HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٠

وحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أي المسلمين خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ويده».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص47
ج ١ ص ٦٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٩٣
كونها مجموعة في محلّ واحد أتمّ فائدة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. [١٦٩] (٤٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِث، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب، عَنْ أَبِي الْخَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ عَبدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِيُّ) ثقة فقيه [١١] (ت ٢٥٠) (م دس ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (ابْنُ وَهْب): هو عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب بن عبد الله الأنصاريّ، مولى قيس، أبو أمية المصريّ، أصله مدنيّ، ثقة فقيه حافظ [٧]. رَوَى عن أبيه، وسالم، أبي النضر، والزهريّ، وعبد ربه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبي الأسود يتيم عروة، وربيعة، وحَبّان بن واسع، وعبد الرحمن بن القاسم، ويزيد بن أبي حبيب، ويونس بن يزيد الأيلي، وهو من أقرانه، وطائفة. ورَوَى عنه مجاهد بن جَبْر، وصالح بن كيسان، وهما أكبر منه، وقتادة، وبكير بن الأشجّ، وهما من شيوخه، وأسامة بن زيد الليثيّ، وبكر بن مُضَر، وعبد الله بن وهب، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله -. وقال أبو داود عن أحمد: ليس فيهم - يعني أهل مصر - أصحّ حديثًا من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه، وقال الأثرم عن أحمد: ما في هؤلاء المصريين أثبتُّ من الليث بن سعد، لا عمرو، ولا غيره وقد كان عمرو عندي، ثم رأيت له مناكير، وقال في موضع آخر: يروي عن قتادة أشياء يضطرب فيها ويخطئ، وقال يعقوب بن شيبة: كان ابن معين يُوَثِّقه جِدًّا، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ، وغير واحد، وقال النسائيّ: الذي يقول مالك في كتابه: الثقة عن بكير يشبه أن يكون عمرو بن الحارث، وقال ابن وهب: سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخًا، فما رأيت أحدًا أحفظ من عمرو بن الحارث، وقال ابن وهب: ثنا عبد الجبار بن عُمَرَ قال: قال ربيعة: لا يزال بذلك المصر علمٌ ما دام بها ذلك القصير، وقال أيضًا: لو بقي لنا عمرو ما احتجنا إلى مالك، قال: وقال لي ابن مهديّ: اكتب إليّ من حديث عمرو بن الحارث، فكتبت له من حديثه، وحَدَّثْتُهُ به، وقال أبو حاتم: كان أحفظ أهل زمانه، ولم يكن له نظير في الحفظ، وقال سعيد بن عُفَير: كان أخطب الناس، وأرواهم للشعر، وقال ابن يونس: كان فقيهًا أديبًا، وكان مؤدّبًا لولد صالح بن عليّ، وقال يحيى بن بكير، عن الليث: كنت أرى عمرو بن الحارث عليه أثواب بدينار، ثم لم تَمْضِ الليالي حتى رأيته يَجُرّ الوشي، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقال أحمد بن صالح: الليث إمام، ولم يكن بالبلد بعد عمرو بن الحارث مثله، وقال ابن الأخرم: عمرو بن الحارث عزيز الحديث جِدًّا، مع علمه وثبته، وقَلَّمَا يخرج حديثه من مصر، وقال الخطيب: كان قارئًا مفتيًا ثقةً، وقال ابن ماكولا: كان قارئًا مفتيًا، أفتى في زمن يزيد بن أبي حبيب، وكان أديبًا فصيحًا، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان من الحفاظ المتقنين، ومن أهل الورع في الدين، وقال الساجيّ: صدوقٌ ثقة. وقال أحمد بن صالح: وُلد عمرو بن الحارث يقولون: سنة (٩٠) وقيل: بعد ذلك، وقال ابن سعد، ويعقوب بن شيبة: مات سنة (٧) أو ثمان وأربعين ومائة، وقال يحيى بن بكير، وغير واحد: مات سنة (٨)، وقال الغلابي عن ابن معين: مات سنة (١٤٩)، وقال أبو داود: مات، وله (٥٨) سنة، وقال الذهبيّ: مات كهلًا سنة (٨) كذا قال، وكان عالم الديار المصرية، ومحدثها، ومفتيها مع الليث. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١٩) حديثًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر النوويّ رحمه الله تعالى فوائد هذا السند والسند الماضي، أحببت إيراده، وإن تقدّم معظمه، لكن كونه مجموعًا في محلّ واحد أولى، وأرسخ في الذهن، قال رحمه الله تعالى: هذان الإسنادان كلهم مصريون، أئمة جِلّة، وهذا من عزيز الأسانيد في مسلم، بل في غيره، فإن اتّفاق جميع الرواة في كونهم مصريين، في غاية القِلّة، ويزداد قلّةً باعتبار الجلالة، فأما عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، فجلالته وفقهه وكثرة حديثه، وشدّة ورعه، وزهادته، وإكثاره من الصلاة والصيام وسائر العبادات، وغير ذلك من أنواع الخير، فمعروفة مشهورة، لا يمكن استقصاؤها، فرضي الله عنه. وأما أبو الخير - بالخاء المعجمة - واسمه مَرْثَد - بالمثلثة - ابن عبد الله الْيَزَنِيّ - بفتح المثنّاة تحتُ، والزاي - منسوب الى يَزَن بطن من حمير، قال أبو سعيد بن يونس: كان أبو الخير مفتيَ أهل مصر في زمانه، مات سنة سبعين من الهجرة. وأما يزيد بن أبي حبيب، فكنيته أبو رَجَاء، وهو تابعيّ، قال ابن يونس: وكان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حَلِيمًا عاقلًا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلامَ في الحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يتحدثون بالفتن والملاحم، والترغيب في الخير، وقال الليث بن سعد: يزيد سيِّدُنا وعالمنا، واسم أبي حبيب سُوَيد. وأما الليث بن سعد - ﵁ -، فإمامته وجلالته وصيانته وبراعته، وشهادة أهل عصره بسخائه وسيادته، وغير ذلك من جميل حالاته أشهر من أن تُذْكَر، وأكثر من أن تُحْصَر، ويَكفِي في جلالته شهادة الإمامين الجليلين: الشافعيّ، وابن بُكَير رحمهما الله تعالى أن الليث أفقه من مالك ﵃ أجمعين، فهذان صاحبا مالك - ﵀ -، وقد شَهِدا بما شهدا، وهما بالمنزلة المعروفة من الإتقان، والورع، وإجلال مالك، ومعرفتهما بأحواله، هذا كلّهُ مع ما قد عُلِمَ من جلالة مالك، وعظم فقهه، - ﵁ -. قال محمد بن رُمْح: كان دَخْلُ الليث ثمانين ألف دينار، ما أوجب الله تعالى عليه زكاةً قط، وقال قتيبة: لَمّا قَدِمَ الليث أهدى له مالك من طُرَف المدينة، فبَعَثَ إليه الليث ألف دينار، وكان الليث مفتي أهل مصر في زمانه. وأما محمد بن رُمْح، فقال ابنُ يونس: هو ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، وكان أعلم الناس بأخبار البلد ووقْفِه، وكان إذا شَهِدَ في كتاب دار عَلم أهل البلد أنها طيبة الأصل، وذكره النسائيّ، فقال: ما أخطأ في حديث، ولو كَتَبَ عن مالك لأثبته في الطبقة الأولى من أصحاب مالك، وأثنى عليه غيرهما، والله أعلم. وأما عبد الله بن وهب، فعلمه وورعه وزهده وحفظه وإتقانه وكثرة حديثه، واعتماد أهل مصر عليه، وإخبارهم بأن حديث أهل مصر وما والاها يدور عليه، فكله أمر معروف مشهور في كتب أئمة هذا الفنّ، وقد بلغنا عن مالك بن أنس - ﵁ -، أنه لم يكتب إلى أحد، وعَنْوَنَهُ بالفقه إلا إلى ابن وهب - ﵀ -. وأما عمرو بن الحارث، فهو مفتي أهل مصر في زمنه، وقارئهم، قال أبو زرعة - ﵀ -: لم يكن له نظير في الحفظ في زمنه، وقال أبو حاتم: كان أحفظ الناس في زمانه، وقال مالك بن أنس: عمرو بن الحارث دُرَّةُ الغَوَّاص، وقال: هو مرتفع الشان، وقال ابن وهب: سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخًا، فما رأيت أحفظ من عمرو بن الحارث - ﵀ -، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ، نقلته برمّته، وإن كان جلّه تقدّم قريبًا؛ لكونه مجموعًا في محلّ واحد، فيكون أفيد، وأزيد، وأرسخ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مَرْثد بن عبد الله الْيَزَنيّ رحمه الله تعالى (أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما، وقد سبق في «شرح المقدّمة» أن الأكثر في «العاص» أنه يأتي في كتب الحديث وغيرها بحذف الياء، وهي لغة قليلة، والفصيح كونه بإثباتها، ومثله «شدّاد بن الهاد»، و«ابن أبي الموال»، فتنبّه (يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا) تقدّم أنه لم يُعرف اسمه، ويقال: إنه أبو ذرّ - ﵁ - (سَأَل رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟) قال النوويّ رحمه الله تعالى: قال العلماء رحمهم الله تعالى: إنما وقع اختلاف الجواب في خيرِ المسلمين، لاختلاف حال السائل والحاضرين، فكان في أحد الموضعين الحاجة إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام أكثر وأهمّ؛ لما حصل من إهمالهما والتساهل في أمورهما، ونحو ذلك، وفي الموضع الآخر إلى الكفّ عن إيذاء المسلمين. انتهى . [تنبيه]: وقع في هذه الرواية هنا بلفظ «خير»، ووقع في حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - الآتي بلفظ: «أفضل»، فأجاب عن الفرق بينهما الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، وسنذكر جوابه في شرح حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - الآتي بعد حديث - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ) - ﷺ - «(مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ») «من»: موصولة، خبرٌ لمحذوف: أي هو من سلم … إلخ، قال النوويّ: قال العلماء: معناه: مَن لم يؤذ مسلمًا بقول، ولا فعل، وخَصَّ اليد بالذكر؛ لأن معظم الأفعال بها، وقد جاء القرآن العزيز بإضافة الاكتساب والأفعال إليها؛ لما ذكرناه. وقالوا أيضًا: إن المراد بالمسلم هو المسلم الكامل، وليس المراد نفي أصل الإسلام عن مَن لم يكن بهذه الصفة، بل هذا كما يقال: العلم ما نَفَعَ، أو العالم زيد، أي الكامل، أو المحبوب، وكما يقال: الناس العرب، والمال الإبل، فكلُّه على التفضيل، لا للحصر. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «المسلم» قيل: الألف واللام فيه للكمال، نحو: زيدٌ الرجل: أي الكامل في الرجولية. وتُعُقِّبَ بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملًا. ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان. وقال الخطابي: المراد أفضل المسلمين مَن جَمَع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين. انتهى. وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يُبَيِّن علامة المسلم التي يُسْتَدَلُّ بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذُكِر مثله في علامة المنافق. ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثّ على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يُحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. انتهى . وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: إذا سلم المسلمون منه يلزم أن يكون مسلمًا، وإن لم يأت بسائر الأركان؟. [قلت]: هذا وارد على سبيل المبالغة تعظيمًا لترك الإيذاء، كأن ترك الإيذاء هو نفس الإسلام الكامل، وهو محصور فيه على الادّعاء. قال: وتحقيقه أن التعريف في «المسلم» للجنس، قال ابن جني: من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يخصّونه بالمدح اسم الجنس، ألا ترى كيف سمّوا الكعبة بالبيت؟ وكتاب سيبويه بالكتاب؟. وقال الراغب الأصفهانيّ: كلّ اسم نوع، فإنه يُستعمل على وجهين: [أحدهما]: دلالةً على المسمّى، وفصلًا بينه وبين غيره. والثاني: لوجود المعنى المختصّ به، وذلك هو الذي يُمدح به، وذلك أن كلّ ما أوجده الله في هذا العالم جعله صالِحًا لفعل خاصّ، ولا يصلح لذلك الفعل سواه، كالفرس للعَدْوِ الشديد، والبعير يقطع الفلاة البعيدة، والإنسان ليعلم ويَعْمَل بحسبه، وكلُّ شيء لم يوجد كاملًا لِمَا خُلِق له لم يستحقّ اسمًا مطلَقًا، بل قد يُنفى عنه، كقولهم: فلانٌ ليس بإنسان، أي لا يوجد فيه المعنى الذي خُلِق لأجله من العلم والعمل، فعلى هذا إذا وجدت مسلمًا يؤذي المسلمين بلسانه ويده، فقلت له: لست مسلمًا، عنيت أنك لست بكامل فيما تحلّيت به من حلية الإسلام، وهذا معنى قول محيي السنة: إن الإسلام يُنفَى عمن ليس بصفته. [فإن قيل]: ما معنى تخصيص «المسلم» بالذكر، ثم «المسلمين»، ثم «اللسان واليد»؟. [والجواب]: - والله أعلم - هو إظهار رأفته - ﷺ - بالأمة، وإلحاقه بالكلّ من أصحابه - ﵃ -، كأنه قال: المسلم الكامل من تشبّه بهم، واتّصف بصفتهم التي وصفهم الله تعالى بها في قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وكان شدّتهم على الكفار المجاهدة بالسنان واللسان، وترحّمهم على إخوانهم المسلمين بكفّ الأذى، والإيثار بالموجود، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، فخصّ بما يُنبئ عن كفّ الأذى؛ ليؤذن بغاية التواضع والذّلّة، تلويحًا إلى معنى قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ولما كانت عزّتهم على الكفرة وقهرهم باليد واللسان، فينبغي أن ينتفي عنهم ما كانت العزّة له، وهو يستلزم الإيثار بطريق الأولى، وفي تقديم ذكر اللسان على اليد رمز إلى معنى قوله - ﷺ - لحسّان - ﵁ -: «اهج المشركين، فإنه أشقّ عليهم من رشق النبل» ، أو كما قال. انتهى . وقال في «الفتح»: [تنبيه]: ذِكْرُ المسلمين هنا خَرَج مَخْرَج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كفّ الأذى عن أخيه المسلم أشدُّ تأكيدًا، ولأن الكفار بصَدَد أن يقاتَلُوا، وإن كان فيهم من يَجِب الكفّ عنه، والإتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن المسلمات يدخلن في ذلك، وخَصَّ اللسان بالذكر؛ لأنه المعبِّر عما في النفس، وهكذا اليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عامّ بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعدُ، بخلاف اليد، نعم يُمكن أن تُشارِك اللسانَ في ذلك بالكتابة، وأن أثرها في ذلك لعظيم، ويُستَثْنَى من ذلك شرعًا تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود والتعازير، على المسلم المستحِقِّ لذلك. وفي التعبير باللسان دون القول نكتةٌ، فيدخُل فيه مَن أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية، كالاستيلاء على حقّ الغير بغير حقّ. [فائدة]: فيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو كثير. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ من طريق الشعبيّ عن عبد الله بن عمرو من قوله: «والمهاجر من هاجر من نهى الله عنه». والمهاجر بمعنى الهاجر، وإن كان لفظ الْمُفَاعِل يقتضي وقوع فعل من اثنين، ولكنه هنا للواحد، كالمسافر. ويحتمل أن يكون على بابه؛ لأن مِن لازم كونه هاجرًا وطنَهُ مثلًا أنه مهجور من وطنه. وهذه الهجرة ضربان: ظاهرةٌ وباطنةٌ، فالباطنة تركُ ما تدعو إليه النفس الأمّارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفِرَار بالدين من الفتن، وكأنّ المهاجرين خوطبوا بذلك؛ لئلا يَتَّكِلوا على مجرد التحول من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه. ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لَمّا فُتحت مكة؛ تطييبًا لقلوب مَن لم يُدرِك ذلك، بل حقيقة الهجرة تَحصُل من هجر ما نهى الله عنه. فاشتملت هاتان الجملتان على جوامعَ من معاني الحكم والأحكام. وزاد ابنُ حبان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك» من حديث أنس - ﵁ -: «والمؤمن من أَمِنَهُ الناس». وأخرج ابن حبان في «صحيحه» من طريق الشعبيّ أيضًا، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، ورب هذه الْبَنِيَّة - يعني الكعبة - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المهاجر من هَجَرَ السيئات، والمسلم مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده» . وأخرجه ابن منده من طريق الشعبي أيضًا قال: سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: ورب هذه البنية لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المهاجر من هَجَرَ السيئات، والمسلم مَن سَلِمَ الناس من لسانه ويده» . قال في «الفتح»: والمراد بالناس هنا المسلمون، فهم الناس حقيقةً عند الإطلاق؛ لأن الإطلاق يُحْمَل على الكامل، ولا كمال في غير المسلمين، ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط، وهو إلا بحق، مع أن إرادة هذا الشرط متعينةٌ على كل حال؛ لما قدّمته من استثناء إقامة الحدود على المسلم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا من هذا الوجه تفرّد به المصنّف، ولم يُخرجه البخاريّ. [تنبيه]: قال الحافظ في «الفتح»: أخرج مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، بهذا الإسناد نظير هذا السؤال، لكن جعل الجواب، كالذي في حديث أبي موسى، فادَّعَى ابنُ منده فيه الاضطراب. [وأجيب]: بأنهما حديثان اتَّحد إسنادهما، وافق أحدهما حديث أبي موسى - ﵁ -، ولثانيهما شاهد من حديث عبد الله بن سلام - ﵁ -، كما تقدم. انتهى . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [١٦/ ١٦٩] (٤٠) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عنه. و(أحمد) في «مسنده» ٢/ ١٨٧ و١٩١، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» ٩/ ٦٤ و٦٥، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٠٠)، و(أبو نعيم) في «المسند المستخرج» ١/ ١٣٠ (١٥٦) (٤٠٠)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٣١٦). وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٩)

١. راجع: «شرح المقدّمة» ٢/ ٢٠.

٢. «شرح مسلم» ١/ ١٠.

٣. «فتح الباري» ١/ ٥٣.

٤. «فتح» ١/ ٦٩.

٥. أخرجه مسلم ولفظه: «اهجوا قريشًا، فإنه أشدّ عليها من رشق النبل».

٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٤١ - ٤٤٢.

٧. راجع: «صحيح ابن حبان» ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥ رقم (١٩٦).

٨. راجع: «الإيمان» لابن منده ١/ ٤٥١ رقم (٣١٣).

٩. راجع: «الفتح» ١/ ٨٢.