HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٣

حدثنا بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ) قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ. فَلَقِيتُ عِتْبَانَ. فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ. قَالَ: أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ. فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي. فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى. قَالَ فأتى النبي صلى اله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَدَخَلَ وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي. وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ. ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكِبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ. قَالُوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ. وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ. فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصلاة. وَقَالَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ. وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ. قَالَ: «لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَيَدْخُلَ النَّارَ، أَوْ تَطْعَمَهُ». قَالَ أَنَسٌ فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ. فَقُلْتُ لِابْنِي: اكتبه. فكتبه.
ج ١ ص ٦١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١ ص٦٧٣
وقوله: «لا» هي للنهي، وليست داخلة على «أخاف»، بل المعنى: لا تبشر، ثم استأنف، فقال: «أخاف»، وفي رواية كريمة: «إني إخاف» بإثبات التعليل، وللحسن بن سفيان في «مسنده» عن عبيد الله بن معاذ عن معتمر: «قال: لا، دَعْهُمْ، فليتنافسوا في الأعمال، فإني أخاف أن يتكلوا»، انتهى ما في «الفتح» ، وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥٦] (٣٣) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ - قَالَ: حَدَّثنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَني مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيع، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عِتْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ، قَالَ: أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْء، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأَتِيَنِي، فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ -، وَمَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِه، فَدَخَلَ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي، وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكُبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُم، قَالُوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الصَّلَاةَ، وَقَالَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟»، قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي قَلْبِه، قَالَ: «لَا يَشْهدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَيَدْخُلَ النَّارَ - أَوْ - تَطْعَمَهُ»، قَالَ أَنَسٌ: فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ، فَقُلْتُ لِابْنِي: اكْتُبْهُ، فَكَتَبَهُ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) هو: شَيْبان بن أبي شَيْبَة الْحَبَطِيّ - بمهملة، وموحّدة مفتوحتين - مولاهم، أبو محمد الأُبُلّيّ - بضم الهمزة، والموحّدة، وتشديد اللام - صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩]. روى عن جرير بن حازم، وأبي الأشهب الْعُطَارديّ، وأبان بن يزيد العطار، وحماد بن سلمة، وسلام بن مسكين، وعبد الوارث عن سعيد، وسليمان بن المغيرة، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له أبو داود والنسائي بواسطة أبي بكر الأحمدين: ابنِ إبراهيم العطار، وابنِ علي بن سعيد المروزيّ، وزكرياء بن يحيى السِّجْزيّ، وأبو يعلى، والحسن بن سفيان، وَبَقِيّ بن مَخْلَد، وجعفر بن محمد الفريابيّ، وعبد الله بن أحمد، وعبدان الأهوازي، وعثمان الدارميّ، وموسى بن هارون، وغيرهم. قال أحمد بن سعد بن إبراهيم، عن أحمد بن حنبل: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال أبو حاتم: كان يَرَى الْقَدَر، واضطَرَّ الناس إليه بأَخَرَة، وقال ابنُ قانع: صالحٌ، وقال مسلمة: ثقةٌ، وقال الساجيّ: قَدَريّ، إلا أنه كان صدوقًا. وقال أبو الشيخ، عن عبدان الأهوازيّ، كان شيبان أثبت عندهم من هُدْبة، مولده في حدود سنة (١٤٠)، ومات سنة (٢٣٦)، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأَرَّخَها ابن قانع سنة (٦). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٩٣) حديثًا. [تنبيه]: قوله: «ابن فَرُّوخ» هو بفتح الراء، وضم الراء المشدّدة، وبالخاء المعجمة، غير مصروف؛ للعجمة والعلمية، قال صاحب «كتاب العين»: فَرُّوخ اسم ابن لإبراهيم الخليل ﵇، هو أبو العجم، وكذا نقل صاحب «المطالع» وغيره أن فَرُّوخ ابن لإبراهيم ﵇، وأنه أبو العجم، وقد نص جماعة من الأئمة على أنه لا يَنصرف لما ذكرناه، قاله النوويّ . ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنَ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة، أخرج له البخاريّ مقرونًا، وتعليقًا [٧] (ت ١٦٥) (ع) ٣/ ١١٠. ٣ - (ثَابِتٌ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع و١٢٠) (ع) ٣/ ١١٠. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - المذكور في السند الماضي. ٥ - (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بن سُرَاقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن عديّ بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ الْخَزْرَجي، أبو نعيم، ويقال: أبو محمد المدنيّ، ويقال في نسبه غير ذلك، كان خَتَنَ عبادةَ بن الصامت. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عِتْبان بن مالك، وعُبادة، وأبي أيوب، وروى عنه أنس بن مالك، والزهريّ، ورَجَاء بن حَيْوَة، ومكحول الشاميّ، وهانئ بن كُلْثوم، وأبو بكر بن أنس، نزيلُ بيت المقدس. قال البغويّ: سكن المدينة، وروى أنه عَقَل من رسول الله - ﷺ - مَجَّةً مَجَّها من دلو في دارهم، أخرجه البخاريّ من طرُق عن الزهريّ عنه، وهو عند مسلم في أثناء حديث، وأخرجه البغويّ من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن محمود، قال: ما أنسى مجّةً مجّها رسول الله - ﷺ - من بئر في دارنا في وجهي، ووقع في بعض طرقه: وأنا ابن خمس سنين . قال الواقديّ: وإبراهيم بن المنذر: مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن ثلاث وتسعين. قال الحافظ: فعلى هذا يكون مولده سنة ست، فيكون له عن عند موت النبيّ - ﷺ - أربع سنين، أو يكون دخل في الخامسة، فقد رَوَى الطبراني بسند صحيح عنه أنه قال: تُوُفّي النبيّ - ﷺ -، وأنا ابن خمس سنين، وقال ابن حبان في «الصحابة»: مات سنة تسع، وهو ابن أربع وتسعين، وأكثر رواياته عن الصحابة وأمه جميلة بنت صَعْصَعَة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: له رؤية، وليست له صحبة، وقال العجليّ: ثقةٌ، من كبار التابعين . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٣٣) و(٨٧٤) وكرّره ثلاث مرّات، (و١٤٩٦). ٦ - (عِتْبَانُ بْنُ مَالِك) بن عمرو بن الْعَجْلان بن زيد بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاريّ السَّالِمِيّ البدريّ. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه أنس، ومحمود بن الربيع، والحصين بن محمد السالميّ، وأبو بكر بن أنس بن مالك، قال ابن عبد البر: لم يذكره ابن إسحاق في البدريين، وذكره غيره، ومات في خلافة معاوية، وذكر ابن سعد أن النبيّ - ﷺ -، آخى بينه وبين عمر بن الخطاب - ﵄ -. أخرج له البخاريّ، والمصنف، وأبو داود في «مسند مالك»، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٨٧٤)، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن شيخه، ومحمود بن الربيع، وعتبان بن مالك هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لشيخه (٩٣) حديثًا، ولمحمود - ﵁ - ثلاثةٌ، ولعتبان - ﵁ - حديثان فقط، كما أسلفناه آنفًا. ٣ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بشيبان في الكتب الستة أربعة: [الأول]: شيبان بن أُميّة القتبانيّ المصريّ، مجهول من الطبقة الثالثة، عند أبي داود. [الثاني]: شيبان بن عبد الرحمن النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة من السابعة، عند الجماعة. [الثالث]: شيخ المصنّف هذا المترجم هنا. [الرابع]: شيبان بن مُحَزِّم - بفتح المهملة، وكسر الزاي المثقّلة، ضبطه هكذا ابن ماكولا، مقبول من الطبقة الثالثة، عند النسائيّ في «مسند عليّ - ﵁ -». ٤ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وغير عتبان - ﵁ -، فلم يُخرج له الترمذيّ أصلًا، وأبو داود في «سننه». ٥ - (ومنها): أنه اجتمع فيه ثلاثة صحابيون، روى بعضهم عن بعض، وهم: أنسٌ، ومحمود، وعتبان - ﵃ -. ٦ - (ومنها): أن رواية أنس عن محمود من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإنه أكبر منه سنًّا وعلمًا ومرتبةً ﵃ أجمعين. ٧ - (ومنها): أن قوله: «حدثني ثابت، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: حدثني محمود بن الربيع، عن عِتْبَانَ بن مالك، قال: قدمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك»، هذا اللفظ شبيه بما تقدَّم في الباب الماضي من قوله: «عن ابن محيريز، عن الصُّنابحيّ، عن عبادة بن الصامت - ﵁ -»، وقد قدَّمنا بيانه واضحًا، وتقرير هذا الذي نحن فيه: حدثني محمود بن الربيع، عن عتبان بحديثٍ قال فيه محمود: قَدِمتُ المدينة، فلقيتُ عتبان، وقد قال في الرواية الثانية: عن ثابت، عن أنس، قال: حدثني عتبان بن مالك، وهذا لا يُخالف الأول؛ فإن أنسًا سمعه أوّلًا من محمود، عن عتبان - ﵃ -، ثم اجتمع أنس بعتبان، فسمعه منه، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أن محمودًا، وعتبان - ﵄ - من المقلّين من الرواية، فليس لعتبان - ﵁ - إلا هذا الحديث عندهم إلا أبا أبا داود، والترمذيّ ، ولا لمحمود - ﵁ - غير هذا الحديث عند الشيخين، والنسائيّ، وابن ماجه، وحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - في قراءة الفاتحة في الصلاة عندهم ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء، مكبّرًا (عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين المهملة، وبعدها تاء مثنّاة من فوقُ ساكنة، ثم باء موحدة، قال النوويّ: وهذا الذي ذكرناه من كسر العين، هو الصحيح المشهور الذي لم يَذْكُر الجمهور سواه، وقال صاحب «المطالع»: وقد ضبطناه من طريق ابن سَهْل بالضم أيضًا، انتهى . (قَالَ) أي محمود (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ) النبويّة، أي راجعًا من غزوة الروم، كما بُيِّن في رواية أخرى، فإن الحديث مختصرٌ، وقد ساقه النسائيّ رحمه الله تعالى مطوّلًا في «السنن الكبرى» ٦/ ٢٧٢ فقال: (١٠٩٤٧) - أخبرنا سُويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - عن معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني محمود بن الربيع، زعم أنه عقل رسول الله - ﷺ -، وعَقَلَ مَجَّةً مَجَّها من دلو كانت في دارهم، قال: سمعت عِتْبان بن مالك الأنصاريّ، ثم أحدَ بني سالم يقول: كنت أصلي لقومي بني سالم، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت له: إني قد أنكرت بصري، وإن السيول تَحُول بيني وبين مسجد قومي، فلَوَدِدْتُ أنك جئت، فصليت في بيتي مكانًا أتَّخِذُه مسجدًا، فقال النبي - ﷺ -: «أَفْعَلُ - إن شاء الله تعالى -»، فغدا عليّ رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر معه، بَعْدَمَا اشتدّ النهارُ، فاستأذن النبيّ - ﷺ -، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: «أين تُحِبُّ أن أصلي من بيتك»، فأشرت له إلى المكان الذي أُحِبّ أن يصلي فيه، فقام رسول الله - ﷺ -، وَصَفَفْنا خلفه، ثم سَلَّم، وسَلَّمنا حين يسلم، فحَبَسْنَاه على خَزِيرٍ صُنِع له، فسمع به أهل الدار، فثابوا حتى امتلأ البيت، فقال رجل: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل منا: ذاك رجل منافقٌ، لا يحب الله ورسوله، فقال النبيّ - ﷺ -: «ألا تقولونه يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟»، قال: أما نحن فَنَرَى وجهه وحديثه إلى المنافقين، فقال رسول الله - ﷺ - أيضًا: «ألا تقولونه يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟»، قال: بلى، أُرَى يا رسول الله، فقال النبيّ - ﷺ -: «لن يوافي عبدٌ يومَ القيامة، وهو يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، إلا حَرَّم الله عليه النار». قال محمود: فحَدَّثتُ قومًا، فيهم أبو أيوب، صاحب رسول الله - ﷺ - في غزوته التي تُوُفّي فيها، مع يزيد بن معاوية، فأَنْكَر ذلك عليَّ، وقال: ما أظن أن رسول الله - ﷺ - قال: ما قلتَ قط، فَكَبُرَ ذلك عليَّ، فجعلت لله عليّ إن سَلَّمني، حتى أَقْفُلَ من غزوتي، أن أسأل عنها عتبان بن مالك إن وجدته حيًّا، فأهللتُ من إيلياء بحج وعمرة ، حتى قَدِمْتُ المدينة، فأتيتُ بني سالم، فإذا عتبان بن مالك شيخ كبير، قد ذهب بصره، وهو إمام قومه، فلما سَلَّم من صلاته جئته، فسلمتُ عليه، وأخبرته مَنْ أنا، فحدثني كما حدثني به أولَ مَرَّةٍ، انتهى . (فَلَقِيتُ عِتْبَانَ) بن مالك - ﵁ - (فَقُلْتُ: حَدِيثٌ) التنوين للتعظيم، أي حديث عظيم، وهو مبتدأ، سوّغه كونه فاعلًا في المعنى، أو الوصف المقدّر، وخبره جملة قوله: (بَلَغَنِي عَنكَ) ومراده بهذه الجملة السؤال عن الحديث، كأنه قال: حَدَّثني به. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «بلغني عنك» هذا لا يُخالف ما تقدّم في رواية النسائيّ المطولة مما يقتضي أنه سمعه منه أوّلًا؛ لاحتمال أن يكون قوله: «بلغني عنك»؛ لأجل أن يعتني عتبان بتحديثه الحديثَ على الوجه؛ إذ لو علم أنه سمعه منه قبل هذا ربّما اختصر الحديث، ولم يُحدّثه مفصّلًا؛ لعلمه أنه سمعه منه قبل هذا، وأما إذا علم أنه لم يسمعه منه أصلًا، فيعتني بتحديثه مستوعبًا مفصّلًا، ويحتمل أن يكون سمعه منه ومن غيره، ثم لَمّا أراد الآن أن يُحدّثه لإزالة إنكار أبي أيوب - ﵁ - عليه، ترك سماعه منه؛ لما ذكرناه، وذكر سماعه من غيره، والله تعالى أعلم. (قَالَ) عتبان - ﵁ - (أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ) وقال في الرواية الأخرى: «عَمًى»، فَيحْتَمِل أنه أراد ببعض الشيء العمى، وهو ذهاب البصر جميعه، ويَحتمل أنه أراد ضعف البصر، وذهاب معظمه، وسَمّاه عَمًى في الرواية الأخرى؛ لقربه منه، ومشاركته إيّاه في فوات بعض ما كان حاصلًا في حال السلامة. قاله النوويّ. وفي الرواية الآتية في «الصلاة» من طريق الزهريّ، عن محمود، وهي رواية البخاريّ: «أنه أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري …». قال في «الفتح»: قوله: «قد أنكرت بصري»، كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب كما للمصنف من طريق إبراهيم بن سَعْد ومعمر، ولمسلم من طريق يونس، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيْديّ، والأوزاعيّ، وله من طريق أبي أويس: «لَمّا ساء بصري»، وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: «جَعَلَ بصري يَكِلُّ»، ولمسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت: «أصابني في بصري بعض الشيء»، وكل ذلك ظاهرٌ في أنه لم يكن بَلَغَ العمى إذ ذاك. لكن أخرجه البخاريّ في «باب الرخصة في المطر» من طريق مالك، عن ابن شهاب، فقال فيه: «إنّ عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله - ﷺ -: إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر …» الحديث. وقد قيل: إن رواية مالك هذه معارِضَةٌ لغيره، قال الحافظ: وليست عندي كذلك، بل قول محمود: «إن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى»، أي حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبيّ - ﷺ -، ويبينه قوله في رواية يعقوب: «فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى، يؤمّ قومه»، وأما قوله: «وأنا رجل ضرير البصر»: أي أصابني فيه ضُرّ، كقوله: «أنكرت بصري»، ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد أيضًا: «لَمّا أنكرت من بصري»، وقوله في رواية مسلم: «أصابني في بصري بعض الشيء»، فإنه ظاهر في أنه لم يَكْمُل عماه، لكن رواية مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، بلفظ: «إنه عَمِيَ، فأرسل». وقد جمع ابنُ خزيمة بين رواية مالك وغيره، من أصحاب ابن شهاب، فقال: قوله: «أنكرت بصري»، هذا اللفظ يُطْلَق على من في بصره سُوء، وإن كان يُبْصر بَصَرًا ما، وعلى من صار أعمى لا يُبصر شيئًا، انتهى. والأَوْلَى أن يقال: أَطْلَق عليه «عَمِيَ»؛ لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يَعْهَدُه في حال الصحة، وبهذا تأتلف الروايات، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، وفي الرواية الآتية في «الصلاة»: «إنه أَتَى رسول الله - ﷺ - …»، فيَحتَمِل أن يكون في هذه الرواية نَسَبَ إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا، وَيحتَمِل أن يكون أتاه مرةً، وبَعَث إليه أخرى، إمّا متقاضيًا، وإما مُذَكِّرًا، وفي الطبرانيّ من طريق أبي أُويس، عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبيّ - ﷺ - يومَ جمعة: لو أتيتني يا رسول الله«، وفيه أنه أتاه يوم السبت، وظاهره إن مخاطبة عتبان بذلك كانت حقيقةً لا مجازًا، قاله في»الفتح«. (أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي) وفي رواية أبي نعيم في«المستخرج»:«فقلت: يا رسول الله، إنه قد أصابني في بصري بعض الشيء، فأنا أُحبّ أن تأتيني، فَتُصَلِّيَ … »، (فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي، فَأَتِّخِذَهُ مُصَلَّى) بصيغة اسم المفعول، أي مكان صلاة، زاد في رواية ابن شهاب:«فقال رسول الله - ﷺ -: سأفعل إن شاء الله»(قَالَ) عتبان - ﵁ - (فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ -)، وفي رواية أبي نُعيم:«فأقبل النبيّ - ﷺ - فيمن شاء من أصحابه، حتى أتاني … »(وَ) أتى معه (مَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِهِ) فيه إشارة إلى أن جماعة من الصحابة جاؤوا معه، وفي رواية ابن شهاب الآتية في«الصلاة»:«قال عتبان: فغدا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر الصدّيق حين ارتفع النهار»، قال في«الفتح»: ولم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غير أبي بكر - ﵁ -، حتى إن رواية الأوزاعيّ:«فاستأذنا، فأذنت لهما»، لكن في رواية أبي أويس:«ومعه أبو بكر وعمر»، وللطبراني من وجه آخر عن أنس:«في نفر من أصحابه». فيَحْتَمِل الجمع بأن أبا بكر - ﵁ - صَحِبَهُ وحده في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول، أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه، انتهى. (فَدَخَلَ) أي البيت، وقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلي) جملة حاليّة من مقدّر، توضّحه الروايات الأخرى، تقديره: فلما دخل البيت، سأل عن المكان الذي أُحبّ أن يُصلي فيه، فأريته المكان، فقام، فقوله:«وهو يُصَلِّي»، حال من فاعل«قام»، يوضّح ذلك رواية ابن شهاب الآتية في«الصلاة»بلفظ:«فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: أين تُحبّ أن أصلي من بيتك، قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله - ﷺ -، فكبّر … «، وفي رواية أبي نعيم:»فأقبل النبيّ - ﷺ - يُصلّي، وأصحابه يتحدّثون … « (وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ) جملة حاليّة أيضًا، أي والحال أن أصحابه - ﷺ - يتحدّثون (ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ) - بضم العين، وإسكان الظاء - أي معظمه، والإشارة إلى تحديثهم (وَكُبْرَهُ) - بضم الكاف، وكسرها - لغتان فصيحتان مشهورتان، وذكرهما في هذا الحديث القاضي عياض وغيره، لكنهم رَجّحوا الضم، وقُرئ قول الله ﷾: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] بكسر الكاف وضمها، والكسر قراءة القراء السبعة، والضم في الشواذ ، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبي المفسر رحمه الله تعالى: قراءة العامة بالكسر، وقراءة حُميد الأعرج، ويعقوب الحضرميّ بالضم، قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأٌ، وقال الكسائيّ: هما لغتان، ومعنى قوله: »أسندوا عظم ذلك وكبره«: أنهم تحدَّثُوا، وذكروا شأن المنافقين وأفعالهم القبيحة، وما يَلْقَون منهم، ونَسَبُوا مُعْظَم ذلك إلى مالك بن دُخْشُم». وفي رواية أبي نعيم:«وأصحابه يتحدّثون، ويذكرون المنافقين، وما يَلْقَونه منهم، حتى ارتفعت أصواتهم، واشتدّت، فذكروا مالك بن الدخشم، ويرون أن النبيّ - ﷺ - دعا عليه، فأصابه بعض الشيء». وقوله: (إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ) متعلّق بـ«أسندوا»، و«دُخْشُم»- بضم الدال المهملة، وإسكان الخاء المعجمة، وبعدها ميم -. قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه في الرواية الأولى، وضبطناه في الثانية بزيادة ياء بعد الخاء، على التصغير، وهكذا هو في معظم الأصول، وفي بعضها في الثانية مكبرٌ أيضًا، ثم إنه في الأولى بغير ألف ولام، وفي الثانية بالألف واللام. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: رَوَيناه«دُخْشُم»مكبرًا، و«دُخَيْشِم»مصغرًا، قال: ورويناه في غير مسلم بالنون، بدلَ الميم، مكبرًا ومصغرًا. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى:«دخشم»بدال مهملة مضمومة، ثم خاء معجمة ساكنة، ثم شين مثلثة مضمومة، ثم ميم، وقيل فيه:«الدُّخْشُن»بالنون، ويقال أيضًا:«الدِّخْشِن - بكسر الدال والشين -، وجاء مصغّرًا ومكبّرًا فيهما، غير أن الواقع فيه في روايتنا في »كتاب مسلم«، وفي أصولنا به في رواية مسلم الأولى بالميم مكبّرًا، وهو في أكثرها بغير ألف ولام في الرواية، وهو في الرواية الثانية مصغّر، وبالميم أيضًا، وبالألف واللام، إلا في أصل أبي حازم الحافظ بخطّه، فإنه مكبّر فيه في الثانية أيضًا، والله تعالى أعلم . [تنبيه]: (اعلم): أن مالك بن دُخْشُم هذا من الأنصار، ذكر أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى اختلافًا بين العلماء في شهوده العقبة، قال: ولم يختلفوا أنه شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، قال: ولا يصح عنه النفاق، فقد ظَهَر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه، انتهى. قال النوويّ: وقد نَصّ النبيّ - ﷺ - على إيمانه باطنًا، وبراءته من النفاق بقوله - ﷺ - في رواية البخاريّ رحمه الله تعالى: «ألا تَرَاه قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله تعالى»، فهذه شهادة من رسول الله - ﷺ - له بأنه قالها مُصَدِّقًا بها، مُعْتَقِدًا صدقها، مُتقرِّبًا بها إلى الله تعالى، وشَهِد له في شهادته لأهل بدر بما هو معروف، فلا ينبغي أن يُشَكَّ في صدق إيمانه - ﵁ -، انتهى. وقال في «الفتح»: قال ابن عبد البر: لم يُختَلف في شهود مالك بدرًا، وهو الذي أَسَرَ سهيل بن عمرو، ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال لمن تكلم فيه: «أليس قد شَهِدَ بدرًا؟»، قال: وفي «المغازي» لابن إسحاق: أن النبيّ - ﷺ - بَعَثَ مالكًا هذا، ومَعْنَ بن عَدِيٍّ، فحَرَّقا مسجد الضرار، فدل على أنه بريء مما اتُّهِمَ به من النفاق، أو كان قد أقلع عن ذلك، أو النفاق الذي اتُّهِم به ليس نفاق الكفر، إنما أنكر الصحابة عليه تَوَدُّده للمنافقين، ولعل له عذرًا في ذلك، كما وقع لحاطب - ﵁ -، انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأخير هو الأقرب، والله تعالى أعلم. (قَالُوا) أي الصحابة المتحدّثون (وَدُّوا) هكذا في هذه الرواية بلفظ الغيبة، وفيه التفات، إذ الظاهر وَدِدْنَا بالتكلّم، أي تمنّوا (أَنَّهُ) - ﷺ - (دَعَا عَلَيْهِ) أي على مالك (فَهَلَكَ) فيه جواز تمنّي هلاك أهل النفاق والشقاق، والبدع (وَوَدُّوا أَنَّهُ) أي مالكًا (أَصَابَهُ شَرٌ) قال النوويّ: هكذا هو في بعض الأصول «شَرٌّ»، وفي بعضها «بِشَرّ» بزيادة الباء الجارة، وفي بعضها «شيء»، وكله صحيح، انتهى. (فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الصَّلَاةَ) أي انتهى منها، وسلّم، وفي رواية أبي نُعيم: «فلما قضى النبيّ - ﷺ - الصلاة، التَفَتَ إليهم، فقال: أليس يشهد إلخ» (وَقَالَ) - ﷺ - ردًّا لما قالوه في مالك - ﵁ - («أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟»، قَالُوا: إِنّهُ) أي مالكًا (يَقُولُ ذَلِكَ) أي بلسانه (وَمَا هُوَ) أي قوله (فِي قَلْبِهِ) أي لا يعتقده، ولا يستيقن به (قَالَ) - ﷺ - (لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَيَدْخُلَ النَّارَ) بنصب «يدخلَ» بـ «أن» مضمرةً بعد الفاء الجوابيّة للنفي، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَاجَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَترُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (أَوْ) للشكّ من الراوي (تَطْعَمَهُ) أي تأكله، وفي رواية ابن شهاب: «فقال رسول الله - ﷺ -:»فإن الله قد حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله«. (قَالَ أَنَسٌ) أي ابن مالك - ﵁ - الراوي له عن محمود - ﵁ - (فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ) وفي رواية أبي نُعيم:«قال أنسٌ: فلقيتُ عتبان بن مالك، فحدّثني بهذا الحديث، فأعجبني، وقلت لابني: فكتبه»(فَقُلْتُ لِابْنِي: اكْتُبْهُ، فَكَتَبَهُ) فيه حرص أنس - ﵁ - على العلم، وشدّة عنايته به، حيث لم يكتف بحفظه، بل أمر ابنه أن يكتبه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: سيأتي في«كتاب الصلاة» أن أبا أيوب الأنصاريّ - ﵁ - سمع محمودَ بن الربيع يحدث به عن عتبان، فأنكره عليه، لِمَا يقتضيه ظاهره من أن النار محرَّمة على جميع الموحدين، وأحاديث الشفاعة دالّةٌ على أن بعضهم يُعَذَّب. لكن للعلماء أجوبة عن ذلك: منها: ما رواه مسلم عن ابن شهاب أنه قال عقب حديث الباب: ثم نزلت بعد ذلك فرائض، وأمور نُرَى أن الأمر قد انتهى إليها، فمن استطاع أن لا يَغْتَرّ فلا يغتر. وفي كلامه نظر؛ لأن الصلوات الخمس نزل فرضها قبل هذه الواقعة قطعًا، وظاهره يقتضي أن تاركها لا يُعَذَّب إذا كان موحدًا. وقيل: المراد أن من قالها مخلصًا، لا يترك الفرائض؛ لأن الإخلاص يَحْمِل على أداء اللازم، وتُعُقِّب بمنع الملازمة. وقيل: المراد تحريم التخليد، أو تحريم دخول النار الْمُعَدَّة للكافرين، لا الطبقة المعدة للعصاة. وقيل: المراد تحريم دخول النار بشرط حصول قبول العمل الصالح، والتجاوز عن السيء، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق القول في هذا قريبًا، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عتبان بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» (١١/ ١٥٦) عن شيبان بن فرّوخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، عن محمود بن الربيع، عنه، و(١١/ ١٥٧) عن أبي بكر بن نافع، عن بهز بن أسد، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت به، ولم يذكر محمود بن الربيع، وفي «الصلاة» (٢٦٣) عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ، عن محمود بن الربيع، عنه و(٢٦٤) عن محمد بن رافع، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ به، و(٢٦٥) عن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ به. وأخرجه (البخاريّ) في «الصلاة» (٨٣٨) عن حِبّان بن موسى - وفي «الرقاق» (٦٤٢٢) عن معاذ بن أسد - وفي «استتابة المرتدّين» (٦٩٣٨) و«الصلاة» أيضًا (٨٤٠) عن عبدان - ثلاثتهم عن ابن المبارك، عن معمر - وفي «الصلاة» أيضًا (٦٦٧) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك - و(١١٨٥) عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه - وفيه (٤٢٤) وفي «المغازي» عن القعنبيّ، عن إبراهيم بن سعد - وفيهما عن سعيد بن عُفير - وفي «الأطعمة» (٥٤٠١) وفي «المغازي» أيضًا (٤٠١٠) عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس - خمستهم عن الزهريّ به. وعندهما في حديث يونس، عن الزهريّ، قال: ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاريّ عن حديث محمود فصدّقه. و(النسائيّ) في «الصلاة» (٨٦٣) عن هارون بن عبد الله، عن معن - و(٨٦٣) عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، كلاهما عن مالك به، و(٩١٨) عن نصر بن عليّ، عن عبد الأعلى، عن معمر به، وفيه (١٢٥٠) وفي «التفسير» (١١٤٩٤) عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك به، وفي «عمل اليوم والليلة» (١١٠٥) عن أبي بكر بن نافع به، و(١١٠٩) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: سألت الحصين بن محمد الأنصاريّ عن حديث محمود؟ فصدّقه، و(١١٠٧) وفي «التفسير» (١١٤٩٤) عن عمرو بن عليّ، عن ابن مهديّ، عن سليمان بن المغيرة به، وذكر فيه قصّة محمود بن الربيع، و(١١٠٦) عن محمد بن عليّ بن ميمون الرّقّيّ، عن القعنبيّ، عن سليمان بن المغيرة، بقصّة الشهادتين، ولم يذكر محمود بن الربيع، وأعاد فيه (١١٠٨) بعضه عن سُويد بن نصر. و(ابن ماجه) في «الصلاة» (٧٥٤) عن أبي مروان محمد بن عثمان العثمانيّ، عن إبراهيم بن سعد بطوله. و(مالك) في «الموطّإ» (٤٧٦) و(أحمد) في «مسنده» ٤/ ٤٣ و٤٤ و٥/ ٤٤٩ و٤٥٠ و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٢٣١) و(١٦٥٤) و(١٦٧٣) و(١٧٠٩)، و(أبو نعيم) في «المستخرج» (١٤/ ١٤٣)، (١٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨ و١٩ و٢٠ و٢١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده. ١ - (منها): بيان فضل الشهادتين إذا كانا خالصتين لله تعالى، كما يدلّ على ذلك رواية: «يبتغي بذلك وجه الله»، وبه يطابق الحديث الباب الذي نحن فيه؛ إذ المصنّف رحمه الله تعالى رتّب الأحاديث الأخيرة للدلالة على أن مجرّد التلفّظ غير كاف في تحقّق الإيمان، بل لا بُدَّ من استيقان القلب، ولذلك ترجمت له بقولي: «باب لا يكفي مجرّد التلفّظ بالشهادتين إلخ»، تبعًا للقرطبيّ رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): التبرك بآثار رسول الله - ﷺ -، لأن الصحابة - ﵃ - كانوا يتسابقون فيها، وأما التبرك بآثار غيره من الصالحين، وإن قال به شرّاح هذا الكتاب، كالنوويّ، وغيره، وكذا شُرَّاح البخاريّ، فمما لا دليل عليه، وهو مخالف لهدي السلف رحمهم الله تعالى، فإنهم ما كانوا يفعلونه، مع أن فيهم أفاضل الصحابة، كأبي بكر الصديق، وبقية الخلفاء الراشدين، فما أحد من الصحابة، ولا التابعين تَبَرَّكَ بآثار أبي بكر، وغيره، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٣ - (ومنها): زيارةُ العلماء والفضلاء والكبراء أتباعَهُم، وتلبيتهم دعوتهم، وإكرامهم بالمجيء إلى بيوتهم، والدعاء لهم. ٤ - (ومنها): جواز استدعاء المفضول الفاضلَ؛ لمصلحة تَعْرِض. ٥ - (ومنها): جواز الجماعة في صلاة النافلة، فإن النبيّ - ﷺ - صلّى بهم في بيت عتبان - ﵁ -. ٦ - (ومنها): أنَّ فيه بيانَ أن السنة في نوافل النهار ركعتان كالليل. ٧ - (ومنها): جواز الكلام، والتحدث بحضرة المصلين، ما لم يَشْغَلهم، ويُدْخِلْ عليهم لبسًا في صلاتهم، أو نحوه. ٨ - (ومنها): جواز إمامة الزائر المزور برضاه. ٩ - (ومنها): ذكر من يُتَّهَمُ بِرِيبة أو نحوها للأئمة وغيرهم؛ لِيُتَحَرَّزَ منه. ١٠ - (ومنها): جواز كتابة الحديث وغيره من العلوم الشرعية؛ لقول أنس - ﵁ - لابنه: اكتبه، بل هي مستحبة، وقد جاء في الحديث النهيُ عن كتابة الحديث، وجاء الإذن فيه، فقيل: كان النهي لمن خِيف اتِّكاله على الكتاب، وتفريطه في الحفظ، مع تمكنه منه، والإذن لمن لا يتمكن من الحفظ، وقيل: كان النهي أوّلًا لَمّا خِيف اختلاطه بالقرآن، والإذن بعده لَمّا أُمِن من ذلك، وكان بين السلف من الصحابة والتابعين - ﵃ - خلافٌ في جواز كتابة الحديث، ثم أجمعت الأمة على جوازها، واستحبابها، وإلى هذا أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث» بقوله: كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهَا اخْتُلِفَا … ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجْمَاعًا وَفَى مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمِ … «لَا تَكْتُبُوا عَنِّيَ» فَالْخُلْفُ نُمِي فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ … وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ مِنِ اخْتِلَاطٍ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ … لأَمْنِهِ وَقِيلَ ذَا لِمَنْ نَسَخْ الْكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ وَقِيلَ بَلْ … لآمِنٍ نِسْيَانَهُ لَا ذِي خَلَلْ وقد تقدّم هذا البحث مستوفًى في شرح المقدّمة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ١١ - (ومنها): البداءة بالأهمّ، فالأهمّ، فإنه - ﷺ - في حديث عتبان - ﵁ - هذا بدأ أولَ قدومه بالصلاة، ثم أكل، وفي حديث زيارته لأم سليم - ﵄ - بدأ بالأكل، ثم صَلَّى؛ لأن المهم في حديث عتبان هو الصلاة، فإنه دعاه لها، وفي حديث أم سليم دعته للطعام، ففي كل واحد من الحديثين بدأ بما دُعِي إليه. ١٢ - (ومنها): جواز استتباع الإمام والعالم أصحابه لزيارةٍ، أو ضيافةٍ، أو نحوها، إذا علم أن الداعي لا يكره ذلك . ١٣ - (ومنها): جواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون من الشكوى. ١٤ - (ومنها): بيانُ أنه كان في المدينة مساجد للجماعة، سوى مسجده - ﷺ -. ١٥ - (ومنها): جواز التخلف عن الجماعة في المطر والظلمة، ونحو ذلك. ١٦ - (ومنها): اتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي عن إيطان موضع معين من المسجد، ففيه حديثٌ، رواه أبو داود، وهو محمول على ما إذا استلزم رياءً ونحوه، وسيأتي تمام البحث في هذا في «كتاب الصلاة» - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥٧] (…) - (حَدَّثِنَي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِتْبَاَنُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّهُ عَمِيَ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: تَعَالَ، فَخُطَّ لِي مَسْجِدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَجَاءَ قَوْمُهُ، وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُم، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع الْعَبديّ القيسيّ البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠]. روى عن معتمر بن سليمان، وعُمَر بن عليّ الْمُقَدَّميّ، وابن أبي عديّ، وبهز بن أسد، وغندر، وأبي عامر الْعَقَديّ، وأمية بن خالد، وبشر بن المفضل، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ والنسائيّ، وزكرياء الساجيّ، وسعيد بن عبد الله الْفَرْغَانيّ، وعبد الله بن أبي الدنيا، وعَبْدان الأهوازيّ، وأبو الشيخ محمد بن الحسين الأَبْهَريّ، وأبو رِفَاعة عبد الله بن محمد البصريّ، وغيرهم، قال الذهبيّ في «الكاشف»: ثقة ، مات بعد الأربعين ومائتين. وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا . ٢ - (بَهْز) بن أسد الْعميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) أو قبلها (ع) ٣/ ١١. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة، مولى تميم، ويقال: مولى قريش، وقيل: غير ذلك، ثقة عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بأَخَرة، من كبار [٨]. روى عن ثابت البناني، وقتادة، وخاله حميد الطويل، وخلق كثير. وروى عنه ابن جريج، والثوري، وشعبة وهم أكبر منه، وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وعفّان بن مسلم وغيرهم. قال أحمد: حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر. وقال أيضًا في الحمادين: ما منهما إلا ثقة. وقال حنبل عن أحمد: أسند حماد بن سلمة عن أيوب أحاديث، لا يسندها الناس عنه. وقال أبو طالب عنه: حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثًا. وقال في موضع آخر: هو أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديمًا، يخالف الناس في حديثه. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّورِيُّ عن ابن معين: من خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد. وقال جعفر الطيالسي عنه: من سمع من حماد بن سلمة الأصناف، ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح. وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة. وقال الأصمعي عن عبد الرحمن بن مهدي: حماد بن سلمة صحيح السماع، حسن اللُّقيّ، أدرك الناس، لم يُتَّهَم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسن مَلَكَةَ نفسِهِ ولسانه، ولم يطلقه على أحد، فسَلِمَ حتى مات. وقال ابن المبارك: دخلت البصرة، فما رأيت أحدًا أشبه بمسالك الأُوَلِ من = «تهذيب التهذيب»، ولا في «الخلاصة» شيئًا من التوثيق، ولا غيره، وهذا من الغريب، وذكر في «التقريب» أنه صدوقٌ. حماد بن سلمة. وقال أبو عمر الجرمي: ما رأيت فقيهًا أفصح من عبد الوارث، وكان حماد بن سلمة أفصح منه. وقال عفان: قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير، وقراءة القرآن، والعمل لله من حماد بن سلمة. وقال ابن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا. وقال ابن حبان: كان من العباد المجابي الدعوة في الأوقات، ولم يُنصِف من جانب حديثه، واحتج في كتابه بأبي بكر بن عياش، فإن كان تَرْكُهُ إياه لِمَا كان يخطئ، فغيره من أقرانه، مثل الثوري وشعبة، كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثر حتى تغير، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودًا، ولم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل، والدين، والنُّسُك، والعلم، والْكَتْب، والجمع، والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدع. قال الحافظ: وقد عَرَّض ابن حبان بالبخاري؛ لمجانبته حديث حماد بن سلمة، حيث يقول: لم يُنصف من عَدَل عن الاحتجاج به إلى الاحتجاج بفُلَيح، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك، لَمَّا ذَكَرَ أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام، ترك البخاري حديثهم، قال: وكذلك حماد بن سلمة إمام كبير، مدحه الأئمة وأطنبوا، لَمّا تكلم بعض منتحلي المعرفة، أن بعض الْكَذَبة أدخل في حديثه ما ليس منه، لم يخرج عنه البخاري، مُعْتَمِدًا عليه، بل استشهد به في مواضع؛ لِيُبَيِّن أنه ثقة. وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه، كشعبة، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته. انتهى. وقال الحاكم: لم يخرج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول، إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة. وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لَمّا كَبِرَ ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد، وأخرج من حديثه عن ثابت ما سُمِعَ منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا، أخرجها في الشواهد. وأورد له ابن عدي في «الكامل» عدة أحاديث مما ينفرد به متنًا أو إسنادًا، قال: وحماد من أجلة المسلمين، وهو مفتي البصرة، وقد حدث عنه من هو أكبر منه سنًّا، وله أحاديث كثيرهّ، وأصناف كثيرة، ومشايخ، وهو كما قال ابن المديني: من تكلم في حماد بن سلمة، فاتهموه في الدين. وقال الساجي: كان حافظًا ثقة مأمونًا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر. وقال العجلي: ثقة، رجل صالح، حسن الحديث، وقال: إن عنده ألفَ حديث حسن ليس عند غيره. قال سليمان بن حرب وغيره: مات سنة (١٦٧)، زاد ابن حبان: في ذي الحجة. اسشتهد به البخاري، وقيل: إنه روى له حديثًا واحدًا عن أبي الوليد عنه، عن ثابت ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (١٠٥) حديث. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (حدثني عتبان بن مالك) فيه أن أنسًا - ﵁ - سمعه من عتبان نفسه، بعد ما سمعه عنه بواسطة محمود بن الربيع. وقوله: (أنه عَمِي) تقدّم الجمع بينه وبين قوله: «أصابني في بصري بعض الشيء» في الحديث الماضي، فلا تغفل. وقوله: (فخُطّ لي مسجدًا) أمر من الخطّ، يقال: خطّ على الأرض، من باب نصر: إذا أعلم بعلامة . والمعنى: أعلم لي على موضعٍ؛ لأتّخذه مسجدًا، أي موضعًا أجعل صلاتي فيه، متبرّكًا بآثارك. وقوله: (وجاء قومه) الضمير لعتبان، أي جاء قوم عتبان، والمراد بهم أهل قريته الذين يسكنون حول بيته، ففي رواية ابن شهاب الآتية في «الصلاة»: «قال: فثاب رجال من أهل الدار حولنا، حتى اجتمع في البيت رجال ذوو عدد»، ومعنى «ثاب»: رجع، أو أقبل. وفيه اجتماع أهل المحلّة على الإمام، أو العالم إذا ورد منزل بعضهم؛ ليستفيدوا منه، فقد اجتمع أهل محلة عتبان لَمّا سمعوا بمجيء النبيّ - ﷺ - إلى بيته. وقوله: (ونُعت رجل) ببناء الفعل للمفعول، أي وُصِفَ، يقال: نَعَتَ الرجل صاحبه نَعْتًا، من باب نَفَعَ: إذا وصفه . وقوله: (ثم ذكر إلخ) الضمير لشيخه أبي بكر، يعني أن أبا بكر بن نافع ذكر متن الحديث نحوَ حديث سليمان بن المغيرة الماضي في المعنى، لا في اللفظ، وهذا بيّنٌ ظاهر، من سياقه، فقد ساق النسائيّ رحمه الله تعالى رواية أبي بكر في «عمل اليوم والليلة» ١/ ٥٩٣، فقال: ١١٠٥ - أخبرنا أبو بكر بن نافع، قال: حدّثنا بَهْز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: حدثني عتبان بن مالك، أنه عَمِيَ، فأرسل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: تَعَالَ، فخُطَّ لي مسجدًا، فجاء رسول الله - ﷺ -، وجاء قومه، وتغيب رجل منهم، يقال له: مالك بن الدُّخْشُم، قالوا: يا رسول الله إنه، وإنه، يقعون فيه، فقال رسول الله - ﷺ -: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟»، قالوا: إنما يقولها مُتَعَوِّذًا، قال: «والذي نفسي بيده، لا يقولها أحدٌ صادقًا، إلا حُرّمَتْ عليه النار» انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء الأول من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحر المحيط الثَّجَّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه الله تعالى يوم الجمعة ٧/ ٩/ ١٤٢٤ هـ الموافق ٣١ أكتوبر (تشرين الأول) / ٢٠٠٣ م. أسأل الله العليّ العظيم، ربّ العرش العظيم، أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم، لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثاني مفتتحًا بـ (١٢) - (بَابُ ذَاقَ طَعْمَ الإيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا) رقم الحديث (١٥٨). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك».
مصادر المؤلف (٢٥)

