ثُمَّ شَرَعَ الْكِرْمَانِيُّ فِي إِبْدَاءِ احْتِمَالَاتٍ بَعِيدَةٍ مُتَكَلَّفَةٍ لِتَوْجِيهِ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلرُّبَيِّعِ ابْنٌ يُسَمَّى الرَّبِيعَ يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ غَيْرِ سُرَاقَةَ يُسَمَّى الْبَرَاءَ وَأَنْ يَكُونَ بِنْتُ الْبَرَاءِ خَبَرًا لِأَنَّ، وَضَمِيرُ هِيَ رَاجِعٌ إِلَى الرُّبَيِّعِ وَأَنْ يَكُونَ بِنْتُ صِفَةٌ لِوَالِدَةِ الرُّبَيِّعِ فَأَطْلَقَ الْأُمَّ عَلَى الْجَدَّةِ تَجَوُّزًا وَأَنْ تَكُونَ إِضَاقَةُ الْأُمِّ إِلَى الرُّبَيِّعِ لِلْبَيَانِ أَيِ الْأُمُّ الَّتِي هِيَ الرُّبَيِّعُ وَبِنْتٌ مُصَحَّفٌ مِنْ عَمَّةٍ، قَالَ: وَارْتِكَابُ بَعْضِ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ أَوْلَى مِنْ تَخْطِئَةِ الْعُدُولِ الْأَثْبَاتِ. قُلْتُ: إِنَّمَا اخْتَارَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ شَيْبَانَ عَلَى رِوَايَةِ سَعِيدٍ لِتَصْرِيحِ شَيْبَانَ فِي رِوَايَتِهِ بِتَحْدِيثِ أَنَسٍ، لِقَتَادَةَ، وَلِلْبُخَارِيِّ حِرْصٌ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مُدَلِّسٍ أَوْ مُعَاصِرٍ، وَقَدْ قَالَ هُوَ فِي تَسْمِيَةِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَحَارِثَةُ ابْنُ الرُّبَيِّعِ وَهُوَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ فَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ أَنَّهُ حَارِثَةُ بْنُ أُمِّ الرُّبَيِّعِ بَلْ جَزَمَ بِالصَّوَابِ، وَالرُّبَيِّعُ أُمُّهُ وَسُرَاقَةُ أَبُوهُ.
قَوْلُهُ: (أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ) أَيْ لَا يُعْرَفُ رَامِيهِ، أَوْ لَا يُعْرَفُ مِنْ أَيْنَ أَتَى، أَوْ جَاءَ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ مِنْ رَامِيهِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ. وَالثَّابِتُ فِي الرِّوَايَةِ بِالتَّنْوِينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَقَالَ: كَذَا تَقُولُهُ الْعَامَّةُ وَالْأَجْوَدُ فَتْحُ الرَّاءِ وَالْإِضَافَةُ، وَحَكَى الْهَرَوِيُّ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: إِنْ جَاءَ مِنْ حَيْثُ لَا يُعْرَفُ فَهُوَ بِالتَّنْوِينِ وَالْإِسْكَانِ، وَإِنْ عُرِفَ رَامِيهِ لَكِنْ أَصَابَ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، قَالَ: وَذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ لَا غَيْرَ، وَحَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ، وَابْنُ فَارِسٍ، وَالْقَزَّازُ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرُهُمُ الْوَجْهَيْنِ مُطْلَقًا، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرَبٌ وَغَرْبٌ إِذَا لَمْ يُدْرَ مَنْ رَمَاهُ، وَقِيلَ إِذَا أَتَاهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَقِيلَ إِذَا قَصَدَ غَيْرَهُ فَأَصَابَهُ، قَالَ: وَقَدْ يُوصَفُ بِهِ. قُلْتُ: فَحَصَلْنَا مِنْ هَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ. وَقِصَّةُ حَارِثَةَ مُنَزَّلَةٌ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّ الَّذِي رَمَاهُ قَصَدَ غِرَّتَهُ فَرَمَاهُ وَحَارِثَةُ لَا يَشْعُرُ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّ حَارِثَةَ خَرَجَ نَظَّارًا، زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: مَا خَرَجَ لِقِتَالٍ.
قَوْلُهُ: (اجْتَهَدَتْ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا أَيْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَازُ. قُلْتُ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ النَّوْحِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ، فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ كَانَ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ اجْتَهَدَتْ فِي الدُّعَاءِ بَدَلَ قَوْلِهِ فِي الْبُكَاءِ وَهُوَ خَطَأٌ، وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ دُونَ بَعْضٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ الْآتِيَةِ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنَ الرِّقَاقِ وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى صِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ الْبُكَاءِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ هَذِهِ وَإِلَّا فَسَتَرَى مَا أَصْنَعُهُ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ) كَذَا هُنَا، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي جَنَّةٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبَانٍ عِنْدَ أَحْمَدَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ فِي جَنَّةٍ وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ (^١) الْمَذْكُورَةِ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ فَقَطْ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهَا جِنَانٌ يُفَسِّرهُ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: هِيَ الْعَرَبُ تَقُولُ مَا شَاءَتْ، وَالْقَصْدُ بِذَلِكَ التَّفْخِيمُ وَالتَّعْظِيمُ، وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْفِرْدَوْسِ قَرِيبًا.
١٥ - بَاب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا
٢٨١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ:
_________
(^١) في هامش طبعة بولاق: في نسخة صحيحة "حماد".
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَاتَل لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا) أَيْ فَضْلُهُ، أَوِ الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ مُرَّةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى) فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، حَدَّثَنَا أَبو مُوسَى.
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ الْمَذْكُورَةِ قَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وَهْمِ مَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَهُ، فَإِنَّ أَبَا مُوسَى وَإِنْ جَازَ أَنْ يُبْهِمَ نَفْسَهُ لَكِنْ لَا يَصِفَهَا بِكَوْنِهِ أَعْرَابِيًّا، وَهَذَا الْأَعْرَابِيُّ يَصْلُحُ أَنْ يُفَسَّرَ بِلَاحِقِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ عُفَيْرِ بْنِ مَعْدَانَ سَمِعْتُ لَاحِقَ بْنَ ضُمَيْرَةَ الْبَاهِلِيَّ قَالَ: وَفَدْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ فَقَالَ: لَا شَيْءَ لَهُ الْحَدِيثَ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَرُوِينَا فِي فَوَائِدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ بَنِي سَلَمَةَ يُقَاتِلُ فَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ رِيَاءً. . . الْحَدِيثَ فَلَوْ صَحَّ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُعَاذٌ أَيْضًا سَأَلَ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ الْأَعْرَابِيُّ، لِأَنَّ سُؤَالَ مُعَاذٍ خَاصٌّ وَسُؤَالُ الْأَعْرَابِيِّ عَامٌّ، وَمُعَاذٌ أَيْضًا لَا يُقَالُ لَهُ أَعْرَابِيٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ.
قَوْلُهُ: (الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْمَاضِيَةِ فِي الْعِلْمِ فَقَالَ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ) أَيْ لِيُذْكَرَ بَيْنَ النَّاسِ وَيَشْتَهِرَ بِالشَّجَاعَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ حَيْثُ قَالَ وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً.
قَوْلُهُ: (وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيَرَى مَكَانَهُ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَمَرْجِعُ الَّذِي قَبْلَهُ إِلَى السُّمْعَةِ وَمَرْجِعُ هَذَا إِلَى الرِّيَاءِ وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشِ وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً أَيْ لِمَنْ يُقَاتِلُ لِأَجْلِهِ مِنْ أَهْلٍ أَوْ عَشِيرَةٍ أَوْ صَاحِبٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ وَيُقَاتِلُ غَضَبًا أَيْ لِأَجْلِ حَظِّ نَفْسِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ الْقِتَالُ لِلَّحْمِيَّةِ بِدَفْعِ الْمَضَرَّةِ، وَالْقِتَالُ غَضَبًا بِجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ، فَالْحَاصِلُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ أَنَّ الْقِتَالَ يَقَعُ بِسَبَبِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: طَلَبِ الْمَغْنَمِ، وَإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ، وَالرِّيَاءِ، وَالْحَمِيَّةِ، وَالْغَضَبِ، وَكُلٌّ مِنْهَا يَتَنَاوَلُهُ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ، فَلِهَذَا لَمْ يَحْصُلِ الْجَوَابُ بِالْإِثْبَاتِ وَلَا بِالنَّفْيِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الْمُرَادُ بِكَلِمَةِ اللَّهِ دَعْوَةُ اللَّهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ كَانَ سَبَبُ قِتَالِهِ طَلَبَ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ فَقَطْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ سَبَبًا مِنَ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ أَخَلَّ بِذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُخِلَّ إِذَا حَصَلَ ضِمْنًا لَا أَصْلًا وَمَقْصُودًا وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ: إِذَا كَانَ أَصْلُ الْبَاعِثِ هُوَ الْأَوَّلُ لَا يَضُرُّهُ مَا عَرَضَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ، لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ قَالَ لَا شَيْءَ لَهُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى مَنْ قَصَدَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فَلَا يُخَالِفُ الْمُرَجَّحَ أَوَّلًا، فَتَصِيرُ الْمَرَاتِبُ خَمْسًا: أَنْ يَقْصِدَ الشَّيْئَيْنِ مَعًا، أَوْ يَقْصِدَ أَحَدَهُمَا صِرْفًا أَوْ يَقْصِدَ أَحَدَهُمَا وَيَحْصُلُ الْآخَرُ ضِمْنًا، فَالْمَحْذُورُ أَنْ يَقْصِدَ غَيْرَ الْإِعْلَاءِ، فَقَدْ يَحْصُلُ الْإِعْلَاءُ ضِمْنًا، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ مَرْتَبَتَانِ، وَهَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، وَدُونَهُ أَنْ يَقْصِدَهُمَا مَعًا فَهُوَ مَحْذُورٌ أَيْضًا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ
حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ، وَالْمَطْلُوبُ أَنْ يَقْصِدَ الْإِعْلَاءَ صَرْفًا، وَقَدْ يَحْصُلُ غَيْرُ الْإِعْلَاءِ وَقَدْ لَا
يَحْصُلُ فَفِيهِ مَرْتَبَتَانِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْبَاعِثُ الْأَوَّلُ قَصْدُ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ مَا انْضَافَ إِلَيْهِ اهـ.