- تَعَالَى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ أَنْ يَسْمَعَهُ النَّاسُ وَيَرَوْهُ لِيُعَظِّمُوهُ وَتَعْلُوَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُمْ حَصَلَ لَهُ مَا قَصَدَ، وَكَانَ ذَلِكَ جَزَاءَهُ عَلَى عَمَلِهِ ; وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ سَمَّعَ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَأَذَاعَهَا أَظْهَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَسَمَّعَهُ الْمَكْرُوهَ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ نَسَبَ إِلَى نَفْسِهِ عَمَلًا صَالِحًا لَمْ يَفْعَلْهُ وَادَّعَى خَيْرًا لَمْ يَصْنَعْهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَفْضَحُهُ وَيُظْهِرُ كَذِبَهُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ يُرَائي النَّاسَ بِعَمَلِهِ أَرَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَحَرَمَهُ إِيَّاهُ، وقِيلَ: مَعْنَى سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ شَهَّرَهُ أَوْ مَلَأَ أَسْمَاعَ النَّاسِ بِسُوءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْقِيَامَةِ بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ خُبْثِ السَّرِيرَةِ.
قُلْتُ: وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالدَّارِمِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هِنْدٍ الدَّارِيِّ رَفَعَهُ مَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ رَاءَى اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَمَّعَ بِهِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ بن مالك نحوه، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُومُ فِي الدُّنْيَا مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ إِلَّا سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ إِخْفَاءِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، لَكِنْ قَدْ يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ عَلَى إِرَادَتِهِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يُسْتَثْنَى مِنِ اسْتِحْبَابِ إِخْفَاءِ الْعَمَلِ مَنْ يُظْهِرُهُ لِيُقْتَدَى بِهِ أَوْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ كَكِتَابَةِ الْعِلْمِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ سَهْلٍ الْمَاضِي فِي الْجُمُعَةِ لِتَأْتَمُّوا بِي وَلْتَعْلَمُوا صَلَاتِي. قَالَ الطَّبَرِيُّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَتَهَجَّدُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَيَتَظَاهَرُونَ بِمَحَاسِنِ أَعْمَالِهِمْ لِيُقْتَدَى بِهِمْ. قَالَ: فَمَنْ كَانَ إِمَامًا يُسْتَنُّ بِعَمَلِهِ عَالِمًا بِمَا لِلَّهِ عَلَيْهِ قَاهِرًا لِشَيْطَانِهِ اسْتَوَى مَا ظَهَرَ مِنْ عَمَلِهِ وَمَا خَفِيَ؛ لِصِحَّةِ قَصْدِهِ، وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَالْإِخْفَاءُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عَمَلُ السَّلَفِ. فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَوَّابٌ، قَالَ: فَإِذَا هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.
وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تُسْمِعْنِي وَأَسْمِعْ رَبَّكَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
٣٧ - بَاب مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ
٦٥٠٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ.
قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﷿ يَعْنِي بَيَانَ فَضْلِ مَنْ جَاهَدَ، وَالْمُرَادُ بِالْمُجَاهَدَةِ كَفُّ النَّفْسِ
عَنْ إِرَادَتِهَا مِنَ الشَّغْلِ بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ الْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: جِهَادُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْمَلُ. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ * وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ الْآيَةَ. وَيَقَعُ بِمَنْعِ النَّفْسِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَبِمَنْعِهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَبِمَنْعِهَا مِنَ الْإِكْثَارِ مِنَ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ لِتَتَوَفَّرَ لَهَا فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: وَلِئَلَّا يَعْتَادَ الْإِكْثَارَ فَيَأْلَفَهُ فَيَجُرُّهُ إِلَى الشُّبُهَاتِ فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَرَامِ. وَنَقَلَ الْقُشَيْرِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي بِدَايَتِهِ صَاحِبَ مُجَاهِدَةٍ لَمْ يَجِدْ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ شِمَّةً.
وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ بُجَيْدٍ: مَنْ كَرُمَ عَلَيْهِ دِينُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: أَصْلُ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ فَطْمُهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَحَمْلُهَا عَلَى غَيْرِ هَوَاهَا، وَلِلنَّفْسِ صِفَتَانِ: انْهِمَاكٌ فِي الشَّهَوَاتِ، وَامْتِنَاعٌ عَنِ الطَّاعَاتِ، فَالْمُجَاهَدَةُ تَقَعُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: جِهَادُ النَّفْسِ دَاخِلٌ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ الْأَعْدَاءَ ثَلَاثَةٌ: رَأْسُهُمُ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ النَّفْسُ؛ لِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَى اللَّذَّاتِ الْمُفْضِيَةِ بِصَاحِبِهَا إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ الَّذِي يُسْخِطُ الرَّبَّ، وَالشَّيْطَانُ هُوَ الْمُعِينُ لَهَا عَلَى ذَلِكَ وَيُزَيِّنُهُ لَهَا، فَمَنْ خَالَفَ هَوَى نَفْسِهِ قَمَعَ شَيْطَانَهُ، فَمُجَاهَدَتُهُ نَفْسَهُ حَمْلُهَا عَلَى اتِّبَاعِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَإِذَا قَوِيَ الْعَبْدُ عَلَى ذَلِكَ سَهُلَ عَلَيْهِ جِهَادُ أَعْدَاءِ الدِّينِ، فَالْأَوَّلُ الْجِهَادُ الْبَاطِنُ، وَالثَّانِي الْجِهَادُ الظَّاهِرُ، وَجِهَادُ النَّفْسِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: حَمْلُهَا عَلَى تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ، ثُمَّ حَمْلُهَا عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ، ثُمَّ حَمْلُهَا عَلَى تَعْلِيمِ مَنْ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ الدُّعَاءُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَقِتَالِ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ وَجَحَدَ نِعَمَهُ. وَأَقْوَى الْمُعِينِ عَلَى جِهَادِ النَّفْسِ جِهَادُ الشَّيْطَانِ بِدَفْعِ مَا يُلْقِي إِلَيْهِ مِنَ الشُّبْهَةِ وَالشَّكِّ، ثُمَّ تَحْسِينِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ مَا يُفْضِي الْإِكْثَارُ مِنْهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ. وَتَمَامُ ذَلِكَ مِنَ الْمُجَاهَدَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا لِنَفْسِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فَإِنَّهُ مَتَى غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ اسْتَهْوَاهُ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ: هَمَّامٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى.
قَوْلُهُ: (أَنَسٌ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) هَكَذَا رَوَاهُ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَمُقْتَضَاهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ مُعَاذٍ، وَخَالَفَهُ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ - وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - يَا مُعَاذُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَتْبَعَ رِوَايَةَ هِشَامٍ رِوَايَةَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ ذَكَرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ذُكِرَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ حَمَلَهُ عَنْ مُعَاذٍ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَقَدْ أَشَرْتُ فِي شَرْحِهِ فِي الْعِلْمِ إِلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ حَمَلَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ، أَوْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ مُعَاذٍ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ رُجِّحَ لِي أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ وَإِنِ اتَّحَدَ مَخْرَجُهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ وَمَتْنُهُمَا فِي كَوْنِ مُعَاذٍ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ لِلِاخْتِلَافِ فِيمَا وَرَدَا فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ فِي حَقِّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَحَقِّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ، وَالْمَاضِي فِيمَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَكَذَا رِوَايَةُ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَأَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي الْعَوَّامِ كُلُّهُمْ عَنْ مُعَاذٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَرِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَنَحْوُهَا رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ
مُعَاذٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ هِشَامٍ الَّتِي فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ اسْمِ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ مُعَاذٍ نَحْوُ حَدِيثِ الْبَابِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَتَيْنَا مُعَاذًا فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا مِنْ غَرَائِبِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ اللِّبَاسِ قَبْلَ الْأَدَبِ بِبَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ،
وَآخِرُة بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ هِيَ الْعُودُ الَّذِي يُجْعَلُ خَلْفَ الرَّاكِبِ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي شِدَّةِ قُرْبِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ أَنَّهُ ضَبَطَ مَا رَوَاهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ هَدَّابِ بْنِ خَالِدٍ وَهُوَ هُدْبَةُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِسَنَدِهِ هَذَا مُؤْخَرَةُ بَدَلَ آخِرَةُ وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْخَاءِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذٍ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْجِهَادِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنَمٍ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ يَعْفُورٌ رَسَنُهُ مِنْ لِيفٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِآخِرَةِ الرَّحْلِ مَوْضِعُ آخِرَةِ الرَّحْلِ لِلتَّصْرِيحِ هُنَا بِكَوْنِهِ كَانَ عَلَى حِمَارٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ النَّوَوِيُّ، وَمَشَى ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَوَّامِ عِنْدَ أَحْمَدَ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: رَسُولَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ وَحَرْف النِّدَاءِ مَحْذُوفٌ، وَوَقَعَ فِي الْعِلْمِ بِإِثْبَاتِهِ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ سَارَ سَاعَةً) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْعِلْمِ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ يَا مُعَاذُ لَمْ يَقَعِ النِّدَاءُ الثَّانِي عَلَى الْفَوْرِ بَلْ بَعْدَ سَاعَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ قَالَ.
قَوْلُهُ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: قَالَ هَلْ تَدْرِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَسَعْدَيْكَ الثَّانِيَةِ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرِي وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هَمَّامٍ الْمَاضِيَةِ فِي الِاسْتِئْذَانِ بَعْدَ الْمَرَّةِ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلَاثًا أَيِ النِّدَاءَ وَالْإِجَابَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ لِتَأْكِيدِ الِاهْتِمَامِ بِمَا يُخْبِرُهُ بِهِ وَيُبَالِغُ فِي تَفَهُّمِهِ وَضَبْطِهِ.
قَوْلُهُ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ) الْحَقُّ كُلُّ مَوْجُودٍ مُتَحَقِّقٍ، أَوْ مَا سَيُوجَدُ لَا مَحَالَةَ، وَيُقَالُ لِلْكَلَامِ الصِّدْقِ حَقٌّ لِأَنَّ وُقُوعَهُ مُتَحَقِّقٌ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَكَذَا الْحَقُّ الْمُسْتَحَقُّ عَلَى الْغَيْرِ إِذَا كَانَ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِمَّا جَعَلَهُ مُحَتَّمًا عَلَيْهِمْ، قَالَهُ ابْنُ التَّيْمِيِّ فِي التَّحْرِيرِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ هُوَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَأَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ بِخِطَابِهِ.
قَوْلُهُ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ عَمَلُ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَعَاصِي، وَعَطَفَ عَلَيْهَا عَدَمَ الشِّرْكِ لِأَنَّهُ تَمَامُ التَّوْحِيدِ، وَالْحِكْمَةُ فِي عَطْفِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ أَنَّ بَعْضَ الْكَفَرَةِ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ آلِهَةً أُخْرَى، فَاشْتَرَطَ نَفْيَ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجُمْلَةَ حَالِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ: يَعْبُدُونَهُ فِي حَالِ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِهِ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ عِبَادَةُ اللَّهِ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْجَوَابِ فَمَا حَقُّ الْعِبَادِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَعَبَّرَ بِالْفِعْلِ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ الضَّمِيرُ لَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ. فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا يُعَذِّبَهُمْ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَوَّامِ مِثْلُهُ وَزَادَ وَيَغْفِرَ لَهُمْ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنْ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ، فَحُقَّ ذَلِكَ، وَوَجَبَ بِحُكْمِ وَعْدِهِ الصِّدْقِ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فِي الْخَبَرِ وَلَا الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ، فَاللَّهُ ﷾ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الْأَمْرِ، إِذْ لَا آمِرَ فَوْقَهُ وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ لِأَنَّهُ كَاشِفٌ لَا مُوجِبٌ انْتَهَى. وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ بِظَاهِرِهِ، وَلَا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ فِيهِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ عِدَّةُ أَجْوِبَةٍ غَيْرُ هَذِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ هُنَا الْمُتَحَقِّقُ الثَّابِتُ، أَوِ الْجَدِيرُ، لِأَنَّ إِحْسَانَ الرَّبِّ لِمَنْ لَمْ يَتَّخِذْ رَبًّا سِوَاهُ جَدِيرٌ فِي الْحِكْمَةِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَالْوَاجِبِ فِي تَحَقُّقِهِ وَتَأَكُّدِهِ،
أَوْ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ.