٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْكَبَائِرِ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ. تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ وَبَهْزٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ.
[الحديث ٢٦٥٣ - طرفاه في: ٥٩٧٧، ٦٨٧١]
٢٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قال النبي ﷺ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ "ثَلَاثًا"؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ -: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ. قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ". وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ
[الحديث ٢٦٥٤ - أطرافه في: ٥٩٧٦، ٦٢٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ) أَيْ مِنَ التَّغْلِيظِ وَالْوَعِيدِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ فِي ذَمِّ مُتَعَاطِي شَهَادَةِ الزُّورِ، وَهُوَ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِأَحَدِ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالزُّورِ هُنَا الشِّرْكُ وَقِيلَ الْغِنَاءُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَصْلُ الزُّورِ تَحْسِينُ الشَّيْءِ وَوَصْفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ، حَتَّى يُخَيَّلَ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ قَالَ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَدْحُ مَنْ لَا يَشْهَدُ شَيْئًا مِنَ الْبَاطِلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ، أَيْ وَمَا قِيلَ فِي كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ مِنَ الْوَعِيدِ. قَوْلُهُ: (ولِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَلِيمٌ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قَوْلُهُ: (تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ أَيْ تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: تَلْوِي لِسَانَكَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهِيَ اللَّجْلَجَةُ فَلَا تُقِيمُ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا التَّرْكُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ طُرُقٍ حَاصِلُهَا أَنَّهُ فَسَّرَ اللَّيَّ بِالتَّحْرِيفِ، وَالْإِعْرَاضَ بِالتَّرْكِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِنَظْمِ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ مَعَ شَهَادَةِ الزُّورِ إِلَى هَذَا الْأَثَرِ، وَإِلَى أَنَّ تَحْرِيمَ شَهَادَةِ الزُّورِ لِكَوْنِهَا سَبَبًا لِإِبْطَالِ الْحَقِّ، فَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ أَيْضًا سَبَبٌ لِإِبْطَالِ الْحَقِّ، وَإِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ - فَذَكَرَ أَشْيَاءَ ثُمَّ قَالَ - وَظُهُورَ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَكِتْمَانَ شَهَادَةِ الْحَقِّ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَيْنِ أحدهما: قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْآتِيَةِ فِي الْأَدَبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. قَوْلُهُ: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكَبَائِرِ) زَادَ بَهْزٌ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَوْ ذَكَرَهَا وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ذَكَرَ الْكَبَائِرَ أَوْ سُئِلَ عَنْهَا وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَبَائِرِ أَكْبَرُهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي يَلِيهِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ شُعْبَةَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ حَصْرَ الْكَبَائِرِ فِيمَا ذَكَرَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَعْرِيفِهَا، وَالْإِشَارَةُ إِلَى تَعْيِينِهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ وَهُوَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَصَايَا. قَوْلُهُ: (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ غُنْدَرٌ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَذْكُورُ. قَوْلُهُ: (وَأَبُو عَامِرٍ، وَبَهْزٌ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ) أَمَّا رِوَايَةُ أَبِي عَامِرٍ وَهُوَ الْعَقْدِيُ فَوَصَلَهَا أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ فِي كِتَابِ الشُّهُودِ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْأيمَانِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ الْحَدِيثَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ بَهْزٍ وَهُوَ ابْنُ أَسَدٍ الْمَذْكُورِ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ عَنْهُ. وأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الصَّمَدِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الدِّيَاتِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ عَلَّقَهَا الْمُصَنِّفُ آخِرَ الْبَابِ. قَوْلُهُ: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) هَذَا يُقَوِّي - إِنْ كَانَ الْمَجْلِسُ مُتَّحِدًا - أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ مِمَّا شَكَّ فِيهِ شُعْبَةُ: هَلْ قَالَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً أَوْ لَمَّا سُئِلَ؟ وَقَدْ نَظَمَ كُل مِنَ الْعُقُوقِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ بِالشِّرْكِ فِي آيَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ثَانِيهِمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ قَوْلُهُ: (ثَلَاثًا) أَيْ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِيَنْتَبِهَ السَّامِعُ عَلَى إِحْضَارِ فَهْمِهِ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ عَدَدُ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِلْمِ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْلِيقًا. قَوْلُهُ: (الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) يَحْتَمِلُ مُطْلَقَ الْكُفْرِ وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِغَلَبَتِهِ فِي الْوُجُودِ، وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، فَذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصِيَّتُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ قُبْحًا مِنَ الْإِشْرَاكِ وَهُوَ التَّعْطِيلُ ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُطْلَقٌ وَالْإِشْرَاكُ إِثْبَاتٌ مُقَيَّدٌ، فَيَتَرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى الْكَبَائِرِ، وَضَابِطِهَا وَبَيَانِ مَا قِيلَ فِي عَدَدِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا، وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمَ قُبْحِهِ، وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلَ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ، وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ، فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ، وَالْعُقُوقَ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعُ، وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا، فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا، بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَةِ الزُّورِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى غَيْرِ الشَّاهِدِ، بِخِلَافِ الشِّرْكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِبًا. قَوْلُهُ: (أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ) فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ شَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ بِالْوَاوِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّأْكِيدِ، فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْقَوْلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَزِمَ أَنْ يكُونَ الْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ مُطْلَقًا كَبِيرَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ عِظَمَ الْكَذِبِ وَمَرَاتِبَهُ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قَوْلُهُ: (فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ. وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ ﷺ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ فِي كِتَابِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَفِي الْحَدِيثِ انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إِلَى كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ الصَّغَائِرِ ; لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا أَكْبَرُ مِنْهَا ; وَالِاخْتِلَافُ فِي ثُبُوتِ الصَّغَائِرِ مَشْهُورٌ، وَأَكْثَرُ مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي الذُّنُوبِ صَغِيرَةٌ كَوْنُهُ نَظَرَ إِلَى عِظَمِ الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، فَالْمُخَالَفَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَالِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ، لَكِنْ لِمَنْ أَثْبَتَ الصَّغَائِرَ أَنْ يَقُولَ وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقَهَا صَغِيرَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَقَدْ فُهِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مِنْ مَدَارِكِ الشَّرْعِ، وَسَبَقَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مَا يُكَفِّرُ الْخَطَايَا مَا لَمْ تَكُنْ كَبَائِرَ، فَثَبَتَ بِهِ أَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يُكَفَّرُ بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُكَفَّرُ، وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ الْمُدَّعَى، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْكَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يَلِيقُ بِالْفَقِيهِ. ثُمَّ إِنَّ مَرَاتِبَ كُلٍّ مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا كَانَ زُورًا مِنْ تَعَاطِي الْمَرْءِ مَا لَيْسَ لَهُ أَهْلًا. ١١ -