قَوْلُهُ: كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَحْمَرِ. كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ، لَكِنْ قَدَّمَ السَّوْدَاءَ عَلَى الْبَيْضَاءِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ الْأَبْيَضِ بَدَلَ الْأَحْمَرِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَطْلَقَ الشَّعْرَةَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْوَحْدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ ثَوْرٌ لَيْسَ فِي جِلْدِهِ غَيْرُ شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ، وَالرَّقْمَةُ قِطْعَةٌ بَيْضَاءُ، تَكُونُ فِي بَاطِنِ عُضْوِ الْحِمَارِ وَالْفَرَسِ، وَتَكُونُ فِي قَوَائِمِ الشَّاةِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الرَّقْمَةُ شَيْءٌ مُسْتَدِيرٌ لَا شَعْرَ فِيهِ، سمعت بِهِ لِأَنَّهُ كَالرَّقْمِ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ، وَثَوْرٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الدِّيلِيُّ، وَأَبُو الْغَيْثِ هُوَ سَالِمٌ، وَالْكُلُّ مَدَنِيُّونَ، وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَخِيهِ، مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ، وَكَذَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرٍ، وَلَكِنَّ إِسْمَاعِيلَ أَصْغَرُ مِنْ أَخِيهِ، وَسُلَيْمَانُ أَصْغَرُ مِنْ ثَوْرٍ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ إِلَخْ يَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤٦ - بَاب قَوْلِهِ ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
٦٥٣٠ - حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ: فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوْ كالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ ﷺ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ، وَالزَّلْزَلَةُ الِاضْطِرَابُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الزَّلَلِ، وَفِي تَكْرِيرِ الزَّايِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى ذَلِكَ،
وَالسَّاعَةُ فِي الْأَصْلِ جُزْءٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَاسْتُعِيرَتْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى السَّاعَةِ الْوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ الْقِيَامَةُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ يَقَعُ فِيهَا أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ سَاعَةً لِوُقُوعِهَا بَغْتَةً، أَوْ لِطُولِهَا، أَوْ لِسُرْعَةِ الْحِسَابِ فِيهَا، أَوْ لِأَنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ خَفِيفَةٌ مَعَ طُولِهَا عَلَى النَّاسِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) هُوَ مِنَ الْأَزَفِ بِفَتْحِ الزَّايِ، وَهُوَ الْقُرْبُ، يُقَالُ: أَزِفَ كَذَا أَيْ قَرُبَ، وَسُمِّيَتِ السَّاعَةُ آزِفَةً لِقُرْبِهَا أَوْ لِضِيقِ وَقْتهَا، وَاتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى أَزِفَتِ اقْتَرَبَتْ أَوْ دَنَتْ.
قَوْلُهُ: جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ.
قَوْلُهُ: عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَجِّ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ وَهُوَ ذَكْوَانُ، وَأَبُو سَعِيدٍ هُوَ الْخُدْرِيُّ.
قَوْلُهُ: يَقُولُ اللَّهُ كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِإِثْبَاتِ قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَذَا وَقَعَ لِمُسْلِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، وَحَفْصٍ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ خِطَابَ آدَمَ بِذَلِكَ أَوَّلُ شَيْءٍ يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَفْظُهُ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ ﵇ فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ بِمُثَنَّاةٍ وَاحِدَةٍ وَمَدٍّ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مُمَالَةٍ، وَأَصْلُهُ فَتَتَرَاءَى فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَتَرَاءَى الشَّخْصَانِ تَقَابَلَا بِحَيْثُ صَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَةِ الْآخَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ ثَوْرٍ فَتَتَرَاءَى لَهُ ذُرِّيَّتُهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيُقَالُ هَذَا أَبُوكُمْ وَفِي رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ فَيَقُولُونَ: هَذَا أَبُوكُمْ.
قَوْلُهُ: فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْخَيْرِ نَوْعُ تَعْطِيفٍ وَرِعَايَةٌ لِلْأَدَبِ، وَإِلَّا فَالشَّرُّ أَيْضًا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ كَالْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ نَصِيبَ بَدَلَ بَعْثَ وَالْبَعْثُ بِمَعْنَى الْمَبْعُوثِ، وَأَصْلُهَا فِي السَّرَايَا الَّتِي يَبْعَثُهَا الْأَمِيرُ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ لِلْحَرْبِ وَغَيْرِهَا، وَمَعْنَاهَا هُنَا مَيِّزْ أَهْلَ النَّارِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ آدَمَ لِكَوْنِهِ وَالِدَ الْجَمِيعِ، وَلِكَوْنِهِ كَانَ قَدْ عَرَفَ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ، فَقَدْ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَعَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ شِمَالِهِ أَسْوِدَةٌ الْحَدِيثَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: يَا آدَمُ أَنْتَ الْيَوْمَ عَدْلٌ بَيْنِي وَبَيْنَ ذُرِّيَّتِكَ، قُمْ فَانْظُرْ مَا يُرْفَعُ إِلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ.
قَوْلُهُ: قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ سَمِعْتُ وَأَطَعْتُ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ أَيْ وَمَا مِقْدَارُ مَبْعُوثِ النَّارِ؟ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ.
قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ وَكَذَا فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ ثَوْرٍ يَعْنِي رَاوِيهِ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَمًا.
قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ غَيْرَهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ نَحْوَهُ، وَفِي أَوَّلِهِ زِيَادَةٌ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَفَعَ صَوْتَهُ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ - إِلَى ﴿شَدِيدٌ﴾ فَحَثَّ أَصْحَابُهُ الْمَطِيَّ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَاكَ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذَاكَ يَوْمٌ يُنَادِي اللَّهُ آدَمَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَصَحَّحَهُ، وَكَذَا الْحَاكِمُ، وَهَذَا سِيَاقُ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْهُ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ: عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَنَقَلَ عَنِ الذُّهْلِيِّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى هِيَ الْمَحْفُوظَةُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ رَفَعَهُ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ - إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ وَفِيهِ فَيُقَالُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَذَاكَ يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبَا وَكَذَا رَأَيْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمِثْلِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ طَلْحَةَ بْنِ الصَّقْرِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى نَحْوَهُ فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا
الْعَدَدِ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَابِعًا، وَقَدْ ظَفِرْتُ بِهِ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الْهِجْرِيِّ وَفِيهِ مَقَالٌ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ.
وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَا اعْتِبَارَ لَهُ، فَالتَّخْصِيصُ بِعَدَدٍ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزَّائِدِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْعَدَدَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَقْلِيلُ عَدَدِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَكْثِيرُ عَدَدِ الْكَافِرِينَ.
قُلْتُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ تقديم حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةٍ، فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى عَشَرَةٍ، فَالْحُكْمُ لِلزَّائِدِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ الْأَخِيرِ أَنْ لَا يُنْظَرَ إِلَى الْعَدَدِ أَصْلًا، بَلِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَقْلِيلِ الْعَدَدِ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ أُخَرَ، وَهُوَ حَمْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ، وَحَمْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى مَنْ عَدَا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ عَشَرَةٌ، وَيُقَرِّبُ ذَلِكَ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ذَكَرُوا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ دُونَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَالثَّانِي بِخُصُوصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَيُقَرِّبُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا أُخِذَ مِنَّا لَكِنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِنَّمَا أُمَّتِي جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ الْقِسْمَةُ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ، وَمَرَّةً مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ عَشَرَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِبَعْثِ النَّارِ الْكُفَّارَ، وَمَنْ يَدْخُلُهَا مِنَ الْعُصَاةِ فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ كَافِرًا، وَمَنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ عَاصِيًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ وَسَاقَ إِلَى قَوْلِهِ: قوله شَدِيد ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي الْمَوْقِفِ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَا حَمْلَ فِيهِ، وَلَا وَضْعَ، وَلَا شَيْبَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ ذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّهْوِيلِ، وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِيهِ وَجْهَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَذَكَرَهُمَا، وَقَالَ: التَّقْدِيرُ أَنَّ الْحَالَ يَنْتَهِي إلى أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ النِّسَاءُ حِينَئِذٍ حَوَامِلَ لَوَضَعَتْ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ أَصَابَنَا أَمْرٌ يَشِيبُ مِنْهُ الْوَلِيدُ، وَأَقُولُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، فَتُبْعَثُ الْحَامِلُ حَامِلًا، وَالْمُرْضِعُ مُرْضِعَةً، وَالطِّفْلُ طِفْلًا، فَإِذَا وَقَعَتْ زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ وَقِيلَ ذَلِكَ لِآدَمَ وَرَأَى النَّاسُ آدَمَ وَسَمِعُوا مَا قِيلَ لَهُ، وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الْوَجَلِ مَا يَسْقُطُ مَعَهُ الْحَمْلُ، وَيَشِيبُ لَهُ الطِّفْلُ وَتَذْهَلُ بِهِ الْمُرْضِعَةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى، وَقَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَكُونُ خَاصًّا بِالْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ، وَتَكُونُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَذَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْآيَةِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا الْحَمْلِ مَا يُتَخَيَّلُ مِنْ طُولِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ قِيَامِ السَّاعَةِ وَاسْتِقْرَارِ النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ وَنِدَاءِ آدَمَ لِتَمْيِيزِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ مُتَقَارِبًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ يَعْنِي أَرْضَ الْمَوْقِفِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا *
السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ وَالْحَاصِلُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَعْدَ نَفْخَةِ الْبَعْثِ مِنْ أَهْوَالٍ وَزَلْزَلَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى آخِرِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، وَقَرِيبٌ
مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِلَى أَنْ ذَكَرَ النَّفْخَ فِي الصُّورِ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ فَذَكَرَهُ قَالَ: فَذَاكَ يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ وَغَيْرِهِ مَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ النَّفْخِ فِي الصُّورِ وَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا وَتَشِيبُ الْوِلْدَانُ وَتَتَطَايَرُ الشَّيَاطِينُ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ، فَيَأْخُذُهُمْ لِذَلِكَ الْكَرْبُ وَالْهَوْلُ، ثُمَّ تَلَا الْآيَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الْحَجِّ الْحَدِيثَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ هَذَا الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ يَوْمُ الزَّلْزَلَةِ يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى، وَفِيهِ مَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ الْعَظِيمَةِ، وَمَنْ جُمْلَتِهَا مَا يُقَالُ لِآدَمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى، بَلْ لَهُ مَحْمَلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْكَلَامِ مَنُوطًا بِأَوَّلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ يُقَالُ لِآدَمَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي يَشِيبُ فِيهِ الْوِلْدَانُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ شَيْبُ الْوِلْدَانِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى حَقِيقَةً وَالْقَوْلُ لِآدَمَ يَكُونُ وَصْفُهُ بِذَلِكَ إِخْبَارًا عَنْ شِدَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَيْنُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ حِينَ يَقَعُ لَا يُهِمُّ كُلَّ أَحَدٍ إِلَّا نَفْسُهُ حَتَّى إِنَّ الْحَامِلَ تُسْقِطُ مِنْ مِثْلِهِ وَالْمُرْضِعَةُ إِلَخْ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَعْنَى أَنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مُرْضِعَةٌ لَذَهَلَتْ، وَذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْيِيَ اللَّهُ حِينَئِذٍ كُلَّ حَمْلٍ كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ، وَنُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ، فَتَذْهَلُ الْأُمُّ حِينَئِذٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى إِرْضَاعِهِ إِذْ لَا غِذَاءَ هُنَاك وَلَا لَبَنَ، وَأَمَّا الْحَمْلُ الَّذِي لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّهُ إِذَا سَقَطَ لَمْ يَحْيَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَوْمُ الْإِعَادَةِ، فَمَنْ لَمْ يَمُتْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَحْيَى فِي الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْمِ، وَوَقَعَتْ عَلَيْهِمُ الْكَآبَةُ وَالْحُزْنُ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الْحَسَنِ فَأَنْشَأَ الْمُؤْمِنُونَ يَبْكُونَ وَمِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ فَنُبِسَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا أَبْدَوْا بِضَاحِكَةٍ وَنُبِسَ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ مَعْنَاهُ تَكَلَّمَ فَأَسْرَعَ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي النَّفْيِ، وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ أَبْلَسُوا وَكَذَا لَهُ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنِ الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: وَأَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَكَانَ حَقَّ الْجَوَابِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَاحِدَ فُلَانٌ أَوْ مَنْ يَتَّصِفُ بِالصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْظَامًا لِذَلِكَ الْأَمْرِ وَاسْتِشْعَارًا لِلْخَوْفِ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ وَقَعَ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ أَبْشِرُوا وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَمَاذَا يَبْقَى وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَبَكَى أَصْحَابُهُ.
قَوْلُهُ: فَقَالَ أَبْشِرُوا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ مِثْلَهُ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُدْعَانَ: قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَنَحْوَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ظَاهِرُهُ زِيَادَةُ وَاحِدٍ عَمَّا ذَكَرَ مِنْ تَفْصِيلِ الْأَلْفِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَبْرِ الْكَسْرِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، أَوْ أَلْفًا إِلَّا وَاحِدًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمِنْكُمْ رَجُلٌ تَقْدِيرُهُ وَالْمُخْرَجُ مِنْكُمْ أَوْ وَمِنْكُمْ رَجُلٌ مُخْرَجٌ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْمَفْعُولِ بِإِخْرَاجِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ، أَيْ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ كَذَا، وَرَوَى بِالرَّفْعِ عَلَى خَبَرِ إِنَّ وَاسْمِهَا مُضْمَرٌ قَبْلَ الْمَجْرُورِ، أَيْ فَإِنَّ الْمُخْرَجَ مِنْكُمْ رَجُلٌ، قُلْتُ: وَالنَّصْبُ أَيْضًا عَلَى اسْمِ إِنَّ صَرِيحًا فِي الْأَوَّلِ، وَبِتَقْدِيرٍ فِي الثَّانِي، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الَّذِي قَالَهُ، فَإِنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِالرَّفْعِ فِي أَلْفٍ وَحْدَهُ، وَبِالنَّصْبِ فِي رَجُلًا، وَلِأَبِي ذَرٍّ بِالْعَكْسِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَكَذَا
فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَالتَّقْدِيرُ فَإِنَّهُ، فَحَذَفَ الْهَاءَ وَهِيَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا أُمَّتِي جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ دَاخِلُونَ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَالْوَعِيدِ كَمَا يَدُلُّ قَوْلُهُ: رُبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى أَنَّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ أَيْ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ كَانَ عَلَى الشِّرْكِ مِثْلَهُمْ وَقَوْلُهُ وَمِنْكُمْ رَجُلٌ يَعْنِي مِنْ أَصْحَابِهِ، وَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مِثْلَهُمْ.