HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦١

وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَي بْنِ يَعْمَرَ؛ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إِلَّا كَفَرَ. وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا. وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوَ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، وليس كذلك. إلا حار عليه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص57
ج ١ ص ٧٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٣٩٨
وقوله: (إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ) هذا تفصيل لقوله: «فقد باء بها أحدهما» يعني أن المقول له إن كان كافرًا كما رماه به القائل، فقد صدق قول القائل عليه، ورجعت الكلمة إليه بمعنى أنه تحقّق وثبت عليه معناها، وصدق المتكلّم بها. وقوله: (وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ) هي «إن» الشرطيّة أُدغمت في «لا» النافية، أي وإن لَمْ يكن المقول له كافرًا بالفعل، بل كان بريئًا منه، فقد رجعت الكلمة على القائل، بمعنى أن وبالها، وإثمها راجع عليه، فيستحقّ العقوبة بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٢٩ - (بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيه، وَهُوَ يَعْلَمُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج، المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤] (٦١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنَ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيه، وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إِلَّا كَفَرَ، وَمَن ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ [النَّار، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْر، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ الله، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنبريّ مولاهم، أبو سَهْل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (ت ١٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٤ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) هو: حسين بن ذكوان الْمُعلّم المُكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٩/ ١٧٩. ٥ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بُريدة بن الْحُصَيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٥٢. ٦ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) - بفتح التحتانيّة، بعدها عين مهملة ساكنة، وبفتح الميم، وضمّها - البصريّ، نزيل مرو وقاضيها، ثقةٌ فصيحٌ، يرسل [٣] مات قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. ٧ - (أَبُو الْأَسْوَدِ) الدِّيليّ - بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانيّة - ويقال: الدُّؤَليُّ - بضم الدال، بعدها همزة مفتوحة - البصريُّ القاضي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جَنْدَل بن يَعْمَر بن حِلْس بن نُفَاثة بن عَدِيّ بن الدّيل، ويقال: اسمه عمرو بن ظالم، ويقال: عُويمر بن ظُويلم، ويقال: عمرو بن عثمان، ويقال: عثمان بن عمرو، ثقة فاضلٌ مخضرم [٢]. رَوَى عن عمر، وعليّ، ومعاذ، وأبي ذرّ، وابن مسعود، والزبير بن العوام، وأُبَيّ بن كعب، وأبي موسى، وابن عباس، وعمران بن حصين - ﵁ -. ورَوَى عنه ابنه أبو حرب، وعبد الله بن بريدة، ويحيى بن يعمر، وعُمَر بن عبد الله، مولى غُفْرة، وسعيد بن عبد الرَّحمن بن رُقَيش. قال أبو حاتم: وَلي قضاء البصرة، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وهو أول من تكلم في النحو، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة: كان شاعرًا مُتَشَيِّعًا، وكان ثقةً في حديثه - إن شاء الله تعالى - وكان ابن عباس لَمّا خَرَج من البصرة استَخْلَف عليها أبا الأسود، فأقره عليّ، وذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب»، فقال: كان ذا دين، وعَقْل ولسان وبيان، وفَهْم وذَكَاء وحَزْم، وكان من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وقال الواقديّ: كان ممن أسلم على عهد النبيّ - ﷺ -، وقاتل مع عليّ يوم الجمل، وهلك في ولاية عبيد الله بن زياد، وقال يحيى بن معين، وغيره: مات في طاعون الجارف، سنة تسع وستين، وفيها أَرَّخه ابن أبي خيثمة، والمرزبانيّ، وزاد: وكان له يوم مات خمس وثمانون سنة، قال ابن أبي خيثمة: وأخبرنا المدائني: كان يقال: إن أبا الأسود مات قبل الطاعون، قال: وهذا أشبه؛ لأنّا لَمْ نسمع له في ذكرًا . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٩٤): «ما من عبد قال: لا إله إلَّا الله …»، و(٥٥٣): «عُرضت عليّ أعمال أمتي …»، و(٧٢٠): «يُصبح على كلّ سُلامى من أحدكم …»، و(١٠٠٦): «أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون …»، و(١٠٥٠): «لو كان لابن آدم واديان من مال …»، و(٢٦٥٠): «بل شيء قُضي عليهم، ومضى فيهم …». ٨ - (أَبُو ذَرٍّ) الْغِفَاريّ، قيل: اسمه جُنْدب بن جُنَادة بن قيس بن عمرو بن مُلَيل بن صُعَيْر بن حَرَام بن عَفّان، وقيل: اسمه بُرَير بن جُنَادة، وقيل: ابن جُندب، وقيل: ابن عِشْرَقة، وقيل: ابن جُندب بن عبد الله، وقيل: ابن السكن، وكان أخا عَمْرو بن عَبَسة السُّلَميّ لأمه. روى عن النبي - ﷺ -، وعنه أنس بن مالك، وابن عباس، وخالد بن وُهبان ابن خَالة أبي ذر، وقيل: وهبان بن امرأة أبي ذر، وقيل: ابن أخته، وزيد بن وهب الْجُهَنيّ، وخَرَشة بن الْحُرّ، وجُبير بن نُفير، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الصامت، وزيد بن ظبيان، وعبد الله بن شقيق، وعمرو بن ميمون، وعبد الرَّحمن بن غَنْم، وقيس بن عُبَاد، وأبو إدريس الخولاني، وأبو أسماء الرحبي، وأبو عثمان النهدي، وأبو الأسود الديلي، والمعرور بن سويد، ويزيد بن شريك التيمي، وأبو بصرة الغفاري، وأبو سالم الجيشاني، وأبو مُرَاوح الغِفَاري، وزِرّ بن حُبَيش، ورِبْعي بن حِرَاش، وعبد الرَّحمن بن شِمَاسة الْمَهْريّ، وخلق كثير. وقصّة إسلامه في «الصحيحين»، ولفظ البخاريّ من طريق أبي جمرة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: لَمّا بلغ أبا ذر مبعث النبي - ﷺ - قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علمَ هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدم، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلامًا ما هو بالشعر، فقال: ما شَفَيتني مما أردت، فتزوّد، وحمل شَنّةً له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي - ﷺ -، ولا يعرفه، وكَرِه أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع فرأَه عليّ، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبي - ﷺ - حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمرّ به عليّ، فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله، فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث، فعل عليّ مثل ذلك، فأقامه معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لِتُرشِدني فعلت، ففعل فأخبره، قال: فإنه حقّ، وهو رسول الله - ﷺ -، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مَدْخَلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي - ﷺ -، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي - ﷺ -: «ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمري»، قال: والذي نفسي بيده لأَصْرُخَنّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه. ويقال: إن إسلامه كان بعد أربعة، وانصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدِم رسول الله - ﷺ - المدينة، ومضت بدر وأحدٌ، ولم تتهيّأ له الهجرة إلَّا بعد ذلك، وكان طويلًا أسمر اللون نحيفًا. وأخرج أحمد في «مسنده» من طريق عِراك بن مالك قال: قال أبو ذر - ﵁ -: إني لأقربكم يوم القيامة من رسول الله - ﷺ -، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن أقربكم مني يوم القيامة مَنْ خَرَج من الدنيا كهيئته يوم تركته عليه»، وإنه والله ما منكم من أحد إلَّا وقد تَشَبّثَ منها بشيء غيري. رجاله ثقات، إلَّا أن فيه انقطاعًا؛ لأن عراكًا لَمْ يسمع من أبي ذرّ. وأخرج أحمد والترمذيّ عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء، من رجل أصدق لهجة من أبي ذر» . وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي هريرة، وغيرهما، قال أبو إسحاق عن هانئ بن هانيّ، عن علي - ﵁ -: أبو ذر وِعاءٌ مُلِئَ علمًا أُوكِئ عليه، فلم يخرج منه شيء، وقال الآجري عن أبي داود: لَمْ يشهد بدرًا، ولكن عمر ألحقه، وكان يوازي ابن مسعود في العلم. قال خليفة، وعمرو بن علي، وغير واحد: مات بالرَّبَذَة سنة اثنتين وثلاثين، زاد المدائني: وصلَّى عليه ابن مسعود، ثم مات بعده بيسير، ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف، فهو سند نازل، لأن أعلى سنده رباعيّات، وأنزلها عُشاريّات. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، في أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن ابن بُرَيدة هنا هو عبد الله بن بُريدة، وليس هو سليمان بن بريدة أخاه، وهو وأخوه سليمان ثقتان، تابعيان، جليلان، وُلدا في بطن واحد، في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ -، ويقال: إنهما ماتا في يوم واحد، وليس بشيء، والصحيح أن سليمان مات، وهو على القضاء بمرو سنة (١٠٠)، ثم ولي أخوه عبد الله مكانه إلى أن مات سنة (١١٥). ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين الْجِلّة يروي بعضهم عن بعض: ابن بُريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأوّلين من رواية الأقران، فإن كليهما من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن أبا الأسود رحمه الله تعالى كان من عقلاء الرجال، وهو أول من وضع علم النحو بأمر عليّ - ﵁ -. ٥ - (ومنها): أن أبا ذرّ وأبا الأسود هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنف لأبي ذرّ - ﵁ - (٥٧) حديثًا، ولأبي الأسود سبعة أحاديث فقط، كما بينته آنفًا. ٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستة من يُكنى بأبي ذرّ غير هذا، وجملة من يُكنى بأبي الأسود ستة: أحدهم هذا المترجم هنا، والثاني: أبو الأسود السلمي، صحابيّ له حديث عند النسائيّ فقط، وقيل: الصواب أبو اليسر السلمي، والثالث: أبو الأسود المحاربيّ، مولى عمرو بن حُريث، قاضي الكوفة، واسمه سُويد، مقبول من الطبقة الخامسة، عند النسائيّ أيضًا، والرابع: أبو الأسود المراديّ، واسمه النضر بن عبد الجبار، عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجة، والخامس: أبو الأسود والد سوادة، واسمه: مسلم بن مِخراق، عند المصنّف، وأبي داود، وابن ماجة، والسادس: يتيم عروة، محمد بن عبد الرَّحمن، من رجال الجماعة. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - ممن اشتهر بكنيته، حتى وقع اختلاف كثير في اسمه، واسم أبيه، وكان رابع أربعة في الإسلام، وقيل: خامس خمسة، ذو مناقب جمة - ﵁ -، كما أسلفناه في ترجمته آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ جندب بن جُنادة على الأصحِّ - ﵁ - (أَنَّهُ يسَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ)»من«زائدة، و»رجل«اسم»ليس«، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة كذلك حكمها (ادَّعَى) بالبناء للفاعل (لِغَيْرِ أَبِيهِ) أي انتسب إليه، واتخذه أبًا رغبةً عن أبيه، والجملة صفة»رجل«، وقوله: (وَهُوَ يَعْلَمُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه عالِمًا أباه، وهذا التقييد لا بدّ منه، فإن الإثم إنما يكون في حقّ العالم بالشيء (إِلا كَفَرَ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: قيل: فيه تأويلان: [أحدهما]: أنه في حقّ المستحلّ. [والثاني]: أنه كَفَرَ النعمة والإحسان، وحقَّ الله تعالى، وحَقَّ أبيه، وليس المراد الكفر الذي يُخرجه من ملّة الإسلام، وهذا كما قال - ﷺ -:«يَكْفُرْنَ»، ثم فسّره بكفرانهنّ الإحسان، وكفران العشير. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا - يعني الانتساب لغير الأب - إنما يفعله أهل الْجَفَاء والجهل والكبر؛ لخِسّة منصب الأب، ودناءته، فيَرَى الانتساب إليه عارًا، ونقصًا في حقّه، ولا شكّ في أن هذا مُحَرَّم، معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلًّا، فهو كافرٌ حقيقةً، فيبقى الحديث على ظاهره، وأما إن كان غير مُستحلّ، فيكون الكفر الذي في الحديث محمولًا على كفران النعم والحقوق، فإنه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك صدق عليه اسم الكافر، وعلى فعله أنه كفر لغةً وشرعًا على ما قرّرناه، ويحتمل أن يقال: أَطلق عليه ذلك؛ لأنه تشبّه بالكفّار، أهل الجاهليّة، أهلِ الكبر والأنَفَة، فإنهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ . [تنبيه]: وقع في رواية أبي ذرّ الهرويّ لـ «صحيح البخاريّ» قوله: «إلَّا كفر بالله» بزيادة لفظ «بالله»، فقال في «الفتح»: كذا وقع هنا «كَفَرَ بالله»، ولم يقع قوله: «بالله» في غير رواية أبي ذر، ولا في رواية مسلم، ولا الإسماعيلي، وهو أولى، وإن ثبت ذاك، فالمراد مَن استحلّ ذلك، مع علمه بالتحريم، وعلى الرواية المشهورة، فالمراد كفر النعمة، وظاهر اللفظ غير مراد، وإنما وَرَدَ على سبيل التغليظ والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أنّ فاعله فَعَلَ فِعْلًا شبيهًا بفعل أهل الكفر. انتهى . (وَمَن ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره التبرّي المطلق، فيبقى على ظاهره في حقّ المستحلّ لذلك على ما تقدّم، ويُتأَوَّل في حقّ غير المستحلّ بأنه ليس على طريقة النبيّ - ﷺ -، ولا على طريقة أهل دينه، فإن ذلك ظُلْمٌ، وطريقة أهل الدين العدلُ، وترك الظلم، ويكون هذا كما قال: «ليس منا من ضَرَبَ الخدود، وشقَّ الْجُيُوب» ، ويقرُبُ منه: «من لَمْ يأخذ من شاربه، فليس منا» (وَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي فَلْيَنْزِل مَنْزِله منها، أو فليتخذ مَنْزلًا بها، وهو دعاء عليه، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر، واستظهره النوويّ، ومعناه: هذا جزاؤه إن جوزي، ثم هو قد يُجَازَى بذلك، وقد يَعْفُو الله تعالى عنه، وقد يُوفِّقه للتوبة، فيسقط عنه ذلك. (وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ) أي ناداه به، كأن يقول له: يا كافرُ، والتعبير بالرجل للغالب، وإلا فالمرأة لو دُعيت بذلك لكان الحكم كذلك (أَوْ قَالَ) له (عَدُوَّ اللهِ) بالنصب على حذف حرف النداء، أي يا عدوّ الله، ويحتمل أن يكون مرفوعًا، خبرًا لمحذوف، أي أنت أو هو عدوّ الله، وقال النوويّ: ضبطنا «عدوّ الله» على وجهين: الرفع والنصب، والنصب أرجح على النداء، أي يا عدوَّ الله، والرفع على أنه خبرُ مبتدأ، أي هو عدوُّ الله كما تقدم في الرواية الأخرى: «قال لأخيه: كافر»، فإنا ضبطناه كافرٌ بالرفع والتنوين، على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، والله تعالى أعلم. انتهى . (وَلَيْسَ كَذَلِكَ) جملة في محلّ نصب، أي والحال أن ذلك الرجل ليس كما وصفه، بأن كان بريئًا من الكفر، ومتّقيًا لله تعالى (إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ) أي إلَّا رجع على القائل ذلك الدعاء، أي معرّته، وإثمه، كما أسلفنا تحقيقه. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: «إلَّا حار عليه»: فمعناه: رجع عليه، والْحَوْرُ: الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ [الانشقاق: ١٤]، وقوله - ﷺ -: «أعوذ بك من الْحَوْر بعد الْكَوْن»، رواه مسلم، وعند الترمذيّ وابن ماجة: «بعد الكَوْر» بالراء، قال القاضي: يكون «باء» ها هنا بمعنى رَجَعَ، كما جاء في الحديث نفسه، وقيل: رجعت عليه نقيصته لأخيه، كما قال إذا لَمْ يكن لذلك أهلًا بكذبه عليه، وقيل: إذا قاله لمؤمن صحيح الإيمان مثله، ورماه بالكفر، فقد كفّر نفسه؛ لأنه مثله، وعلى دينه. انتهى . وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: «إلَّا حار عليه» هذا الاستثناء قيل: إنه واقع على المعنى، وتقريره: ما يدعوه أحدٌ إلَّا حار عليه، ويحتمل أن يكون معطوفًا على الأول، وهو قوله - ﷺ -: «ليس من رجل …»، فيكون الاستثناء جاريًا على اللفظ . ولفظ أبي عوانة: «لا يرمي رجلٌ رجلًا بالكفر إلَّا ارتدّت، إن لَمْ يكن صاحبها كذلك»، وفي رواية له: «من ادّعى إلى غير أبيه، فليس منا، ومن ادّعى ما ليس له، فليس منّا، ومن رمى رجلًا بالكفر، أو رماه بالفسق، وليس كذلك، ارتدّت عليه»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٢٩/ ٢٢٤] (٦١)، و(البخاريّ) في «مناقب قريش» ٤/ ٢١٩ (٣٥٠٨)، و«الأدب» ٨/ ١٨ (٦٥٤٥)، وفي «الأدب المفرد» (٤٣٢ و٤٣٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٦٦ و١٨١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥٥ و٥٦)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٢١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إطلاق الكفر على المعاصي، وأنها تنافي كمال الإيمان، وهو الغرض الذي أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراد الحديث هنا. ٢ - (ومنها): بيان تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والادّعاء إلى غيره. ٣ - (ومنها): أن تقييده بالعلم مما لا بدّ منه في الحالتين: إثباتًا ونفيًا؛ لأن الإثم إنما يترتب على العالم بالشيء المتعمِّد له. ٤ - (ومنها): بيان تحريم دعوى ما ليس له في كلّ شيء، سواءٌ تعلق به حقٌّ لغيره أم لا، وفيه أنه لا يَحِل له أن يأخذ ما حَكَم له به الحاكم، إذا كان لا يستحقُّه. قال في «الفتح»: يؤخذ من الحديث تحريم الدعوى بشيء، ليس هو للمدعِي، فيدخل فيه الدعاوي الباطلة كلها، مالًا، وعِلْمًا، وتعلُّمًا، ونَسَبًا، وحالًا، وصلاحًا، ونعمةً، وولاءً، وغير ذلك، ويزداد التحريم بزيادة المفسدة المترتبة على ذلك. ٥ - (ومنها): أن هذا الحديث يدلّ على أن حكم الحاكم لا يُحلّ حرامًا، خلافًا لما نُقل عن بعضهم من أن حكمه يُحلّه، قال الكاسانيّ من الحنفيّة مبيّنًا هذا على مذهب أبي حنيفة: وأما بيان ما يُحلّه القضاء، وما لا يُحلّه، فالأصل أن قضاء القاضي بشاهدي الزور فيما له ولاية إنشائه في الجملة يفيد الحلّ عند أبي حنيفة - ﵀ -، وقضاؤه بهما فيما ليس له ولاية إنشائه أصلًا لا يفيد الحلّ بالإجماع. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا من أغرب ما يُسمع من الأقوال الساقطة، فإن هذا مخالف لقوله - ﷺ - في حديث أم سلمة - ﵂ - المتّفق عليه: «فمن قضيت له بحقّ مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو فليتركها»، فإنه لا فرق في هذا بين الأموال والفروج، وهؤلاء فرّقوا بينهما، فقالوا: إن قضاء القاضي لا يُحلّ المال الحرام، وأما الأبضاع، فيُحلّها، فلو جاء شخص بشاهدي زور، فأشهدهما على امرأة بأنها زوجته، فقضى القاضي بذلك قالوا: يحلّ له وطؤها، وهو يعلم أنه لَمْ يتزوجها قط، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله. قال الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى: إنه لا فرق في دعوى حلّ الزوجة لمن أقام بتزويجها شاهدي زور، وهو يعلم بكذبهما، وبين من ادّعى على حرّ أنه ملكه، وأقام بذلك شاهدي زور، وهو يعلم حرّيّته، فإذا حكم له الحاكم بأنه ملكه لَمْ يحلّ له أن يسترقّه بالإجماع. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: القول بأن حكم الحاكم يُحلّ ظاهرًا وباطنًا مخالف لهذا الحديث الصحيح، وللإجماع السابق على قائله، ولقاعدة أجمع العلماء عليها، ووافقهم القائل المذكور، وهي أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. انتهى . وسيأتي تمام البحث في هذا عند شرح حديث أم سلمة المذكور في «كتاب الأقضية» - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: إن هذا الحديث يدخل تحته ما ذكره بعض الفقهاء في الدعاوي، من نصب مُسخَّر يدّعي في بعض الصور حفظًا لرسم الدعوى والجواب، وهذا المسخَّر يدّعي ما يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يُقيمه عالم بذلك أيضًا، وليس حفظ هذه القوانين من المنصوصات في الشرع، حتى يُخَصَّ به عموم هذا الوعيد، وإنما المقصود الأكبر في القضاء إيصال الحقّ لمستحقّه، فانخرام هذه المراسيم الْحُكميّة مع تحصيل مقصود القضاء، وعدم تنصيص صاحب الشرع على وجوبها أولى من مخالفة هذا الحديث، والدخول تحت هذا الوعيد العظيم الذي دلّ عليه، وهذه طريقة أصحاب مالك، أعني عدم التشديد في هذه المراسيم. انتهى ، وهو استنباط حسنٌ، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد أيضًا: في هذا الحديث وعيد عظيم لمن أكفر أحدًا من المسلمين، وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة، وقع فيها خلق كثير من المتكلّمين، ومن المنسوبين إلى السنّة، وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلّظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم، وخَرَقَ حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشويّة، وهذا الوعيد لاحقٌ بهم إذا لَمْ يكن خصومهم كذلك. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقد تقدّم تمام البحث في مسألة التكفير بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (١٤)

١. كذا النسخة ولعل الساقط في الطاعون، فليُحرر.

٢. حديث صحيح، أخرجه أحمد في «مسنده» (٦٣٤١)، و«الترمذيّ» (٣٧٣٧).

٣. راجع:«الفتح»٦/ ٦٢٤«كتاب المناقب».

٤. «المفهم» ١/ ٢٥٤.

٥. «الفتح» ٦/ ٦٢٤.

٦. رواه البخاريّ (٣٥١٩)، ومسلم (١٠٣)، والترمذيّ (٩٩٩)، والنسائيّ (٤/ ٢٠).

٧. حديث صحيح، رواه الترمذي (٢٧٦٢)، والنسائيّ ١/ ١٥.

٨. «شرح مسلم» ٢/ ٥٠ - ٥١.

٩. «إكمال المعلم» ١/ ٣٤٨ - ٣٥٠.

١٠. «شرح مسلم» ٢/ ٥٠.

١١. «بدائع الصنائع» ٧/ ١٥.

١٢. راجع: «الفتح» ١٣/ ١٨٨ «كتاب الإحكام».

١٣. «المسخّر» هو الذي يدعي مجّانًا، أو ينصبه القاضي بدلًا عن الغائب.

١٤. «إحكام الإحكام» ٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣ بنسخة الحاشية.