HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٠

حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي، إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ. يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ. ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ. يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ. وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ. فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حبة خردل». قال أبو رافع: فحدثت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ. فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَنَزَلَ بِقَنَاةَ. فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا جَلَسْنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فحدثنيه كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ. قَالَ صَالِحٌ: وَقَدْ تحدث بنحو ذلك عن أبي رافع.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص50
ج ١ ص ٦٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٢٢٢
بمعنى الباء، يعني أن رواية الأعمش بالطريقين المذكورين مشتملة على قصة مروان، وعلى حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - المرفوع، ولم تقتصر على أحدهما، كما اشتملت عليهما رواية شعبة، وسفيان المتقدّمة. [تنبيه]: رواية الأعمش بالطريقين ساقها الإمامان أبو داود وابن ماجه في «سننهما» بإسناد المصنّف، فقال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى (١/ ٢٩٦): (١١٤٠) حدثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري (ح) وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري، قال: أخرج مروان المنبر في يوم عيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل، فقال: يا مروان، خالفت السنة، أخرجت المنبر في يوم عيد، ولم يكن يُخْرَج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، فقال أبو سعيد الخدريّ: مَن هذا؟ قالوا: فلان بن فلان، فقال: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من رأى منكرًا فاستطاع أن يغيره بيده، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». انتهى. وقال الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى (١/ ٤٠٦): (١٢٧٥) حدثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد، قال: أخرج مروان المنبر يوم العيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل، فقال: يا مروان خالفت السنة، أخرجت المنبر يوم عيد، ولم يكن يُخرج به، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، ولم يكن يُبدأ بها، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من رأى منكرًا، فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع بلسانه فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧] (٥٠) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْر، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَن الْحَارِث، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَر، عَنْ أَبي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ، بَعَثَهُ اللهُ فِي أَمَّةٍ قَبْلِي، إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَاْخُذُونَ بِسُنَّتِه، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِه، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ». قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ، فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَنَزَلَ بِقَنَاةَ، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا، سَألتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيث، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ صَالِحٌ: وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر هاشم بن القاسم البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، واسمه كنيته، وقيل: محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسِّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وعبد لقبه، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٦ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٧ - (الْحَارِثُ) بن فُضيل الأنصاريّ الْخَطْميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن محمود بن لبيد، وجعفر بن عبد الله بن الحكم، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي قُرَاد، وغيرهم. وروى عنه صالح بن كيسان، وعُمَير بن يزيد، أبو جعفر الخطمي، والدَّراوَرْديّ، وفُلَيح بن سليمان، وابن إسحاق، وابن عجلان، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة، وكذا قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين، وقال مهنأ عن أحمد: ليس بمحفوظ الحديث، وقال أبو داود، عن أحمد: ليس بمحمود الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٨ - (جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم) بن رافع بن سنان الأنصاريّ، والد عبد الحميد، وقيل: إن رافع بن سِنَان جدُّه لأمه، ثقة [٣]. رَوَى عنه، وعن عمه عمر بن الحكم، وأنس، ومحمود بن لَبِيد، وعقبة بن عامر، وعِلْباء السُّلَميّ، وله صحبة، وعبد الرحمن بن المسور بن مِخْرَمة، وعِدَّة. وروى عنه ابنه، ويزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وغيرهم. قال البخاري في «التاريخ»: رأى أنسًا، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: رَوَى عن أنس، إن كان حَفِظَه أبو بكر الحنفيّ، وقال: ثقةٌ، وجزم ابن يونس أن رافع بن سِنَان جده لأمه. وأخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، والباقون، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٥٣٣): «من بنى لله مسجدًا …»، وكرره مرتين، و(١٩٨٢): «لقد أنزل الله الآية …»، و(٢٠١٤): «غَطُّوا الإناء، وأَوْكُوا السقاء …»، و(٢٦٧٣): «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا …» و(٢٨٩٥): «يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب …». ٩ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمِسْوَرِ) بن مَخْرَمة بن نَوْفل بن أهيب بن عبد مناف بن زُهْرة الزهريّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وسعد بن أبي وقاص، وأبي رافع مَوْلى النبي - ﷺ -، وعنه ابنه جعفر، والزهريّ، وجعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاريّ، وحبيب بن أبي ثابت، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: أمه أمةُ الله بنت شُرَحبيل بن حَسَنة، وتوفي بالمدينة سنة تسعين، وكان قليل الحديث، وكذا أَرَّخه غير واحد، رَوَى له المصنّف هذا الحديث فقط. ١٠ - (أَبُو رَافِعٍ) الْقِبْطيّ، مولى النبيّ - ﷺ -، قيل: اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هُرْمُز، يقال: إنه كان للعباس، فوهبه للنبي - ﷺ -، وأعتقه لَمّا بَشَّره باسلام العباس، وكان إسلامه قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد أُحُدًا وما بعدها. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن ابن مسعود، وعنه أولاده: الحسن، ورافع، وعبيد الله، والمعتمر، ويقال: المغيرة، وسَلْمَى، وأحفاده: الحسن، وصالح، وعبيد الله، أولاد عليّ بن أبي رافع، وعلي بن الحسين بن علي، وأبو سعيد المقبري، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وأبو غَطَفَان بن طَرِيف الْمُرِّيّ، وعَمْرو بن الشَّرِيد بن سُوَيد الثقفيّ، وحُصين والد داود، وسعيد بن أبي سعيد، مولى ابن حَزْم، وشُرَحبيل بن سعد، وغيرهم. قال الواقديّ: مات بالمدينة بعد قتل عثمان، وقيل: مات في خلافة عليّ، وهو قول ابن حبان، ويقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم، وقيل: سنان، وقيل: يسار، وقيل: صالح، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: قُزمان، وقيل: يزيد، وقيل: ثابت، وقيل: هُرمز، وقال ابن عبد البرّ: أشهر ما قيل في اسمه: أسلم، وقال يحيى بن معين: اسمه إبراهيم، وقال مصعب الزبيريّ: وأخرج له المصنّف هنا في الأصول، فتوثيق مثله ظاهرٌ، وتعفب الدكتور بشار عواد على الحافظ في مقبول، وقال: صدوق، حسن الحديث، انظر ما كتبه في: «تحرير التقريب» ٢/ ٣٤٨. اسمه إبراهيم، ولقبه بُريه، وهو تصغير إبراهيم، ونقل ابن شاهين عن أبي داود أنه كان اسمه قُزمان، فسُمّي بعده إبراهيم، وقيل: أسلم . وقال مصعب الزبيريّ: كان أبو رافع عبدًا لأبي أُحَيحة سعيد بن العاص، فأعتق بنوه نصيبهم، منهم خالد بن سعيد، فوهب نصيبه لرسول الله - ﷺ -، فأعتقه، فكان أبو رافع يقول: أنا مولى رسول الله - ﷺ -، فلما وَليَ عمرو بن سعيد بن العاص المدينة ضَرَب ابنَ أبي رافع ليقول له: إني مولاكم، فأبى إلا أن يقول: أنا مولى رسول الله - ﷺ - حتى ضربه خمسمائة سوط، حتى قال له: أنا مولاكم. هكذا أورد بعضهم هذا في ترجمة أبي رافع هذا، فتعقبه الحافظ، فقال: هذا غلطٌ بيّن؛ لأن أبا رافع القبطيّ كان للعباس بن عبد المطلب، وليس لأبي أُحيحة. فانظر «الإصابة» ٧/ ١١٤، والله تعالى أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث، و(٣٥٧): «أشوي لرسول الله - ﷺ - …» و(١٣١٣): «لم يأمرني رسول الله - ﷺ - …» و(١٦٠٠): «أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء …». ١١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من تساعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فهو من أنزل أسانيده، كما سبق في «شرح المقدّمة». ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيوخ المصنّف الثلاثة، فالأولان بغداديان، والثالث كسّيّ، منسوب إلى كِسّ، بكسر، فتشديد سين مهملة، مدينة بما وراء النهر . ٣ - (ومنها): أن فيه أربعةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن الحارث، عن جعفر، عن عبد الرحمن. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ صحابيّ عن صحابيّ: أبي رافع، عن ابن مسعود - ﵄ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) الْقِبْطيّ، مولى النبيّ - ﷺ - ﵁ - (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي ما من رسول من الرسل المتقدّمة، ويعني بذلك غالب الرسل، لا كلّهم، بدليل قوله - ﷺ - في الحديث الآخر الذي أخبر فيه عن مجيء الأنبياء في أممهم يوم القيامة، فإنه قال فيه:»يأتي النبيّ، ومعه الرجل والرجلان، ويأتي النبيّ، وليس معه أحد … «الحديث ، فهذا العموم، وإن كان مؤكّدًا من بعد النفي، فهو مُخَصَّص بما ذكرناه. انتهى (بَعَثَهُ اللهُ فِي أَمَّةٍ) هكذا في رواية مسلم، ووقع في نسخ»المصابيح«بلفظ»في أمته«بالإضافة، وكذا هو في»مسند أبي عوانة«(١٠٠). قال التوربشتيّ: هذا الحرف أعني»في أمة«وجدناه في نسخ»المصابيح« »في أمته«بزيادة الهاء، ونحن نرويه بغير هاء عن كتاب مسلم وغيره، وهو الصواب والأمثل في فصيح الكلام، وقال المظهر: الرواية بالهاء أصحّ، وتعقّبه الطيبيّ، فقال: إن قوله:»نبيّ«نكرة، والمناسب أن يؤتى»أمّة«نكرة؛ إذ المعنى: ما من نبيّ من الأنبياء في أمة من الأمم؛ لاقتضاء»ما«النافية، و»من«الاستغراقيّة ذلك، ولأن قوله:»إن له من أمته«عبارة عن النكرة، فهو كالتعريف باللام بعد النكرة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا فرق بين الوجهين: إثبات الهاء وعدمه، فالكلّ صحيح إن صحّت الرواية بهما، وإلا فما صحت الرواية به متعيّنٌ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَبْلِي) متعلّق بصفة لـ«أمّة»(إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ) جمع حَوَاريّ، وهم خُلْصَانُ الأنبياءِ الذين أَخْلَصُوا في حُبّ أنبيائهم، وأُخْلِصُوا ونُقُّوا من كلِّ عيب، وحُوَّارَى الدقيق: هو الدقيق الذي نُخِلَ مرّةً بعد مرّة ، قاله الأزهريّ، وقال ابن الأنباريّ: هم المختصّون الْمُفَضَّلون، وسُمِّي خُبْز الْحُوَّارَى؛ لأنه أشرف الخبز، وقيل: هم الناصرون للأنبياء، كما قال - ﷺ -:«لكلّ نبيّ حواريّ، وحواريي الزبير»، متّفقٌ عليه، وقيل في حَوَاريّ عيسى ﵇ خمسة أقوال: هم البيض الثياب، وقيل: الْمُبيِّضُون لها، وقيل: المجاهدون، وقيل: الصيّادون، وقيل: المخلصون، ذكره القرطبيّ . وقال النوويّ: وأما الحواريّون المذكورون فاختُلف فيهم، فقال الأزهريّ وغيره: هم خُلْصان الأنبياء وأصفياؤهم، والْخُلْصَان الذين نُقُّوا من كلّ عيب، وقال غيرهم: أنصارهم، وقيل: المجاهدون، وقيل: الذين يَصلحون للخلافة بعدهم. انتهى . وقال الطيبيّ: «الحواريّ»: الناصر، وأصله أن أصحاب عيسى ﵇ كانوا قَصّارين يُبيّضون الثياب، فلَمّا صاروا أنصاره قيل لكلّ ناصر: حواريّ، وهو الوجه المستقيم؛ لأنهم خُلْصان الأنبياء؛ ولأن حَوَاريّ الرجل صفوته، وخالصته الذي أُخْلِصَ، ونُقِّيَ من كلّ عيب . (وَأَصْحَابٌ) جمع صَحْبٍ، كفَرْخٍ وأفراخ، قاله الجوهريّ، وقال غيره: أصحاب عند سيبويه جمع صاحب، كشاهد وأشهاد، وليس جمع صَحْب؛ لأن فَعْلًا لا يُجمع على أفعال، إلا في ألفاظ معدودة، وليس هذا منها، والصحبة: الْخُلْطَةُ، والملابسة على جهة المحبّة، يقال: صَحِبه يَصْحَبه صُحْبَةً بالضمّ، وصَحَابَةً بالفتح، وقد يراد به الأصحاب، وجمع الصاحب صَحْبٌ، كراكب ورَكْب، وصُحْبَةٌ بضمّ الصاد، كفَارِهٍ وفُرْهَةٍ، وصِحَابٌ بالكسر، كجائع وجِيَاع، وصُحْبَان، كشابّ وشُبّان، قاله في «المفهم» . = وخُلْصَاني، وتقول: هؤلاء خُلْصَاني، وخُلَصَائي يستوي فيه الواحد والجماعة. انتهى. وقال الطيبيّ: يجوز أن يكون «أصحاب» عطف تفسير و«حواريّون»، وأن يكون الأصحاب غير الحواريين. انتهى. (يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ) أي يعملون بهدي ذلك النبي وسيرته، وقوله: (وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ) عطف توكيد لما قبله؛ لأنه بمعناه. (ثُمَّ) يجوز أن تكون على التراخي الحقيقيّ في الزمان، وأشار بالتعبير به إلى أن تغيير السنن إنما تكون بعد طول زمن، ويحتمل أن تكون على معنى البعد في المرتبة، أفاده الطيبيّ (إِنَّهَا) الضمير للقصّة والجملة بعدها مفسّرة لها، قاله الطيبيّ، وقال القرطبيّ: الرواية «إنها» بهاء التأنيث فقط، وأعادها على الأمة، أو على الطائفة التي هي معنى «حواريين وأصحاب»، ويحتمل أن يكون ضمير القصّة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونها للقصّة، هو الحقّ، وأما الاحتمال الأول فتكلّف لا داعي له، بل المعنى عليه ركيكٌ كما لا يخفى على من تأمله، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (تَخْلُفُ) بضمّ اللام، يقال: خَلَفتُ فُلانًا على أهله وماله، من باب قَعَدَ، خِلافَةً: صِرتُ خليفته، وخَلَفْتُهُ: جئت بعده، والْخِلْفَة: اسمٌ منه، كالقِعْدة لهيئة القعود . (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد هؤلاء الحواريين والأصحاب (خُلُوفٌ) بضم الخاء جمع خَلْف، بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الرديء من الأعقاب والولد السوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وأما الخَلَفُ بفتح اللام، فيُجمع على أخلاف، وهو الصالح منهم، أيضًا، ومنه ما يُروى: «يَحْمِلُ هذا العلمَ من كلّ خَلَف عُدُوله» ، وحَكَى الفرّاء الوجهين في الذمّ والفتح في المدح لا غير، وحكى أبو زيد الفتح فيهما جميعًا . وقال النوويّ: وأما الْخُلُوف، فبضمّ الخاء، وهو جمع خَلْف بإسكان اللام، وهو الخالف بشرّ، وأما بالفتح، فهو الخالف بخير، هذا هو الأشهر، وقال جماعة من أهل اللغة، منهم أبو زيد: يقال كلّ واحد منهما بالفتح والإسكان، ومنهم من جوّز الفتح في الشرّ، ولم يُجوّز الإسكان في الخير. انتهى . وقال الطيبيّ: «الْخَلَفُ» بالتحريك والتسكين، وخُصّ الأول بالْخَلَف الصِّدْق، والثاني بالسُوء، ويُجمع خَلَفٌ على أَخلاف، كسَلَف وأسلاف، وخَلْفٌ على خُلُوف، كعَدْل وعُدُول، والمعنى أنه يجيء من بعد أولئك السلف الصالح أناسٌ لا خير فيهم، ولا خَلاقَ لهم في أمور الديانات. انتهى . (يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: وَصَفَ الْخُلُوف بوصفين مقابلين لما وصف الأصحاب بهما، فهم تصلّفوا، حيث قالوا: فعلنا ما أُمرنا من واجبات الدين، وفضائل الأعمال، ولم يفعلوا شيئًا من ذلك، بل فَعَلوا ما نُهُوا عنه، وهو الْمَعْنِيُّ بقوله (وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ) إذ فعل ما لم يؤمر به شرعًا من البدع المنهيّ عنها، وهو إيماء إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والآية [آل عمران: ١٨٨]، وقوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصفّ: ٢ - ٣]، بخلاف السلف الصالح، فإنهم لَمّا اقتدوا بهدي نبيّ الله انخرطوا في سلك الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. انتهى . والفاء في قوله: (فَمَنْ جَاهَدَهُمْ) واقعة في جزاء شرط محذوف، أي إذا تقرّر ذلك، فمن حاربهم، وأنكر عليهم (بِيَدِهِ) بأن أزال المنكر (فَهُوَ مُؤْمِنٌ) قال الطيبيّ: التنكير فيه للتنويع، فإن الأول دلّ على كمال الإيمان، والثالث على نقصانه، والمتوسّط على القصد فيه، وفي «حبة خردل» على نفيه بالكليّة. انتهى. (وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ) أي أنكر عليهم (بِقَلْبِهِ) بأن غَضِبَ عليهم، ولو قدر لحاربهم باليد، أو باللسان (فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ») برفع«حبّةُ»على أنه اسم«ليس»مؤخّرًا، و«وراء ذلك»خبرها مقدّمًا، وقوله:«من الإيمان»صفتها قُدّم عليه فأعرب حالًا؛ لأن نعت النكرة إذا قُدّم يُعرب حالًا، كما في قوله: لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ وذهب المظهر إلى أن الإشارةَ بـ«ذلك»إلى الإيمان في المرتبة الثالثة، ويحتمل أن يُشار به إلى المذكور كلّه، أي ليس وراء ما ذكرت من مراتب الإيمان مرتبة قطّ؛ لأن من لم يُنكر بالقلب رضي بالمنكر، والرضا بالمنكر كفرٌ، فتكون هذه الجملة المصدّرة بـ«ليس» معطوفةً على الجملة قبلها بكمالها، كذا قاله الطيبيّ. وقال القاري بعد ذكره كلام الطيبيّ هذا: والأول هو الظاهر، أي وراء الجهاد بالقلب، يعني أن من لم ينكر عليهم بالقلب بعد العجز عن جهادهم بيده ولسانه، فلم يكن فيه حبّة خردل من الإيمان؛ لأن أدنى مراتب أهل الإيمان أن لا يستحسن المعاصي، وينكرها بقلبه، فإن لم يفعل ذلك، فقد خرج عن دائرة الإيمان، ودخل فيمن استحلّ محارم الله، واعتقد بطلان أحكامه. انتهى كلام القاري . (قَالَ أَبُو رَافِعٍ) القبطيّ - ﵁ - (فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ -، فـ «عبد لله» منصوب على المفعوليّة، والمتعلَّق محذوفٌ، أي بهذا الحديث (فَأنْكَرَهُ) أي هذا الحديث (عَلَيَّ) هذا الإنكار يُحمل على أنه من باب التأكّد في صحّة سياق الحديث؛ إذ يحتمل أن يزيد، أو ينقص، أو يحرّف بعضه؛ لأن الإنسان عُرضة لهذا كلّه، فالنسيان طبيعته، والذهول سجيّته، وليس من باب الردّ عليه لاتهامه؛ لأن أبا رافع - ﵁ - صحابيّ جليلٌ، رفيعُ القدر، معلوم العدالة والصدق عند ابن عمر - ﵄ -، ونظيره ما وقع لوالده عمر بن الخطّاب - ﵁ - حيث أنكر على الصحابيّ الجليل أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - في قضية الاستئذان، حتى شهد له أبو سعيد الخدريّ - ﵁ -، وقصّتهما مشهورة في «الصحيحين»، وغيرهما . (فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ) - ﵁ -، أي جاء من الكوفة إلى المدينة (فَنَزَلَ بِقَنَاةَ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في بعض الأصول المحققَّة بقناة - بالقاف المفتوحة، وآخره تاء التأنيث - وهو غير مصروف للعلمية والتأنيث، وهكذا ذكره أبو عبد الله الْحُمَيديّ في «الجمع بين الصحيحين»، ووقع في أكثر الأصول، ولمعظم رواة كتاب مسلم «بفنائه» - بالفاء المكسورة، وبالمدّ، وآخره هاء الضمير، قبلها همزة - وجمعه أفنية، وهو ما بين أيدي المنازل والدُّور من البراح، وكذا رواه أبو عوانة الإسفراييني في «مستخرجه» على «صحيح مسلم»، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: في رواية السمرقنديّ «بقناة»، وهو الصواب و«قَنَاةُ» وادٍ من أودية المدينة، عليه حرثٌ ومالٌ من أموالها، قال: ورواية الجمهور «بفنائه»، وهو خطأٌ، وتصحيف. انتهى . (فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ) أي طلب أن أتّبعه (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) - ﵄ - (يَعُودُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي يزوره، وعاد العليل يعوده عَوْدًا، وعيَادةً، وعيادًا: إذا زاره، وقال الفرّاء: يقال: هؤلاء عَوْدُ فلان، وعُوَّادُهُ، مثلُ زَوْرِه، وزُوّاره، وهم الذين يَعُودونه إذا اعتلّ، وفي حديث فاطمة بِنت قيس: «فإنها امرأة يكثُر عُوّادها»: أي زُوّارها، وكلّ من أتاك مرّةً بعد أخرى فهو عائدٌ، وإن اشتهر ذلك في عيادة المريض حتى صار كأنه مختصّ به، قاله في «اللسان» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أفادت عبارة «اللسان» أن العيادة لا حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن ابن جريج، حدثني عطاء، عن عُبيد بن عُمير، قال: استأذن أبو موسى على عمر، فكأنه وجده مشغولًا، فرجع فقال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس، ائذنوا له، فدعي له، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: إنا كنا نؤمر بهذا، قال: فأتني على هذا ببينة، أو لأفعلنّ بك، فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد الخدري، فقال: قد كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خَفِي علي هذا من أمر النبي - ﷺ -، ألهاني الصَّفْق بالأسواق، يعني الخروج إلى التجارة. تختصّ بزيارة المريض فقط، كما يوهمه عبارة بعض معاجم اللغة حيث يقيّدونه، فيقولون: عاد المريض: إذا زاره، فيكون معنى «يعوده» في هذا الحديث مطلق الزيارة، فتنبّه. ثم وجدت عند ابن حبان نصًّا على أن ابن مسعود - ﵁ - كان مريضًا، من رواية عطاء بن يسار، عن ابن مسعود - ﵁ -، ولفظه: «قال عطاء: فقلت: هو مريضٌ، فما يمنعك أن تعوده؟ قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث …». انتهى . فتبيّن بهذه الرواية أن قوله هنا: «يعوده» مستعمل على معناه الغالب، والله تعالى أعلم. (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ) أي ذهبت مع ابن عمر إلى ابن مسعود - ﵃ - (فَلَمَّا جَلَسْنَا، سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) - ﵁ - (عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ) أي لإزالة إنكار ابن عمر عليه (فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ) أي من غير زيادة، ولا نقص. (قَالَ صَالِحٌ) بن كيسان (وَقَدْ تُحُدِّثَ) بضم التاء والحاء، مبنيًّا للمفعول، وإنما عبّر به؛ لعدم صحة هذه الرواية؛ لمخالفتها للرواية المشهورة؛ فإن جمهور الرواة رووا الحديث من رواية أبي رافع، عن ابن مسعود، لا من رواية أبي رافع، عن النبيّ - ﷺ -، كما أخرجه المصنّف بالطريقين هنا (بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ) - ﵁ -، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى هذا أن صالح بن كيسان قَال: إن هذا الحديث، رُوِي عن أبي رافع - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - من غير ذكر ابن مسعود - ﵁ - فيه، وقد ذكره البخاريّ كذلك في «تاريخه» ، مُخْتَصَرًا، عن أبي رافع - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية البخاريّ المشار إليها أخرجها في «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨ فقال رحمه الله تعالى: قال ابن أبي مريم: حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثني الحارث بن فُضَيل، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن مِسْوَر بن مَخْرَمة، عن أبي رافع مولى النبيّ - ﷺ -، عن النبيّ - ﷺ -: «ما كان نبيّ إلا له حواريون يهتدون بهديه». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٢٢/ ١٨٧ و١٨٨] (٥٠) بهذه الأسانيد، و(أحمد) في «مسنده» (٤٣٦٣ و٤٣٧٩ و٤٤٠٢)، و(ابن حبان) في «صحيحه» (١٧٧ و٦١٩٣)، و(أبو عوانة) في «مستخرجه» (٩٨ و١٠٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٧)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١٨٣)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٩٧٨٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» ١٠/ ٩٠، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في الكلام على هذا الحديث: قد تكلّم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في هذا الحديث، قال القاضي عياض: وقد قال أبو عليّ الْجَيّانيّ، عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: هذا الحديث غير محفوظ، قال: وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، وابنُ مسعود يقول: «اصبروا حتى تلقوني». انتهى. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى. وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاريّ، وقد أنكره أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فيما بلغنا عن أبي داود السِّجِسْتانيّ في «مسائله عن أحمد» قال: الحارث بن فُضيل ليس بمحفوظ الحديث، وهذا الكلام لا يُشبه كلام ابن مسعود، وذكر أحمد قوله - ﷺ -: «اصبروا حتى تلقوني». قال ابن الصلاح: قد رَوَى عن الحارث هذا جماعة من الثقات، ولم نَجِدْ له ذكرًا في كتب الضعفاء، وفي كتاب ابن أبي حاتم، عن يحيى بن معين أنه ثقة، ثم إن الحارث لم ينفرد به، بل توبع عليه على ما أشعر به كلام صالح بن كيسان المذكور. وذكر الإمام الدارقطني ﵀ في «كتاب العلل» أن هذا الحديث قد رُوي من وجوه أُخَرَ، منها عن أبي واقد الليثيّ، عن ابن مسعود، عن النبيّ - ﷺ -. وأما قوله: «اصبروا حتى تلقوني» فذلك حيث يلزم من ذلك سفك الدماء، أو إثارة الفتن، ونحو ذلك، وما وَرَدَ في هذا الحديث من الحثِّ على جهاد المبطلين باليد واللسان، فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة، على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سَبَقَ من الأمم، وليس في لفظه ذكر لهذه الأمة. انتهى كلام الشيخ أبي عمرو . قال النوويّ بعد نقله كلام ابن الصلاح هذا: وهو ظاهر كما قال، وقَدْحُ الإمام أحمد ﵀ في هذا عَجَبٌ، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث، وإن تكلم فيه الإمام أحمد، إلا أن غيره من الأئمة قد صححوه، منهم المصنّف، فقد أخرجه هنا، وابن حبّان في «صحيحه»، وأبو عوانة، في «مستخرجه»، وأبو نعيم كذلك في «مستخرجه»، وقال ابن منده في «كتاب الإيمان» بعد إخراجه (١/ ٣٤٦) (١٨٤): هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم من حديث يعقوب، وابن أبي مريم، وتركه البخاريّ، ولا علّة له، ورواه عبد الله بن الحارث الْجُمحيّ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة نحو معناه. انتهى كلام ابن منده. والحاصل أن الحديث صحيح، فهو مرويّ عن ابن مسعود - ﵁ - بطرق، فقد رواه مسلم هنا من طريق عبد الرحمن بن المسور عنه، ورواه ابن حبّان من طريق عطاء بن يسار عنه، فقال في «صحيحه» (١/ ٤٠٣): (١٧٧) أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عاصم بن محمد، عن عامر بن السِّمْط، عن معاوية بن إسحاق بن طلحة، قال: حدثني، ثم استكتمني أن أحدِّث به ما عاش معاوية، فذكر عامر، قال: سمعته وهو يقول: حدثني عطاء بن يسار، وهو قاضي المدينة، قال: سمعت ابن مسعود، وهو يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «سيكون أمراء من بعدي، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده». قال عطاء: فحين سمعت الحديث منه انطلقت به إلى عبد الله بن عمر، فأخبرته، فقال: أنت سمعت ابن مسعود يقول هذا؟ كالْمُدْخَل عليه في حديثه، قال عطاء: فقلت: هو مريضٌ، فما يمنعك أن تعوده، قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث، قال: فخرج ابن عمر، وهو يُقَلِّب كفيه، وهو يقول: ما كان ابن أم عبد يَكْذِب على رسول الله - ﷺ -. انتهى . وهذا إسناد صحيح، فرجاله رجال الصحيح، غير عامر بن السِّمْط، وهو ثقة، وثقه يحيى القطّان، والنسائيّ، وغيرهما ، فقد تابع عطاءُ بن يسار عبدَ الرحمن بن المسور، في روايته عن ابن مسعود - ﵁ -، وقد ثبت سماع عطاء من ابن مسعود في هذه الرواية، وقد أثبت سماعه منه ابن سعد في «طبقاته» ٥/ ١٧٣، والبخاريّ في «التاريخ الكبير» ٦/ الترجمة (٢٩٩٢)، فقول أبي حاتم في «المراسيل» ص (١٢٩): «لم يسمع منه» مدفوع بهذا. ورواه البخاريّ في «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٤٨: قال: وقال عمرو بن محمد، ويعقوب، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الحارث، عن جعفر، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن أبي رافع نحوه، قال أبو رافع: فحدّثت عبد الله بن عمر، فانطلقت معه، فلما جلسنا سألته، فحدّثنيه كما حدّثتُ ابن عمر. وقال محمد بن عبد الله: حدثنا عمرو بن طلحة، عن أبي سهيل بن مالك، عن ابن أبي رافع، مولى النبيّ - ﷺ -، قلت لعبد الله بن عمر: أخبرني أخوك ابن مسعود، قال: «يكون بعد الأنبياء خَلَف …»، فقَصَّ الحديث . والحاصل أن الحديث ثابتٌ صحيح من غير شكّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٨] (…) - (وحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْخَطْمِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا كَانَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ، يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ»، مِثْلَ حَدِيثِ صَالِحٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قُدُومَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاجْتِمَاعَ ابْنِ عُمَرَ مَعَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ) الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ بالولاء، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن عبد الله بن عمر العمري، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وسليمان بن بلال، وإبراهيم بن سويد، ومالك، والليث، وغيرهم. ورَوى عنه البخاري، وروى له هو والباقون بواسطة محمد بن يحيى الذُّهْليّ، والحسن بن عليّ الخلال، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن إسحاق الصغانيّ، وغيرهم. قال أبو داود: ابن أبي مريم عندي حجة، وقال الحسين بن الحسن الرازي: سألت أحمد: عمَّن أكتب بمصر؟ فقال: عن ابن أبي مريم، وقال ابن معين: ثقة من الثقات، وقال العجلي: كان عاقلًا، لم أر بمصر أعقل منه ومن عبد الله بن عبد الحكم، وقال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الحاكم عن الدارقطني: قال النسائي: سعيد بن عُفير صالحٌ، وسعيد بن الحكم لا بأس به، وهو أحب إليَّ من ابن عُفير. وقال ابن يونس: كان فقيهًا، وُلد سنة (١٤٤)، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّد) بن عُبيد الدّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله - ﷺ -: (يهتدون بهديه) - هو بفتح الهاء، وإسكان الدال - أي بطريقته وسَمْته. وقوله: (مثل حديث صالح … إلخ) يعني حديث عبد العزيز عن الحارث بن الفضيل مثل حديث صالح بن كيسان إلا في عدم ذكر قدوم ابن مسعود، واجتماع ابن عمر - ﵃ - معه. [تنبيه]: روايةُ عبد العزيز هذه أخرجها أبو عوانة في «مسنده المستخرج» (١/ ٤٣)، عن شيخ المصنّف، فقال: (٩٨) حدثنا الصاغانيّ، قال: أنبا ابن أبي مريم، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ثنا الحارث بن فُضيل الْخَطْمِيّ، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن مِسْوَر بن مَخْرَمة، عن أبي رافع، مولى النبيّ - ﷺ -، عن عبد الله بن مسعود، أن النبيّ - ﷺ - قال: «ما كان من نبيّ، إلا وله حَوَاريُّون، يَهْدُون بِهَدْيه ، ويستنون بسنته، ثم يكون من بعدهم خُلُوف، يقولون ما لا يفعلون ، ويعملون ما ينكرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل». [تنبيه آخر]: قوله: (ولم يذكر قدومَ ابن مسعود، واجتماعَ ابن عمر معه) هذا مما أنكره الحريريّ في كتابه «دُرَّة الْغَوَّاص في أوهام الْخَوَاصّ» ، فقال: لا يقال: اجتمع فلان مع فلان، وإنما يقال: اجتمع فلان وفلان، وقد خالفه
مصادر المؤلف (٣٣)

١. قال عنه في «التقريب»: مقبول، وعندي أنه ثقة؛ لأنه تابعيّ، روى عنه جماعة من الثقات، ووثقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ في «الكاشف» ٢/ ١٨٥: ثقة. انتهى.

٢. «الإصابة» ٧/ ١١٣.

٣. «لب اللباب» ٢/ ٢٠٨.

٤. أخرجه الشيخان.

٥. «المفهم»١/ ٢٣٥.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن»٢/ ٦٢٤.

٧. في«اللسان»٧/ ٢٨: استخلص الرجلَ: إذا اختصّه لدُخْلُلة، وهو خالصتي، =

٨. «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٤٥٨.

٩. «المفهم» ١/ ٢٣٥.

١٠. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٨.

١١. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٦٢٤.

١٢. «المفهم» ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.

١٣. راجع: «المصباح» ١/ ١٧٨.

١٤. هذا حديث ضعيف.

١٥. «المفهم» ١/ ٢٣٦ بزيادة.

١٦. «شرح النووي» ٢/ ٢٨.

١٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٦٢٤.

١٨. راجع: «الكاشف» ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥، و«المرقاة» ١/ ٣٩٣.

١٩. «المرقاة شرح المشكاة» ١/ ٣٩٤.

٢٠. قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى:

٢١. «إكمال المعلم» ١/ ٣٠٤، و«الصيانة» ص ٢٠٨ - ٢٠٩، و«شرح النووي» ٢/ ٢٨ - ٢٩.

٢٢. «لسان العرب» ٣/ ٣١٩.

٢٣. «الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان» ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤.

٢٤. راجع: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٤٨.

٢٥. «إكمال المعلم» ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣.

٢٦. «الصيانة»ص ٢١٠ - ٢١١.

٢٧. «شرح مسلم»٢/ ٢٨.

٢٨. «الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان» ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤.

٢٩. راجع ترجمته في: «التقريب» وأصله.

٣٠. «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨.

٣١. وعند ابن منده في «كتاب الإيمان» برقم (١٨٤) بلفظ: «يهتدون بهديه».

٣٢. ولفظ ابن منده (١٨٤) «يقولون ما لا يعملون … إلخ».

٣٣. راجع: «درّة الغوّاص» ص ٣٤٣.