HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٦

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أبيه؛ سمع النبي ﷺ رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ. فَقَالَ: «الْحَيَاءُ من الإيمان».
ج ١ ص ٦٣

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٤٣
والمراد تكثير التعداد من غير حصوله هذا في العدد ، ويكون ذكره للبضع يُشعر بذلك، كأنه يقول: هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد، وتضعيفه، وهذا ذكره بعض أهل الحديث من المتقدّمين، وفيه نظر. [والرابع]: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها، قاله ابن حامد من الحنابلة. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني أظهر الأقوال، وأقربها إلى الفهم، كما سبق ميل ابن رجب رحمه الله تعالى إليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢] (٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيه، سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا، يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء، فَقَالَ: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَاَنِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ الحافظ تقدّم قريبًا. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بُكير، أبو بكر البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقة حافظ، وَهِمَ في حديث [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة الحافظ المذكور قريبًا. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عِمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة حافظ فقيهٌ حجة، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشيّ، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ المتّفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٦ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، ثقة ثبت عابد فاضلٌ، كان يُشبّه بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣]. رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي رافع، وأبي أيوب، وعن زيد بن الخطاب ، وأبي لبابة على خلاف فيه، وغيرهم. وروى عنه ابنه أبو بكر، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري، وصالح بن كيسان، وحنظلة بن أبي سفيان، وعبيد الله بن عمر بن حفص، وغيرهم. قال ابن المسيب: كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به. وقال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم بن عبد الله أشبه من مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه. وقال الأصمعي عن ابن أبي الزناد: كان أهل المدينة يَكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء السادة: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علمًا وتُقًى وعبادةً وورعًا، فَرَغِبَ الناس حينئذ في السراري. وقال علي بن الحسن العسقلاني عن ابن المبارك: كان فقهاء أهل المدينة سبعة، فذكره فيهم، قال: وكانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعًا، فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يُرفع إليهم، فينظرون فيها، فيَصْدُرون. وقال مالك: كان ابن عمر يخرج إلى السوق فيشتري، وكان سالم دهره يشتري في الأسواق، وكان من أفضل زمانه. وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه. وقال الدُّوري عن ابن معين: سالم، والقاسم، حديثهما قريب من السواء، وسعيد بن المسيب قريب منهما، وإبراهيم أعجب إلي مرسلًا منهم. وقال البخاري: لم يسمع من عائشة. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، عاليًا من الرجال. وقال ابن حبان في «الثقات»: كان يشبه أباه في السَّمْت والْهَدْي. وقال البخاري في «التاريخ الصغير»: لا أدري سالم عن أبي رافع صحيح أم لا؟. وقال غيره: لَمّا قَدِمَ سبي فارس على عمر، كان فيه بنات يَزْدَجْردَ، فَقُوِّمن، فأخذهن علي، فأعطى واحدة لابن عمر، فولدت له سالمًا، وأعطى أختها لولده الحسين، فولدت له عليًّا، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم. وقال أبو نعيم وجماعة: مات سنة ست ومائة، في ذي القعدة، أو ذي الحجة. وقال خليفة: سنة (٧)، وقال الهيثم بن عدي: سنة (٨)، وقال الأصمعي: سنة (٥)، والأول أصح. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١٢) حديثًا. ٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ - تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة إلا مشايخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثالث ما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، وابن عيينة كوفيّ، فمكيّ، وأبو بكر كوفي، وعمرو بغداديّ، وزهير نسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٦ - (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵁ -، وقد تقدّم هذا كلّه، وإنما أعدته تذكيرًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر - ﵄ - (سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا، يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاء، فَقَالَ: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإيمَانِ»). (عَنْ سَالِمٍ) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر - ﵄ -، أنه قَالَ: (سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا) وفي الرواية التالية: «مر برجل»، وفي رواية البخاريّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، مَرَّ عَلَى رَجُلٍ». و«مرَّ» بمعنى: اجتاز يُعَدى بـ «على»، وبالباء، قال الحافظ: ولم أعرف اسم هذين الرجلين: الواعظ، وأخيه (يَعِظُ أَخَاهُ) من الوعظ: وهو النُّصح، والتذكير بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، والإنذار. وقال الخليل بن أحمد: هو التذكير بالخير فيما يُرِقّ القلب. ذكره العينيّ . وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أي ينهاه عنه، ويُقبّح له فعله، ويزجره عن كثرته . وقال في «الفتح»: أي يَنصح، أو يُخَوِّف، أو يُذَكِّر، كذا شرحوه، والأولى أن يُشرَح بما جاء عند البخاريّ في «الأدب» من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن شهاب، ولفظه: «يُعاتِب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضَرّ بك». انتهى. ويحتمل أن يكون جمع له العِتاب، والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن الْمَخْرَجُ مُتَّحِد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي، بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر. انتهى . وجملة «يعظ أخاه» في محلّ جرّ صفة لـ «رجل». وقوله: (فِي الْحَيَاءِ) متعلّق بـ «يعِظ»، و«في» سببية، فكأن الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك. (فَقَالَ) أي النبيّ - ﷺ - للرجل الواعظ («الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ») أي جزء من أجزاء الإيمان، ولفظ البخاريّ: «دَعْهُ، فإن الحياء من الإيمان»: أي اتركه على هذا الخلق السَّنِيّ، ثم علّل أمره بالترك بما ذكره بالفاء التعليليّة، فقال: «فإن الحياء … إلخ». أي وإذا كان الحياء، يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه، جَرّ له ذلك تحصيلَ أجر ذلك الحقّ، لا سيما إذا كان المتروك له مستحقًا. وقال ابن قتيبة: معناه إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان، فسُمّي إيمانًا، كما يُسَمَّى الشيءُ باسم ما قام مقامه. وحاصله أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز ، والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان، فلهذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية في نفسها مما يهتم به، وإن لم يكن هناك منكر. قال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان؛ ليرتدع عن ارتكاب كل ما يَشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جُبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقًا، وقَلَّما يكون الشجاع مُسْتَحِيًا، وقد يكون لمطلق الانقباض، كما في بعض الصبيان. انتهى ملخصًا. وقال غيره: هو انقباض النفس، خشية ارتكاب ما يُكرَه، أعم من أن يكون شرعيًّا، أو عقليًّا، أو عرفيًّا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أَبْلَهُ، قال: وقوله - ﷺ -: «الحياء شعبة من الإيمان»: أي أثر من آثار الإيمان. وقال الْحَلِيميّ: حقيقة الحياء: خوف الذم بنسبة الشر إليه. وقال غيره: إن كان في مُحَرَّم فهو واجب، وإن كان في مكروه، فهو مندوب، وإن كان في مباح، فهو العرفي، وهو المراد بقوله: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، ويجمع كل ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع، إثباتًا ونفيًا. وحُكِي عن بعض السلف: رأيت المعاصي مَذَلَّةً، فتركتها مروءة، فصارت ديانةً. وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته. وقد قال بعض السلف: خَفِ اللهَ على قَدْرِ قُدْرَته عليك، واستحي منه على قَدْر قُرْبه منك. قاله في «الفتح» . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف ﵀ هنا في «الإيمان» [١٤/ ١٦٢] (٣٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، ثلاثتهم، عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، و[١٤/ ١٦٣] عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ به، و(البخاريّ) ١/ ١٢ عن عبد الله بن يوسف عن مالك، عن الزهريّ به، و٨/ ٣٥ عن أحمد بن يونس، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن الزهريّ به، و(أبو داود) (٤٧٩٥) عن القعنبيّ، عن مالك به، و(الترمذيّ) في «الإيمان» (٢٦١٥) عن ابن أبي عمر، وأحمد بن منيع، كلاهما عن ابن عيينة به، و(النسائيّ) ٨/ ١٢١ عن هارون بن عبد الله، عن معن بن عيسى (ح) والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك به، و(ابن ماجه) (٥٨) عن سهل بن أبي سهل، ومحمد بن عبد الله بن يزيد، كلاهما عن ابن عيينة به، و(مالك) في «الموطأ» (٥٦٥)، و(أحمد) ٢/ ٩ و٢/ ٥٦ و٢/ ١٤٧، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (٦٠٢)، و(عبد الرزاق) (٢٠١٤٦)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١٧٤)، و(عبد بن حميد) (٧٢٥)، و(ابن حبّان) (٦١٠)، و(أبو نعيم) في «المستخرج» (١٤٨ و١٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون الحياء شعبة من شعب الإيمان. ٢ - (ومنها): أن فيه بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أعلى الصفات الحميدة التي يتحلّى بها المؤمن، وقد ورد في مدحه أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث، وحديث أبي هريرة - ﵁ - الماضي: «والحياء شعبة من الإيمان»، وحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ - ﷺ - الآتي: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، وفي رواية عنه: «الحياء خير كلّه». ٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: والحياء نوعان: [أحدهما]: غريزيّ، وهو خُلُقٌ يمنحه الله تعالى العبد، ويَجبُلُهُ عليه، فيكُفّه عن ارتكاب القبائح، والرذائل، ويحثّه على فعل الجميل، وهو من أعلى مواهب الله تعالى للعبد، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثّر ما يؤثّره الإيمان من فعل الجميل، والكفّ عن القبيح، وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان، فهو وسيلة إليه، كما قال عمر - ﵁ -: من استحيى اختفَى، ومن اختفى اتّقَى، ومن اتّقى وُقي. وقال بعض التابعين: تركت الذنوب حياءً أربعين سنةً، ثم أدركني الورع. وقال ابن سَمْعُون: رأيت المعاصي نَذَالةً، فتركتها مروءة، فاستحالت ديانةً. [والنوع الثاني]: أن يكون مُكتسبًا، إما من مقام الإيمان؛ كحياء العبد من مقامه بين يدي الله تعالى يوم القيامة، فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه، أو من مقام الإحسان؛ كحياء العبد من اطّلاع الله تعالى عليه، وقربه منه، فهذا من أعلى خصال الإيمان. وفي حديث مرسل: «استحي من الله، كما تستحيي من رجلين من صالحي عشيرتك، لا يفارقانك»، ورُوي موصولًا . وسُئل النبيّ - ﷺ - عن كشف العورة خاليًا؟ فقال: «الله أحقّ أن يُستحيى منه من الناس» . وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - المرفوع: «الاستحياء من الله: أن تحفظ الرأس، وما وعَى، والبطن، وما حوى، وأن تذكر الموت، والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حقّ الحياء». رواه الترمذيّ، وغيره . وأخرج البخاريّ في «التفسير» عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ الآية [هود: ٥]: إنها نزلت في قوم كانوا يُجامعون نساءهم، ويتخلّون، فيستحيون من الله، فنزلت الآية. وكان الصّدّيق - ﵁ - يقول: استحيوا من الله، فإني أذهب إلى الغائط، فأظلّ متقنّعًا بثوبي حياء من ربّي ﷿. وكان موسى ﵇ إذا اغتسل في بيت مظلم لا يُقيم صلبه حياء من الله ﷿. قال بعض السلف: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قُربه منك. وقد يتولّد الحياء من الله من مطالعة النِّعَم، فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في «شرح البخاري» . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٣] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ …). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّفٌ يتشيّع، وتغير في آخره [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والزهريّ ذُكر في السند الماضي.
مصادر المؤلف (١٢)

١. هكذا النسخة، ولعل الصواب: من غير حصره في هذا العدد، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٢. «شرح صحيح البخاريّ» لابن رجب ١/ ٣٤ - ٣٥.

٣. قال الحافظ: رواية سالم عن عم أبيه زيد بن الخطاب منقطعة قطعًا. والله أعلم. انتهى. «تهذيب التهذيب» ١/ ٦٧٧.

٤. «عمدة القاري» ١/ ٢٠٠ - ٢٠١.

٥. «شرح مسلم» ٢/ ٦.

٦. «الفتح» ١/ ١٠٥.

٧. كونه مجازًا فيه نظر؛ لأنه جزء من أجزاء الإيمان، وجزء الشيء لا يسمى مجازًا، وإنما هو جزء حقيقة، فتنبّه.

٨. راجع: «الفتح» ١٠٥ - ١٠٦.

٩. رواه الطبرانيّ في «الكبير» ٨/ ٢٢٩ من طريق أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهانيّ، عن القاسم، عن أبي أمامة - ﵁ - مرفوعًا، وفيه عليّ بن يزيد ضعيف.

١٠. علّقه البخاريّ في «كتاب الغسل» (٢٧٨)، وأخرجه أحمد ٥/ ٤، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذيّ (٢٧٩٤)، والحاكم ٤/ ١٧٩.

١١. رواه الترمذي (٢٤٥٨)، وأحمد ١/ ٣٨٧ من طريق الصباح بن محمد، عن مرة الهمدانيّ، عن ابن مسعود - ﵁ -، والصباح ضعيف، واستنكروا عليه هذا الحديث، وصوّبوا وقفه على ابن مسعود - ﵁ -، ولكن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى حسّنه، انظر: «صحيح الجامع الصغير» ١/ ٢٢٢ رقم (٩٣٥).

١٢. راجع: «شرح البخاريّ» للحافظ ابن رجب ١/ ١٠٢ - ١٠٤.