HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب المكثرون هم المقلون

رقم الحديث 6443

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ، فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَهْ. قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا. قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَا هُنَا. قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ. قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُقْبِلٌ وَهْوَ يَقُولُ: وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ زَنَى. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا، قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇، عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ» قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالْأَعْمَشُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا، إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عِنْدَ الْمَوْتِ.
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج8 ص93
ج 8 ص 94

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في 3 مصادر سنن الدارمي, صحيح مسلم, مسند أحمد
فتح الباري · ابن حجر · ج11 ص260
٦٤٤٢ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: قال عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ قَالَ: فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ لَهُ) الضَّمِيرُ لِلْإِنْسَانِ الْمُكَلَّفِ، وَحَذَفَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ. قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) أَيِ ابْنُ غِيَاثٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَرِجَالُ السَّنَدِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ. قَوْلُهُ: (أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ)؛ أَيْ أَنَّ الَّذِي يَخْلُفهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي الْحَالِ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ انْتِقَالِهِ إِلَى وَارِثِهِ يَكُونُ مَنْسُوبًا لِلْوَارِثِ، فَنِسْبَتُهُ لِلْمَالِكِ فِي حَيَاتِهِ حَقِيقِيَّةٌ، وَنِسْبَتُهُ لِلْوَارِثِ فِي حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ مَجَازِيَّةٌ، وَمِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ حَقِيقِيَّةٌ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ)؛ أَيْ هُوَ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ الْمَالِ الَّذِي يَخْلُفُهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مَا تَعُدُّونَ الصُّرْعَةَ فِيكُمُ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا: مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمُ الْحَدِيثَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: فِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى تَقْدِيمِ مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ مِنَ الْمَالِ فِي وُجُوهِ الْقُرْبَةِ وَالْبِرِّ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَخْلُفُهُ الْمُوَرِّثُ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَارِثِ فَإِنْ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ اخْتَصَّ بِثَوَابِ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي تَعِبَ فِي جَمْعِهِ وَمَنْعِهِ، وَإِنْ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَذَاكَ أَبْعَدُ لِمَالِكِهِ الْأَوَّلِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ إِنْ سَلِمَ مِنْ تَبِعَتِهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِسَعْدٍ: إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً؛ لِأَنَّ حَدِيثَ سَعْدٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَوْ مُعْظَمِهِ فِي مَرَضِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي حَقِّ مَنْ يَتَصَدَّقُ فِي صِحَّتِهِ وَشُحِّهِ. ١٣ - بَاب الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْمُقِلُّونَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٦٤٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ،، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ: تَعَالَ، قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هاهُنَا قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَاهُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا، قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، وحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا: إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ الْأَقَلُّونَ وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِاللَّفْظَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: الْأَخْسَرُونَ بَدَلَ الْمُقِلُّونَ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِلَّةِ فِي الْحَدِيثِ قِلَّةُ الثَّوَابِ، وَكُلُّ مَنْ قَلَّ ثَوَابُهُ فَهُوَ خَاسِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ كَثُرَ ثَوَابُهُ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الْآيَتَيْنِ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَزِينَتَهَا ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الْآيَةَ، وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ قَالَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَلَمْ يَقُلِ الْآيَةَ، وَسَاقَ الْآيَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْآيَةِ فَقِيلَ هِيَ عَلَى عُمُومِهَا فِي الْكُفَّارِ، وَفِيمَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهَا مُعَاوِيَةُ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي الْمُجَاهِدِ وَالْقَارِئِ وَالْمُتَصَدِّقِ؛ لِقولِهِ - تَعَالَى - لِكُلٍّ مِنْهُمْ: إِنَّمَا عَمِلْتَ لِيُقَالَ فَقَدْ قِيلَ، فَبَكَى مُعَاوِيَةُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: بَلْ هِيَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ﴾ وَالْمُؤْمِنُ فِي الْجُمْلَةِ مَآلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ بِالشَّفَاعَةِ، أَوْ مُطْلَقِ الْعَفْوِ، وَالْوَعِيدُ فِي الْآيَةِ بِالنَّارِ، وَإِحْبَاطِ الْعَمَلِ وَبُطْلَانِهِ إِنَّمَا هُوَ لِلْكَافِرِ. وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَعِيدَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ الَّذِي وَقَعَ الرِّيَاءُ فِيهِ فَقَطْ فَيُجَازَى فَاعِلُهُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِحْبَاطَ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا رِيَاءٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا عُجِّلَ لَهُ، وَجُوزِيَ فِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ لِتَجْرِيدِهِ قَصْدَهُ إِلَى الدُّنْيَا وَإِعْرَاضِهِ عَنِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُجَاهِدِينَ خَاصَّةً وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَعُمُومُهَا شَامِلٌ لِكُلِّ مُرَاءٍ وَعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾؛ أَيْ فِي الدُّنْيَا مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهَ لَهُ ذَلِكَ لِقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ فَعَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ يُحْمَلُ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ، وَكَذَا يُقَيَّدُ مُطْلَقُ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ: قَدْ يُوجَدُ بَعْضُ الْكُفَّارِ مُقَتَّرًا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا غَيْرَ مُوَسَّعٍ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، أَوْ مِنَ الصِّحَّةِ، أَوْ مِنْ طُولِ الْعُمْرِ؛ بَلْ قَدْ يُوجَدُ مَنْ هُوَ مَنْحُوسُ الْحَظِّ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، كَمَنْ قِيلَ فِي حَقِّهِ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ الْآيَةِ فِي الْبَابِ لِحَدِيثِهِ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْقِيتِ فِي حَقِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا عَلَى التَّأْبيدِ؛ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ ج نْسِ الْكَبِيرَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي أَنَّهُ قَدْ يُعَذَّبُ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَنْفِي أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدَ التَّعْذِيبِ عَلَى مَعْصِيَةِ الرِّيَاءِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ لَكِنْ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ لَكِنْ قُتَيْبَةُ لَمْ يُدْرِكْهُ ابْنُ حَازِمٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ بِفَاءٍ وَمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ مَكِّيٌّ سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ لَقِيَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَأَنَسٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ الْمَاضِيَةِ فِي الِاسْتِئْذَانِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ: مَكَانٌ مَعْرُوفٌ مِنْ عَمَلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثُ مَرَاحِلَ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ سَكَنَهُ أَبُو ذَرٍّ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، وَمَاتَ بِهِ فِي خِلَافَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ سَبَبِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. قَوْلُهُ: (خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ) هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وَحْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِرَفْعِ تَوَهُّمٍ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَلَكٍ أَوْ جِنِّيٍّ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْهُ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً، فَأَفَادَتْ تَعْيِينَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَالْحَرَّةُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ مِنْهَا، وَكَانَتْ بِهِ الْوَقْعَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَقِيلَ: الْحَرَّةُ الْأَرْضُ الَّتِي حِجَارَتَهَا سُودٌ، وَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمُكْثِرونَ وَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى مُخْتَلِفَةُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالسِّيَاقِ. قَوْلُهُ: (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ)؛ أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَيْسَ لِلْقَمَرِ فِيهِ ضَوْءٌ لِيُخْفِيَ شَخْصَهُ، وَإِنَّمَا اسْتَمَرَّ يَمْشِي لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطْرَأَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَاجَةٌ فَيَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ. قَوْلُهُ: (فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) كَأَنَّهُ رَأَى شَخْصَهُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ لَهُ. قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ أَبُو ذَرٍّ)؛ أَيْ أَنَا أَبُو ذَرٍّ. قَوْلُهُ: (جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَكَذَا لِأَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ حَفْصٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا مَضَى فِي الِاسْتِئْذَانِ: فَقُلْتُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَعَالَهْ بِهَاءِ السَّكْتِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فَائِدَةُ الْوُقُوفِ عَلَى هَاءِ السَّكْتِ أَنْ لَا يَقِفَ عَلَى سَاكِنَيْنِ، نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وَقَدِ اخْتَصَرَ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي رِوَايَتِهِ سِيَاقَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَكَذَا عِنْدَهُ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّضْرُ) بْنُ شُمَيْلٍ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْأَعْمَشِ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا، الْغَرَضُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ تَصْرِيحُ الشُّيُوخِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ بِأَنَّ زَيْدَ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَهُمْ، وَالْأَوَّلَانِ نُسِبَا إِلَى التَّدْلِيسِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ لَأُمِنَ فِيهِ التَّدْلِيسُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُحَدِّثُ عَنْ شُيُوخِهِ إِلَّا بِمَا لَا تَدْلِيسَ فِيهِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَإِنَّهُ زَادَ فِيهِ بَيْنَ الْأَعْمَشِ، وَزَيْدِ بْنِ وَهْبٍ رَجُلًا مُبْهَمًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُصَرِّحَةُ أَنَّهُ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ.