HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥١

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ. حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيل، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا يَرْوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ. قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بيده نحو اليمن، فقال: «ألا إن الإيمان ههنا. وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ. عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ. حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ. في ربيعة ومضر».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص51
ج ١ ص ٧١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٢٣٩
الجوهريّ، فقال في «صحاحه»: جامعه على أمر كذا: أي اجتمع معه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنكار الحريريّ المذكور غير صحيح، فقد خالفه أرباب اللغة، كالجوهريّ في «صحاحه»، ومجد الدين في «القاموس المحيط»، وابن منظور في «لسان العرب»: وعبارته: وجامعه على الأمر: مالأه عليه، واجتمع معه. انتهى . فظهر بهذا أن تعبير مسلم رحمه الله تعالى هنا بقوله: «واجتماع ابن عمر معه» عبارة صحيحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٢٣ - (بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِيه، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩] (٥١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ (ح) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا، يَرْوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَن، فَقَالَ: «ألَا إِنَّ الْإِيمَانَ هَهُنَا، وَإنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِل، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَان، فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ»). رجال هذا الإسناد: أحد عشر رجلًا: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد المذكور قبل باب. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما دلّس، وكان بآخره يُحدّث من كتب غيره، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمَير المذكور قبل باب. ٤ - (أَبُوه) عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السنة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٥ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي. ٦ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٧ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثيُّ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٨ - (مُعْتَمِرٌ) بن سليمان بن طرخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٩ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. ١٠ - (قَيْس) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ، مخضرم [٢] مات بعد (٩٠) وقيل: قبلها، وقد جاوز مائة، وتغيّر، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٧٥. ١١ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الجليل، مات - ﵁ - قبل (٤٠) وقيل: بعدها (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٥٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر فما أخرج له الترمذيّ، ويحيى فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلا يحيى بن حبيب، ومعتمرًا، فبصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن شيخه محمد بن العلاء أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وهم تسجة وقد تقدّموا غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعيّ الذي تفرّد بالرواية عن العشرة المبشرين بالجنة - ﵃ - كلِّهم على الصحيح، وإليه أشار السيوطيّ في «ألفية الحديث» بقوله: وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ ٧ - (ومنها): كتابة (ح) ثلاث مرّات إشارة إلى التحويل، وقد سبق تمام البحث فيها، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) اختُلف في اسم أبيه، فقيل: هُرْمُز، وقيل: سعد، وقيل: كثير، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا) أي ابن أبي حازم، واختُلف في اسم أبيه، فقيل: حُصين، وقيل: عوف، وقيل: عبد عوف، وهو صحابيّ له حديث (يَرْوِي) جملة في محل نصب على الحال، من «قيسًا»، أي حال كونه راويًا (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ، واختُلف في نسبته إلى بدر، فقيل: لشهوده وقعة بدر، وقيل: إنه لم يشهدها، ولكنه سكن بدرًا، والأول هو الأصح، وهو قول البخاريّ رحمه الله تعالى، فقد عدّه في «صحيحه» من البدريين، أنه (قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ) أي إلى جهة اليمن، فيه ردّ على من زعم أن المراد بقوله: «يمان» الأنصار؛ لكون أصلهم من أهل اليمن؛ لأن في إشارته إلى جهة اليمن ما يدلّ على أن المراد به أهلها حينئذ، لا الذين كان أصلهم منها، وسبب الثناء على أهل اليمن إسراعهم إلى الإيمان، وقبولهم . [فائدة]: قال البخاريّ في «صحيحه»: سُمّيت اليمن؛ لأنها عن يمين الكعبة، والشام عن يسار الكعبة، والمشأمة الميسرة، واليد اليُسرى الشُّؤْمَى، والجانب الأيسر الأشأم. انتهى . قال في «الفتح»: هو قول أبي عُبيدة، وروي عن قُطرب قال: إنما سُمّيت يمنًا؛ ليمنه، والشام شأمًا؛ لشؤمه، وقال الهمدانيّ في «الأنساب»: لَمّا ظَعَنت العرب العاربة، أقبل بنو قطن بن عامر، فتيامنوا، فقالت العرب: تيامنت بنو قطن، فسمّوا اليمن، وتشاءم الآخرون، فسُمّوا شامًا، وقيل: إن الناس لَمّا تفرّقت ألسنتهم حين تبلبلت ببابل أخذ بعضهم عن يمين الكعبة، فسُمّوا يمنًا، وأخذ بعضهم عن شمالها، فسُمّوا شأمًا، وقيل: إنما سُمّيت اليمن بيمن بن قحطان، وسُمّيت الشام بسام بن نوح، وأصله شام بالمعجمة، ثم عُرّب بالمهملة. انتهى . (فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ هَهُنَا) قال القرطبيّ: قيل: هذه الإشارة صدرت منه - ﷺ -، وهو بتبوك، وبينه وبين اليمن مكة والمدينة، ويؤيّد هذا قوله في حديث جابر - ﵁ -:»الإيمان في أهل الحجاز«، أخرجه مسلم، فعلى هذا يكون المراد بأهل اليمن أهل المدينة ومن يليهم إلى أوائل اليمن، وقيل: كان بالمدينة، ويؤيّده أنه كونه بالمدينة كان غالب أحواله، وعلى هذا فتكون الإشارة إلى سُبّاق اليمن، أو إلى القبائل اليمنيّة الذين وفدوا على أبي بكر لفتح الشام، وأوائل العراق، وإليهم الإشارة بقوله - ﷺ -:»إني لأجد نَفَسَ الرحمن من قبل اليمن«، أي نصره في حياته وتنفيسه عنه فيها وبعد مماته. انتهى . حدثنا عصام بن خالد، حدثنا حَرِيز، عن شَبيب، أبي رَوْح، أن أعرابيًّا أتى أبا هريرة، فقال: يا أبا هريرة، حدثنا عن النبيّ - ﷺ - …، فذكر الحديث، فقال: قال النبيّ - ﷺ -:«ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن»، وقال أبو المغيرة:«من قبل المغرب، ألا إن الكفر والفسوق، وقسوة القلب في الفدادين، أصحاب الشعر والوبر، الذين يغتال الشياطين على أعجاز الإبل». وهذا حديث رجال إسناده ثقات، فشبيب روى عنه جماعة، وهو من شيوخ حريز بن عثمان، وقد قال أبو داود: شيوخ حريز ثقات، ووثقه ابن حبّان، وعصام من شيوخ البخاريّ في«صحيحه»، وقال عنه النسائي: ليس به بأس. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني هو الصواب، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى. وأما حديث:«إني لأجد نفس الرحمن إلخ»فقد أخرجه أحمد في«مسنده»، بسند رجاله ثقات، كما قال الحافظ العراقيّ ، بلفظ:«وأجد نَفَسَ ربكم من قِبَلِ اليمن». (وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: القسوة، وغِلَظ القلوب اسمان لمسمّى واحد، وهو نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، والْبَثُّ هو الْحُزن. ويحتمل أن يقال: إن القسوة يُراد بها أن تلك القلوب لا تلين لموعظة، ولا تخشع لتذكار، وغِلَظها أن لا تفهم، ولا تعقل، وهذا أولى من الأول. انتهى . (فِي الْفَدَّادِينَ) زعم أبو عمرو الشيبانيّ أنه بتخفيف الدال، وهو جمع فَدّان، بتشديد الدال، وهو عبارة عن البقر التي يُحْرَث عليها، حكاه عنه أبو عبيد، وأنكره عليه، وعلى هذا فالمراد بذلك أصحابها، فحُذف المضاف، والصواب: «الْفَدّادون» بتشديد الدال، جمع فَدّادٍ بدالين، أولاهما مشدّدة، وهذا قول أهل الحديث، وجمهور أهل اللغة الأصمعيّ وغيره، وهو من الْفَدِيد، وهو الصوت الشديد، فهم الذين تعلو أصواتهم في إبلهم وخيلهم وحروثهم، ونحو ذلك. وقال أبو عبيدة، معمر بن المثنى: هم المكثرون من الإبل الذين يملك أحدهم المائتين منها، إلى الألف، قاله ابن الصلاح رحمه الله تعالى . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: «الفدّادون» مشدّد الدال: جمع فَدّاد، قال أبو عبيدة: هم المكثرون من الإبل، وهم جُفَاةُ أهل الخيلاء، واحدهم فدّاد، وهو الذي يملك من المائتين إلى الألف، وقال أبو العبّاس: هم الْجَمَّالُون، والبقّارون، والحمّارُون، والرّعيان، وقال الأصمعيّ: هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم، وأموالهم، ومواشيهم، قال: والفَدِيدُ الصوت، وقد فَدَّ الرجلُ يَفِدُّ فَدِيدًا، وأنشد [من الطويل]: أَعَاذِلَ مَا يُدْرِيكِ أَنْ رُبَّ هَجْمَةٍ … لِأَخْفَافِهَا فَوْقَ الْمِتَانِ فَدِيدُ ورجلٌ فَدّادٌ: شديد الصوت، وأما الْفَدَادينُ بتخفيف الدال: فهي البقر التي تَحْرُثُ، واحدها فَدَّان بالتشديد، عن أبي عمرو الشيبانيّ. قال القرطبيّ: وأما الحديث فليس فيه إلا رواية التشديد، وهو الصحيح، على ما قاله الأصمعيّ وغيره. انتهى . (عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ) «عند» متعلّق بـ «الفدّادين»، يعني الذين لهم جَلَبَةٌ، وصِيَاحٌ عند أذناب إبلهم في حال سوقهم لها، قاله ابن الصلاح . وقال القرطبيّ: المراد به - والله أعلم - الملازمون للإبل السائقون لها، ويظهر لي أن الفدّاد هو العامل في غير مكانه المصوّت عند أذناب الإبل سوقًا لها، وحدوًا بها. انتهى . (حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ) «حيثُ» ظرف متعلّق بـ «الفدّادين» أيضًا، و«يطلُع» بضم اللام، يقال: طلعت الشمس طُلُوعًا، من باب قَعَدَ، ومَطْلِعًا بفتح اللام، وكسرها، وكلُّ ما بدا لك من عُلْوٍ، فقد طَلَعَ عليك، قاله الفيّومي . وقوله: «قرنا الشيطان» تثنية قَرْن، ومعناه: جانبا رأسه، وقيل: هما جَمْعَاه اللذان يُغْرِيهما بإضلال الناس، وقيل: شيعتاه من الكفار. والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان، ومن الكفر، كما قال - ﷺ - في الحديث الآخر: «رأسُ الكفر نحو المشرق»، وكان ذلك في عهده - ﷺ - حين قال ذلك، ويكون حين يَخرُج الدجال من المشرق، وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة، ومثار الْكَفَرَة الترك الغاشمة العاتية الشديدة البأس، قاله ابن الصلاح . وقال القرطبيّ: هذا تعيين لمواضعهم، كما قال في الرواية الأخرى: «رأس الكفر قبل المشرق». واختُلف في قرني الشيطان، فقيل: هما ناحيتا رأسه العليا، وهذا أصل هذا اللفظ وظاهره، فإن قَرْن الشيء أعلاه في اللغة، فيكون معناه على هذا أن الشيطان ينتصب قائمًا مع طلوع الشمس لمن يسجد؛ ليسجد له، ويُعْبَد بعبادتها، ويفعل هذا في الوقت الذي يَسجُد لها الكفّار، كما قال - ﷺ -: «إن الشمس تطلُع، ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا قاربت الغروب قارنها، ثم إذا غربت فارقها» . وقيل: القرن: الجماعة من الناس والأمة، ومنه قوله - ﷺ -: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم …» الحديث ، وعلى هذا فيكون معنى قرني الشيطان في الحديث أنهما أمتان عظيمتان يعبدون غير الله، ولعلهم في ذلك ربيعة ومضر المذكوران في الحديث، أو أمتان من الفرس يعبدون الشمس، ويسجدون لها من دون الله، كما جاء في الحديث: «وحينئذ يسجد لها الكفّار». وقال الخطّابيّ: قرن الشيطان ضُرب به المثل فيما لا يُحمَد من الأمور. وقيل: المراد بهذا الحديث ما ظهر بالعراق من الفتن العظيمة، والحروب الهائلة، كوقعة الجمَل، وحروب صفّين، وحروراء، وفِتَن بني أميّة، وخروج الخوارج، فإن ذلك كان أصله ومنبعه العراق، ومشرق نجد، وتلك مساكن ربيعة ومضر إذ ذاك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ . وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقوله: «قرنا الشيطان» القرنان ناحيتا الرأس، وهو مثل ما تقول: يتحرّك بحركتهم، ويتسلّط كالمعين لهم، وهذا على تأويل الحربيّ في أن الشمس تطلُع بين قرني شيطان، وقد يكون القرنان ها هنا ربيعة ومضر، وأضافهما إلى الشيطان؛ لاتّباعهما له، ويكون القرن أيضًا هنا يعني الجماعة الناجمة، والفئة الطالعة، كما قال في الحديث الآخر: «هذا قرنٌ قد طلع» : أي أصحاب بدعة حَدَثُوا. ويكون القرن القوّة، فيكون معناه هنا إضافة قوّتهما إلى الشيطان، وعونهما له على ما يهمّ به، وقال الخطابيّ: القرن يُضرَب به المثل فيما لا يُحمد من الأمور، وقد ذهب بعض المتكلّمين على الحديث أن المراد بهذا ما طلع من جهة المشرق ببلاد العراق، من الفِتَن المبيرة في صدر الإسلام، من وقعة الجَمَل، وصِفّين، وحَرُوراء، وفُتون بني أميّة، وكلّ ذلك كان بمشرق نجد والعراق، وقد جاء في حديث الخوارج: «يخرج ناس من المشرق» ، ثم خروج دُعاة بني العباس من أقصى المشرق، وارتجاج الأرض فتنةً، ويكون الكفر ها هنا كفر النعم، وأكثر الفِتن والأحداث والبدع إنما كانت من قبل المشرق، قال: وقد يكون الكفر على وجهه، والمراد برأس الكفر الدجّال؛ لأن خروجه من قبل المشرق ، أو يكون على ما ذكره من قدّمنا من أهل فارس، وقد جاء في الحديث المتّفق عليه، بمعنى ما تقدّم أن النبيّ - ﷺ - قال وهو يشير إلى المشرق: «إن الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان»، أو قال: «قرن الشمس»، وهو محمول على ما تقدّم من الوجوه كلّها، ويدلّ على صحّة هذا التأويل أيضًا دعاء النبيّ - ﷺ - على مضر في غير موطن، وقوله في حديث حُذيفة - ﵁ -: «لا تَدَعُ مُضر عبدًا لله ﷿ مؤمنًا إلا فتنوه، أو قتلوه»، وقد بيّنه حذيفة - ﵁ - حين دخلوا عليه عند قتل عثمان - ﵁ -، حتى ملأوا حُجرته وبيته من = عنه أنه رأى ابنه عند قاصّ، فلما رجع اتّزر، وأخذ السوط، وقال: «أمع العمالقة؟ هذا قرنٌ قد طلع» «المصنف» ٨/ ٥٥٩ - ٥٦٠. ربيعة ومُضر، فقال: ولا تبرح ظلمة مضر كلّ عبد مؤمن تفتنه، أو تقتله . قال الطحاويّ: المراد بمضر هنا بعضهم، كما بيّنه حذيفة، والعرب تقول مثل هذا في الأشياء الواسعة، تُضيف ما كان من بعضها إلى جملتها، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]، ولم يُرد الجميع، وكذلك يُحمل على هذا ما ورد في الحديث المتقدّم، والأحاديث يُصدّق بعضها بعضًا على ما رجحناه من التأويل. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى . وقال في «الفتح»: وأما قوله: «قرن الشمس»: فقال الداوديّ: للشمس قرن حقيقةً، وبحتمل أن يريد بالقرن قُوّةَ الشيطان، وما يستعين به على الإضلال، وهذا أَوْجَه، وقيل: إن الشيطانَ يَقْرُن رأسه بالشمس عند طلوعها؛ ليقع سجود عَبَدَتها له، قيل: ويحتمل أن يكون للشمس شيطانٌ تَطْلُع الشمس بين قرنيه. وقال الخطابيّ: القرن الأمة من الناس، يَحْدُثون بعد فناء آخرين، وقَرْنُ الحية يضرب به المثل فيما لا يُحْمَد من الأمور، وقال غيره: كان أهل المشرق يومئذ أهلَ كفر، فأخبر - ﷺ - أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أَخْبَر، وأولُ الفتن كان من قِبَل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يُحِبُّه الشيطان، ويفرح به، وكذلك الْبِدَع نشأت من تلك الجهة. وقال الخطابيّ: نَجْد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مَشْرِق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها، وتهَامةُ كلّها من الغَوْر، ومكة من تهامة. انتهى. وعُرِفَ بهذا وَهَاءُ ما قاله الداوديّ: إن نجدًا من ناحية العراق، فإنه تَوَهَّم أن نجدًا موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يُسَمَّى المرتفع نجدًا، والمنخفض غورًا. انتهى ما في «الفتح» ، وهو تحقيق نفيسٌ. وقوله: (فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ») بدل من قوله:«في الفدّادين»، أي القسوة في ربيعة ومضر الفدّادين ، أي الذين يرفعون أصواتهم عند سوق إبلهم، قاله ابن الصلاح . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في«الإيمان»[٢٣/ ١٨٩] (٥١)، و(البخاريّ) في (٣٣٠٢ و٣٤٩٨ و٤٣٨٧ و٥٣٠٣)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٤٥٨)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»، و(أحمد) في«مسنده»(٨/ ١١٤ و٥/ ٢٧٣) (٢/ ١٨٢)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١٦١ و١٦٢)، و(أبو نُعيم) في«مستخرجه»(١٧٨)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(١٧/ ٥٦٤ - ٥٦٩)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٤٢٦ و٤٢٧)، و(الطحاويّ) في«مشكل الآثار» (٨٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تفاضل أهل الإيمان فيه. ٢ - (ومئها): بيان فضل أهل اليمن، لرجحانهم في قوّة الإيمان. ٣ - (ومنها): ذمّ أهل المشرق، وبيان تسلّط الشيطان عليهم، ثم إن ذمّ هؤلاء، ومدح أهل اليمن محمول في ذلك الوقت، حيث استجاب أهل اليمن لدعوة الإسلام، وتمرّد أهل المشرق من ربيعة ومضر، وليس عامًّا في كلّ زمان، فقد ظهر في كلّ منهما ما يخالف وصفهم المذكور، كما لا يخفى على من تتبع التواريخ. ٤ - (ومنها): ذمّ قسوة القلوب وغِلَظِها، وأن سبب ذلك هو الانهماك في الشهوات، واستيلاء حبّ الدنيا على القلوب، فينيغي للمسلم أن يبتعد مما يكون سببًا لقسوة قلبه، ويكثر من ذكر الله تعالى، وذكر الموت والبلى، فإن ذلك يخرج حبّ الدنيا منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في إتمام ما وعدنا من استيفاء ما قاله أهل العلم في نسبته - ﷺ - الإيمان إلى أهل اليمن: قد أجاد الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في ذلك، حيث قال: أما ما ذُكِر من نسبة الإيمان إلى أهل اليمن، فقد صَرَفُوه عن ظاهره، من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة، ثم من المدينة - حرسهما الله تعالى - فحَكَى أبو عبيد، إمام الغريب، ثم مَن بعده في ذلك أقوالًا: [أحدها]: أنه أراد بذلك مكة، فإنه يقال: إن مكة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن. [والثاني]: أن المراد مكة والمدينة، فإنه يروى في الحديث أن النبيّ - ﷺ - قال هذا الكلام، وهو بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكة والمدينة، فقال: «الإيمان يمانٍ»، ونسبهما إلى اليمن؛ لكونهما حينئذ من ناحية اليمن، كما قالوا: الركن اليماني وهو بمكة، لكونه إلى ناحية اليمن. [والثالث]: ما ذهب إليه كثير من الناس، وهو أحسنها عند أبي عبيد، أن المراد بذلك الأنصار؛ لأنهم يمانون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم؛ لكونهم أنصاره. قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: وأنا أقول: لو جَمَعَ أبو عبيد، ومَن سَلَك سبيله طُرُق الحديث بألفاظه، كما جمعها مسلم وغيره، وتأمّلوها، لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولَمَا تركوا الظاهر، ولَقَضَوا بأن المراد اليمن، وأهل اليمن على ما هو المفهوم من إطلاق ذلك؛ إذ مِنْ ألفاظه: «أتاكم أهل اليمن»، والأنصارُ من جملة المخاطبين بذلك، فهم إذن غيرهم. وكذلك قوله - ﷺ -: «جاء أهل اليمن»، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار، ثم إنه - ﷺ - وَصَفَهم بما يَقضي بكمال إيمانهم، ورَتَّبَ عليه: «الإيمانُ يَمَانٍ»، فكان ذلك نسبةً للإيمان إلى من أتاهم من أهل اليمن، لا إلى مكة والمدينة. ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وحملِهِ على أهل اليمن حقيقةً؛ لأن مَنِ اتصف بشيء، وقَوِي قيامه به، وتأكّد اضطلاعه به، نُسِبَ ذلك الشيءُ إليه؛ إشعارًا بتميُّزه به، وكمال حاله فيه، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان، وحال الوافدين منهم في حياة رسول الله - ﷺ -، وفي أعقاب موته، كأُوْيس القَرَنيّ، وأبي مسلم الْخَوْلانيّ - ﵄ -، وشبههما ممن سلم قلبه، وقَوِيَ إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك؛ إشعارًا بكمال إيمانهم، من غير أن يكون في ذلك نَفْيٌ لذلك عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله - ﷺ -: «الإيمان في أهل الحجاز». ثم إنّ المراد بذلك الموجودون منهم حينئذ، لا كلُّ أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه، هذا هو الحقّ في ذلك، ونشكر الله ﷾ على هدايتنا له. انتهى كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقد أحسن الإمام الطحاويّ رحمه الله تعالى الكلام في هذا أيضًا في كتابه «شرح مشكل الآثار» (٢/ ٢٦٨ - ٢٧٨) حيث قال: باب بيان مشكل ما روي عنه - ﷺ - من قوله: «أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبًا، وأرَقّ أفئدةً، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية»، ثم أورده بأسانيده، وألفاظه المختلفة. ثم قال: ففيما روينا عن رسول الله - ﷺ - ذِكرُهُ أهل اليمن بما ذكرهم به في هذا الحديث، فذهب قوم إلى أنه إنما عَنَى به أهل تهامة، منهم سفيان بن عيينة، فنظرنا فيما قالوا من ذلك، هل هو كما قالوه، أم لا؟ ثم أخرج بسنده حديث أبي مسعود - ﵁ - قال: أشار رسول الله - ﷺ - بيده نحو اليمن، فقال: «الإيمان ها هنا، ألا وأن القَسْوَة وغِلَظ القلوب في الفدادين، أصحاب الإبل، حيث يطلُع قرن الشيطان، في ربيعة ومضر». قال: فأضاف القسوة وغِلَظ القلوب إلى الفدّادين من ربيعة ومضر، فكان في ذلك ما قد دَلّ على أن المضاف إليهم من الإيمان، والحكمة، والفقه، أضدادهم الذين ليسوا من ربيعة، ولا من مضر. وفي ذلك ما ينبغي أن يكون أراد بما في الآثار التي في الفصل الأول أهلَ تهامة؛ لأن أولئك، أو أكثرهم من مضر. ثم وجدنا عنه - ﷺ - في هذا المعنى ما هو أكشف من هذا الحديث. ثم أخرج بسنده عن عمرو بن عَبَسة، قال: عُرِضت الخيل على رسول الله - ﷺ -، وعنده عيينة بن بدر، فقال رسول الله - ﷺ - لعيينة: «أنا أفرسُ بالخيل منك»، فقال عيينة: إن تكن أفرس بالخيل مني، فأنا أفرس بالرجال منك، قال: «وكيف؟» قال: إن خير رجال لَبِسُوا البرود، ووضعوا سيوفهم على عواتقهم، وعَرَضُوا الرِّماح على مناسج خيولهم رجال نجد، فقال - ﷺ -: «كذبت، بل هم أهل اليمن، الإيمان يمانٍ، إلى لَخْمٍ وجُذَام، وعاملةَ، ومأكول حِمير خير من آكلها، وحضرموت خير من بني الحارث»، وسَمّى الأقيال الأنكال . حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني شريح بن عبيد، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن عمرو بن عَبَسَة السلمي، قال: كان رسول الله - ﷺ - يَعْرِضُ يومًا خيلًا، وعنده عُيينة بن حِصْن بن بَدْر الفزاري، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أنا أفرس بالخيل منك»، فقال عيينة: وأنا أفرس بالرجال منك، فقال له النبي - ﷺ -: «وكيف ذاك؟» قال: خير الرجال رجال يَحمِلون سيوفهم على عواتقهم، جاعلين رماحهم على مناسج خيولهم، لابسو البرود، من أهل نجد، فقال رسول الله - ﷺ -: «كَذَبتَ، بل خير الرجال رجال أهل اليمن، والإيمان يمان، إلى لخم، وجُذام، وعاملةَ، ومأكول حمير خير من آكلها، وحضرموت خير من بني الحارث، وقبيلة خير من قبيلة، وقبيلة شر من قبيلة، والله ما أبالي أن يهلك الحارثان كلاهما، لعن الله الملوك الأربعة: جمداء، ومخوساء، ومشرخاء، وأبضعة، وأختهم العمردة»، ثم قال: «أمرني ربي ﷿ أن ألعن قريشًا مرتين، فلعنتهم، وأمرني أن أصلي عليهم، فصليت عليهم مرتين»، ثم قال: «عُصَيّة عصت الله ورسوله، غير قيس، وجعدة، وعصية»، ثم قال: «لَأَسلمُ، وغفار، ومزينة، وأخلاطهم من جهينة، خير من بني أسد، وتميم، وغطفان، وهوازن، عند الله ﷿ يوم القيامة»، ثم قال: «شر قبيلتين في العرب نجران وبنو تغلب، وأكثر القبائل في الجنة مَذْحِج، ومأكول»، قال: قال أبو المغيرة: قال صفوان: حَمير حِمير خير من آكلها، قال: من مضى خير ممن بقي. انتهى. = قال: ففيما روينا في هذا الحديث عن رسول الله - ﷺ - تبيانه أهل اليمن الذين أرادهم بما في الآثار الأُوَل وأنهم أهل هذه القبائل اليمانية، لا من سواهم. ثم أخرج بسنده عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام الحديبية، فذكر حديثًا طويلًا، فيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «لَيَأْتِيَنَّ أقوام، تَحْقِرون أعمالكم مع أعمالهم»، قلنا: من هم يا رسول الله، أقريش؟ قال: «لا، أهل اليمن، هم أرَقّ أفئدةً، وألين قلوبًا»، فقلنا: هم خير منا يا رسول الله؟ فقال: «لو كان لأحدهم جبلٌ من ذهب، فأنفقه ما أدرك مُدّ أحدكم، ولا نصيفه، وإن فصل ما بيننا وبين الناس هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الآية [الحديد: ١٠]» . قال: فكان في هذا ما قد دَلّ على حقيقة أهل اليمن الذين أرادهم رسول الله - ﷺ - في الفصل الأول مَنْ هم؟ وأنهم خلاف أهل تهامة على ما ذكره ابن عيينة. ثم أخرج بسند صحيح عن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يَقْدَمُ قوم، هم أرَقُ منكم أفئدة»، فقَدِمَ الأشعريون، فيهم أبو موسى، فجعلوا يرتجزون، ويقولون: غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّهْ … مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ قال: ففي ذلك ما قد دَلّ أيضًا على أن أهل اليمن المرادين هم = والحاصل أن الحديث صحيح الإسناد، انظر: ما كتبه محقق «شرح مشكل الآثار» في هامشه ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
مصادر المؤلف (٣١)

١. راجع: «الصحاح» ٣/ ٩٩٩، و«القاموس» ص ٦٤٠، و«لسان العرب» ٨/ ٥٧.

٢. «فتح» ٦/ ٤٢٤ - ٤٢٥ كتاب بدء الخلق رقم (٣٣٠٠).

٣. راجع: «صحيح البخاري» ٦/ ٦٤٤ بنسخة «الفتح».

٤. راجع:«الفتح»٦/ ٦٥١«كتاب المناقب»رقم (٣٤٨٩ - ٣٤٩٩).

٥. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في«المسند»(١٠٥٥٥):

٦. «المفهم»١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.

٧. «تخريج أحاديث الإحياء» ١/ ٢٥٣.

٨. «المفهم» ١/ ٢٣٧.

٩. «الصيانة» ص ٢١٧.

١٠. «الْمِتَانُ»: الفلاة.

١١. «المفهم» ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.

١٢. «الصيانة» ص ٢١٨.

١٣. «المفهم» ١/ ٢٣٨.

١٤. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٥.

١٥. «الصيانة» ص ٢١٨.

١٦. رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٢١٩، والنسائيّ ١/ ٢٧٥.

١٧. متفق عليه.

١٨. «المفهم» ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.

١٩. هذا أثر موقوف على خبّاب بن الأرت - ﵁ -، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح =

٢٠. أخرجه الشيخان، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرُقُون من الدين كما يمرُق السهم من الرَّمِيَّة، ثم لا يعودون فيه، حتى يعود السهم إلى فُوقه»، قيل: ما سيماهم؟ قال: «سيماهم التحليق»، أو قال: «التسبيد».

٢١. يشير إلى ما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث أبي بكر الصديق - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - قال: «الدجال يخرج من أرض بالمشرق، يقال لها: خُرَاسان، يتبعه أقوام، كأنّ وجوههم الْمَجَانّ الْمُطْرقة»، قال أبو عيسى: حديث حسن غريب.

٢٢. أخرجه الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٤٧٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ.

٢٣. «إكمال المعلم» ١/ ٣١٢ - ٣١٧.

٢٤. «الفتح» ١٣/ ٥٩ «كتاب الفتن» رقم الحديث (٧٠٩٢ - ٧٠٩٣).

٢٥. «الصيانة» ص ٢١٨.

٢٦. «الصيانة» ص ٢١٨.

٢٧. «صيانة صحيح مسلم» ص ٢١٢ - ٢١٤.

٢٨. المنسج: ما برز من فروع الكتفين إلى أصل العنق.

٢٩. هو حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» ٤/ ٣٨٧، فقال:

٣٠. هي الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم رحمه الله تعالى في هذا الباب في مدح أهل اليمن.

٣١. هذا حديث رجاله رجال الصحيح، غير هشام بن سعد، فهو وإن روى له مسلم، إلا أنه مختلف فيه، وقال في «التقريب»: صدوقٌ له أوهام، وقال ابن كثير في «تفسيره» ٨/ ٣٨ بعد أن أورده عن ابن جرير، وابن أبي حاتم ما نصّه: وهذا الحديث غريب بهذا السياق، والذي في «الصحيحين» من رواية جماعة عن عطاء بن يسار، عن أبي سعد ذكر الخوارج: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم …» الحديث.