فتح الباري · ابن حجر · ج9 ص113قَوْلُهُ (قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ لَا) زَادَ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ وَجْهِي - أَيْ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِيَ - هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ لَا، وَمَا أُرِيدُ ذَلِكَ يَوْمِي هَذَا وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ مَا ذَاكَ فِي الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ (فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً) قَيَّدَ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِيَخْرُجَ مِثْلُ سُلَيْمَانَ ﵇، فَإِنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ نِسَاءً كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُوهُ دَاوُدُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَزَوَّجُوا فَإِنَّ خَيْرَنَا كَانَ أَكْثَرَنَا نِسَاءً قِيلَ الْمَعْنَى خَيْرُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ نِسَاءً مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَتَسَاوَى مَعَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْفَضَائِلِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْخَيْرِ النَّبِيُّ ﷺ، وَبِالْأُمَّةِ أَخِصَّاءُ أَصْحَابِهِ ; وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ تَرْكَ التَّزْوِيجِ مَرْجُوحٌ، إِذْ لَوْ كَانَ رَاجِحًا مَا آثَرَ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَهُ، وَكَانَ مَعَ كَوْنِهِ أَخْشَى النَّاسِ لِلَّهِ وَأَعْلَمَهُمْ بِهِ يُكْثِرُ التَّزْوِيجَ لِمَصْلَحَةِ تَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ، وَلِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ الْبَالِغَةِ فِي خَرْقِ الْعَادَةِ لِكَوْنِهِ كَانَ لَا يَجِدُ مَا يَشْبَعُ بِهِ مِنِ الْقُوتِ غَالِبًا، وَإِنْ وَجَدَ كَانَ يُؤْثِرُ بِأَكْثَرِهِ، وَيَصُومُ كَثِيرًا وَيُوَاصِلُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَا يُطَاقُ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ قُوَّةِ الْبَدَنِ، وَقُوَّةُ الْبَدَنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ تَابِعَةٌ لِمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمُقَوِّيَاتِ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ، وَهِيَ عِنْدَهُ نَادِرَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ.
وَوَقَعَ فِي الشِّفَاءِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَمْدَحُ بِكَثْرَةِ النِّكَاحِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرُّجُولِيَّةِ، إِلَى أَنْ قَالَ: