فتح الباري · ابن حجر · ج10 ص571لَا نَدَعُكَ تُسَمِّيهِ بِاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ بِابْنِهِ حَامِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ بَيَّنَ شُعْبَةُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: حَمَلْتُهُ عَلَى عُنُقِي، أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ مُسْنَدِ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ عَنْهُ، وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ جَابِرٍ، وَفِيهِ أَوْرَدَهُ أَصْحَابُ الْمَسَانِيدِ وَالْأَطْرَافِ، وَقَدَّمْتُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْقَاسِمَ أَرْجَحُ، وَذَكَرْتُ وَجْهَ رُجْحَانِهِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
قَوْلُهُ: (لَا نُكَنِّيكَ أَبَا الْقَاسِمِ وَلَا كَرَامَةَ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: وَلَا نُنَعِّمُكَ عَيْنًا؛ هُوَ مِنَ الْإِنْعَامِ، أَيْ لَا نُنَعِّمُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ فَتَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ تَكْنِيَةِ الْمَرْءِ بِمَنْ يُولَدُ لَهُ وَلَا يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ أَوْلَادِهِ.
قَوْلُهُ: (فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) فِي مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ عُسْرٌ، وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ التَّكَنِّي بِكُنْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ اقْتَضَى مَشْرُوعِيَّةُ الْكُنْيَةِ، وَأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ يُسَمِّيَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ اخْتَارَ لَهُ اسْمًا يَطِيبُ خَاطِرُهُ بِهِ إِذْ غَيَّرَ الِاسْمَ، فَاقْتَضَى الْحَالُ أَنَّهُ لَا يُشِيرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِاسْمٍ حَسَنٍ، وَتَوْجِيهُ كَوْنِهِ أَحْسَنُ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَشَارِقِ: لِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَفِيهَا أُصُولٌ وَفُرُوعٌ؛ أَيْ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاقِ، قَالَ: وَلِلْأُصُولِ أُصُولٌ؛ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَأُصُولُ الْأُصُولِ اسْمَانِ: اللَّهُ، وَالرَّحْمَنُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِمَا أَحَدٌ. وَمَا وَرَدَ مِنْ رَحْمنِ الْيَمَامَةِ غَيْرُ وَارِدٍ لِأَنَّهُ مُضَافٌ، وَقَوْلُ شَاعِرِهِمْ:
وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْتَ رَحْمَانَا
تَغَالَى فِي الْكُفْرِ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَنَّهُ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَحَدٌ، وَلَا يُرَدُّ إِطْلَاقُ مَنْ أَطْلَقَهُ وَصْفًا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ، وَقَدْ لُقِّبَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ وَلَمْ يَقَعْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الرَّحْمَنِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كَانَتْ إِضَافَةُ الْعُبُودِيَّةِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً مَحْضَةً، فَظَهَرَ وَجْهُ الْأَحَبِّيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٠٦ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْنُوا بِكُنْيَتِي
قَالَهُ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٦١٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقَالُوا: لَا نَكْنِيهِ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْنُوا بِكُنْيَتِي.
٦١٨٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي.
٦١٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقَالُوا: لَا نَكْنِيكَ بِأَبِي الْقَاسِمِ وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: سْمِ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَوْ بِسُكُونِ الْكَافِ وَضَمِّ النُّونِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَلَا تَكْتَنُوا؛ بِسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا نُونٌ.
قَوْلُهُ: (بِكُنْيَتِي) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: بِكِنْوَتِي؛ بِالْوَاوِ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهِيَ بِمَعْنَاهَا، كَنَوْتُهُ وَكَنَّيْتُهُ بِمَعْنًى، قَالَ عِيَاضٌ: رَوَوْهُ كُلُّهُمْ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ بِالْيَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْكُنْيَةِ وَالتَّعْرِيفُ بِهَا فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ فِي بَابِ كُنْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ أَنَسٌ) يُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْبُيُوعِ ثُمَّ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِهَذَا، وَفِيهِ قِصَّةٌ سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا، وَلَفْظُهُ: سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ ثُمَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ حَدِيثَ جَابِرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَاقْتَصَرَ فِيهِ على الْمَتْنُ، وَلَفْظُهُ كَحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ - عَنْهُ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمُ، فَقَالُوا: لَا نُكَنِّيكَ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْهُ: فَقُلْنَا: لَا نَكْنِيكَ بِأَبِي الْقَاسِمِ وَلَا نُنَعِّمُكَ عَيْنًا. فَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ إِمَّا بِأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ هَذَا وَبَعْضَهُمْ قَالَ هَذَا، وَإِمَّا أَنَّهُمْ مَنَعُوا أَوَّلًا مُطْلَقًا ثُمَّ اسْتَدْرَكُوا فَقَالُوا: حَتَّى نَسْأَلَ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَيْضًا: فَقَالَ: سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَقَالَ: سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَحَدَ الرَّاوِيَيْنِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْآخَرُ. وَقَوْلُهُ: لَا نَكْنِيكَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَعَ التَّخْفِيفِ وَبِضَمِّهِ مَعَ التَّشْدِيدِ، وَنُنَعِّمُكَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتُلِفَ فِي التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبٍ:
الْأَوَّلُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا أَمْ لَا، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَيَخْتَصُّ النَّهْيُ بِحَيَاتِهِ ﷺ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ لِمَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا يَفْعَلُونَهُ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا إِطْبَاقُ النَّاسِ عَلَيْهِ فَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِلْمَذْهَبِ الثَّانِي، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَهُمْ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ قَبْلُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي السُّوقِ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: لَمْ أَعْنِكَ، فَقَالَ: سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي. قَالَ: فَفَهِمُوا مِنَ النَّهْيِ الِاخْتِصَاصَ بِحَيَاتِهِ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ زَالَ بَعْدَهُ ﷺ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَهَذَا السَّبَبُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ، فَمَا خَرَجَ صَاحِبُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ عَنِ الظَّاهِرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَمِمَّا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّوَوِيَّ أَوْرَدَ الْمَذْهَبَ الثَّالِثَ مَقْلُوبًا فَقَالَ: يَجُوزُ لِمَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ دُونَ غَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يُعْرَفُ بِهِ قَائِلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سَبْقُ قَلَمٍ، وَقَدْ حَكَى الْمَذَاهِبَ الثَّلَاثَةَ فِي الْأَذْكَارِ عَلَى الصَّوَابِ، وَكَذَا هِيَ فِي الرَّافِعِيِّ. وَمِمَّا تَعَقَّبَهُ السُّبْكِيُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَجَّحَ مَنْعَ التَّكْنِيَةِ بِأَبِي الْقَاسِمِ مُطْلَقًا، وَلِمَا ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي خُطْبَةِ الْمِنْهَاجِ كناه فَقَالَ: الْمُحَرِّرُ لِلْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الرَّافِعِيِّ، وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: لِلْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فَقَطْ، أَوْ يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ وَلَا يُكَنِّيهِ بِالْكُنْيَةِ الَّتِي يَعْتَقِدُ الْمُصَنِّفُ مَنْعَهَا.
وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى اخْتِيَارِ الرَّافِعِيِّ الْجَوَازَ، أَوْ إِلَى أَنَّهُ مُشْتَهِرٌ بِذَلِكَ، وَمَنْ شُهِرَ بِشَيْءٍ لَمْ يَمْتَنِعْ تَعْرِيفُهُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ هَذَا الْقَصْدِ فَإِنَّهُ لَا يُسَوَّغُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ قَالَ الظَّاهِرِيَّةُ، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَمِّيَ ابْنَهُ الْقَاسِمَ لِئَلَّا يَكُنَّى أَبَا الْقَاسِمِ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ مَذْهَبًا رَابِعًا وَهُوَ الْمَنْعُ مِنِ التَّسْمِيَةِ بِمُحَمَّدٍ مُطْلَقًا، وَكَذَا التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ مُطْلَقًا، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدٍ: كَتَبَ عُمَرُ: لَا تُسَمُّوا أَحَدًا بِاسْمِ نَبِيٍّ، وَاحْتَجَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: يُسَمُّونَهُمْ مُحَمَّدًا ثُمَّ يَلْعَنُونَهُمْ، وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَأَبُو يَعْلَى أَيْضًا، وَسَنَدُهُ لَيِّنٌ. قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ
إِعْظَامًا لِاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ لِئَلَّا يُنْتَهَكَ. وَقَدْ كَانَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِمُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا مُحَمَّدُ، فَعَلَ اللَّهُ بِكَ وَفَعَلَ، فَدَعَاهُ وَقَالَ: لَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَبُّ بِكَ، فَغَيَّرَ اسْمَهُ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ نَظَرَ عُمَرُ إِلَى ابْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ - وَكَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا - وَرَجُلٌ يَقُولُ لَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِكَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: لَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسُبُّ بِكَ، فَسَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ.
وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي طَلْحَةَ وَهُمْ سَبْعَةٌ لِيُغَيِّرَ أَسْمَاءَهُمْ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ - وَهُوَ كَبِيرُهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمَّانِي النَّبِيُّ ﷺ مُحَمَّدًا! فَقَالَ: قُومُوا فَلَا سَبِيلَ إِلَيْكُمْ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ ذَلِكَ. وَحَكَى غَيْرُهُ مَذْهَبًا خَامِسًا وَهُوَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا فِي حَيَاتِهِ، التَّفْصِيلُ بَعْدَهُ بَيْنَ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ، فَيَمْتَنِعُ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ، وَقَدْ وَرَدَ مَا يُؤَيِّدُ الْمَذْهَبَ الثَّالِثَ الَّذِي ارْتَضَاهُ الرَّافِعِيُّ وَسماهُ النَّوَوِيُّ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَكْتَنِي بِكُنْيَتِي، وَمَنِ اكْتَنَى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّى بِاسْمِي لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ: إِذَا سَمَّيْتُمْ بِي فَلَا تُكَنُّوا بِي، وَإِذَا كَنَّيْتُمْ بِي فَلَا تُسَمُّوا بِي قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَ رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَرَوَاهُ مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ. قُلْتُ: وَوَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو يَعْلَى، وَلَفْظُهُ: لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي.
وَللتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ، وَقَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، اللَّهُ يُعْطِي وَأَنَا أَقْسِمُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَاخْتُلِفَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ وَعَلَى أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَمُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، قُلْتُ: وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَمِّهِ رَفَعَهُ: لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ أُسْبُوعَيْنِ، فَأُتِيَ بِي إِلَيْهِ فَمَسَحَ عَلَى رَأْسِي وَقَالَ: سَمُّوهُ بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوهُ بِكُنْيَتِي. وَرِوَايَةُ أَبِي زُرْعَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى بِلَفْظِ: مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَكْتَنِي بِكُنْيَتِي. وَاحْتَجَّ لِلْمَذْهَبِ الثَّانِي بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ وُلِدَ لِي مِنْ بَعْدِكَ وَلَدٌ أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: فَسَمَّانِي مُحَمَّدًا وَكَنَّانِي أَبَا الْقَاسِمِ.
وَكَانَ رُخْصَةً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَوَيْنَا هَذِهِ الرُّخْصَةَ فِي أَمَالِي الْجَوْهَرِيِّ وَأَخْرَجَهَا ابْنُ عَسَاكِرٍ فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ طَرِيقِهِ وَسَنَدُهَا قَوِيٌّ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَ لِعَلِيٍّ ثُمَّ تَكْنِيَةُ عَلِيٍّ وَلَدَهُ أَبَا الْقَاسِمِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِ مِ، قَالَ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى التَّحْرِيمِ لَأَنْكَرَهُ الصَّحَابَةُ وَلَمَا مَكَّنُوهُ أَنْ يُكَنِّي وَلَدَهُ أَبَا الْقَاسِمِ أَصْلًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا فَهِمُوا مِنَ النَّهْيِ التَّنْزِيهَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْحَصِرِ الْأَمْرُ فِيمَا قَالَ، فَلَعَلَّهُمْ عَلِمُوا الرُّخْصَةَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، أَوْ فَهِمُوا تَخْصِيصَ النَّهْيِ بِزَمَانِهِ ﷺ، وَهَذَا أَقْوَى لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ سَمَّى ابْنَهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّاهُ أَبَا الْقَاسِمِ وَهُوَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وَقَدْ جَزَمَ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الَّذِي كَنَّاهُ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ ظِئْرِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ وَكَذَا يُقَالُ لِكُنْيَةِ كُلٍّ مِنَ الْمُحَمَّدِينَ - ابْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَابْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ - أَبُو الْقَاسِمِ، وَأَنَّ آبَاءَهُمْ كَنَّوْهُمْ بِذَلِكَ، قَالَ عِيَاضٌ: وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: