HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٣

وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غِلَظُ الْقُلُوبِ، وَالْجَفَاءُ، فِي الْمَشْرِقِ. وَالإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ». بَاب بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ. وَأَنَّ مَحَبَّةَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ. وَأَنَّ إفشاء السلام سبب لِحُصُولِهَا
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص53
ج ١ ص ٧٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٢٨١
ويقال: أصلها شَاهَةٌ مثلُ عاهَةٍ. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١] (٥٣) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «غِلَظُ الْقُلُوب، وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِق، وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه الإمام الحجة المذكور قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ) هو: عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزوميّ، أبو محمد المكّي، ثقة [٨]. رَوَى عن حنظلة بن أبي سفيان، وداود بن قيس الفَرّاء، والزبير بن سعيد الهاشمي، وسيف بن سليمان المكّي، والضحاك بن عثمان، وطلحة بن عمرو، وابن جريج، وعنبسة بن عبد الرحمن، ويونس بن يزيد، وثور بن يزيد الحمصيّ وجماعة. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، والشافعيّ، والحميديّ، وحامد بن يحيى الْبَلْخيّ، ويعقوب بن حميد، وعمرو بن الْحُبَاب العَلَّاف، وأبو قُدامة السرخسيّ، وقتيبة بن سعيد وغيرهم. قال أبو حاتم: عبد الله بن الحارث المخزوميّ أحب إليّ من عبد الله بن الحارث الحاطبي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١٥٢٨): «نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الطعام حتى يُستَوفَى»، و(٢٢٢٧): «إن كان في شيء ففي الرَّبْعِ والخادم والفرس». ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكّي الفقيه، ثقة فاضلٌ، يدلّس، ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكّي، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وعبد الله بن الحارث، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن عبد الله بن الحارث هذا أولى محلّ ذكره في الكتاب، وجملة ما روى المصنّف له من الأحاديث ثلاثة فقط، كما أسلفت بيانها آنفًا. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكّيين غير شيخه، وقد دخل مكة، وجابر - ﵁ -، وإن كان مدنيًّا، إلا أنه سكن مكة مدّةً . ٥ - (ومنها): أن فيه جابرًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، ويقال : إنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة - ﵃ -، مات سنة (٩٤)، وقيل غير ذلك، ومن مناقبه - ﵁ - أنه قال: استغفر لي النبيّ - ﷺ - ليلة البعير خمسًا وعشرين مرّةً، وليلة البعير هي الليلة التي اشترى النبيّ - ﷺ - من جابر جَمَلَهُ، وهي مشهورة في «الصحيحين»، وغيرهما، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن) عبد الملك بن عبد العزيز (بْنِ جُرَيْجٍ) المكّي، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) رضي الله تعالى عنهما (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «غِلَظُ الْقُلُوبِ) بكسر الغين المعجمة، وفتح اللام، وزان عِنَب مصدر غَلُظ الشيءُ بالضمّ: خلاف دَقَّ، والاسم الْغِلْظةُ بالكسر، وحَكَى في»البارع« التثليث عن ابن الأعرابيّ، وهو غَلِيظٌ، والجمع غِلاظٌ، وعذابٌ غليطٌ: شديدُ الألم، وغَلُظ الرجلُ: اشتدّ، فهو غليظ أيضًا، وفيه غِلْظةٌ: أي غير لَيِّنٍ، ولا سَلِسٍ، قاله الفيّوميّ . (وَالْجَفَاءُ) بالفتح، يقال: جَفَا السرجُ عن ظهر الفرس يجفو جَفَاءً: ارتفع، وجافيته، فتجافى، وجفوت الرجل أجفوه: أعرضت عنه، أو طردته، وهو مأخوذ من جُفَاء السيل، وهو ما نفاه السيل، وقد يكون مع بغضٍ، وجَفَا الثوب يجفو: إذا غلُظ، فهو جافٍ، ومنه جفاء الْبَدْو، وهو غِلْظَتهم، وفَظَاظَتهم، قاله الفيّوميّ أيضًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المعاني كلها تصلح في الحديث، فجفاء القلوب: ارتفاعها، وتكبّرها، وإعراضها عن الحقّ، وطرده ودفعه عنها، فلا تقبله بغضًا له، والله تعالى أعلم. فقوله: «غلظ القلوب» مبتدأ خبره قوله: (فِي الْمَشْرِقِ) أي كائن في أهل المشرق، وقد سبق بيان المراد بأهل المشرق قريبًا، فلا تنس، وإعراب قوله: (وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ) كسابقه، و«الْحِجَاز» بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الجيم، مشتقّ من حَجَزْتُ بين الشيئين حَجْزًا، من باب قَتَلَ: إذا فَصَلتَ بينهما، وسُمي بذلك لأنه فصل بين نَجْد والسَّرَاة، وقيل: بين الْغَوْر والشأم، وقيل: لأنه احتجز بالجبال، قاله الفيّوميّ . وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه حجة - أي لمن حمل «الإيمان يمان» - على مكة والمدينة، وأن المراد مبدؤه، ومستقرّه، وظهوره؛ لأن مكّة والمدينة من بلاد الحجاز، وقد قالوا: إن حدّ الحجاز من جهة الشام شَغْبٌ وبَدَا ، ومما يلي تِهَامة بَدْرٌ، وعُكَاظُ، قال الْقُتَبيّ: سُمِّي حجازًا؛ لحجزه بين نَجد وتِهَامة، وقال ابن دُريد: لحجزه بين نَجْد والسَّرَاة، قال الأصمعيّ: إذا انحدرت من نجد من ثنايا ذات عِرْق، فقد أَتْهَمتَ إلى البحرين، فإذا استقبلتك الْحِرَارُ، وأنت بنجد، فذلك الْحِجَاز، سُمّيت بذلك؛ لأنها حُجِزت بالْحِرَار الْخَمس . وقد يكون المراد بالحجاز هنا المدينة فقط، ويؤيّده قوله في الحديث الآخر: «إن الإيمان لَيَأْرِزُ إلى المدينة …» الحديث، متّفقٌ عليه. وفي هذا الحديث دليل على ترجيح فقه أهل الحجاز، وأهل المدينة، وترجيح فقه مالك رحمه الله تعالى؛ إذ هو يمانيّ النسب، يمانيّ البلد، والمدينة دار أهل اليمن الذين نَسَبَ إليهم النبيّ - ﷺ - الفقه والحكمة. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القاضي من ترجيح فقه أهل المدينة على غيرهم، قاله أيضًا في كتابه الآخر «ترتيب المدارك» فترجم فيه بقوله: «باب فضل علم أهل المدينة»، «باب ما جاء عن السلف والعلماء في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة»، «باب ترجيح مذهب مالك، والحجة في وجوب تقليده، وتقديمه على غيره من الأئمة» (١/ ٦١ و٦٦ و٧٥)، وبالغ في تقرير ذلك كلّه، ولا يخفى ما فيه من المبالغة التي تحمل العوامّ على التعصّب. وقد أجاد الحافظ ابن حجر في تعقّبه على القرطبيّ، فقال: وهذا إن سُلّم اختصّ بعصر النبيّ - ﷺ -، والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن، وانتشار الصحابة في البلاد، ولا سيّما أواخر المائة الثانية، وهلُمّ جرًّا، فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. انتهى كلامه. ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في هذه المسألة، وفصّلها تفصيلًا حسنًا جدًّا، وقد نظمت كلامه في «التحفة المرضيّة في نظم المسائل الأصوليّة على طريقة أهل السنّة السنيّة»، فقلت في «مبحث الإجماع»: وَاشْتَرَطُوا كَوْنَهُ قَولَ الْكُلِّ … فَلَيْسَ إِجْمَاعٌ بِقَولِ الْجُلِّ فَمِنْ هُنَا إِجْمَاعُ أَهْلِ طَيْبَةِ … يَحْتَاجُ تَفْصِيلًا بِدُونِ مِرْيَةِ كَمَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدْ قَسَّمَهُ … أَرْبَعَةً فَهَاكَ مَا رَسَّمَهُ أَوَّلُهَا مَا صَارَ مِثْلَ النَّقْلِ عَنْ … نَبِيِّنَا كَالصَّاعِ حُجَّةً قَمَنْ وَثَانِيهَا عَمَلُهُمْ مِنْ قَبْلِ … أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ فَحُجَّةٌ تُسَنْ أَعْنِي لَدَى الْجُمْهُورِ إِذْ ذَا سُـ … ـنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حُجَّةُ وَلَيْسَ يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالَفَهْ … لِسُنَّةِ الرَّسُولِ يَا ذَا الْمَعْرِفَة ثَالِثُهَا إِنْ حُجَجٌ تَعَارَضَتْ … عَمَلُهُمْ لِبَعْضِهَا هَلْ رَجَّحَتْ؟ فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَجَّحَا … بِهِ وَنُعْمَانٌ إِبَاءً أَوْضَحَا أَصْحَابُ أَحْمَدَ لَهُمْ وَجْهَانِ … كَلَامُهُ يَمِيلُ لِلرُّجْحَانِ رَابِعُهَا عَمَلُهُمْ مُؤَخَّرَا … فَفِي احْتِجَاجِنَا بِهِ خُلْفٌ جَرَى فَأَحْمَدُ النُّعْمَانُ ثُمَّ الشَّافِعِيْ … أَبَوْا وَرَأْيُهُمْ أَسَدُّ فَاتْبَعِ وَهْوَ الَّذِي لَدَى الْمُحَقِّقِينَ مِنْ … أَصْحَابِ مَالِكٍ يُرَى الرَّأْيَ الْقَمِنْ وَبَعْضُ أَهْلِ الْغَرْبِ مِنْ أَصْحَابِهِ … جَعَلَهُ الْحُجَّةَ لَا تَعْبَأْ بِهِ إِذْ لَيْسَ نَصُّ مَالِكٍ وَلَا دَلِيلْ … أَيَّدَهُ بَلْ مَحْضُ تَقْلِيدِ ذَلِيلْ فَقَوْلُ أَهْلِ طَيْبَةٍ لِذَا يُرَى … أَصَحَّ أَقَوَالٍ لَدَى الْقَوْمِ جَرَى فَتَارَةً بِالْقَطْعِ حُجَّةً أَتَى … وَتَارَةً ذَا قُوَّةٍ قَدْ ثَبَتَا وَتَارَةً مُرَجِّحًا لِمَا يَدُلْ … مُلَخَّصُ التَّفْصِيلِ هَذَا قَدْ كَمُلْ مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
مصادر المؤلف (٨)

١. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٨.

٢. فقد نقل في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٤٤ في ترجمة طلحة بن نافع، عن البخاريّ، قال مسدد: عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان - هو طلحة بن نافع - قال: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر، فهذا يدلّ على أن جابرًا - ﵁ - سكن مكة مدّة، والله تعالى أعلم.

٣. إنما عبّرتُ بـ «يقال» إشارةً إلى ضعف هذا القول؛ لأن الصحيح أن آخر من مات بها من الصحابة هو سهل بن سعد الساعديّ - ﵁ -، مات سنة (٨٨)، وقيل بعدها.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٠.

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٢٢.

٦. «شَغْبٌ»، ويقال: شَغْبَى، و«بدا» موضعان بين المدينة وأيلة، انظر: «معجم البلدان» ١/ ٣٥٦، ٣/ ٣٥١.

٧. «الْحِرَارُ» جمع حرّة، وهي أرضٌ ذات حجارة سُود، كأنها أُحرقت بالنار، وهي كثيرة في بلاد العرب، والْحِرَارُ الخمسُ هي: حرّةُ بني سُليم، وحَرّة واقم، وحرّةُ ليلى، وحرّة شَورَان، وحرّةُ النار. انظر: «معجم البلدان» ٢/ ١٣٤.

٨. «إكمال المعلم» ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤.