HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٥

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بلال، عن عبد الله ابن دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي ﷺ قال: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً. وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمان».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص46
ج ١ ص ٦٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص١٦
و(الترمذيّ) في «الإيمان» (٢٦٢٣) عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن ابن الهاد به، وقال: حسنٌ صحيح. و(أحمد) في «مسنده» ١/ ٢٠٨، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الرضا بهذه الأمور الثلاثة، وأن من رضي بها وجد طعم الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان تفاوت أهل الإيمان فيه، فإن منهم من وصل غايته، ووجده حلاوته، ونسي كدر الدنيا، واستأنس بذكر الله تعالى، واطمأنّ قلبه به، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. ٣ - (ومنها): أن تعبيره بالذوق دون الشبع، ونحوه، يدلّ على أن هذا القدر من الاستحلاء، وإن كان في نفسه رفيعًا، إلا أنه ليس غاية المقصود الذي يجب أن يقف عنده، بل هو يزداد، فكلما ازداد إقباله على ربّه، واشتدّ شوقه إليه، ازدادت العطيّات، وتكاثرت الهبات، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٤) - (بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَان، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، وَكَوْنِ الْحَيَاءِ مِنَ الإِيمَانِ) وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٠] (٣٥) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكُريّ، أبو قُدَامة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سنّيٌّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٣ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) - بفتحتين - هو: عبد الملك بن عَمْرو الْقَيسي البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ القرشيّ مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن زيد بن أسلم، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كيسان، وحميد الطويل، وشريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، وربيعة، وابن عجلان، وموسى بن أنس، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو عامر الْعَقَديّ، وعبد الله بن المبارك، ومعلى بن منصور الرازيّ، وأبو سلمة الخزاعي، ويحيى بن حسان التِّنِّيسيّ، وعبد الله بن وهب، وبشر بن عمر الزهرانيّ، وخالد بن مخلد، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وإسماعيل بن أبي أويس، وأخوه أبو بكر بن أبي أويس، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ، والقعنبيّ، ومحمد بن سليمان لُوَين، وغيرهم . قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، ثقةٌ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ صالحٌ، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: سليمان أحب إليك، أو الدراورديّ؟ فقال: سليمان، وكلاهما ثقةٌ، وقال الذُّهْليّ: ما ظننت أن عند سليمان بن بلال من الحديث ما عنده، حتى نظرت في كتاب ابن أبي أويس، فإذا هو قد تبحّر حديث المدنيين، وقال أبو زرعة: سليمان بن بلال أحبّ إليّ من هشام بن سعد، وقال الخليليّ: ثقةٌ، ليس بمكثر، لقي الزهريّ، ولكنه يروي كثيرَ حديثه عن قدماء أصحابه، وأثنى عليه مالك، وآخرُ مَنْ حَدَّثَ عنه لُوَين، وقال ابن الجنيد عن ابن معين: إنما وَضَعَهُ عند أهل المدينة أنه كان على السُّوق، وكان أروى الناس عن يحيى بن سعيد، وقال عبد الرحمن بن مهديّ: نَدِمْتُ أن لا أكون أكثرت عنه، وقال ابن شاهين في «كتاب الثقات»: قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به، وليس ممن يُعْتَمَد على حديثه، وقال ابن عديّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان بربريًّا جميلًا عاقلًا، حسن الهيئة، وكان يُفتي بالبلد، وولي خراج المدينة، وكان ثقةً، كثير الحديث، مات بالمدينة سنة (١٧٢)، وقال البخاريّ عن هارون بن محمد المزنيّ: مات سنة سبع وسبعين ومائة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وحكى القولين في وفاته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٦) حديثًا. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العَدَويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأنس، وسليمان بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وأبي صالح السمان، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الرحمن، ومالك، وسليمان بن بلال، وشعبة، وصفوان بن سليم، وعبد العزيز بن الماجشون، وابن عجلان، وموسى بن عقبة، وسهيل بن أبي صالح، والسفيانان، وجماعة. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة مستقيم الحديث. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي: ثقة، زاد ابن سعد: كثير الحديث، وقال العجلي: ثقة. وقال ابن عيينة: لم يكن بذاك ثم صار. وقال الليث عن ربيعة: حدثني عبد الله بن دينار، وكان من صالحي التابعين، صدوقًا ديّنًا. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال الساجي: سئل عنه أحمد، فقال: نافع أكبر منه، وهو ثبت في نفسه، ولكن نافع أقوى منه. وقال الْعُقيليّ: في رواية المشايخ عنه اضطراب. وفي «العلل» للخلال: أن أحمد سئل عن عبد الله بن دينار الذي رَوَى عنه موسى بن عُبيدة النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، فقال: ما هو الذي رَوَى عنه الثوري، قيل: فمن هو؟ قال: لا أدري. وجزم الْعُقيليّ بأنه هو، فقال في ترجمته: رَوَى عنه موسى بن عُبيدة، ونظراؤه أحاديث مناكير، الحمل فيها عليهم، ورَوَى عنه الأثبات حديثه عن ابن عمر في النهي عن بيع الولاء وعن هبته، ومما انفرد به حديثُ شعب الإيمان، رواه عنه ابنه، وسهيل، وابن عجلان، وابن الهاد، ولم يروه شعبة، ولا الثوريّ، ولا غيرهما من الأثبات. وفي «رجال الموطأ» لابن الْحَذَّاء: قيل: لا نعلم له رواية عن أحد إلا عن ابن عمر. انتهى. وهذا قصور شديد ممن قاله، فقد سبق آنفًا أنه روى عن غيره. قال ابن سعد، وعمرو بن علي: مات سنة سبع وعشرين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٥) حديثًا. ٦ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في «المقدمَة» ٢/ ٤. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ، والثاني تفرّد به هو، والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سليمان، وعبيد الله سَرَخْسيّ، ثم نيسابوريّ، وعبد بن حميد كِسّيّ - بكسر الكاف، وتشديد السين المهملة، ويَنطِقُ بها الناس بشين معجمة مفتوحةٍ، - نسبة إلى كِسٍّ: مدينة بما وراء النهر، وأبو عامر الْعَقَديّ بصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، وهي من رواية الأقران، فإن وُجدت رواية أبي صالح عن عبد الله صار من المدبّج. قاله في «الفتح» . (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره، فقد روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. وأما شرح الحديث، فسيأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وإنما أخرّته إليه؛ لكونه أتمّ سياقًا من هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١] (…) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً - فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيق، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ، أكثر عنه المصنّف [١٠] (ت ٢٣٤)، وهو ابن (٧٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخره يَهِم من حفظه [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (سُهَيْل) بْنُ أَبِي صَالِحٍ، ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر حفظه بآخره، روى له البخاريّ مقرونًا وتعليقًا [٦]. رَوَى عن أبيه، وسعيد بن المسيب، والحارث بن مخلد الأنصاري، وأبي الحباب سعيد بن يسار، وعبد الله بن دينار، وعطاء بن يزيد الليثي، وخلق كثير. وروى عنه ربيعة، والأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصار، وموسى بن عقبة، ويزيد بن الهاد، ومالك، وشعبة، وابن جريج، والسفيانان، وخلق كثير. قال ابن عيينة: كنا نَعُدّ سهلًا ثبتًا في الحديث. وقال حرب عن أحمد: ما أصلح حديثه. وقال أبو طالب عن أحمد: قال يحيى بن سعيد: محمد - يعني ابن عمرو - أحب إلينا، وما صنع شيئًا، سهيل أثبت عندهم. وقال الدُّوري عن ابن معين: سهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بحجة. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: سهيل أشبه وأشهر - يعني من العلاء -. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إليّ من العلاء. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لسهيل نُسَخ، وقد رَوَى عنه الأئمة، وحدّث عن أبيه، وعن جماعة عن أبيه، وهذا يدل على تمييزه، كونُهُ مَيَّزَ ما سمع من أبيه، وما سمع من غير أبيه، وهو عندي ثبت، لا بأس به، مقبول الأخبار. روى له البخاري مقرونًا بغيره. وعاب ذلك عليه النسائي، فقال السُّلَمي: سألت الدارقطني: لِمَ ترك البخاري حديث سهيل في كتاب «الصحيح»؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان النسائي إذا مَرّ بحديث سهيل، قال: سهيل والله خير من أبي اليمان، ويحيى بن بكير، وغيرهما. وذكر البخاري في «تاريخه» قال: كان لسهيل أخ، فمات فوَجَد عليه، فنسي كثيرًا من الحديث. وذكر ابن أبي خيثمة في «تاريخه» عن يحيى قال: لم يزل أهل الحديث يتّقون حديثه. وذكر العُقيليّ عن يحيى أنه قال: هو صويلح، وفيه لين. وقال الحاكم في باب من عِيبَ على مسلم إخراج حديثه: سهيل أحد أركان الحديث. وقد أكثر مسلم الرواية عنه في الأصول والشواهد، إلا أن غالبها في الشواهد، وقد رَوَى عنه مالك، وهو الْحَكَم في شيوخ أهل المدينة الناقد لهم، ثم قيل في حديثه بالعراق: إنه نسي الكثير منه، وساء حفظه في آخر عمره. وقال أبو الفتح الأزدي: صدوق إلا أنه أصابه بِرْسَام في آخر عمره، فذهب بعض حديثه. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: يخطئ، مات في ولاية أبي جعفر، وكذا أرّخه ابن سعد، وقال: كان سهيل ثقة كثير الحديث. وأرّخه ابن قانع سنة (١٣٨). أخرج له البخاريّ مقرونًا بغيره، وتعليقًا، والباقون، وله في هذا الكتاب (١١٣) حديثًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الْإِيمَانُ) مبتدأ خبره (بضعٌ …) إلخ. قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: الإيمان في هذا الحديث يُراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول:«لا إله إلا الله»، وأدناها: أي أقربها، وهو«إماطة الأذى»، وهما عملان، فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدّمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً، وأن الأعمال الشرعيّة تسمّى إيمانا مجازًا، وتوسّعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله:«مجازًا»فيه نظر؛ بل الحقّ أنها تسمّى إيمانًا حقيقة، لا مجازًا؛ حيث إن الشرع سمّى الكلّ إيمانًا، فلا حاجة لدعوى المجاز، فتبصّر. والله تعالى أعلم. (بِضْعٌ) قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى:«البِضع»، و«البضعة» واحدٌ، بكسر الباء، ويقال بفتحها أيضًا فيهما، وأما اللحم فالبَضْعَةُ بالفتح لا غيرُ، وهو القطعة من الشيء، والفِرْقة منه، واستَعْمَلت العرب الْبِضْعَ فيما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: من ثلاث إلى تسع، وقال الخليل: البضعُ سبعٌ، وقيل: هو ما بين اثنين إلى عشرة، وما بين اثني عشر إلى عشرين، ولا يقال في أحد عشر، ولا اثني عشر، وقال أبو عبيدة: هو ما بين نصف العِقْد، يريد من واحد إلى أربع. انتهى . وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: «البِضع» بكسر الباء، ويقال أيضًا بفتحها، وكذا البضعة، واختَلَف في ذلك أهل اللغة، وفي بعض تفسيرهم له إشكالٌ أنا أُوَضِّحُه، فقيل: هو من ثلاث إلى تسع، وهذا هو الأشهر، وقيل: ما بين اثنين إلى عشر، والظاهر أن هذا تفسير للأول، فيكون البضع مستعملًا في الثلاث، دون ما قبله، غير مستعمل في العشر، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، والظاهر أن هذا هو ما حكاه أبو عمر الزاهد اللغويّ أنه من أربع إلى تسع، وكذا قول الفرّاء: إنه ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة، فعلى هذا لا يُستعمل في الثلاث، ولا في العشر أيضًا. انتهى . وقال العينيّ في «عمدته»: ذكر البنانيّ في «الموعب» عن الأصمعيّ: البضع مثالُ عِلْمٍ: ما بين اثنين إلى عشرة، واثنتي عشرة إلى عشرين فما فوق ذلك، يقال: بضعة عشر في جمع المذكر، وبضع عشرة في جمع المؤنّث، قال تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، ولا يقال: في أحد عشر، ولا اثني عشر، إنما البضع من الثلاث إلى العشر، وقال صاحب «العين»: البِضْعُ: سبعة، وقال قطرُب: أخبرنا الثقة عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ما بين خمس إلى سبع»، وقالوا: ما بين الثلاث إلى الخمس، وقال الفرّاء: البضع نيّفُ ما بين الثلاث إلى التسع، كذلك رأيتُ العرب تفعل، ولا يقولون: بضعٌ ومائة، ولا بضعٌ وألف، ولا يُذكر مع عشر، ومع العشرين إلى التسعين، وقال الزجّاج: معناه القطعة من العدد، تُجعَلُ لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع، وهو الصحيح، وهو قول الأصمعيّ، وقال غيره: البضع من الثلاث إلى التسع، وقال أبو عُبيدة: هو ما بين نصف العشر، يريد ما بين الواحد إلى الأربعة، وقال يعقوب عن أبي زيد: بِضْعٌ، وبَضْعٌ، مثالُ عِلْمٍ، وصَقْرٍ، وفي «المحكم»: البضع ما بين الثلاث إلى العشر، وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة، يضاف إلى ما يُضاف إليه الآحاد، ويُبنى مع العشرة، كما يُبنى سائر الآحاد، ولم يمتنع عشرة، وفي «الجامع» للقزّاز: ﴿بِضْعِ سِنِينَ﴾: قطعة من السنين، وهو يَجري في العدد مجرى ما دون العشرة، وقال قوم: قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ يدلّ على أن البضع سبع سنين؛ لأن يوسف ﵇ إنما لَبِثَ في السجن سبع سنين، وقال أبو عبيدة: ليس البضع العقدَ، ولا نصف العقد، يذهب إلى أنه من الواحد إلى الأربعة، وفي «الصحاح»: لا تقول: بضع وعشرون، وقال الْمُطَرّزيّ في «شرحه»: البضع من أربعة إلى تسعة، هذا الذي حصّلناه من العلماء البصريين والكوفيين، وفيه خلافٌ، إلا أن هذا هو الاختيار. والنيّفُ: من واحد إلى ثلاثة، وقال ابن السيد في «المثلّث»: البضع بالفتح والكسر: ما بين واحد إلى خمسة في قول أبي عبيدة، وقال غيره: ما بين واحد إلى عشرة، وهو الصحيح، وفي «الغريبين» للهَرَويّ: البضع، والبضعة واحد، ومعناهما: القطعة من العدد، زاد عياض: بكسر الباء فيهما، وبفتحها، وفي «العباب»: قال أبو زيد: أقمتُ بَضْع سنين بالفتح، وجلستُ في بَقْعَة طيّبة، وأقمت بَرْهَة كلّها بالفتح ، وهو ما بين الثلاث إلى التسع، وروى الأثرم عن أبي عُبيدة أن البضع ما بين الثلاث إلى الخمس، وتقول: بضع سنين، وبضعة عشر رجلًا، وبضع عشرة امرأةً، فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب لفظ البضع، لا تقول: بضع وعشرون، وقيل: هذا غلط، بل يقال ذلك، وقال أبو زيد: يقال: له بضعة وعشرون رجلًا، وبضع وعشرون امرأةً، والبضع من العدد في الأصل غير محدود، وإنما صار مبهمًا؛ لأنه بمعنى القطعة، والقِطعةُ غير محدودة . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال المحقّقين من أهل اللغة أن «البضع» - بكسر الباء، وفتحها - عدد مبهم، مقيدٌ بما بين الثلاث إلى التسع؛ لأن هذا هو الذي يؤيّده ما اتفق عليه المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وما رواه الترمذي بسند صحيح : أن قريشًا قالوا ذلك لأبي بكر، وكذا رواه الطبريّ مرفوعًا، قاله في (وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ) هكذا رواية سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار بالشكّ، وفي رواية سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار السابقة:«بضع وسبعون شُعبة»بدون شكّ، ووقع في رواية البخاريّ:«بضع وستّون»، بدون شكّ أيضًا. قال في«الفتح»: لم تختلف الطرق عن أبي عامر، شيخ شيخ البخاريّ في ذلك، وتابعه يحيى الْحِمّاني - بكسر المهملة، وتشديد الميم - عن سليمان بن بلال، أخرجه أبو عوانة، من طريق بشر بن عُمَر، عن سليمان بن بلال، فقال:«بضع وستون، أو بضع وسبعون»، وكذا وقع التردد في رواية مسلم، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، ورواه أصحاب السنن الثلاثة ، من طريقه، فقالوا:«بضع وسبعون»، من غير شك، ولأبي عوانة في«صحيحه»من طريق:«ست وسبعون، أو سبع وسبعون»، ورجّح البيهقي رواية البخاري؛ لأن سليمان لم يَشُكّ، وفيه نظر؛ لما ذكرنا من رواية بشر بن عُمَرَ عنه، فقد تردد أيضًا، لكن يرجح بأنه الْمُتَيَقَّنُ، وما عداه مشكوك فيه، وأما رواية الترمذيّ بلفظ:«أربع وستون»، فمعلولة، وعلى صحتها لا = دون» قال: أراه العشر، قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر، قال: ثم ظهرت الروم بعدُ، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ - إلى قوله -: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة. وأخرج الترمذيّ أيضًا بسنده عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال لأبي بكر في مُنَاحَبَةِ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾: «ألا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس. انتهى، لكن في سنده عبد الله بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ مجهول. تخالف رواية البخاريّ، وترجيحُ روايةِ: «بضع وسبعون»؛ لكونها زيادةَ ثقة؛ كما ذكره الْحَلِيمِيّ، ثم عياض، لا يستقيم، إذ الذي زادها لم يستمرّ على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد الْمَخرَج، وبهذا يتبين شفوف نظر البخاريّ، وقد رجّح ابن الصلاح الأقل؛ لكونه الْمُتَيَقَّنَ. انتهى ما ذكره في «الفتح» . وقوله: (شُعْبَةً) - بضمّ الشين المعجمة، وسكون العين المهملة - منصوب على التمييز، أي خصلةً، يعني أن الإيمان ذو خصال متعدّدة. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: «الشُّعبة» أصلها القِطعة من الشيء، والفِرقة منه، ومنه شَعْبُ الإناء، وشُعُوب القبائل، وشُعَبُها الأربع، وواحد شُعُوب القبائل شَعْبٌ بالفتح، وقيل: بالكسر، وهم القبائل العظام، وشَعْبُ الإناء: صَدْعه بالفتح، ومنه قوله في حديث أنسّ - ﵁ - عند البخاريّ: «أن قدح النبيّ - ﷺ - انكسر، فاتّخذ مكان الشَّعْب سِلْسِلَة من فضّة»، وقال الخليل: الشَّعْبُ: الاجتماع، والشَّعْبُ: الافتراق، قال الهرويّ: هو من الأضداد، وقال ابن دُريد: ليس كذلك، ولكنّها لغة لقوم. انتهى . ووقع عند الترمذيّ، وابن ماجه بلفظ «بَابًا» بدل «شُعْبةً»، أي نوعًا. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقصود هذا الحديث أن الأعمال الشرعيّة تُسمّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا، وأنها منحصرة في ذلك العدد، غير أن الشرع لم يُعيّن ذلك العدد لنا، ولا فصّله، وقد تكلّف بعض المتأخّرين تعديد ذلك، فتصفّح خصال الشريعة، وعدّدها، حتى انتهى بها في زعمه إلى ذلك العدد، ولا يصحّ له ذلك؛ لأنه يمكن الزيادة على ما ذكر، والنقصان مما ذكر ببيان التداخل، والصحيح ما صار إليه أبو سليمان الخطّابيّ وغيره: أنها منحصرة في علم الله تعالى، وعلم رسوله - ﷺ -، وموجودةٌ في الشريعة مفصّلةٌ فيها، غير أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عَيَّنَ لنا عَدَدَها، ولا كيفيّة انقسامها، وذلك لا يضرّنا في علمنا بتفاصيل ما كُلّفنا به من شريعتنا، ولا في عملنا، إذ كلّ ذلك مفصّلٌ مبيّنٌ في جملة الشريعة، فما أُمرنا بالعمل به عملناه، وما نُهينا عنه انتهينا، وإن لم نُحط بحصر أعداد ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى قول القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي البحث في أقوال أهل العلم في عدد الشعب مستوفًى في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. (فَأَفْضَلُهَا) أي أفضل تلك الشُّعَب قدرًا، ودرجةً عند الله تعالى، والفاء فصيحيّة، سمّيت بذلك لكونها أفصحت عن جواب شرط مقدّر، كأنه قيل: إذا كان الإيمان ذا شُعَبٍ كثيرة، يلزم منه ثبوت الفاضل والمفضول، فما أفضلها، وأدناها؟ (قَوْلُ لَا إِلَهً إِلَّا اللهُ) فيه أن كلمة التوحيد أفضل أنواع الإيمان، كما أن الإيمان أفضل أنواع العمل، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: أن رسول الله - ﷺ - سُئِل: أي العمل أفضل؟، فقال: «إيمان بالله ورسوله …» الحديث، متّفق عليه. فـ «أفضلها» مبتدأ، خبره «قول … إلخ». (وَأَدْنَاهَا) أي أقرب هذه الشُّعَبِ البضع والستين، أو البضع والسبعين منزلةً، وأدونها مقدارًا، من الدنوّ بمعنى القرب، يقال: فلانٌ أدنى القدر، وقريب المنزلة، كما يُعبّر بالبعيد عن ضدّ ذلك، فيقال: فلانٌ بعيد الْهِمّة، وبعيد المنزلة، بمعنى الرفيع العالي، ولذلك استعمله في مقابلة الأعلى، قاله الطيبيّ . وفي رواية النسائيّ: «وأوضعها» وهي بمعنى «أدناها» (إِمَاطَةُ الْأَذَى) أي إزالة الأذى، و«الإماطة» - بكسر الهمزة -: مصدر أماط الشيء: إذا أزاله، وأذهبه، قال في «القاموس»: ماطَ يَمِيط مَيْطًا - أي من باب باع -: جارَ، وزَجَرَ، وَمَاطَ عنّي مَيْطًا وميَطانًا: تنحّى، وبَعُدَ، ونَحّى، وأبعد، كأماط فيهما. انتهى. فأفاد أن ماط يتعدّى ويلزم كأماط. و«الأذى»: بالفتح: مصدر أَذِيَ به، كبَقِي بالكسر، وتأذّى، والاسم الأذِيّةُ، والأَذَاةُ، وهي المكروه اليسير. قاله في «القاموس». والمراد هنا: تنحيةُ ما يؤذي المسلمين، كالشوك، والحجر، والشجر، والنجاسة، ونحوها عن طريقهم؛ رفقًا بهم، وعطفًا عليهم. (عَنِ الطَّرِيقِ) متعلّق بـ «إماطة»، وهو يُذكر في لغة نجد، وبه جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧]، ويؤنّث في لغة الحجاز، والجمع طُرُقٌ - بضمّتين - وجمع الطُّرُق طُرُقَات، وقد جُمع الطَّريقُ على لغة التذكير أَطْرِقَة، قاله الفيّوميّ . (وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ) مبتدأ وخبره، وقوله: (مِنَ الْإِيمَانِ) متعلّق بمحذوف، صفة لـ «شُعْبة». ووقع في رواية ابن عمر الآتية: «الحياء من الإيمان»، وفي حديث عمران - ﵁ - الآتي: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، وفي حديث آخر: «الحياء خيرٌ كلُّه» أو قال: «كلّهُ خيرٌ». و«الحياء» - بالمد - في اللغة: تغير، وانكسار، يَعتَرِي الإنسانَ من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه، وفي الشرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر: «الحياء خير كله». انتهى . قيل: الحياء مأخوذ من الحياة، وكأن الحييّ صار لما يَعتريه من التغيّر والانكسار مَؤُوف الحياة، منكسر الْقُوَى، ولذلك قيل: مات حياءً، وجَمَد في مكانه خَجَلًا . وقال الواحديّ رحمه الله تعالى: قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياة، واستحيا الرجل من قُوّة الحياة فيه؛ لشدّة علمه بمواقع الغيب، قال: فالحياء من قُوّة الْحِسّ ولطفِهِ وقوّة الحياة . وقال أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: الحياء حالةٌ تتولّد من رؤية الآلاء، ورؤية التقصير . وقال المازريّ رحمه الله تعالى: إنما كان الحياء - وهو في الأكثر غريزة - من الإيمان الذي هو اكتساب؛ لأن الحياء يمنع من المعصية كما يَمنَع الإيمان منها، والحياء هنا ممدود من الاستحياء. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الحياء: انقباض، وحِشْمَة يجدها الإنسان من نفسه عندما يُطّلع منه على ما يُستقبح، ويُذمّ عليه، وأصله غَرِيزيّ في الفطرة، ومنه مكتسبٌ للإنسان، كما قال بعض الحكماء في العقل: رَأَيْتُ الْعَقْلَ عَقْلَيْنِ … فَمَطْبُوعٌ وَمَصْنُوعُ وَلَا يَنْفَعُ مَصْنُوعٌ … إِذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ كَمَا لَا تَنْفَعُ الْعَيْنُ … وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعُ وهذا المكتسب هو الذي جعله الشرع من الإيمان، وهو الذي يُكلّف به، وأما الغريزيّ، فلا يُكلّف به، إذ ليس ذلك من كسبنا، ولا في وُسعنا، ولم يُكلّف الله نفسًا إلا وسعها، غير أن هذا الغريزيّ يَحمل على المكتسب، ويُعين عليه، ولذلك قال - ﷺ -: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، و«الحياء خير كلّه». وأول الحياء، وأولاه: الحياء من الله تعالى، وهو أن لا يراك حيث نهاك، وذلك لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة، ومراقبة له حاصلة، وهي المعبّر عنها بقوله - ﷺ -: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك». وقد روى الترمذيّ من حديث ابن مسعود - ﵁ - أنه - ﷺ - قال: «استحيوا من الله حقَّ الحياء»، فقالوا: إنا نستحيي، والحمد لله، فقال: «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حقّ الحياء أن تحفظ الرأس، وما حوى، والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبِلَى، فمن فعل ذلك، فقد استحيى من الله حقّ الحياء» . قال: وأهل المعرفة في هذا الحياء منقسمون، كما أنهم في أحوالهم متفاوتون، وقد كان النبيّ - ﷺ - جُمع له كمال نوعي الحياء، فكان في الحياء الغريزيّ أشدّ حياء من العذراء في خِدرها، وفي حيائه الكسبيّ في ذِرْوتها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى . [فإن قيل]: الحياء من الغرائز، فكيف جعل شعبة من الإيمان؟. [أجيب]: بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقًا واكتسابًا، ولكن استعماله على وفق الشرع، يحتاج إلى اكتساب، وعلم، ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على فعل الطاعة، وحاجزًا عن فعل المعصية، ولا يقال: رُبَّ حياء يمنع عن قول الحق، أو فعل الخير؛ لأن ذاك ليس شرعيًّا. وقال القاضي عياض وغيره من الشُّرّاح: إنما جُعِل الحياء من الإيمان، وإن كان غَرِيزةً؛ لأنه قد يكون تخلُّقًا، واكتسابًا، كسائر أعمال البرّ، وقد يكون غريزةً، ولكن استعماله على قانون الشرع يَحتاج إلى اكتسابٍ، ونِيّة، وعِلْمٍ، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على أفعال البرّ، ومانعًا من المعاصي. وأما كون الحياء خيرًا كلّه، ولا يأتي إلا بخير، فقد يُشْكِل على بعض الناس من حيثُ إنّ صاحب الحياء قد يَستحيي أن يواجه بالحق مَن يُجِلّه، فيترك أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وقد يَحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك، مما هو معروف في العادة. والجواب عن هذا ما قاله جماعة من الأئمة منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: إن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقةً، بل هو عَجْزٌ وخَوَرٌ، ومَهَانَةٌ، وإنما تَسميتُهُ حياءً من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا؛ لمشابهته الحياءَ الحقيقيَّ، وإنما حقيقةُ الحياء خُلُقٌ يَبْعَث على ترك القبيح، وَيمْنَع من التقصير في حق ذي الحقّ، ونحو هذا، ويدل عليه ما سبق عن الجنيد رحمه الله تعالى . [فإن قيل]: لِمَ أفرده بالذكر هنا؟. [أجيب]: بأنه كالداعي والباعث إلى باقي الشُّعَب، إذ الْحَيِيُّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر، وينزجر. ذكره في «الفتح» . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [١٤/ ١٦٠] (٣٥) عن عبيد الله بن سعيد، وعبد بن حُميد، كلاهما عن أبي عامر الْعَقَديّ، عن سليمان بن بلال، و[١٤/ ١٦١] عن زُهير بن حرب، عن جرير بن عبد الحميد، عن سُهيل، كلاهما عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عنه. و(البخاريّ) في «الإيمان» (٩) عن عبد الله بن محمد الْجُعْفيّ، عن أبي عامر الْعَقَديّ به، وأخرجه أيضًا في «الأدب المفرد» (٥٩٨) عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن سُهيل به. و(أبو داود) في «السنّة» (٤٦٧٦) عن موسى بن إسماعيل، عن حمّاد، عن سُهيل به. و(الترمذيّ) في «الإيمان» (٢٦١٤) عن أبي كُريب، عن وكيع، عن سفيان الثوريّ، عن سُهيل به، وقال: حسنٌ صحيح. و(النسائيّ) في «الإيمان» (٨/ ١١٠) عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، عن أبي عامر الْعَقَديّ به، وعن أحمد بن سليمان، عن أبي داود الْحَفَريّ، وأبي نُعيم، كلاهما عن سفيان به، وعن يحيى بن حبيب بن عربيّ، عن خالد بن الحارث، عن ابن عَجْلان، عن عبد الله بن دينار ببعضه: «الحياء من الإيمان». و(ابن ماجه) في «السنّة» (٥٧) عن عليّ بن محمد الطَّنَافسيّ، عن وكيع به، وعن عَمْرو بن رافع، عن جَرِير به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان نحوه. و(أحمد) في «مسنده» ٢/ ٣٧٩ و٢/ ٤٤٢ و٤٤٥، و(أبو نعيم) في «المستخرج» (١٤٦) و١٤٧، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦٧) و(١٩٠)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الإيمان له شعب كثيرة. ٢ - (ومنها): أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهو الحقّ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وخالف فيه بعضهم، ولا اعتداد به، كما تقدّم بيانه مفصّلًا أول كتاب الإيمان. ٣ - (ومنها): بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أفضل الشعب إذ يدعو إلى بقية الشعب، فمن كان حييًّا فإن حياءه يدعوه إلى أن يعمل بمقتضى إيمانه، ويتجنب ما يناقضه. ٤ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: في قوله: «أعلاها قول لا إله إلا الله»: ما يَستدلّ به من يقول: إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقًا، وإنها أفضل من كلمة الحمد، وفي ذلك اختلاف، ذكره ابن عبد البرّ، وغيره. انتهى. ٥ - (ومنها): أن في قوله: «أعلاها لا إله الا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»: إشارةً إلى أن مراتبها متفاوتة. ٦ - (ومنها): أن تعريف المسند إليه - أعني «الإيمان» - إنما يُقصد لإتمام الفائدة للسامع؛ لأن فائدته من الخبر إمّا الحكم، أو لازمه، كما بُيّن في موضعه، وفيه الفصل بين الجملتين بالواو؛ لأنه قُصد التشريك، وتعيين الواو؛ لدلالتها على الجمع، وفيه تشبيه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشُعَب، كما شُبّه في حديث «بُني الإسلام على خمس» بخباء ذات أعمدة وأَطْناب. ٧ - (ومنها): ما قيل في وجه الحكمة في تخصيص الستين في رواية البخاريّ، والسبعين في رواية المصنّف، وأصحاب «السنن». فأما الحكمة في تعيين الستيّن وتخصيصها، فهي أنّ العدد إما زائد، وهو ما أجزاؤه أكثر منه، كالاثني عشر، فإن لها نصفًا، وثلثًا، وربعًا، وسدسًا، ونصف سدس ، ومجموع هذه الأجزاء أكثر من اثني عشر، فإنه ستة عشر، وإما ناقص، وهو ما أجزاؤه أقلّ منه، كالأربعة، فإن لها الربع، والنصف فقط، وإمّا تامّ، وهو ما أجزاؤه مثله، كالستّة، فإن أجزاءها النصف، والثلث، والسدس، وهي مساوية للستّة، والفضل من بين الأنواع الثلاثة للتامّ، فلما أُريد المبالغة فيه جُعلت آحادها أعشارًا، وهي الستّون. وأما الحكمة في تعيين السبعين فهي أن السبعة تشتمل على جملة أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى فرد وزوج، وكلّ منهما إلى أول ومركّب، والفرد الأول ثلاثةٌ، والمركّب خمسة، والزوج الأول اثنان، والمركّب أربعةٌ، وينقسم أيضًا إلى مُنطق، كالأربعة، وأصمّ، كالستّة، والسبعة تشتمل على جميع هذه الأقسام، فلما أريد المبالغة فيه جُعلت آحادها أعشارًا، وهي السبعون. وأما زيادة البِضْع على النوعين، فقد عُلم أنه يُطلق على الستّ، وعلى السبع؛ لأنه ما بين اثنين إلى عشرة وما فوقها، كما نصّ عليه صاحب «الموعب»، ففي الأول الستة أصل الستين، وفي الثاني السبعة أصل السبعين، كما ذكرناه، فهذا وجه تعيين أحد هذين العددين . ٨ - (ومنها): أن المراد من هذين العددين، هل هو حقيقة أم ذُكرا على سبيل المبالغة؟ فقال بعضهم: أريد به التكثير دون التعديد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] الآية، قال الطيبيّ: الأظهر معنى التكثير، ويكون ذكر البضع للترقّي، يعني أن شُعَب الإيمان أعداد مبهمة، ولا نهاية لكثرتها؛ إذ لو أريد التحديد لم يُبهَم، وقال بعضهم: العرب تستعمل السبعين كثيرًا في باب المبالغة، وزيادةُ السبع عليها التي عبّر عنها بالبضع لأجل أن السبعة أكمل الأعداد؛ لأن الستة أول عدد تامّ، وهي مع الواحد سبعة، فكانت كاملة؛ إذ ليس بعد التمام سوى الكمال، وسُمّي الأسد سبعًا؛ لكمال قوّته، والسبعون غاية الغاية؛ إذ الآحاد غايتها العشرات. ٩ - (ومنها): ما وقع من الاختلاف في الترجيح بين الروايتين، فقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: الصواب ما وقع في سائر الأحاديث، ولسائر الرواة: «بضع وسبعون»، ومنهم من رجّح رواية: «بضع وستّين»؛ لأنها الْمُتيَقَّن. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: الصواب ترجيح: «بضع وسبعين»؛ لأنها زيادة من ثقات، وزيادة الثقات مقبولة مقدّمة، وليس في رواية: «بضع وستين» ما يمنع الزيادة . قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن تكون رواية الستين مقدّمة على رواية السبعين، وكان شُعَب الإيمان عند صدوره من النبيّ - ﷺ - هذا القدر، ثم قال مرّة أخرى عند زيادة الشُّعَب بلفظ: «سبعون»، فيكون كلاهما صوابًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال سيأتي تعقّب الحافظ ابن رجب له، فتنبّه. وقال الخطابيّ رحمه الله تعالى: الإيمان اسم يتشعّب إلى أمور ذوات عدد، جِمَاعها الطاعة، ولذا صار من صار من العلماء إلى أن الناس متفاضلون في درج الإيمان، وإن كانوا متساوين في اسمه، وكان بدء الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله - ﷺ - بقيّة عمره يدعو الناس إليها، وسَمَّى من أجابه إلى ذلك مؤمنًا إلى أن نزلت الفرائض، وبهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآية، وهذا الحكم مستمرّ في كلّ اسم يقع على أمر ذي شُعَب؛ كالصلاة، فإن رجلًا لو مرّ على مسجد، وفيه قومٌ، منهم من يستفتح الصلاة، ومنهم من هو راكع، أو ساجد، فقال: رأيتهم يصلّون كان صادقًا، مع اختلاف أحوالهم في الصلاة، وتفاضل أفعالهم فيها. [فإن قيل]: إذا كان الإيمان بضعًا وسبعين شُعبةً، فهل يمكنكم أن تسمّوها بأسمائها، وإن عجزتم عن تفصيلها، فهل يصحّ إيمانكم بما هو مجهول عندكم؟. [قلنا]: إيماننا بما كُلّفناه صحيحٌ، والعلم به حاصل، وذلك من وجهين: الأول: أنه قد نَصَّ على أعلى الإيمان وأدناه باسم أعلى الطاعات وأدناها، فدخل فيه جميع ما يقع بينهما، من جنس الطاعات كلّها، وجنس الطاعات معلوم. والثاني: أنه لم يوجِبْ علينا معرفة هذه الأشياء بخواصّ أسمائها حتى يلزمنا تسميتها في عقد الإيمان، وإنما كَلّفَنا التصديق بجملتها، كما كَلّفنا الإيمان بملائكته، وإن كنّا لا نعرف أسماء أكثرهم، ولا أعيانهم. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: بيّن النبيّ - ﷺ - أعلى شُعَب الإيمان وأدناها، كما ثبت في «الصحيح» من قوله - ﷺ -: «أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، فبيّن أن أعلاها التوحيد المتعيّن على كلّ مكلّف، والذي لا يصحّ غيره من الشعب إلا بعد صحّته، وأن أدناها دفع ما يُتوقّع به ضرر المسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بينهما إتمام العدد، فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده، كما نؤمن بالملائكة، وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم. ذكره الكرمانيّ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف الحفّاظ في إسناد هذا الحديث: (اعلم): أن هذا الحديث وقع عند المصنّف بلفظ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، هكذا رواه أبو عامر الْعَقَديّ، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، وفي رواية زُهير بن حرب، عن جرير بن عبد الحميد، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -: «بضع وسبعون - أو بضع وستون -» على الشكّ، ورواه البخاري في أول الكتاب من رواية الْعَقَديّ: «بضع وستون»، بلا شكّ، ورواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما من رواية سهيل: «بضع وسبعون» بلا شك، ورواه الترمذيّ من طريق آخر، وقال فيه: «أربعة وستون بابًا». وقد اختَلَفَ العلماء في الترجيح بين الروايتين، فقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: الصواب ما وقع في سائر الأحاديث، ولسائر الرواة: «بضع وستون» ، وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: هذا الشك الواقع في رواية سهيل هو من سهيل، كذا قاله الحافظ أبو بكر البيهقيّ رحمه الله تعالى، وقد رُوي عن سهيل: «بضع وسبعون» من غير شكّ، وأما سليمان بن بلال، فإنه رواه عن عمرو بن دينار على القطع، من غير شكّ، وهي الرواية الصحيحة، أخرجاها في «الصحيحين»، غير أنها فيما عندنا من كتاب مسلم: «بضع وسبعون»، قطعًا بالأكثر، وفيما عندنا من كتاب البخاريّ: «بضع وستون»، قطعًا بالأقلّ، وقد نقلت كل واحدة عن كل واحد من الكتابين، ولا إشكال في أن كل واحدة منهما رواية معروفة في طُرُق روايات هذا الحديث، واختلفوا في الترجيح بينهما، والأشبه بالإتقان، والاحتياط ترجيح رواية الأقلّ، ومنهم من رَجَّح رواية الأكثر، وإياها اختار أبو عبد الله الْحَلِيميّ، فإن الحكم لمن حَفِظَ الزيادة، جازمًا بها. قال: ثم إن الكلام في تعيين هذه الشُّعَب المطلوب، وقد صُنِّفَت في ذلك مصنفات، ومن أغزرها فوائد كتاب «المنهاج» لأبي عبد الله الْحَلِيميّ إمام الشافعيين ببخارى، وكان من رُفَعاء أئمة المسلمين، وحَذَا حَذْوه الحافظ أبو بكر البيهقيّ رحمه الله تعالى في كتابه الجليل الحفيل، كتاب «شُعَب الإيمان». انتهى كلام ابن الصلاح . وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعد أن أورد رواية البخاريّ بلفظ: «الإيمان بضع وستون شعبة» ما نصّه: وخرّجه مسلم من هذا الوجه، ولفظه: «بضع وسبعون». وخرّجه مسلم أيضًا من رواية جرير، عن سُهيل، عن عبد الله بن دينار به، وقال في حديثه: «بضع وسبعون - أو بضع وستون -» بالشكّ، وهذا الشكّ من سُهيل، كذا جاء مصرّحًا به في «صحيح ابن حبّان»، وغيره. وخرّجه مسلم أيضًا من حديث ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار به، وقال في حديثه: «الإيمان سبعون - أو اثنان وسبعون - بابًا» . ورواه ابن عجلان، عن عبد الله بن دينار، وقال: «ستّون، - أو سبعون -». ورُوي عنه أنه قال في حديثه: «ستون»، أو «سبعون»، أو «بضع» وأحد من العددين، أخرجه ابن أبي شيبة في «الإيمان» (٦٧) ومن طريقه ابن ماجه «٥٧». ورُوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه بهذا اللفظ أيضًا. أخرجه ابن منده في «الإيمان» ١/ ٢٩٦. وروي عنه بلفظ آخر، وهو: «الإيمان تسعة - أو سبعة - وسبعون شعبة». وخرّجه الترمذيّ من رواية عُمارة بن غَزِيّة، وقال فيه: «الإيمان أربعة وسبعون بابًا». وقد رُوي عن عمارة بن غزيّة، عن سُهيل، عن أبيه، وسهيل لم يسمعه من أبيه، إنما رواه عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح. فمدار الحديث على عبد الله بن دينار، لا يصحّ عن غيره. وقد ذكر العُقيليّ أن أصحاب عبد الله بن دينار على ثلاث طبقات: أثبات؛ كمالك، وشعبة، وسفيان بن عيينة. ومشايخ: كسهيل، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان. قال: وفي رواياتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب، وقال: إن هذا الحديث لم يُتابع هؤلاء المشايخ عليه أحد من الأثبات عن عبد الله بن دينار، ولا تابع عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عليه أحد. والطبقة الثالثة: الضعفاء، فيروون عن عبد الله بن دينار المناكير، إلا أن الحمل فيها عليهم. قال ابن رجب: قد رواه عن عبد الله بن دينار سليمان بن بلال، وهو ثقة ثبتٌ، قد خُرّج حديثه في «الصحيحين». انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في الاختلاف الواقع في لفظ الحديث، واختلاف أهل العلم في تعداد شُعب الإيمان: = هذه الرواية لا توجد فيه، كما هو واضح، وإنما أخرجها بهذا الطريق الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى في كتاب «الإيمان» ١/ ٢٩٦، ولفظه: «الإيمان بضعٌ وسبعون - أو بضعٌ وستّون - شعبة»، فراجعه تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما الاختلاف في لفظ الحديث فالأظهر أنه من الرواة، كما جاء التصريح في بعضه بأنه شكّ من سُهيل بن أبي صالح، وزعم بعض الناس أن النبيّ - ﷺ - كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان، فكلما نزلت خصلة منها ضمّها إلى ما تقدّم، وزادها عليها، وفي ذلك نظر، وقد ورد في بعض روايات «صحيح مسلم» عدد بعض هذه الخصال، ولفظه: «أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فأشار إلى أن خصال الإيمان منها ما هو قولٌ باللسان، ومنها ما هو عملٌ بالجوارح، ومنها ما هو قائم بالقلب، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال. وقد انتدب لعدّها طائفة من العلماء ؛ كالْحَلِيميّ، والبيهقيّ، وابن شاهين، وغيرهم، فذكروا كلّ ما ورد تسميته إيمانًا في الكتاب والسنّة من الأقوال والأعمال، وبلغ بها بعضهم سبعًا وسبعين، وبعضهم تسعًا وسبعين. وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول - ﷺ - من هذه الخصال عسر، كذا قاله ابن الصلاح، وهو كما قال. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى . وقال الإمام أبو حاتم بن حِبّان البستيّ رحمه الله تعالى في «كتاب وصف الإيمان وشُعَبه»: تتبّعتُ معنى هذا الحديث مدّةً، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجحت إلى السنن، فعددتُ كلّ طاعة عدّها رسول الله - ﷺ - من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله تعالى، فعددت كلّ طاعة عدّها الله من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممتُ إلى الكتاب السننَ، وأسقطتُ المعاد، فإذا كلّ شيء عدّه الله ورسوله - ﷺ - من الإيمان بضع وسبعون، لا يزيد عليها، ولا ينقص، فعلمتُ أن مراد النبيّ - ﷺ - أن هذا العدد في الكتاب والسنّة. انتهى. وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: «بضع وسبعون» يحتمل أن يكون المراد بقوله: «بضع وسبعون» التكثيرَ، دون التعديد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية [التوبة: ٨٠]. واستعمال لفظة السبعة والسبعين للتكثير كثير، وذلك لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى فرد وزوج، وكلّ منهما إلى أول، ومركّب، والفرد الأول ثلاثة، والمركّب خمسة، والزوج الأول اثنان، والمركّب أربعةٌ، وينقسم أيضًا إلى مُنْطَقٍ؛ كالأربعة، وأصمّ؛ كالستة، والسبعة تشتمل على جميع هذه الأقسام، ثم إن أريد مبالغة جُعلت آحادها أعشارًا. ويحتمل أن يكون المراد تعداد الخصال وحصرها، فيقال: إن شُعَب الإيمان، وإن كانت متعدّدةً متبدّدةً إلا أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد، وهو تكميل النفس على وجه به يصلح معاشه، ويحسُن معاده. وذلك بأن يعتقد الحقّ، ويستقيم في العمل، وإليه أشار النبيّ - ﷺ - حيث قال لسفيان بن عبد الله الثقفيّ - ﵁ - حين سأله في الإسلام قولًا جامعًا: «قُل: آمنت بالله، ثم استقم»، رواه مسلم. قال: وفنون اعتقاد الحقّ يتشعب ست عشرة شُعبةً: طلب العلم، ومعرفة الصانع، وتنزيهه عن النقائص، وما يتداعى إليها، والإيمان بصفات الإكرام، مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والإقرار بالوحدانيّة، والاعتراف بأن ما عداه صنعه لا يوجد، ولا يُعدم إلا بقضائه وقدره، والإيمان بالملائكة المتطهّرة عن الرجس، وتصديق رسله المؤيّدين بالآيات في دعوى النبوّة، وحسن الاعتقاد فيهم، والعلم بحدوث العالم، واعتقاد فنائه على ما ورد به التنزيل، والجزم بالنشأة الثانية، وإعادة الأرواح إلى الأجساد، والإقرار باليوم الآخر، أعني بما فيه من الصراط والحساب، وموازنة الأعمال، وسائر ما تواتر عن الرسول - ﷺ -، والوثوق على وعد الجنّة وثوابها، واليقين بوعيد النار وعقابها. وفنّ العمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: [أحدها]: يتعلّق بالمرء نفسه، وهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يتعلّق بالباطن، وحاصله تزكية النفس عن الرذائل، وأمهاتها عشرة: شَرَهُ الطعام، وشَرَهُ الكلام، والبخل، والكبر، وحبّ المال، وحبّ الجاه، وحبّ الدنيا، والحقد، والْحَسَدُ، والرياء، والْعُجب. وتحليةُ النفس بالكمالات، وأمهاتها ثلاث عشرة: التوبة، والخوف، والرجاء، والزهد، والحياءُ، والشكر، والوفاء، والصبر، والإخلاص، والصدق، والمحبّةُ، والتوكّلُ، والرضا بالقضاء. وثانيهما: ما يتعلّق بالظاهر، وتسمّى بالعبادات، وشُعبها ثلاث عشرة: طهارة البدن عن الحدث والخبَث، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيام بأمر الجنائز، وصيام رمضان، والاعتكاف، وقراءة القرآن، وحجّ البيت والعمرة، وذبح الضحايا، والوفاء بالنذر، وتعظيم الأيمان، وأداء الكفّارات. [وثانيها]: ما يتعلّق به وبخواصّه، وأهل منزلته، وشُعبها ثمان: التعفّف عن الزنا، والنكاح، والقيام بحقوقه، والبرّ بالوالدين، وصلة الرحم، وطاعة السادة، والإحسان إلى المماليك، والعتق. [وثالثها]: ما يعمّ الناس، وينوط به إصلاح العباد، وشُعَبها سبع عشرة: القيام بإمارة المسلمين، واتباع الجماعة، ومطاوعة أولي الأمر، ومعاونتهم على البرّ، وإحياء معالم الدين ونشرها، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحفظ الدين بالزجر عن الكفر، ومجاهدة الكفّار، والمرابطة في سبيل الله، وحفظ النفس بالكفّ عن الجنايات، وإقامة حقوقها من القصاص والديات، وحفظ أموال الناس بطلب الحلال، وأداء الحقوق، والتجافي عن المظالم، وحفظ الأنساب، وأعراض الناس بإقامة حدود الزنا والقذف، وصيانة العقل بالمنع عن تناول المسكرات، والمخبثات بالتهديد، والتأديب عليه، ودفع الضرر عن المسلمين، ومن هذا القبيل إماطة الأذى. وأقول - والعلم عند الله -: الأظهر أن يُذهَب إلى معنى التكثير، ويكون ذكر البضع للترقي، يعني أن شُعب الإيمان أعداد مبهمة، ولا نهاية لكثرتها؛ إذ لو أريد التحديد لم يُبهمه، ولعمري إنه كذلك، وبيانه أن رسول الله - ﷺ - بَيّن ابتداءها، وانتهاءها، ووسطها، فلو أُخذت من الابتداء إلى الانتهاء كان على وزان قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الآية [فصّلت: ٣٠]، معناه من رضي بالله ربًّا، وعَمِل بمقتضاه، لم يَدَعْ ما يجب عليه أن يأتي ويذر، فإنك إن تنزّلت من حديث خالق الموجودات إلى حديث الشوكة وإماطتها، هل تجد شيئًا مما يُحَسِّنه الشرع والعقل من الأخلاق، ومراضي الأعمال خارجًا من ذلك؟، وكذا لو عكست، وترقّيت من إماطة الشوكة إلى الأعلى، ولو شرعت في معنى الحياء، وفسّرته بما ورد عن رسول الله - ﷺ -: «استحيوا من الله حقَّ الحياء»، قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحيي، والحمد لله، قال: «ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس، وما وَعَى، والبطن وما حَوَى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء» . لقد حاولتَ أمرًا عظيمًا، وفيه إشارة إلى منازل السائرين إلى الله، والسالكين لطريق الآخرة. وقال الشيخ العارف أبو القاسم الجنيد ﵀: الحياء حالة تتولّد من رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، ثم ليذق من مُنِح الفضل الإلهي، ورُزق الطبع السليم معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب، كأنه يقول: هذه شعبةٌ واحدةٌ من شُعَبه، فهل تُحصى وتُعَدّ شُعبها؟ هيهات، إن البحر لا ينزف. وكفى بهذا الحديث شاهدًا على أن الإيمان جامع للتصديق، والإقرار، والأعمال، ومن ردّه كابر عقله، وظهر من هذا معنى التكثير في سبعين. ولخّص بعض المفسّرين قول عليّ بن عيسى النحويّ في ذلك، وقال: السبعة أكمل الأعداد؛ لجمعها معاني الأعداد؛ لأن الستّة أوّل عدد تامّ؛ لأنها تعادل أجزاءها، فإن نصفها ثلاثة، وثلثها اثنان، وسدسها واحد، وجملتها ستة سواء، وهي مع الواحد سبعة، وكانت كاملة؛ إذ ليست بعد التمام سوى الكمال، ولعلّ واضع اللغة يسمّي الأسد سبعًا؛ لكمال قوّته، كما أنه أسدٌ لإساده في السير، ثم السبعون غاية الغاية؛ إذ الآحاد غايتها العشرات، انظر أيها المتأمل في هذه الألفاظ القليلة المستقلّة بالمعاني الجمّة الجليلة، واشهد له أنه - ﷺ - أوتي كنوز الحكمة، وفصل الخطاب. انتهى كلام الطيبيّ . قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى عدم الخوض في تفاصيل معنى الشعب المذكورة في هذا الحديث؛ لعدم ورود نصّ مفصّل لها، قال القاضي عياض: تَكَلَّف جماعة حصر هذه الشُّعَب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المرادَ صعوبة، ولا يَقْدَح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان. انتهى. والحاصل أن التصدّي لبيان تفاصيلها، تكلّف ظاهرٌ، فلا ينبغي التعويل عليه، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: فأهل الحديث والسنة عندهم أن كلّ طاعة، فهي داخلة في الإيمان، سواء كانت من أعمال الجوارح، أو القلوب، أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض، والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ، فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرةً، بل هي غير منحصرة. [قيل]: يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة: [أحدها]: أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عند قول النبيّ - ﷺ - كان منحصرًا في هذا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك، حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبيّ - ﷺ -. وفي هذا نظر. [والثاني]: أن تكون خصال الإيمان كلّها تنحصر في بضع وسبعين نوعًا، وإن كانت أفراد كل نوع تتعدّد تعدّدًا كثيرًا، وربّما كان بعضها لا ينحصر، وهذا أشبه، وإن كان الوقوف على ذلك يعسر، أو يتعذّر. [والثالث]: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]،
مصادر المؤلف (٣٩)

١. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ورأيت رواية مالك عنه في كتاب مكة للفاكهيّ. انظر: «تهذيب التهذيب» ٢/ ٨٧.

٢. راجع: «الفتح» ١/ ٦٩.

٣. «الْبِرْسامُ» بالكسر: علّةٌ يُهْذَى فيها. اهـ. «القاموس» ص ٩٧٤.

٤. «المفهم» ١/ ٢١٦.

٥. «إكمال المعلم» ١/ ٢٦٤.

٦. «الصيانة» ص ١٩٥ - ١٩٧.

٧. أي بفتح كلّ من بضعة، وبَقعة، وبَرهة، لكن جوّز غيره من اللغويين، ضم الباء في بُقعة، وبُرهة، راجع: «المصباح»، و«القاموس».

٨. راجع: «عمدة القاري» ١/ ١٢٥ - ١٢٦.

٩. أخرج الترمذيّ بسند صحيح، عن ابن عباس - ﵄ - في قول الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال: غُلِبَت، وغَلَبَت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله - ﷺ - قال: «أما إنهم سيغلبون»، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فَجَعَل أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ -؛ فقال: «ألا جعلته إلى =»الفتح«(^١)، والله تعالى أعلم.

١٠. «الفتح» ١/ ٦٧.

١١. هم: أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ.

١٢. راجع: «الفتح» ١/ ٧٥.

١٣. «إكمال المعلم» ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.

١٤. راجع: «المفهم» ١/ ٢١٦ - ٢١٧.

١٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٣٨.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٢.

١٧. راجع: «الفتح» ١/ ٧٦.

١٨. بوزن رَسُول: أي أصابته الآفة.

١٩. «الكاشف» ٢/ ٤٣٨.

٢٠. «شرح النووي» ٢/ ٥.

٢١. «الكاشف» ٢/ ٤٤٠.

٢٢. «المعلم» ١/ ٢٩٢.

٢٣. حديث حسن أخرجه أحمد ١/ ٣٨٧، والترمذيّ ٢٤٦٠.

٢٤. راجع: «المفهم» ١/ ٢١٧ - ٢١٩.

٢٥. «شرح النوويّ» ٢/ ٥.

٢٦. راجع: «الفتح» ١/ ٦٨.

٢٧. الظاهر أنه لا حاجة إليه؛ لأن أجزاءه الحقيقيّة هي السابقة، وإلا فيلزمنا أن نذكر أيضًا نصف النصف، ونصف الربع، وهكذا، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

٢٨. «عمدة القاري» ١/ ١٢٧.

٢٩. هكذا عزا الكرمانيّ هذا الترجيح للنوويّ، ولم أجده بهذا النصّ في شرح مسلم، فالله أعلم.

٣٠. «شرح الكرمانيّ» ١/ ٨٢ - ٨٣.

٣١. هكذا في شرح النووي: «ستون»، والذي في «الإكمال»: «سبعون»، والظاهر أنه الصواب، والله تعالى أعلم.

٣٢. هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاريّ الشافعيّ، المولود سنة (٣٣٨ هـ) في شهر ربيع الأول، والمتوفّى سنة (٤٠٣ هـ).

٣٣. «الصيانة» ص ١٩٦ - ١٩٧.

٣٤. هكذا عزا ابن رجب، هذه الرواية إلى «صحيح مسلم»، والظاهر أنه وَهَمٌ منه، فإن =

٣٥. «شرح البخاري» ١/ ٣٠ - ٣٢.

٣٦. منهم أبو عبد الله الحليميّ، صنّف فيها كتابًا سمّاه «فوائد المنهاج»، والحافظ أبو بكر البيهقيّ، وسمّاه «شُعب الإيمان»، والشيخ عبد الجليل أيضًا سمّاه «شُعَب الإيمان»، وإسحاق ابن القرطبيّ، وسمّاه «كتاب النصائح»، وأبو حاتم البستيّ، وسمّاه «وصف الإيمان، وشعبه»، ذكره في «عمدة القاري» ١/ ١٢٨.

٣٧. «شرح البخاريّ» ١/ ٣٢ - ٣٤.

٣٨. ضعيف أخرجه الترمذيّ رقم (٢٣٨٢)، وفي سنده الصبّاح بن محمد البجليّ الأحمسيّ ضعيف.

٣٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٣٩ - ٤٤١.