنْهُ تَحْبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ كَالْوَقْفِ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَبْسَ بَاطِلٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَلَوْ كَانَتْ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَإِلَّا فَقَدْ قَدَّمْنَا تَقْرِيرَ أَنَّ الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ كَانَ تَمْلِيكًا، وَأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: كَانَ تَحْبِيسًا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ لِذَلِكَ قَرِيبًا فِي كِتَابِ الْوَقْفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(خَاتِمَةٌ) اشْتَمَلَ كِتَابُ الْهِبَةِ وَمَا مَعَهَا مِنْ أَحَادِيثِ الْعُمْرَى وَالْعَارِيَّةِ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا مِائَةٍ إِلَّا وَاحِدًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ، وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْهَدِيَّةِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الطِّيبِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ أُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ فَجُلَسَاؤُهُ شُرَكَاؤُهُ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ فِي سَتْرِ بَابِهَا، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ صُهَيْبٍ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الدِّرْعِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي الْأَرْبَعِينَ خَصْلَةً. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَثَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﷽
٥٢ - كِتَاب الشَّهَادَات
قَوْلُهُ: (كِتَابُ الشَّهَادَاتِ) هِيَ جَمْعُ شَهَادَةٍ، وَهِيَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ، وَالْمُشَاهَدَةُ الْمُعَايَنَةُ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشُّهُودِ أَيِ الْحُضُورِ ; لِأَنَّ الشَّاهِدَ مُشَاهِدٌ لِمَا غَابَ عَنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْأعْلَامِ.
١ - باب مَا جَاءَ فِي الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ لِبَعْضِهِمْ لَفْظُ بَابٍ وَقَدَّمَ النَّسَفِيُّ، وَابْنُ شَبَّوَيْهِ الْبَسْمَلَةَ عَلَى كِتَابٍ
قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الْآيَةَ كَذَا لِابْنِ شَبَّوَيْهِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَاكْتُبُوهُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَكَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا وَكَذَا الَّتِي بَعْدَهَا.