HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٣

وحدثني عباس بن عبد العظيم العنبري. حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ (وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ) حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ. قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا» قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، حَتَّى بَلَغَ: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة/ آية ٧٥ - ٨٢].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص60
ج ١ ص ٨٤

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٤٩٥
الغيث، فالأرضُ مَغِيثَةٌ ومَغْيُوثَةٌ، ويُبنَى للمفعول، فيقال: غِيثَتِ الأرضُ تُغَاثُ، قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت ذَا الرُّمّة يقول: قاتل الله أَمَةَ بني فلان ما أفصحها، قلتُ لها: كيف كان المطر عندكم؟ فقالت: غِثْنَا ما شِئنا. وغاثَ الغيثُ الأرضَ غَيْثًا، من باب ضَرَبَ أيضًا: نَزَلَ بها، وسُمّي النبات غَيْثًا تسميةً باسم السبب، ويقال: رَعَيْنَا الغيثَ، قاله الفيّوميّ . وقوله: (فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا) أي الكوكب أنزل الغيث. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ الْمُرَادِيِّ: «بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا») يعني أن شيخه محمد بن سلمة المرادي قال بدل قول عمرو بن سوّاد: «الكوكب كذا وكذا»: «بكوكب كذا وكذا»، وتقديره: نزل الغيث بكوكب كذا وكذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤١] (٧٣) - (وَحَدَّثَني عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَني ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ الله، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا»، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) - حَتَّى بَلَغَ - وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) هو: عباس بن عبد العظيم بن إسماعيل بن تَوْبَة الْعَنْبَريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١]. رَوَى عن عبد الرحمن بن مهديّ، ويحيى بن سعيد القطان، وسعيد بن عامر الضُّبَعيّ، وأبي داود الطيالسيّ، وصفوان بن عيسى، وعبد الرزاق، والأصمعيّ وإسحاق بن منصور السَّلُولي، وأسود بن عامر شاذان، وشَبَابة بن سَوّار، وأبي بكر الحنفيّ، وعثمان بن عمر بن فارس، وعمر بن يونس اليماميّ، والنضر بن محمد الْخُرَيبيّ، ويزيد بن هارون، ومحمد بن جَهْضَم، وبشر بن عُمر الزهْرانيّ وجماعة. ورَوَى عنه الجماعة، لكن البخاري تعليقًا، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو بكر الأثرم، وابن خزيمة، وابن بُجَير، وعبد الله بن أحمد، وزكرياء الساجيّ، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأبو حاتم الرازيّ، والحسين بن إسحاق التُّسْتريّ، وعَبْدان الأَهْوَازيّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقة مأمون، وقال محمد بن المثنى السِّمْسَار: كنا عند بشر بن الحارث، وعنده العباس بن عبد العظيم، وكان من سادات المسلمين، وقال معاوية بن عبد الكريم الزياديّ: أدركت الناس وهم يقولون: ما جاءنا بالبصرة أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خَلاد، وبعده عباس بن عبد العظيم، وقال مسلمة: بصريّ ثقةٌ. قال البخاريّ والنسائيّ: ومات سنة ست وأربعين ومائتين. وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١١٨٥): «ويلكم قد قد …»، و(١٢٣٦): «من كان معه هدي فليُقم …»، و(٢٣٦٢): «ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه …»، و(٢٤٢٣): «لقد قُدت بنبيّ الله - ﷺ - …»، و(٢٥٠١): «نعم عندي أحسن العرب …»، و(٢٧٨٣): «ألا أخبركم بأشدّ حرًّا منه …»، و(٢٩٦٥): «إن الله يحب العبد التقيّ الغني الخفيّ». [تنبيه]: قوله: «الْعَنْبَريّ» - بالعين المهملة، والنون، بعدها مُوَحَّدة -: نسبة إلى بني الْعَنْبَر، ويُخفّف، فيقال: بلعنبر، وهو: العنبر بن عمرو بن تميم بن مُرّ بن أُذ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار، قاله في «الأنساب» . قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وضبطه الْعُذْريّ «الْغُبَريّ» - بالغين المعجمة - وهو تصحيف، والأول الصحيح. انتهى . ٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشيّ - بضمّ الجيم، وفتح الشين المعجمة - أبو محمد اليماميّ، مولى بني أمية، ثقةٌ، ربّما انفرد [٩]. رَوَى عن عكرمة بن عمار، وأبي أُويس، وصَخْر بن جُويرية، وشعبة، وحماد بن سلمة. ورَوى عنه العباس بن عبد العظيم الْعَنْبريّ، وأبو الليث شجاع بن الوليد البخاريّ، وعبد الله بن محمد بن الرُّوميّ، وأحمد بن جعفر الْمَعْقِريّ، وأحمد بن عبد الله بن صالح العجليّ، ومُؤَمَّل بن إِهاب، وأحمد بن عمر بن يونس اليماميّ أحد الضعفاء، وغيرهم. قال العجليّ: ثقةٌ، روى عن عكرمة بن عمار ألفَ حديث، رحلتُ إليه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: ربما انفرد. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، أصله من البصرة، ثقة، إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فقد ضعّفوه فيه لاضطرابه [٥] (ت قبيل ١٦٠) (خت م س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥. ٤ - (أَبُو زُمَيْلٍ) - بضمّ الزاي، مصغّرًا - هو: سِمَاك - بكسر السين المهملة، وتخفيف الميم - ابن الوليد الْحَنَفيّ، اليماميّ، سَكَن الكوفة، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، ومالك بن مَرْثَد، وعروة بن الزبير. وروى عنه ابنه زُميل، وابن ابنه عبد ربه بن بارق، وشعبة، ومِسْعَر، وعكرمة بن عمار، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، واقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الدارقطنيّ: وقيل: سماك بن زيد، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة. أخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (١١٤): «إني رأيته في النار …»، و(١١٨٥): «ويلكم قد قد …»، و(١٤٧٩): «ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة …»، و(١٧٦٣): «اللهم أنجز لي ما وعدتني …»، و(٢٥٠١): «نعم قال: عندي أحسن العرب …». ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر - ﵄ - تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): قوله في أوله: «حدّثني» بالإفراد، وفيما بعده: «حدّثنا» بالجمع، إشارة إلى أنه سمع الحديث من شيخه وحده، وأما من عداه فسمعوه من شيوخهم مع غيرهم. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل باليماميين، غير شيخه والصحابيّ، فبصريّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عكرمة، عن أبي زُميل. ٦ - (ومنها): أن فيه قوله: «وهو ابن عمّار»، وذلك أن النضر لم ينسُب شيخه، فأراد المصنّف، أو شيخه إيضاحه بنسبه، فزاد لفظة «وهو» فصلًا بين ما رواه وبين ما زاده من عنده، وهذا من شدّة ورعه، وقد تقدّم غير مرّة. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى، وآخر من مات من الصحابة - ﵁ - بالطائف، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أنه (قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ) وفي رواية ابن منده من طريق أحمد بن يوسف السلميّ، عن النضر بن محمد: استسقى رسول الله - ﷺ -، فمُطر الناس، حتى سالت قَنَاةُ أربعين يومًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «أصبح من الناس شاكرٌ ومنهم كافر، يقولون: لقد صَدَق نَوءُ كذا، ومنهم من يقول: رحمة وضعها الله» . فقوله: «مُطر الناس» ببناء الفعل للمفعول، وقد تقدّم أن مَطَرَ ثلاثيًّا للرحمة، وأما أمطر بالهمزة فللعذاب، قال في «القاموس»: المطر: ماء السحاب، جمعه: أمطارٌ، ومطَرَتهم السماء مَطْرًا، - من باب نصر - ويُحَرَّك: أصابتهم بالمطر، وأمطرهم الله لا يقال إلا في العذاب. انتهى . وقال الشارح المرتضى: وهذا على رأي الأكثرين، وقال جماعة من أهل اللغة: مَطَرَ وأمطر بمعنى، كما تقدّم، وقال قبل ذلك: ومطَرَتهم السماء كأمطرتهم، وهو أقبحها. انتهى . (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أي في وقته (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَصْبَحَ) هي من أخوات»كان«ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وقوله: (مِنَ النَّاسِ) خبرها مقدّمًا، و(شَاكِرٌ) اسمها مؤخّرًا، وعند أبي عوانة:»أصبح من الناس منهم شاكرٌ ومنهم كافر، قال بعضهم: هذه رحمةٌ وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا … «. ومعنى:«شاكر» أي معترف بنعمة الله تعالى، يقال: شكرت لله: أعترفتُ بنعمته، وفعلتُ ما يجب من فعل الطاعة وترك المعصية، ولهذا يكون الشكر بالقول والعمل، ويتعدّى في الأكثر باللام، فيقال: شكرتُ له شُكرًا، وشُكرانًا، وربّما تعدّى بنفسه، فيقال: شكرته، وأنكره الأصمعيّ في السَّعَة، وقال: بابه الشعر، ذكره الفيوميّ . [تنبيه]: بين الشكر والحمد عموم وخصوص من وجه؛ إذ الشكر يخصّ النعمة، والحمد يعمّها وغيرها، وهو خاصّ باللسان، والشكر يكون باللسان والقلب، والجوارح، كما قال بعضهم [من الطويل]: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً … يَدِي وَلسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا وقد تقدّم تمام البحث في هذا في أوائل شرح المقدّمة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (وَمِنْهُمْ كَافِرٌ) معطوف على «من الناس شاكر»، وهو من عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز بالاتّفاق، يعني أن بعض الناس كافر بالنعمة، فالمراد بالكفر هنا كفر دون كفر، فهو كفران النعمة؛ إذ هو ظاهر السياق، حيث أتبعه بقوله: «قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ» فإنه يؤيّد التفسير المذكور. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فمقابلته لـ«شاكر» بـ «كافر» يدلّ على أن المراد كفر النعمة وجَحْدها؛ إذ لم يُضفها إلى ربّه ويشكره عليها، ولا وَلَّى الأمر أهله، واقتصر على ذكر عادة غير مؤثّرة ومخلوقات مسخّرة، وآلات مُدَبَّرة، غير مُدَبِّرَة. انتهى . ويحتمل أن يكون المراد كفر الجحد، لكنه محمول على المستحلّ، كما سبق إيضاحه. والكفر في الأصل: الستر، والتغطية، يقال: كفر الشيءَ، من باب نصر: إذا غطّاه وستره، قال لبيد [الكامل]: يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرًا … فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا أي ستره، ويقال: كفَرَ بالله، يكفُرُ كُفْرًا، وكُفرانًا، وكَفَرَ النعمة، وبالنعمة أيضًا: جحدها، وكفر بكذا: تبرّأ منه، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وكفر بالصانع: نفاه وعَطّل، وهو الدَّهريّ والملحد، وهو كافرٌ، وكَفَرَةٌ، وكُفّار، وكافرون، أفاده الفيّوميّ . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصل الشكر: الظهور، ومنه قوله: دابّة شَكُور، إذا ظهر عليها من السّمَن فوق ما تأكله من العلف، والشاكر هو الذي يُثني بالنعمة، ويُظهرها، ويَعترف بها للمنعم، وجَحْدُها: كُفرانها، فمن نسب المطر إلى الله تعالى، وعَرَف مِنَّته فيه، فقد شكر الله تعالى، ومن نسبه إلى غيره، فقد جَحَد نعمة الله تعالى في ذلك، وظَلَم بنسبتها لغير المنعم بها، فإن كان ذلك عن اعتقاد كان كافرًا ظالِمًا حقيقةً، وإن كان عن غير اعتقاد، فقد تشبّه بأهل الكفر والظلم الحقيقيّ، كما قلناه آنفًا، وقد قابل في هذا الحديث بين الشكر والكفر، فدلّ ظاهره على أن المراد بالكفر هنا كفران النعم لا الكفر بالله تعالى. وَيحْتَمِل أن يكون المراد به الكفر الحقيقيّ، ويؤيّد ذلك استدلال النبيّ - ﷺ - بقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢]، أي تجعلون شكر رزقكم التكذيب، على حذف المضاف، قاله المفسّرون، وقرأ عليّ - ﵁ - : «وتجعلون شكركم»، فعبّر عن الرزق بالشكر، والرزق: الشكر بلغة أزد شنوءة، يقال: ما رزقه: أي ما شكره، وما رزق فلان فلانًا: أي ما شكره. انتهى كلام القرطبيّ . وقوله: (قَالُوا) هو من باب اللفّ والنشر المرتّب، فهذا راجع لقوله: «من الناس شاكر»، وقوله: «وقال بعضهم» راجع لقوله: «ومنهم كافر». ومعنى قوله: (هَذِه رَحْمَةُ اللهِ) أي هذه رحمة رَحِمَنا اللهُ تعالى بها، قالوا هذا تحدّثًا بنعمة الله تعالى عليهم، ومثنين عليه بها، فهو معنى كونهم شاكرين، وعند أبي عوانة: «قال بعضهم: هذه رحمة وضعها الله»، ولأبي نعيم: «قالوا: هذه رحمة وضعها الله». (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) الكافرون بتلك الرحمة (لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا») تقدّم أن النوء يُطلق على الطلوع وعلى الغروب، ويُطلق أيضًا على النجم الطالع والغارب، وقال الزجّاج: الساقطة في المغرب: هي الأنواء، والطالعة في المشرق: هي الْبَوَارح . (قَالَ) أي ابن عبّاس - ﵄ - (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ وأما قراءة ابن عبّاس - ﵄ -، فقد أخرجها سعيد بن منصور، عن هُشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون»، وهذا إسناد صحيح، ومن هذا الوجه أخرجه ابن مردويه في «التفسير المسند». انتهى ما في «الفتح» ٢/ ٦٧٤. النُّجُومِ (٧٥) - حَتَّى بَلَغَ - وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]) فقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ إلخ بدل من «هذه الآية». قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: فيه إشكال يزول بالتنبيه على أنه ليس مرادُهُ أن جميع هذا نزل في قولهم في الأنواء، كما توهّمه القاضي عياض على ما بلغنا عنه، فإن الأمر في معنى ذلك، وتفسيره يأبى ذلك، وإنما النازل من ذلك في ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾، والباقي نزل في غير ذلك، ولكن اجتمعا في وقت النزول، فذكر الجميع من أجل ذلك، ومما يَدُلّ على هذا أن في بعض الروايات عن ابن عباس - ﵄ - في ذلك الاقتصار على هذا القدر اليسير فحسب. انتهى . [تنبيه]: قول ابن عبّاس - ﵄ -: «فنزلت هذه الآية» هذا مما يُعطى حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل في آية من القرآن: «إنها نزلت في كذا» مرفوع إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، وذلك كقول ابن عباس - ﵄ - هذا، وكقول جابر - ﵁ -: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] الآية، رواه مسلم، وإلى هذا أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَهَكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا … فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَوْ رَأْيًا أَبَى تفسير هذه الآيات الكريمات: قوله ﷿: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ قال جُويبر عن الضحاك: إن الله تعالى لا يُقْسِم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه، قال ابن كثير: وهذا القول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنه قَسَمٌ من الله تعالى، يُقسِم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته. انتهى . وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى في «المفهم»: هذا وأشباهه قَسَم من الله تعالى على جهة التشريف للمُقْسَم به، والتأكيد للمُقْسَم له، ولله تعالى أن يُقسِم بما شاء من أسمائه، وصفاته، ومخلوقاته، تشريفًا وتنويهًا، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ ونحو هذا، وقد تكلّف بعض العلماء، وقال: إن المقسَم به في مثل هذه المواضع محذوفٌ للعلم به، فكأنه قال: وربّ الشمس، وربّ الليل، والذي حمله على ذلك أنه لَمّا سمع الشرع قد نهانا أن نحلف بغير الله تعالى ظن أن الله تعالى يمتنع من ذلك، وهذا ظنّ قاصرٌ وفهم غير حاضر؛ إذ لا يلزم شيء من ذلك؛ لأن لله تعالى أن يحكم بما يشاء، ويفعل من ذلك ما يشاء؛ إذ لا يتوجّه عليه حكمٌ، ولا يترتّب عليه حقّ، وأيضًا فإن الشرع إنما منعنا من القَسَم بغير الله تعالى حماية عن التشبّه بالجاهليّة فيما كانوا يُقسمون به من معبوداتهم ومعظّماتهم الباطلة على ما يأتي الكلام عليه في «كتاب الأيمان» - إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. ثم قال بعض المفسرين: «لا» ها هنا زائدة، وتقديره: أقسم بمواقع النجوم، رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير، ويكون جوابه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾، وقال آخرون: ليست «لا» زائدة لا معنى لها، بل يُؤتَى بها في أول القسم، إذا كان مُقْسَمًا به على منفيّ، كقول عائشة - ﵂ -: «لا والله ما مست يدُ رسول الله - ﷺ - يد امرأة قط»، متّفقٌ عليه، وهكذا ها هنا تقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم، ليس الأمر كما زعمتم في القرآن، أنه سحرٌ أو كهانة، بل هو قرآن كريم، وقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ فليس الأمر كما تقولون، ثم استُؤْنِفَ القسمُ بعد ذلك، فقيل: أقسم . وقال أبو عبد الله القرطبيّ في «تفسيره»: قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: «لا» صلة في قول أكثر المفسرين، والمعنى: فأقسم بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ وقال الفراء: هي نفيٌ، والمعنى ليس الأمر كما تقولون، ثم استَأْنَفَ أُقسِمُ، وقد يقول الرجل: لا والله ما كان كذا، فلا يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدم، أي ليس الأمر كما ذَكرتَ بل هو كذا، وقيل: «لا» بمعنى «ألا» للتنبيه، كما قال [من الطويل]: أَلَا عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي … وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِي ونَبَّهَ بهذا على فضيلة القرآن؛ ليتدبروه، وأنه ليس بشعر، ولا سحر، ولا كهانة، كما زَعَمُوا، وقرأ الحسن، وحميد، وعيسى بن عمر: «فلأقسم» بغير ألف بعد اللام على التحقيق، وهو فعلُ حالٍ، ويُقَدَّرُ مبتدأ محذوف التقدير: فلأنا أقسم بذلك، ولو أريد به الاستقبال لَلَزِمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يُراد به الاستقبال، وهو شاذّ. وقوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾، اختلفوا في معناه، فقال حكيم بن جُبَير، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: يعني نجوم القرآن، فإنه نَزَلَ جملةً ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مُفَرَّقًا في السنين بعدُ، ثم قرأ ابن عباس هذه الآية، وقال الضحاك عن ابن عباس: نزل القرآن جملةً من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السَّفَرَة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فَنَجَّمَتْهُ السَّفَرَة على جبريل عشرين ليلة، ونجّمه جبريل على محمد - ﷺ - عشرين سنة، فهو قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ نجوم القرآن، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والسُّدّيّ، وأبو حَزْرَة، وقال مجاهد أيضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ في السماء، ويقال: مطالعها ومشارقها، وكذا قال الحسن، وقتادة، وهو اختيار ابن جرير، وعن قتادة: مواقعها منازلها، وعن الحسن أيضًا: أن المراد بذلك انتشارها يوم القيامة، وقال الضحاك: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ يعني بذلك الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مُطِرُوا قالوا: مُطِرنا بِنَوْء كذا وكذا . وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله تعالى: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: مواقع النجوم مَساقِطها ومغاربها، في قول قتادة وغيره، وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها، وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة، وقال الضحاك: هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون إذا مُطِروا، قالوا: مُطرنا بنوء كذا، قال الماوردي: ويكون قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ مستعملًا على حقيقته من نفي القسم، وقال القشيريّ: هو قسم، ولله تعالى أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة. قال القرطبيّ: يدل على هذا قراءة الحسن «فلأقسم»، وما أقسم به ﷾ من مخلوقاته في غير موضع من كتابه. وقال ابن عباس: المراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجومًا، أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكاتبين، فَنَجَّمه السَّفَرة على جبريل عشرين ليلة، ونَجّمه على محمد عليهما الصلاة والسلام عشرين سنة، فهو يُنْزِله على الأحداث من أمته، حكاه الماورديّ عن ابن عباس والسُّدّيّ، وقال أبو بكر الأنباريّ: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا همام، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل إلى الأرض نُجومًا، وفرّق بعد ذلك خمس آيات، خمس آيات، وأقل وأكثر، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾، وحكى الفراء عن ابن مسعود: أن مواقع النجوم هو مُحْكَم القرآن. وقرأ حمزة والكسائيّ: «بموقع» على التوحيد، وهي قراءة عبد الله بن مسعود، والنخعيّ، والأعمش، وابن مُحيصن، ورُوَيس عن يعقوب، والباقون على الجمع، فمن أفرد فلأنه اسم جنس، يؤدي الواحد فيه عن الجمع، ومن جَمَعَ فلاختلاف أنواعه. انتهى . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ أي وإن هذا القسم الذي أقسمتُ به لقسم عظيم، لو تعلمون عَظَمَته لعظمتم المقسم به عليه. وقال القرطبيّ المفسّر: قيل: إن الهاء تعود على القرآن، أي إن القرآن لقسم عظيم، قاله ابن عبّاس وغيره، وقيل: ما أقسم الله به عظيم. انتهى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ أي إن هذا القرآن الذي نَزَلَ على محمد - ﷺ - لكتاب عظيم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ: الكريم: الشريف الكثير المنافع السهلها. وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر: قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ ذَكَرَ المقسم عليه، أي أُقسم بمواقع النجوم: إن هذا القرآن قرآن كريم، ليس بسحر، ولا كِهانة، وليس بِمُفْتَرىً، بل هو قرآن كريم محمود، جعله الله تعالى معجزة لنبيه - ﷺ -، وهو كريم على المؤمنين؛ لأنه كلام ربهم، وشفاء صدورهم، كريم على أهل السماء؛ لأنه تنزيل ربهم ووحيه، وقيل: كريم أي غير مخلوق، وقيل: كريم لما فيه من كريم الأخلاق ومعالي الأمور، وقيل: لأنه يُكْرِم حافظه ويُعْظِمُ قارئه. انتهى. وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ أي مُعَظّم في كتاب محفوظ مُوَقَّر، وقال القرطبيّ المفسّر: قوله: في كتاب مكنون: مَصُون عند الله تعالى، وقيل: مكنون محفوظ عن الباطل، والكتابُ هنا كتاب في السماء، قاله ابن عباس، وقال جابر بن زيد، وابن عباس أيضًا: هو اللوح المحفوظ، وقال عكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن، ومن يَنْزِل عليه، وقال السُّدّيّ: الزبور، وقال مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا. انتهى. وقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال ابن جرير: حدثني موسى بن إسماعيل، أخبرنا شريك، عن حكيم هو ابن جُبَير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، قال: الكتاب الذي في السماء، وقال الْعَوْفيّ عن ابن عباس: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ يعني الملائكة، وكذا قال أنس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو الشَّعْثاء جابر بن زيد، وأبو نَهِيك، والسُّدّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن قتادة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا، فإنه يمسه المجوسيّ النَّجِس والمنافق الرِّجْس، قال: وهي في قراءة ابن مسعود - ﵁ -: «ما يمسه إلا المطهرون»، وقال أبو العالية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب، وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش، أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ١٢]، وهذا القول قولٌ جَيِّدٌ، وهو لا يَخرُج عن الأقوال التي قبله. وقال الفراء: لا يجد طَعْمه ونفعه إلا من آمن به. وقال آخرون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ أي من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ها هنا المصحف، كما روى مسلم عن ابن عمر: «أن رسول الله - ﷺ - نَهَى أن يُسَافَرَ بالقرآن إلى أرض العَدُوّ، مخافةَ أن يناله العدو». واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في «موطئه» (١١٩٩) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر»، وروى أبو داود في «المراسيل» من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله - ﷺ - قال: «ولا يمس القرآن إلا طاهر». قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذه وجادة جَيِّدةٌ، قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني (١١١) عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر، والله أعلم. انتهى . وقال أبو عبد الله القرطبيّ: اختُلِفَ في معنى ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ هل هو حقيقة في المسّ بالجارحة أو معنى، وكذلك اختُلِفَ في ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ مَن هم؟. فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب، وهم الملائكة، وكذا قال أبو العالية وابن زيد: إنهم الذين طُهِّرُوا من الذنوب، كالرسل من الملائكة، والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مُطَهَّر، والرسل الذين يجيئهم بذلك هم السَّفَرَة الكرام الْبَرَرَة، وهذا كله قول واحد، وهو نحو ما اختاره مالك، حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ أنها بمنزلة الآية التي في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾، يريد أن المطهرين هم الملائكة الذين وُصِفوا بالطهارة في سورة «عبس». وقيل: معنى ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ لا ينزل به إلا المطهرون، أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء، وقيل: لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون، وقيل: إن إسرافيل هو الموكل بذلك، حكاه القشيري. قال ابن العربي: وهذا باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت، ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك، لما كان للاستثناء فيه مجال، وأما من قال: إنه الذي بأيدي الملائكة في الصحف، فهو قول محتمل، وهو اختيار مالك. وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا، وهو الأظهر، وقد رَوَى مالك وغيره أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله - ﷺ -: «ألّا يمس القرآن إلا طاهر»، وقال ابن عمر: قال النبيّ - ﷺ -: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر»، وقالت أخت عُمر لعُمر عند إسلامه، وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: «لا يمسه إلا المطهرون»، فقام واغتسل، وأسلم، وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس، وقال الكلبيّ: من الشرك، وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا، وقيل: معنى لا يمسه: لا يقرؤه إلا المطهرون إلا الموحِّدون، قاله محمد بن فُضيل، وعبدة، وقال عكرمة: كان ابن عباس يَنْهَى أن يُمَكَّن أحد من اليهود والنصارى من قراءة القرآن، وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون، أي المؤمنون بالقرآن، وقال ابن العربي: وهو اختيار البخاريّ، قال النبيّ - ﷺ -: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًّا»، وقال الحسين بن الفضل: لا يَعْرِف تفسيره وتأويله، إلا من طهره الله من الشرك والنفاق، وقال أبو بكر الوَرّاق: لا يُوَفَّق للعمل به إلا السعداء، وقيل: المعنى: لا يمس ثوابه إلا المؤمنون، ورواه معاذ عن النبيّ - ﷺ -. ثم قيل: ظاهر الآية خبر عن الشرع: أي لا يمسه إلا المطهرون شرعًا، فإن وُجِد خلاف ذلك فهو غير الشرع، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي، وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، وقال المهدويّ: يجوز أن يكون أمرًا، وتكون ضمة السين ضمة إعراب، ويجوز أن يكون نَهْيًا، وتكون= ضمة السين ضمة بناء، والفعل مجزوم. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: المطهّرون بحكم عرف الشرع هم المطهّرون من الحدث، وعليه فتكون «لا» نهيًا، ويمسّه مجزوم بالنهي، وضُمّت سينه لأجل الضمير، ويجوز أن يكون خبرًا عن المشروعيّة، أي لا يجوز مسّه إلا لمن تطهّر من الحدث، ويكون هذا نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وهذا تقرير وجه من استدلّ بالآية على تحريم مسّ القرآن على غير طهارة وهم الجمهور، وأما من أجاز ذلك وهم أهل الظاهر، فحملوا الآية على أنه خبرٌ عمّا في الوجود، أي لا يمسّه، ولا يناله، ولا يباشره إلا الملائكة، وهم المطهّرون بالحقيقة، وتكون الآية مثل قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]، وإلى هذا صار مالك في تفسير هذه الآية، مع أن مذهبه أنه لا يجوز لمحدِثٍ مسّ المصحف أخذًا بهذا الحكم من السنّة عنده لا من الآية. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من سوق الأقوال وحججها، أن أرجح الأقول قول من فسّر الآية بأن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ أنه لا يمسّه إلا الملائكة، وهم المطهّرون كما صار إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى واختاره، وقال: أحسن ما سمعت في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ وأنها بمنزلة الآية التي في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾، يريد أن المطهرين هم الملائكة الذين وُصِفوا بالطهارة في سورة «عبس». أما مسألة مس المصحف للمحدث فإن مذهب الجمهور هو الأرجح، لا لهذه الآية، بل لكتاب عمرو بن حزم، فإنه وإن قيل بإرساله، إلا أنه مشهور عملت به الأئمة، وقرأه الزهريّ رحمه الله تعالى، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذه وجادة جَيِّدةٌ، قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به . وقد أشبعت الكلام في هذا، واستوفيته في «شرح النسائيّ» (١٧١/ ٢٦٥) «باب حَجْب الجنب من قراءة القرآن»، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي إلى أقوم الطريق. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ أي هذا القرآن منزّل من عند رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه سحرٌ، أو كهانة، أو شعرٌ، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، وليس وراءه حقّ نافع، قاله ابن كثير. وقال القرطبيّ: هو كقولهم ضَرْبُ الأمير، ونَسْجُ اليمن، وقيل: تنزيل صفة لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾، وقيل: أي هو تنزيل. انتهى. وقوله - ﷿ -: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ قال الْعَوْفيّ عن ابن عباس: أي غير مُصَدِّقين، وكذا قال الضحاك، وأبو جَزْرَة، والسُّدّيّ، وقال مجاهد: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أي تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم. انتهى . وقال أبو العباس القرطبيّ: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني بالحديث القرآن؛ لأنه أحاديث عن الأمم الماضية، والوقائع الآتية، والأحكام الجارية، و﴿مُدْهِنُونَ﴾ مكذّبون، وأصله من الدَّهْن، يقال: أدهن، وداهن: أي ترك ما هو عليه وتلبّس بغيره. انتهى . وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ ويعني القرآن ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ وأي مُكَذِّبون، قاله ابن عباس، وعطاء، وغيرهما، والْمُدْهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شُبِّهَ بالدهن في سهولة ظاهره، وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ وكافرون، نظيره: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩]، وقال المؤرِّج: المدهن المنافق، أو الكافر الذي يُلِين جانبه لِيُخفي كفره، والإدهان والمداهنة: التكذيب والكفر والنفاق، وأصله اللِّين، وأن يُسِرَّ خلاف ما يُظهر، وقال أبو قيس بن الأَسْلَت: الحَزْمُ وَالْقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ … إِدْهَاِن وَالْفُهَّةِ وَالْهَاعِ وأَدْهَنَ وداهن واحد، وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غَشَشْتُ، وقال الضحاك: مدهنون: معرضون، وقال مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر به، وقال ابن كيسان: المدهن الذي لا يَعْقِل ما حَقُّ الله عليه ويدفعه بالعلل، وقال بعض اللغويين: مدهنون: تاركون للجزم في قبول القرآن. انتهى . وقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال طائفة من المفسّرين: وتجعلون شكركم تكذيبكم بأن الرزاق هو الله تعالى، أي تجعلون التكذيب عِوَضَ الشكر، وتكذيبهم هو قولهم: مُطِرنا بنوء كذا وكذا، روى الترمذي بإسناده عن على بن أبي طالب - ﷺ - رفعه قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال: شكركم أنكم تُكذّبون، قال: يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ غريب صحيح . قال الجامع عفا الله عنه: رجال هذا الإسناد ثقات، إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاف، وهو مدلّس. قال محمد - هو ابن إبراهيم -: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب، فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، وقد أخبرني مَن شَهِدَ عمر بن الخطاب - ﵁ -، وهو يستسقي، فلما استسقى التفت إلى العباس، فقال: يا عباس، يا عم رسول الله، كم بَقِيَ من نَوْء الثُّرَيَا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تَعْتَرض في الأفق بعد سقوطها سبعًا، قال: فما مضت سابعة حتى مُطروا. قال الحافظ ابن كثير: وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثّر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهيّ عن اعتقاده. انتهى «تفسير ابن كثير» ٤/ ٢٩٩. وحكى ابن جرير عن الهيثم بن عديّ: أن من لغة أزد شنوءة: ما رَزَق فلان فلانًا، بمعنى ما شكره. وقال آخرون: معناه: وتجعلون شكر رزقكم، فحَذَف المضاف، وأقام المضاف إليه مُقامه، قاله الأزهريّ وأبو عليّ الفارسيّ، وقال الحسن: أي تجعلون حَظّكم، قال قتادة: أما الحسن فكان يقول: بئس ما أَخَذَ قوم لأنفسهم، لم يُرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب، فمعنى قول الحسن هذا: وتجعلون حَظَّكم من كتاب الله أنكم تُكذِّبون به، ولهذا قال قبله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ . وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ قال ابن عباس: تجعلون شكركم التكذيب، وذكر الهيثم بن عَديّ أن من لغة أسد شنوءة: ما رَزَقَ فلانٌ: أي ما شكره، وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره؛ لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقًا على هذا المعنى، فقيل: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي شكر رزقكم الذي لو وُجِد منكم لعاد رزقًا لكم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بالرزق، أي تَضَعُون الكذب مكان الشكر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] أي لم يكونوا يصلون، ولكنهم كانوا يُصَفِّرون، وُيصَفِّقُون مكان الصلاة، ففيه بيانُ أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يَرَوه من قبل الوسائط التي جَرَت العادة بأن تكون أسبابًا، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر، إن كان نعمةً، أو صبر إن كان مكروهًا؛ تعبدًا له وتذللًا. وروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قرأ: «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون» حقيقة . وعن ابن عباس أيضًا أن المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب: مُطِرنا بنوء كذا، رواه علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ -. قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا أُحبّ أحدًا أن يقول: مُطرنا بنوء كذا وكذا، وإن كان النوء عندنا الوقتَ المخلوقَ لا يَضُرُّ ولا ينفع، ولا يُمطر ولا يَحبس شيئًا من المطر، والذي أحب أن يقول: مُطرنا وقت كذا، كما تقول مُطرنا شهر كذا، ومن قال: مُطرنا بنوء كذا، وهو يريد أن النوء أنزل الماء، كما عَنَى بعض أهل الشرك من الجاهلية بقوله فهو كافر، حلال دمه إن لم يتب. وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما قوله - ﷺ - حاكيًا عن الله - ﷾ -: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر»، فمعناه عندي على وجهين: أما أحدهما: فإن المعتقد بأن النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشئ للسحاب دون الله - ﷿ - فذلك كافر كفرًا صريحًا، يجب استتابته عليه وقتله إن أبى؛ لنبذه الإسلام وردّه القرآن. والوجه الآخر أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء، وأنه سبب الماء على ما قدّره الله وسبق في علمه، وهذا وإن كان وجهًا مباحًا، فإن فيه أيضًا كفرًا بنعمة الله - ﷿ -، وجهلًا بلطيف حكمته في أن ينزل الماء متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة بنوء كذا وكثيرًا ما ينوء النوء فلا ينزل معه شيء من الماء، وذلك من الله تعالى لا من النوء، وكذلك كان أبو هريرة - ﵁ - يقول إذا أصبح وقد مُطِر: مُطِرنا بنوء الفتح، ثم يتلو ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]. قال أبو عمر: وهذا عندي نحو قول رسول الله - ﷺ -: «بفضل الله ورحمته». ومن هذا الباب قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب - ﵄ - حين استسقى به: يا عم رسول الله - ﷺ -، كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد سقوطها، فما مضت سابعةٌ حتى مُطِروا، فقال عمر: الحمد لله، هذا بفضل الله ورحمته . وكأن عمر - ﵁ - قد عَلِم أن نوء الثريا وقت، يُرجَى فيه المطر ويُؤَمَّل، فسأله عنه: أخرج منه أم بقيت منه بقية؟. ورَوَى سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا في بعض أسفاره يقول: مُطرنا ببعض عَثَانين الأسد، فقال رسول الله - ﷺ -: «بل هو سقيا الله - ﷿ -»، قال سفيان: عثانين الأسد: الذراع والجبهة . وقراءة العامة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ من التكذيب، وقرأ المفضل، عن عاصم، ويحيى بن وَثّاب ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ بفتح التاء مخففًا، ومعناه ما قدمناه، من قول من قال: مُطِرنا بنوء كذا. انتهى كلام القرطبيّ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٣٤/ ٢٤١] (٧٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٦٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٣٢)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٥٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون شكر النعمة من الإيمان، وهو وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى للحديث هنا. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من الحرص الشديد على حماية التوحيد، وتنبيه أمته على دقائق الشرك، وأنه كثيرًا ما يتساهل الناس، فيقعون فيه جريًا على ما يألفونه من نسبة الأشياء إلى الأسباب دون أن ينتبهوا لخطره، وما يترتّب عليه من سلب التوحيد. ٣ - (ومنها): بيان أن الواجب على العبد إذا حصلت له نعمة أن يقول: هذه رحمة الله تعالى عليّ، دون أن أستحقّ عليه شيئًا، اللهم لك الحمد على ما أنعمت، ولك الشكر على ما أوليت، سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. ٤ - (ومنها) بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة. ٥ - (ومنها): بيان أن الله - ﷾ - يُقسم بما شاء من خلقه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾، وأما الخلق فلا يجوز لهم أن يقسموا إلا بالله - ﷾ -. ٦ - (ومنها): بيان عظم مواقع النجوم على اختلاف المعاني السابقة؛ لأنه - ﷾ - لا يُقسم بشيء إلا لبيان عظمته وكرامته عنده - ﷾ -. ٧ - (ومنها): بيان عظمة القرآن العظيم؛ لأنه الله - ﷾ - أقسم عليه، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾. ٨ - (ومنها): بيان أن هذا القرآن كان في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، فأنزله الله تعالى منجّمًا على النبيّ - ﷺ - في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع والأسباب. ٩ - (ومنها): بيان أن الآية دلّت على ذمّ من ينسب الأرزاق والنعم إلى غير الله - ﷾ -، وأن ذلك من التكذيب والكفر بالله تعالى. ١٠ - (ومنها): أن مما يدخل تحت دلالة الآية الكريمة ما وقع فيه كثير من الناس الذين يعتقدون في الأولياء والصالحين، حيث يتساهلون فينسبون إليهم كلّ ما يحصل لهم من الخيرات، فيقول أحدهم إذا حصل له أي خير: هذا مما أعطاني سيدي فلان، فما أكثر هذا في الأمة اليوم، ومن المؤسف أن يكون هناك من ينتسب إلى العلم، فيسمع ويرى هذا كله، ثم يسكت ولا ينكره، فإنا لله وإنا إليه راجعون، غربة في الإسلام وغربة في أهله، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، اللهم آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٣٣)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٨.

٢. «الأنساب» ٤/ ٢٤٥، و«لب اللباب» ٢/ ١٢٣.

٣. «إكمال المعلم» ١/ ٣٧٦.

٤. راجع: «الإيمان» ٢/ ٥٩٣ الحديث رقم (٥٠٩).

٥. «القاموس المحيط» ص ٤٢٩.

٦. «تاج العروس» ٣/ ٥٤٥.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٣١٩.

٨. «إكمال المعلم» ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣.

٩. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٣٥.

١٠. لكن أشار في«الفتح» أنه ليس قراءة من عليّ - ﵁ -، وإنما هو تفسير، ودونك نصّه: وقد رُوِي نحو أثر ابن عباس المعلّق مرفوعًا من حديث علي - ﵁ -، لكن سياقه يدلّ على التفسير لا على القراءة، أخرجه عبد بن حميد، من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ - ﵁ - مرفوعًا: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال: تجعلون شكركم، تقولون: مُطِرنا بنوء كذا. انتهى.

١١. «المفهم» ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.

١٢. راجع: «الصيانة» ص ٢٥١.

١٣. «الصيانة» ص ٢٥٢ - ٢٥٣.

١٤. تفسير ابن كثير ١٣/ ٣٨٩.

١٥. «المفهم» ١/ ٢٦٢.

١٦. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٢٩٨.

١٧. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٣٨٩ - ٣٩٠.

١٨. «الجامع لأحكام القرآن» ١٧/ ٢٢٣ - ٢٢٤.

١٩. «تفسير ابن كثير» ١٣/ ٣٩٠ - ٣٩١.

٢٠. «الجامع لأحكام القرآن» ١٧/ ٢٢٥ - ٢٢٧.

٢١. «المفهم» ١/ ٢٦٣.

٢٢. «تفسير ابن كثير» ١٣/ ٣٩٠ - ٣٩١.

٢٣. راجع: «تفسير ابن كثير» ٤/ ٢٩٨ - ٣٠٠.

٢٤. «المفهم» ١/ ٢٦٣.

٢٥. «الْفُهّة»: الْعِيُّ، و«الْهَاعُ» هنا: سوء الحرص مع ضعف.

٢٦. «الجامع لأحكام القرآن»١٧/ ٢٢٧ - ٢٢٨.

٢٧. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال:«إن الله لَيُصَبِّح القومَ بالنعمة أو يُمَسِّيهم بها، فَيُصبِح بها قوم كافرين، يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا».

٢٨. بل هو ضعيف؛ لأن في سنده عبد الأعلى بن عامر الثعلبيّ، وهو ضعيف، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس - ﵄ -، كما في حديث الباب.

٢٩. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٣٠٠.

٣٠. تقدّم أنه لا يصحّ مرفوعًا، وإنما الصحيح وقفه على ابن عباس - ﵄ -.

٣١. وقد تقدّم أن فيه محمد بن إسحاق، مدلس، وقد عنعنه.

٣٢. هذا منقطع؛ لأن إسماعيل بن أميّة من الطبقة السادسة التي لم تلق الصحابة، راجع: «التقريب» ص ٣٢.

٣٣. «الجامع لأحكام القرآن» ١٧/ ٢٢٨ - ٢٣٠.