فتح الباري · ابن حجر · ج10 ص566اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ أُجَدِّدُهُ وَأُبْلِيهِ وَأَذْهَبُ بِالْمُلُوكِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَى الدَّهْرِ حَقِيقَةً كَفَرَ، وَمَنْ جَرَى هَذَا اللَّفْظُ عَلَى لِسَانِهِ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِشَبَهِهِ بِأَهْلِ الْكُفْرِ فِي الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ نَحْوُ التَّفْصِيلِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِمْ: مُطِرْنَا بِكَذَا. وَقَالَ عِيَاضٌ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَهُ أَنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ فَإِنَّ الدَّهْرَ مُدَّةُ زَمَانِ الدُّنْيَا، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ أَمَدُ مَفْعُولَاتِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِعْلِهِ لِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ الْجَهَلَةُ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَنْ لَا رُسُوخَ لَهُ فِي الْعِلْمِ ; لِأَنَّ الدَّهْرَ عِنْدَهُمْ حَرَكَاتُ الْفَلَكِ وَأَمَدُ الْعَالَمِ وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ وَلَا صَانِعَ سِوَاهُ، وَكَفَى فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ فَكَيْفَ يُقَلِّبُ الشَّيْءُ نَفْسَهُ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّنْعَةَ فَقَدْ سَبَّ صَانِعَهَا، فَمَنْ سَبَّ نَفْسَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ بِغَيْرِ مَعْنًى، وَمَنْ سَبَّ مَا يَجْرِي فِيهِمَا مِنَ الْحَوَادِثِ، وَذَلِكَ هُوَ أَغْلَبُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ حَيْثُ نَفَى عَنْهُمَا التَّأْثِيرُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا ذَنْبَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْحَوَادِثُ فَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِوَسَاطَةِ الْعَاقِلِ الْمُكَلَّفِ فَهَذَا يُضَافُ شَرْعًا وَلُغَةً إِلَى الَّذِي جَرَى عَلَى يَدَيْهِ، وَيُضَافُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِكَوْنِهِ بِتَقْدِيرِهِ، فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مِنْ أَكْسَابِهِمْ، وَلَهَذَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ، وَهِيَ فِي الِابْتِدَاءِ خَلْقُ اللَّهِ. وَمِنْهَا مَا يَجْرِي بِغَيْرِ وَسَاطَةٍ فَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى قُدْرَةِ الْقَادِرِ، وَلَيْسَ الِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِعْلٌ وَلَا تَأْثِيرٌ لَا لُغَةً وَلَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا يَجْرِي مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْعَاقِلِ. ثُمَّ أَشَارَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ تَنْبِيهٌ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، وَأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى تَرْكِ سَبِّ كُلِّ شَيْءٍ مُطْلَقًا إِلَّا مَا أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَيْضًا مَنْعُ الْحِيلَةِ فِي الْبُيُوعِ كَالْعَيِّنَةِ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ لِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَجَعَلَهُ سَبًّا لِخَالِقِهِ.
١٠٢ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ
وَقَدْ قَالَ: إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، كَقَوْلِهِ: لَا مُلْكَ إِلَّا الِلَّهِ، فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾
٦١٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ قَالَ: إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، كَقَوْلِهِ: لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ، فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ غَرَضُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَصْرَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ الْأَحَقَّ بِاسْمِ الْكَرْمِ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسَمَّى كَرْمًا، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِنَّمَا الْمُفْلِسُ مَنْ ذُكِرَ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ مَنْ يُفْلِسُ فِي الدُّنْيَا لَا يُسَمَّى مُفْلِسًا، وَبِقَوْلِهِ إِنَّمَا الصُّرَعَةُ كَذَلِكَ، وَكَذَا قَوْلُهُ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ؛ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غَيْرُهُ مَلِكًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُلْكَ الْحَقِيقِيَّ وَإِنْ سُمِّيَ غَيْرُهُ مَلِكًا، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ
الْمُلُوكَ، وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ عِدَّةُ أَمْثِلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَ الْمَلِكُ؛ فِي صَاحِبِ يُوسُفَ وَغَيْرِهِ، وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ تَرْكُ الْمُبَالَغَةِ وَالْإِغْرَاقِ فِي الْوَصْفِ إِذَا كَانَ الْمَوْصُوفُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الْمُفْلِسُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الرِّقَاقِ، وَحَدِيثُ إِنَّمَا الصُّرَعَةُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَحَدِيثُ لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ أَبْغَضِ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ هُنَا بِلَفْظِ: لَا مُلْكَ إِلَّا لِلَّهِ؛ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَحَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا، وَالْأَوَّلُ هُوَ اللَّائِقُ لِلسِّيَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ) هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ. وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ كَرْمًا، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ، إِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: لَا تَقُولُوا الْكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَبَ وَالْحَبْلَةَ. قَالُوا: وَفِي قَوْلِهِ فِي الْبَابِ وَيَقُولُونَ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ حُذِفَ هُنَا، وَكَأَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: يَقُولُونَ؛ بِغَيْرِ وَاوٍ، أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَذَكَرَهُ بِالْوَاوِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ، وَقَالَ مَرَّةً: يَبْلُغُ بِهِ، وَقَالَ مَرَّةً: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَعَمْرٍو النَّاقِدِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا السَّنَدِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُولُوا كَرْمٌ، فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ. وَقَوْلُهُ: وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ، وهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: يَقُولُونَ الْكَرْمُ شَجَرُ الْعِنَبِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ: إِنَّ اسْمَ الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ فِي الْكُتُبِ الْكَرْمُ مِنْ أَجْلِ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى الْخَلِيقَةِ، وَإِنَّكُمْ تَدْعُونَ الْحَائِطَ مِنَ الْعِنَبِ الْكَرْمَ الْحَدِيثَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ تَأْكِيدُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِمَحْوِ اسْمِهَا، وَلِأَنَّ فِي تَبْقِيَةِ هَذَا الِاسْمِ لَهَا تَقْرِيرًا لِمَا كَانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِنْ تَكَرُّمِ شَارِبِهَا فَنَهَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا كَرْمًا، وَقَالَ: إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ وَهُدَى الْإِسْلَامِ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْعِنَبَ كَرْمًا لِأَنَّ الْخَمْرَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْهُ تَحُثُّ عَلَى السَّخَاءِ وَتَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ:
وَالْخَمْرُ مُشْتَقَّةُ الْمَعْنَى مِنَ الْكَرْمِ
وَقَالَ آخَرُ:
شُقِقْتُ مِنَ الصِّبَى وَاشْتُقَّ مِنِّي … كَمَا اشْتُقَّتْ مِنَ الْكَرْمِ الْكُرُومُ
فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْكَرْمِ حَتَّى لَا يُسَمُّوا أَصْلَ الْخَمْرِ بِاسْمٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الْكَرْمِ، وَجُعِلَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَتَّقِي شُرْبَهَا وَيَرَى الْكَرَمَ فِي تَرْكِهَا أَحَقَّ بِهَذَا الِاسْمِ، انْتَهَى. وَأَمَّا قَوْلُ الْأَزْهَرِيِّ: سُمِّيَ الْعِنَبُ كَرْمًا لِأَنَّهُ ذُلِّلَ لِقَاطِفِهِ وَلَيْسَ فِيهِ سُلَّاءٌ يَعْقِرُ جَانِيهِ وَيَحْمِلُ الْأَصْلَ مِنْهُ مِثْلَ مَا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فَأَكْثَرُ، وَكُلِّ شَيْءٍ كَثُرَ فَقَدْ كَرُمَ، فَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاقِ لَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَنْسَبُ لِلنَّهْيِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: النَّهْيُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا وَعَنْ تَسْمِيَةِ شَجَرِهَا أَيْضًا لِلْكَرَاهِيَةِ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ، عَنِ الْمَازِرِيِّ أَنَّ السَّبَبَ فِي النَّهْيِ أَنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الْخَمْرُ وَكَانَتْ طِبَاعُهُمْ تَحُثُّهُمْ عَلَى الْكَرَمِ كَرِهَ ﷺ أَنْ يُسَمَّى هَذَا الْمُحَرَّمُ بِاسْمٍ تَهِيجُ طِبَاعُهُمْ إِلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْمُحَرِّكِ لَهُمْ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ مَحِلَّ النَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ تَسْمِيَةُ الْعِنَبِ كَرْمًا، وَلَيْسَتِ الْعِنَبَةُ مُحَرَّمَةً، وَالْخَمْرُ لَا تُسَمَّى عِنَبَةً بَلِ الْعِنَبُ قَدْ يُسَمَّى خَمْرًا بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ.
قُلْتُ: وَالَّذِي قَالَهُ الْمَازِرِيُّ مُوَجَّهٌ ; لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى إِرَادَةِ حَسْمِ الْمَادَّةِ بِتَرْكِ تَسْمِيَةِ أَصْلِ الْخَمْرِ بِهَذَا الِاسْمِ الْحَسَنِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ النَّهْيُ تَارَةً عَنِ الْعِنَبِ وَتَارَةً عَنْ شَجَرَةِ الْعِنَبِ فَيَكُونُ التَّنْفِيرُ