١. «الفتح» ١/ ٢٧٥ - ٢٧٦.

٢. «شرح مسلم» ١/ ٢٤٢.

٣. «الإصابة» ٦/ ٣٣.

٤. «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٠١ - ٣٠٢ و«تهذيب التهذيب» ٤/ ٣٥ - ٣٦.

٥. ترقيم نسخة دار السلام.

٦. راجع: «تحفة الأشراف» ٦/ ٥١٤ - ٥١٦.

٧. راجع: «تحفة الأشراف» ٨/ ٤١ - ٤٢.

٨. «شرح مسلم» ١/ ٢٤٢.

٩. «أي: تظنّونه»، فالقول هنا بمعنى الظنّ.

١٠. هذا رأي له، والسنة هو الإحرام من الميقات التي حدّدها الشارع، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في «كتاب الحجّ» - إن شاء الله تعالى -.

١١. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ٢٧٢.

١٢. «الفتح» ١/ ٦١٩.

١٣. المصدر السابق.

١٤. في كون قراءة حميد الأعرج، ويعقوب من الشواذ نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم.

١٥. «الصيانة» ص ١٩٣ - ١٩٤.

١٦. قوله: في رواية البخاريّ يوهم أنه تفرّد بها، وليس كذلك، فإنها ستأتي للمصنّف أيضًا في «كتاب الصلاة»، في «باب الرخصة في التخلّف عن الجماعة لعذر» وجعلوا له رقم (١٤٩٦) ٢٦٣ الأول رقم تحقيق دار السلام، والثاني رقم محمد فؤاد عبد الباقي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

١٧. «الفتح»١/ ٦٢١.

١٨. «الفتح» ١/ ٦٢٢.

١٩. راجع: «شرح النووي» ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.

٢٠. راجع: «الكاشف» ٣/ ١٧، ولم يذكر، في «تهذيب الكمال»، ولا في =

٢١. وذكره في «تهذيب التهذيب» عن «الزهرة» أن مسلمًا روى عنه أربعة وخمسين حديثًا، والظاهر أن الاختلاف بالتكرار، والله تعالى أعلم.

٢٢. الحديث المذكور هو حديث أبي بن كعب - ﵁ - من رواية ثابت، عن أنس، عنه، في «كتاب الرقاق» من «صحيح البخاريّ»، ولفظه: «قال لنا أبو الوليد»، … فذكره.

٢٣. راجع: «المصباح المنير» ١/ ١٧٣.

٢٤. «المصباح» ٢/ ٦١٢.

٢٥. راجع: «عمل اليوم والليلة» ص ٥٩٣ - ٥٩٤.