HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٥

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا» قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلَّا إِرْعَاءً عليه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص62
ج ١ ص ٨٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٦٥١
[تنبيه]: روايةُ الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد في «مسنده»، فقال: (٢٠٥٢٤) - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن حبيب مولى عروة بن الزبير، عن عروة، عن أبي مُراوح الغِفَاريّ، عن أبي ذرّ، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فسأله، فقال: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله»، فقال: أيُّ الْعَتَاقة أفضل؟ قال: «أَنْفَسُها»، قال: أفرأيتَ إن لم أجد؟ قال: «فتعين الصانع، أو تصنع لأخرق»، قال: أفرأيتَ إن لم أستطع؟ قال: «فَدَعِ الناس من شرّك، فإنها صدقة، تَصَدَّق بها عن نفسك» ، وكذا ساق هذه الرواية أبو عوانة في «مسنده» (١٨٠) إلا أنه وقع عنده: «فتُعين الضائع» بالضاد المعجمة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩] (٨٥) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَن الشَّيْبَانِيِّ، عَن الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ، أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْعَمَلِ أفضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا»، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»، فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور أول الباب. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القُرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان، واسمه فَيْرُوز، ويقال: خاقان، ويقال: عمرو أبو إسحاق الشيبانيّ مولاهم الكوفي، وقيل: مولى ابن عباس، والأول أصح، ثقة، [٥]. رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وزِرَ بن حُبَيش، وأشعث بن أبي الشعثاء، وبكير بن الأخنس، وجَبَلَة بن سُحَيم، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي بردة بن أبي موسى، وابنه سعيد بن أبي بردة، وأبي الزناد، وعبد الله بن شداد بن الهاد، والوليد بن العيزار، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه إسحاق، وأبو إسحاق السبيعي، وهو أكبر منه، وعاصم الأحول، وهو من أقرانه، وإبراهيم بن طهمان، وأبو إسحاق الفزاريّ، والثوريّ، وشعبة، والمسعوديّ، وعبد الواحد بن زياد، وهشيم، وأبو بكر، والحسن ابنا عَيّاش، وحفص بن غياث، وابن عيينة، وابن إدريس، وعباد بن العوام، وخالد بن عبد الله، وعليّ بن مُسْهِر، والعوّام بن حَوْشَب، ومحمد بن فُضيل، وأبو عوانة، وأسباط بن محمد، وجعفر بن عون، وهو خاتمة أصحابه. قال الْجُوزَجانيّ: رأيت أحمد يُعجبه حديث الشيباني، وقال: هو أهل أن لا نَدَعَ له شيئًا، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان ثقة، من كبار أصحاب الشعبيّ، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا الأخنسيّ، سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كان الشيبانيّ فقيه الحديث، وقال ابن عبد البر: هو ثقة حجة عند جميعهم، وحَكَى الخطيب في «المتفق» أن اسم أبيه مِهْرَان. وقال يحيى بن بكير: مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة (٣٨)، وقال ابن نُمَير: مات سنة (٣٩)، وقال البخاريّ: مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتب (٣٤) حديثًا. ٤ - (الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَار) بن حُرَيث العبديّ الكوفيّ، ثقة [٥]. رَوَى عن أبيه، وأنس، وعكرمة، وأبي عمرو الشيبانيّ. ورَوَى عنه يونس بن أبي إسحاق، وأبو يعفور الصغير، ومالك بن مِغْوَل، وإسرائيل، والمسعوديّ، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال العجليّ: كوفي ثقة. أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتب هذا الحديث فقط، كرره أربع مرّات. ٥ - (سَعْدُ بْنُ إِيَاسٍ، أَبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِي) الكوفيّ، ثقةٌ مخضرَمٌ [٢]، مات سنة (٩٨) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٦٩. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) بن غافل بن حَبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن، الصحابيّ المشهور - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وغير الوليد بن العيزار، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، والسؤال. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الشيبانيّ، عن الوليد، عن أبي عمرو الشيبانيّ، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة. ٦ - (ومنها): أن الوليد بن الْعَيْزار روى عن الشيباني، وروى عنه الشيبانيّ، وهذا مما يُعتنى بمعرفته، فقد ذكره المحدّثون في كتب مصطلح الحديث، ونبّهوا على أن معرفته مهمّة؛ لكونه مما يوهم وقوع القلب والتكرار في السند، فقال السيوطيّ في «ألفية الحديث»: أَوْ شَيْخَهُ وَالرَّاوِي عَنْهُ الْجَارِي … يَرْفَعُ وَهْمَ الْقَلْبِ وَالتَّكْرَارِ مِثْلُ الْبُخَارِي رَاوِيا عَنْ مُسْلِمِ … وَمُسْلِمٌ رَوَى عَنْهُ فَقَسِّمِ وَفِي «الصَّحِيحِ» قَدْ رَوَى الشَّيْبَانِي … عَنِ ابْنِ عَيْزَارٍ عَنِ الشَّيْبَانِي فمسلم شيخ البخاريّ، فهو مسلم بن إبراهيم الأزديّ الفراهيديّ البصريّ، ومسلم الراوي عن البخاريّ، فهو صاحب «الصحيح»، و«الشيبانيّ» الأول، هو سليمان بن فيروز، والثاني سعد بن إياس، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن أبا عمرو الشيبانيّ مخضرم، معمّر عاش مائة وعشرين سنة، قال الإمام ابن حبّان رحمه الله تعالى في «صحيحه» عقب هذا الحديث: أبو عمرو الشيباني كان من المخضرمين، والرجل إذا كان في الكفر ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، يُدعَى مخضرمًا. انتهى . ٨ - (ومنها): أن صحابيّه أحد السابقين إلى الإسلام، ومن فقهاء الصحابة - ﵃ - وممن كان مشهورًا بتجويد القرآن، أثنى عليه النبيّ - ﷺ - بذلك، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن زِرّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود أن أبا بكر وعمر - ﵃ - بَشّراه أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غَضًّا كَما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، وفي «الصحيحين» أنه - ﷺ - قال: «خذوا القرآن من أربعة …»، فذكره فيهم، وفيهما أيضًا أنه - ﷺ - قال له: «اقرأ عليّ، فقرأ عليه سورة النساء …»، وكان - ﵁ - صاحب سرّ رسول الله - ﷺ -، ونعله، وطهوره ووساده في سفره - ﷺ -، ومناقبه - ﵁ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: سَألتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - (إنما سأل - ﵁ - عن أفضل الأعمال؛ طلبًا لمعرفة ما ينبغي تقديمه منها، وحرصًا على علم الأصل؛ ليتأكّد القصد إليه، وتشتدّ المحافظة عليه، قاله ابن دقيق العيد . (أَيُّ الْعَمَلِ أفضَلُ؟) وفي رواية أبي يعفور التالية: «قلت: يا نبيّ الله أيُّ الأعمال أقرب إلى الجنّة؟»، وفي رواية شعبة الآتية: «أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟»، و«أي العمل أحب إلى الله»، وعزا في «الفتح» الرواية الأولى لأكثر الرواة، قال: فإن كان هذا اللفظ هو المسؤول به، فلفظ حديث الباب - يعني لفظ: «أيّ العمل أحبّ إلى الله» - ملزوم عنه. قال: ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين، بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبةٌ، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلى القيام بها، والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن لفظ أفضل ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد: من أفضل الأعمال، فحذفت «من»، وهي مرادة. وقال ابن دقيق العيد: الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان؛ لأنه من أعمال القلوب، فلا تعارض حينئذٍ بينه وبين حديث أبي هريرة - ﵁ -: «أفضل الأعمال إيمان بالله …» الحديث. وقال غيره: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين؛ لأنه يتوقف على إذن الوالدين، فيكون برّهما مقدمًا عليه. انتهى . وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: «الأعمال» هنا لعلها محمولة على الأعمال البدنيّة، كما قال الفقهاء: أفضل عبادات البدن الصلاة، واحترزوا بذلك عن عبادة المال، وقد تقدّم لنا كلام في العمل، هل يتناول عمل القلب، أم لا؛، فإذا جعلناه مخصوصًا بأعمال البدن تبيّن من هذا الحديث أنه لم يُرد أعمال القلوب، فإن من عملها ما هو أفضل كالإيمان، وقد ورد في بعض الأحاديث ذكره مصرّحًا به - أعني الإيمان - فتبيّن بذلك الحديث أنه أريد بالأعمال ما يدخل فيه أعمال القلوب، وأريد بها في هذا الحديث ما يختصّ بعمل الجوارح. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - (الصَّلَاةُ) مبتدأ حُذف خبره؛ لدلالة السؤال عليه، كما قال في «الخلاصة»: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا … تَقُولُ «زَيْدٌ» بَعْدَ «مَنْ عِنْدَكُمَا؟» أي أفضل العمل إلى الله تعالى الصلاة لوقتها. وقوله: (لِوَقْتِهَا») قال القرطبيّ: هذه اللام للتأقيت، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، أي عند ذلك، كما قال في الرواية الآتية:«الصلاة على مواقيتها». انتهى . وقال الطيبيّ: اللام فيه مثلها في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي مستقبلات لعدّتهنّ، وقولك: لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبل الثلاث، وليست كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، و﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] بمعنى الوقت؛ لئلا يتكرّر الوقت. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد الطيبيّ بكلامه هذا الردّ على قول القرطبيّ السابق من أن اللام للتوقيت، وأجاد في ذلك، ولكنه حملها على معنى فاسد؛ لأنه يؤدّي إلى أن يكون المراد إيقاع الصلاة قبل الوقت؛ لأن هذا هو معنى الآية التي مثّل بها؛ فإن تطليق المرأة لا يكون إلا قبل وقت العدّة، وهذا في الصلاة معنى فاسد، فالأولى أن تكون اللام بمعنى «في»، أي في وقتها، أو بمعنى «على»، كما هو الرواية الآتية، وهو راجع إلى معنى «في»، فتأمّله بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال ابن بطال رحمه الله تعالى: فيه أن البِدَار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها؛ لأنه إنما شُرِط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب. قال الحافظ: وفي أخذ ذلك من اللفظ المذكور نظر، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أوّلًا ولا آخرًا، وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاءً. وتُعُقِّب بأن إخراجها عن وقتها مُحَرَّم، ولفظ «أحب» يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت. وأجيب بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله تعالى من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور، كالنائم، والناسي، فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال، مع كونه محبوبًا، لكن إيقاعها في الوقت أحب. [تنبيه]: اتفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور في الباب، وهو قوله: «على وقتها»، وخالفهم عليّ بن حفص، وهو شيخ صدوق، من رجال مسلم، فقال: «الصلاة في أول وقتها»، أخرجه الحاكم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ من طريقه. قال الدارقطنيّ: ما أحسبه حفظه؛ لأنه كَبِر وتغير حفظه. قال الحافظ: ورواه الحسن بن عليّ المعمريّ في «اليوم والليلة» عن أبي موسى، محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة كذلك، قال الدارقطنيّ: تفرد به المعمريّ، فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه، بلفظ: «على وقتها»، ثم أخرجه الدارقطنيّ عن المحامليّ، عن أبي موسى، كرواية الجماعة، وهكذا رواه أصحاب غندر عنه، والظاهر أن المعمريّ وَهِمَ فيه؛ لأنه كان يُحَدِّث من حفظه. وقد أطلق النووي في «شرح المهذّب» أن رواية: «في أول وقتها» ضعيفة انتهى. لكن لها طريق أخرى، أخرجها ابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم وغيرهما، من طريق عثمان بن عُمر، عن مالك بن مِغْوَل، عن الوليد، وتفرد عثمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مِغْول كرواية الجماعة، كذا أخرجه البخاريّ وغيره، وكأنّ مَن رواها كذلك ظَنَّ أن المعنى واحد. ويمكن أن يكون أخذه من لفظة «على»؛ لأنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت، فيتعين أوله. انتهى . [تنبيه آخر]: أخرج الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في «جامعه»، فقال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المدنيّ، عن عبد الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. انتهى، وقال ابن حبّان في «كتاب الضعفاء»: تفرّد به يعقوب بن الوليد، وكان يضع الحديث، وقال أبو حاتم الرازيّ: هو موضوع، وقال الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله يقول: لا أعرف شيئًا يثبُتُ في أوقات الصلاة أولها كذا، وآخرها كذا، يعني مغفرة ورضوانًا. انتهى . (قَالَ) ابن مسعود - ﵁ - (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟) قال الفاكهانيّ: إنه غير مُنَوَّنٍ؛ لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفةً لطيفةً، ثم يؤتى بما بعده. وقال ابن الجوزيّ: في هذا الحديث «أيّ» غير مشدّد منوّنٌ، كذلك سمعتُ من ابن الخشاب، وقال: لا يجوز إلا تنوينه؛ لأنه معربٌ غير مضاف. وتُعُقِّب بأنه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف لفظًا، والتقدير: ثم أيّ العمل أحبّ؟، فيوقف عليه بلا تنوين. وقال العينيّ: قال النحاة: إن أيّا الموصولة، والشرطيّة، والاستفهاميّة معربة دائمًا، فإذا كانت «أيّ» هذه معربةً عند الإفراد، فكيف يقال: إنها مبنيّة عند الإضافة؟، ولَمّا نَقَل عن سيبويه هذا أنكر عليه الزجّاج، فقال: ما تبيّن لي أن سيبويه غلط إلا في موضعين: هذا أحدهما، فإنه يسلّم أنها تُعرب إذا أُفردت، فكيف يقول ببنائها إذا أُضيفت؟. انتهى . وإلى حالة بناء «أَيّ» الموصولة أشار ابن مالك في «الخلاصة» بقوله: «أَيٌّ» كـ«مَا» وَأُعْرِبَتْ مَا لَمْ تُضَفْ … وَصَدْرُ وَصْلِهَا ضَمِيرٌ انْحَذَفْ وَبَعْضُهُمْ أَعْرَبَ مُطْلَقَا وَفِي … ذَا الْحَذْفِ «أَيًّا» غَيْرُ «أَيٍّ» يَقْتَفِي وأشار إلى لزوم إضافتها بقوله: وَلَا تضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ … «أَيًّا» وَإِنْ كَرَّرْتَهَا فَأَضِفِ أَوْ تَنْوِ الاجْزَا وَاخْصُصنْ بِالْمَعْرِفَهْ … مَوْصُولَةً «أَيًّا» وَبِالْعَكْسِ الصِّفَهْ وَإِنْ تَكُنْ شَرْطًا أَوِ اسْتِفْهَامَا … فَمُطْلَقًا كَمِّلْ بِهَا الْكَلَامَا (قَالَ) - ﷺ - («بِرُّ الْوَالِدَيْنِ») إعرابه كسابقه، وفي رواية عند البخاريّ: «ثم برّ الوالدين» بزيادة «ثُمّ»، و«البِرِّ» بكسر الباء: الإحسان، قال أهل اللغة: يقال: بَرِرْتُ والدي بكسر الراء، أَبَرُّه بضمها، مع فتح الباء بِرًّا، وأنا بَرٌّ به، بفتح الباء، وبارّ، وجمع البَرّ الأَبْرَار، وجمع البارّ الْبَرَرَة. فمعنى بِرّ الوالدين: الإحسان إليهما، وفِعْلُ الجميل معهما، وفِعْلُ ما يَسُرُّهما، ويَدْخُل فيه الإحسان إلى صديقهما، كما جاء في «الصحيح»: «إنّ من أَبَرِّ الْبِرّ أن يَصِلَ الرجلُ أهلَ وُدّ أبيه»، وضد الْبِرّ العقوق، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا تفسيره، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ: معنى برّ الوالدين: هو القيام بحقوقهما، والتزام طاعتهما، والرفق بهما، والتذلّل لهما، ومراعاة الأدب معهما في حياتهما، والترحّم عليهما، والاستغفار لهما بعد موتهما، وإيصال ما أمكنه من الخير والأجر لهما. انتهى . وقال في «الفتح»: قال بعضهم: هذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وكأنه أخذه من تفسير ابن عيينة حيث قال: مَن صلَّى الصلوات الخمس، فقد شكر لله، ومن دعا لوالديه عقبها، فقد شكر لهما. انتهى . (قَالَ) ابن مسعود - ﵁ - (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ) - ﷺ - («الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ») أي محاربة الكفّار؛ لإعلاء كلمة الله - ﷿ -، وإظهار شعائر الإسلام بالنفس والمال. قال ابن مسعود - ﵁ - (فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: كذا هو في الأصول: «تركتُ أستزيده» من غير لفظ «أَنْ» بينهما، وهو صحيح، وهي مرادة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حذف «أن» ورفع الفعل واقع في فصيح الكلام، كما هو مذهب الأخفش من النحاة، وهو ظاهر مذهب ابن مالك في «شرح التسهيل» ، وليس شاذًّا، كما ادّعاه بعض النحاة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] الآية؛ إذ تقديره: «أن يريكم … إلخ»، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] الآية، أي أن أعبد، وقولهم: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه»، أي أن تسمع، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في «الخلاصة» بقوله: وَشَذَّ حَذْفُ «أَنْ» وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى فقوله: «وشذّ … إلخ» إشارة أنه إنما يكون شاذًّا إذا نُصب الفعل بعد حذفها، وأما إذا رُفع كهذه الأمثلة فلا شذوذ، وهذا هو الأصحّ، فقول بعض النحاة: إنه شاذّ مع الرفع مردود بالآيتين السابقتين، وحديث الباب، ونحو ذلك من الأمثلة، فتفطّن، فإنه مهمّ جدًّا، والله تعالى أعلم. (إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ) بكسر الهمزة، إسكان الراء، وبالعين المهملة، والمدّ في آخره: أي إلَّا إبقاءً عليه، ورفقًا به؛ كي لا أُكثر عليه، فأُحرجه، وأنتقص من حُرمته، قال صاحب «الأفعال» : الإرعاء: الإبقاء على الإنسان، ففيه من الفقه احترام العالم والفاضل، ورعاية الأدب معه، وإن وَثقَ بحلمه وصَفْحِه، قاله القرطبيّ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٣٨/ ٢٥٩ و٢٦٠ و٢٦١ و٢٦٢ و٢٦٣] (٨٥)، و(البخاريّ) في «المواقيت» (٥٢٧)، و«الجهاد والسير» (٢٧٨٢)، و«الأدب» (٥٩٧٠)، و«التوحيد» (٧٥٣٤)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (١٧٣)، و«البرّ والصلة» (١٨٩٨)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٦١٠ و٦١١)، وفي «الكبرى» (١٥٨٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٣٧٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٣١٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٤٠٩ و٤١٠ و٤٢١ و٤٥١)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٧٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٢ و١٨٣ و١٨٤ و١٨٥ و١٨٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٥٢ و٢٥٣ و٢٥٤ و٢٥٥ و٢٥٦ و٢٥٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٢٧) و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤٧٤ و١٤٧٥ و١٤٧٦ و١٤٧٧ و١٤٧٨ و١٤٧٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ١٨٨ و١٨٩)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٢٤٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢١٥)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٣/ ٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون الصلاة من أفضل الأعمال، وأنها شعبة من شُعَب الإيمان، وهذا هو وجه إيراد المصنّف لهذا الحديث هنا؛ ليبيّن أن الأعمال من الإيمان ردًّا على المرجئة الذين يقولون: إنه مجرّد تصديق، وهو مذهب باطلٌ منابذٌ لنصوص الكتاب والسنّة. ٢ - (ومنها): بيان فضل برّ الوالدين، وتعظيمهما، والقيام بحقوقهما. ٣ - (ومنها): بيان أن أعمال البر تتفاضل فيما بينها، فيكون بعضها أكثر ثوابًا. ٤ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة السؤال عن مسائل شَتّى في وقت واحد. ٥ - (ومنها): الرفق بالعالم، والتوقف عن الإكثار عليه؛ خشيةَ مَلاله. ٦ - (ومنها): ما كان هو عليه النبيّ - ﷺ - من حسن إرشاد المسترشدين، ولو شَقّ عليه. ٧ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من تعظيم النبيّ - ﷺ -، والشفقة عليه. ٨ - (ومنها): ما قاله ابن بزيزة رحمه الله تعالى: الذي يقتضية النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن؛ لأن فيه بذلَ النفس، إلَّا أن الصبر على المحافظة على الصلوات، وأدائها في أوقاتها، والمحافظة على بِرّ الوالدين أمر لازم متكرر دائم، لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلَّا الصديقون. ٩ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في تخصيص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر، أن هذه الأشياء الثلاثة أفضل الأعمال بعد الإيمان؛ وأنها عنوان لغيرها من أنواع البرّ والطاعة، فمن حافظ عليها، حافظ على ما سواها، ومن ضيّعها كان لما سواها أضيع، فإنّ من ضيّع الصلاة التي هي عماد الدين مع العلم بفضيلتها كان لغيرها من أمر الدين أشدّ تضييعًا، وأشدّ تهاونًا واستخفافًا، وكذا من ترك برّ والديه مع علمه بكونهما أشدّ الناس حقوقًا عليه، كان لحقوق غيرهما من الناس أشدّ تركًا، وكذا من ترك الجهاد مع علمه بفضله، وقدرته عليه عند تعيّنه، فهو لغيره من الأعمال التي يُتقرّب بها إلى الله تعالى أشدّ تركًا، والله تعالى أعلم . ١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: دلّ حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا على أن أفضل الأعمال، وأقربها إلى الله، وأحبها إليه الصلاة على مواقيتها المؤقّتة لها، وقد روي في هذا الحديث زيادة، وهي: «الصلاة على أول وقتها»، وقد خَرَّجها ابن خزيمة، وابن حبّان في «صحيحيهما»، والحاكم، والدارقطنيّ من طرق متعدّدة، ورُويت من حديث عثمان بن عمر، عن مالك بن مِغْول، ومن حديث عليّ بن حفص المدائنيّ، عن شعبة، ورُويت عن شعبة من وجه آخر، وفيه نظر، ورُويت من وجوه أُخر. واستُدل بذلك على أن الصلاة في أول الوقت أفضل كما استُدل بحديث أم فروة، عن النبيّ - ﷺ - أنه سُئل: أيّ العمل أفضل؟ قال: «الصلاة لأول وقتها»، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وفي إسناده اضطراب، قاله الترمذيّ، والْعُقيليّ، وقد روي نحوه من حديث ابن عمر، إلَّا أن إسناده وَهَمٌ، وإنما هو حديث أم فروة، قاله الدارقطنيّ في «العلل»، وروي نحوه من حديث الشِّفَاء بنت عبد الله. وفي قول النبيّ - ﷺ -: «الصلاة» على وقتها«، أو»على مواقيتها«دليل أيضًا على فضل أول الوقت للصلاة؛ لأن«على» للظرفيّة، كقولهم: كان كذا على عهد فلان، والأفعال الواقعة في الأزمان المتّسعة عنها لا تستقرّ فيها، بل تقع في جزء منها، لكنها إذا وقعت في أول ذلك الوقت، فقد صار الوقت كلّه ظرفًا لها حكمًا، ولهذا يُسمّى المصلّي مصلّيًا في حال صلاته، وبعدها، إما حقيقةً، أو مجازًا على اختلاف في ذلك، وأما قبل الفعل في الوقت، فليس بمصلّ حقيقةً، ولا حكمًا، وإنما هو مصلّ بمعنى استباحة الصلاة فقط، فإذا صلّى في أول الوقت ، فإنه لَمْ يُسمّ مصليًا إلَّا في آخر الوقت. وقوله: «ثم برّ الوالدين» لَمّا كان ابن مسعود - ﵁ - له أمّ احتاج إلى ذكر برّ والديه بعد الصلاة؛ لأن الصلاة حقّ الله، وحقّ الوالدين متعقّب لحقّ الله - ﷿ - كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. وقوله: «ثم الجهاد في سبيل الله»؛ لأن الجهاد فرض كفاية، والدخول فيه بعد قيام من سَقَط به حقّ فرض الكفاية تطوّعٌ إذا لَمْ يتعيّن بحضور العدوّ، ولهذا تقدّم برّ الوالدين على الجهاد، إذا لَمْ يتعيّن، كما قال النبيّ - ﷺ - لمن أراد الجهاد معه: «ألك والدان؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد»، رواه البخاريّ، وفي رواية: فأمره أن يرجع إليهما، رواه أبو داود. فذكر النبيّ - ﷺ - لابن مسعود - ﵁ - أن أفضل الأعمال القيام بحقوق الله تعالى التي فرضها على عباده، وأفضلها الصلاة لوقتها، ثم القيام بحقوق عباده، وآكده برّ الوالدين، ثم التطوّع بأعمال البرّ، وأفضلها الجهاد في سبيل الله، وهذا مما يَستدلّ به الإمام أحمد، ومن وافقه على أن أفضل أعمال التطوّع الجهادُ. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في إتمام البحث في اختلاف الروايات في أفضل الأعمال: (اعلم): أنه قد تقدّم هذا البحث مستوفًى، ولكن رأيت لبعض المحقّقين تحقيقًا نفيسًا مكمّلًا لما سبق، فأحببت إيراده، وإن كان فيه طولٌ؛ لأن الكتاب إنما وُضع لاستيفاء البحوث العلميّة بقدر المستطاع، حتى لا يحتاج الطالب إلى غيره، بل يأخذ كفايته منه - إن شاء الله تعالى -. قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قد اختلفت الأحاديث في فضائل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض، والذي قيل في هذا: إنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص، أو من هو مثل حاله، أو هي مخصوصة ببعض الأحوال التي ترشد القرائن إلى أنَّها المراد. ومثال ذلك أن يُحمل ما ورد عنه - ﷺ - من قوله: «إلا أُخبركم بأفضل أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم؟» ، وفسّره بذكر الله تعالى، على أن يكون ذلك أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو مثل حالهم، أو من هو في صفاتهم، ولو خوطب بذلك الشجاع الباسل المتأهّل للنفع الأكبر في القتال لقيل له: الجهاد، ولو خوطب به من لا يقوم مقامه في القتال، ولا يتمحّض حاله لصلاحية التبتّل لذكر الله تعالى، وكان غنيًّا يُنْتَفَعُ بصدقة ماله لقيل له: الصدقة، وهكذا في بقيّة أحوال الناس، قد يكون الأفضل في حقّ هذا مخالفًا للأفضل في حقّ ذاك، بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به. وأما برّ الوالدين، فقد قُدّم في هذا الحديث على الجهاد، وهو دليلٌ على تعظيمه، ولا شكّ في أن أذاهما بغير ما يجب ممنوع منه، وأما ما يجب من البرّ في غير هذا ففي ضبطه إشكالٌ كبير . وقد ضبط ابن عطيّة الدرجات المتفاوتات في المباحات فِعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات، وفروض الكفايات كذلك، ومنه تقديمها عند تعارض الأمرين، وهو كمن دعته أمّه ليمرّضها مثلًا بحيث يفوت عليه فعل واجب إن استمرّ عندها، ويفوت ما قصد به من تأنيسه لها، وغير ذلك لو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة، كالصلاة أول وقتها، وفي جماعة. انتهى كلامه. = وأما الجهاد في سبيل الله تعالى، فمرتبته في الدين عظيمة، والقياس يقتضي أنه أفضل من سائر الأعمال التي هي وسائل، فإن العبادات على قسمين: منها ما هو مقصود لنفسه، ومنها ما هو وسيلة إلى غيره، وفضيلة الوسيلة بحسب المتوسَّل إليه، فحيث تعظُم فضيلة المتوسَّل إليه تعظُم فضيلة الوسيلة، ولما كان الجهاد في سبيل الله وسيلة إلى إعلان الإيمان ونشره، وإخمال الكفر ودحضه، كانت فضيلة الجهاد بحسب فضيلة ذلك، والله أعلم. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى . وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: فقد روي خلافُ ما يُفهم منه ما دلّ عليه حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا، ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ -: سئل أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثمّ أيُّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثمّ أيّ؟ قال: «حجٌّ مبرور»، وفيهما أيضًا عن أبي ذرّ - ﵁ - أنه سأل النبيّ - ﷺ -: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله، والجهاد في سبيله»، ولم يذكر في هذين الحديثين الصلاة، ولا برّ الوالدين، ورويت نصوص أُخر بأن الجهاد أفضل الأعمال مطلقًا، ورُوي ما يدلّ على أن أفضل الأعمال ذكر الله - ﷿ -، وجاء ذلك صريحًا عن جماعة كثيرة من الصحابة - ﵃ -. [قيل]: هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وذكروا في توجيهه، والجمع بين النصوص الواردة به وجوهًا غير مرضيّةً. فمنهم من قال: أراد بقوله: أفضل الأعمال كلّها، أي أن ذلك من أفضل الأعمال، لا أنه أفضلها مطلقًا، وهذا في غاية البعد. ومنهم من قال: أجاب كلّ سائل بحسب ما هو أفضل الأعمال له خاصّةً، كما خَصّ ابن مسعود - ﵁ - ببرّ الوالدين لحاجته إليه، ولم يذكر ذلك لغيره، لكن أبو هريرة كانت له أم أيضًا. = قال الصنعانيّ: وليس بواضح، ولا شكّ أن ترك العقوق برّ، وفقدان هذا المذكور من واجب البرّ، وليس هو كلّ ما يجب منه. انتهى. وظهر لي في الجمع بين نصوص هذا الباب ما أنا ذاكره بحمد الله وفضله، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله، فنقول: لا ريب أن أفضل الأعمال ما افترضه الله على عباده كما ذكرنا الدليل عليه في أول الكلام على هذا الحديث، وأولى الفرائض الواجبة على العباد، وأفضلها الإيمان بالله ورسوله تصديقًا بالقلب، ونُطقًا باللسان، وهو النطق بالشهادتين، وبذلك بُعث النبيّ - ﷺ -، وأُمر بالقتال عليه، ثم بعد ذلك الإتيان ببقيّة مباني الإسلام الخمس التي بُني عليها، وهي الصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، وقد كان النبيّ - ﷺ - يأمر من يبعثه يدعو إلى الإسلام أن يدعو أَوّلًا إلى الشهادتين، ثم إلى الصلاة، ثم إلى الصيام، ثم إلى الزكاة، كما أمر بذلك معاذ بن جبل - ﵁ - لَمّا أرسله إلى اليمن، وكان يُعلّم من يسأله عن الإسلام مبانيه الخمس، كما في حديث سؤال جبريل - ﵇ - له عن الإسلام، وكما في حديث طلحة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - علّم الأعرابيّ الذي سأله عن الإسلام المباني. فإذا تقرّر هذا، فقول النبيّ - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ - لَمّا سُئل: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، فهذا وجهٌ ظاهرٌ لا إشكال فيه، فإن الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال مطلقًا، ويُسمّى الشهادتين مع التصديق بهما عَمَلًا لما في ذلك من عمل القلب واللسان. وقوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «ثم الجهاد في سبيل الله»، وفي حديث أبي ذرّ - ﵁ -: «والجهاد» بالواو يشهد له أن الله قرن بين الإيمان به وبرسوله، والجهاد في سبيله في مواضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠، ١١]. فالإيمان بالله ورسوله التصديق بهما في القلب مع الإقرار بذلك باللسان، والجهاد هو دعاء الناس إلى ذلك بالسيف والسنان بعد دعائهم بالحجة والبيان، ولهذا يُشرع الدعاء إلى الإسلام قبل القتال. وقد قيل: إن الجهاد كان في أول الإسلام فرض عين على المسلمين كلّهم، لا يَسَعُ أحدًا التخلّف عنه، كما قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، ثم بعد ذلك رُخّص لأهل الأعذار، ونزل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، رُوي ذلك عن ابن عبّاس وغيره، وحينئذ، فيَحتمل جعل النبيّ - ﷺ - أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد معنيين: [أحدهما]: أن يقال: إنما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان، وقرينًا له، فلما نزلت الرخصة، وصار الجهاد فرض كفاية تأخّر عن فرض العين. وقد اختلَفَ ابنُ عمر وعبد الله بن عَمْرو بن العاص - ﵃ - في عدّ الجهاد من فرائض الإسلام، فعدّه عبد الله بن عمرو منها بعد الحجّ، وأنكر ذلك ابن عمر عليه، وقال: فرائضه تنتهي إلى الحجّ، وقد رَوَى اختلافهما في ذلك أبو عُبيدة في «كتاب الناسخ والمنسوخ»، وغيره، وعدّ حُذيفة بن اليمان الجهاد من سهام الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأضافهما إلى مباني الإسلام الخمس، وجعلها ثمانية سهام، وكأنه جعل الشهادتين سهمين. [والثاني]: - وهو أشبه - أن النبيّ - ﷺ - كان إذا سُئل عن أفضل الأعمال، فتارة يذكر الإيمان بالله ورسوله لدخوله في مسمّى الأعمال، كما سبق تقريره، وتارة يذكر أعمال الجوارح؛ لأن المتبادر إلى الفهم عند ذكر الأعمال مع الإطلاق أعمالُ الجوارح دون عمل القلب واللسان، فكان إذا تبيّن له أن ذلك هو مراد السائل ذكر الصلاة له، كما ذكرها في حديث ابن مسعود هذا، فإن الصلاة أفضل أعمال الجوارح، وحيث أجاب بذكر الإيمان، أو بذكر الصلاة، فإنما مقصوده التمثيل بأفضل مباني الإسلام، ومراده المباني بجملتها، فإن المباني الخمس كالشيء الواحد، وكلّ من دخل في الإسلام بالإقرار بالشهادتين، أو بالصلاة على رأي من يرى فعلها إسلامًا، فإنه يؤمر ببقيّة المباني، ويُلزم بذلك، ويقاتَلُ على تركه. وفي حديث خرّجه الإمام أحمد أن النبيّ - ﷺ - قال: «أربعٌ فرضهنّ الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لَمْ يُغنين عنه شيئًا حتى يأتي بهنّ جميعًا: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحجّ البيت» . وفي حديث آخر: «الدين خمس لا يقبل الله منهنّ شيئًا دون شيء» ، فذكر مباني الخمس، وأن من أتى ببعضها دون بعض لَمْ يُقبل منه. ونفي القبول هنا بمعنى نفي الرضا بذلك، واستكمال الثواب عليه، وحينئذ فذكر بعض المباني مشعر بالباقي منها، فكأن النبيّ - ﷺ - وتارةً يكتفي في جواب من سأله عن أفضل الأعمال بالشهادتين، وتارة بالصلاة، ومراده في كلا الجوابين سائر المباني، لكنه خصّ بالذكر أشرفها، فكأنه قال: الشهادتان، وتوابعهما، والصلاة، وتوابعها ولوازمها، وهو بقيّة المباني الخمس، ويشهد لهذا قول النبيّ - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم»، فتوهّم طائفةٌ من الصحابة أن مراده أن مجرّد هذه الكلمة يعصم الدم حتى توقّفوا في قتال من منع الزكاة حتى بيّن لهم أبو بكر - ﵁ -، ورجع الصحابة - ﵃ - إلى قوله: إن المراد الكلمتان بحقوقهما ولوازمهما، وهو الإتيان ببقيّة مباني الإسلام، وقد تبيّن صحّة قولهم بروايات أُخر تصرّح بإضافة إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة إلى الشهادتين في شرط عصمة الدم، وكذلك قوله - ﷺ -: «من قال: لا إله إلَّا الله لَمْ تمسّه النار - أو دخل الجنّة»، إنما أراد الشهادتين بلوازمهما وتوابعهما، وهو الإتيان ببقيّة أركان الإسلام ومبانيه. وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - قَدّم برّ الوالدين على الجهاد إشارة إلى أن حقوق العباد اللازمة التي هي من فروض الأعيان تُقدَّم على التطوّع بالجهاد، وحديث أبي هريرة وأبي ذرّ فيهما اقتران الجهاد بالإيمان، لكنه في حديث أبي هريرة جعله بعد الإيمان، وجعل بعده الحجَّ المبرور، فيحتمل أن يقال: كان ذلك في زمان كان الجهاد فيه فرض عين، فكان مقدمًا على الحجّ، ويحتمل أن يقال: فُهم دخول الحجِّ من ذكر الإيمان بالله ورسوله؛ لأن ذلك يتبعه بقيّة مباني الإسلام، ومنها الحجّ، ولا سيّما وقد تقرّر في أول الكتاب أن الإيمان قول وعمل، ويكون المراد بالجهاد الجهاد المتطوَّع، وهذا أشبه بقواعد الشريعة، فإن من معه مالٌ، وعليه زكاة، أو حجّ، وأراد التطوّع بالجهاد، فإنه لا خلاف أنه يقدّم الزكاة والحجّ على التطوّع بالجهاد، كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حجة قبل الغزو أفضل من عشر غزوات، وغزوة بعد حجة أفضل من عشر حجات، ورُوي مرفوعًا من وجوه في أسانيدها مقال . فتبيَّن بهذا التقرير أن الأحاديث كلّها دالّةٌ على أن أفضل الأعمال الشهادتان مع توابعهما، وهي بقيّة مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعها أيضًا من فراض الأعيان التي هي من حقوق الله - ﷿ -، ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي من فروض الأعيان، كبرّ الوالدين، ثم بعد ذلك التطوّع المقرّبة إلى الله، وأفضلها الجهاد. وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - تأخير الحجِّ على الجهاد، ولعله إنما ذكره بعد الجهاد حيث كان تطوّعًا، فإن الصحيح أن فرضه تأخّر إلى عام الوفود. وقد يقال: حديث أبي هريرة - ﵁ - دلّ أن جنس الجهاد أشرف من جنس الحجّ، فإن عَرَضَ للحجّ وصف يمتاز به على الجهاد، وهو كونه فرض عين كان ذلك الحجّ المخصوص أفضل من الجهاد، وإلا فالجهاد أفضل منه. فهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث هي رأس الإسلام، وعموده، وذِروة سنامه، كما في حديث معاذ لبه، فرأسه الشهادتان، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، والجهاد أفضل ما تُطُوّع به من الأعمال على ما دلّت عليه النصوص الصحيحة الكثيرة، وهو مذهب الإمام أحمد. وفي «الصحيحين» عن أبي سعيد - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «أفضل الناس مؤمن آخذٌ بعِنَان فرسه في سبيل الله، ثم رجلٌ يعتزل في شِعْبٍ من الشعاب يعبد ربّه، ويَدَعُ الناس من شرّه». فهذا نصّ في أن المجاهد أفضل من المتخلّي لنوافل العبادات من الصلاة وغير ذلك. فأما النصوص التي جاءت بتفضيل الذكر على الجهاد، وغيره من الأعمال، وأن الذاكرين لله هم أفضل الناس عند الله مطلقًا، فالمراد بذلك أهل الذكر الكثير المستدام في أغلب الأوقات، وليس الذكر مما يَقطع عن غيره من الأعمال، كبقيّة الأعمال، بل يمكن اجتماع الذكر مع سائر الأعمال، فمن عمل عملًا صالحًا، وكان أكثر لله ذكرًا فيه من غيره، فهو أفضل ممن عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله معه. وقد ورد في نصوص متعدّدة أن أفضل المصلّين، والمتصدّقين، والمجاهدين، والحاجّ، وغيرهم من أهل العبادات أكثرهم لله ذكرًا. وقد أخرجه الإمام أحمد متَّصلًا، وأخرجه ابن المبارك وغيره مرسلًا. فهؤلاء أفضل الناس عند الله، ثم يليهم الذين يذكرون الله كثيرًا، وليس لهم نوافل من غير الذكر، كالجهاد وغيره، بل يقتصرون مع الذكر على فرائض الأعيان، فهؤلاء هم الذاكرون لله كثيرًا المفضّلون على المجاهدين، ويليهم قوم يقومون بالفرائض، وبالنوافل كالجهاد وغيره من غير ذكر كثير لهم. وإنما قال النبيّ - ﷺ - لمن سأله عما يَعدِل الجهاد: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم، ولا تفطر، وتقوم، ولا تفتر؟»، قال: لا، قال: «فذلك الذي يعدل الجهاد»؛ لأنه سأله عن عمل يتشبّث به عند خروج المجاهد يقاوم فضل الجهاد. وأما الذاكرون الله كثيرًا، فإنما فُضِّلوا على المجاهدين بغير ذكر؛ لأن لهم عملًا مستمرًّا دائمًا قبل جهاد المجاهدين ومعه وبعده، فبذلك فُضّلوا على المجاهدين بغير ذكر كثير، وبهذا تجتمع النصوص الواردة في ذلك. وأما حديث: «خيرُ الإسلام إطعام الطعام، وإفشاء السلام»، فليس المراد به تفضيل هذين الخصلتين على سائر خصال الإسلام من الشهادتين والصلاة وغيرها، بل المراد أن أفضل أهل الإسلام القائمين بخصاله المفروضة من الشهادتين، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحجّ، من قام بعد ذلك بإطعام الطعام، وإفشاء السلام. [فإن قيل]: فيكون التطوّع بذلك أفضل من التطوّع بالجهاد والحجّ. [قيل]: فيه تفصيلٌ، فإن كان إطعام الطعام فرض عين، كنفقة من تلزم نفقته من الأقارب، فلا ريب أنه أفضل من التطوّع بالنفقة في الجهاد، والحجّ، فإن كان تطوّعًا، فإن كان صلة رحم، فهو أفضل من الجهاد، والحجّ، نصّ عليه أحمد، وكذا إن كان في عام مجاعة، ونحوها، فهو أفضل من الحجِّ عند الإمام أحمد، وقد يقال في الجهاد ذلك إذا لَمْ يتعيّن. وهذا الكلام كلّه في تفضيل بعض الأعمال على بعضها لذاتها، فأما تفضيل بعض الأعمال على بعض لزمانها، أو مكانها، فإنه قد تقترن بالعمل المفضول من زمان، أو مكان ما يصير به فاضلًا، فهذا فيه كلام آخر، نذكره في موضع آخر - إن شاء الله - ﷾ -. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا حقّق الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى الجمع بين هذه الأحاديث المختلفة في أفضل الأعمال، وطوّل نفسه في ذلك حسبما ظهر له، ولكن الذي يظهر لي، ويترجّح عندي، وإن لَمْ يره هو ما تقدّم من أن أجوبة النبيّ - ﷺ - «اختلفمت بحسب اختلاف الأشخاص السائلين، والمخاطبين، وبحسب الأوقات، والأمكنة، وهذا هو الذي يظهر من تحقيق ابن رجب، وتحريره، وبسطه الكلام، فإن من تأمل ذلك، ولا سيّما أواخر كلامه ظهر له أنه يرى أن الأجوبة صدرت بحسب ما قلنا، فهو وإن لَمْ يصرّح به، لكنه مُفاد ما ساقه، ومقتضى ما حقّقه، فتأمله بإنصاف. والحاصل أنه لا اختلاف في الحقيقة بين النصوص المذكورة، لهذا الذي بيّنّاه، فأمعن نظرك في التحقيق، يظهر لك الفهم الدقيق، وبالله تعالى التوفيق، وهو - ﷾ - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٠] (…) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيّ، حَدَّثنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو يَعْفُورٍ، عَن الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَار، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا»، قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللهِ؟، قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن ابن أبي عمر كنية يحيي، ثقةٌ، صنّف المسند، وكان يلازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٨. ٣ - (أَبُو يَعْفُورٍ) - بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، بعدها فاءٌ مضمومة - هو: عبد الرَّحمن بن عُبيد بن نِسْطاس - بكسر النون، وسكون السين المهملة - بن أبي صَفِيّة الثَّعْلبيّ - بالثاء المثلّثة - العامريّ البكائيّ، ويقال: البكاليّ، ويقال: السّلميّ، أبو يعفور الصغير الكوفيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن السائب بن يزيد، وأبي الضُّحَي، والوليد بن العيزار، وإبراهيم النخعيّ، وأبي ثابت أيمن بن ثابت، وأبي الشَّعْثَاء المحاربيّ، وأبيه عبيد بن نِسطاس. ورَوَى عنه الحسن بن صالح، والسفيانان، وابن المبارك، ومروان بن معاوية، ومحمد بن فُضيل بن غَزْوان، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وذكر أنه رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (١١٧٤): «إذا دخل العشر أحيى الليل …». [تنبيه]: قال النوويّ في «شرحه» تبعًا لابن الصلاح : أبو يعفور هذا هو الأصغر، وقد ذكره مسلم أيضًا في «باب التطبيق في الركوع»، ولهم أبو يعفور الأكبر العبديّ الكوفيّ التابعيّ، واسمه واقد، وقيل: وَقْدان، وقد ذكره مسلم أيضًا في «باب صلاة الوتر»، وقال: اسمه واقد، ولقبه وَقْدان، وله أيضًا أبو يعفور ثالث، اسمه عبد الكريم بن يعفور الجعفيّ البصريّ، يروي عنه قتيبة، ويحيى بن يحيى، وغيرهما، وآباء يعفور هؤلاء الثلاثة ثقات. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر النوويّ في «شرحه» أنهم ثلاثة، وأنهم كلّهم ثقات، لكني لَمْ أجد أبا يعفور الثالث، فإنه ليس من رجال الكتب الستّة، ولذلك لَمْ يذكره في «التهذيبين»، ولا في «التقريب»، وإنما ذكره البخاريّ في «التاريخ الكبير» ٦/ ٩١ فقال: عبد الكريم بن يعفور، أبو يعفور الجعفيّ، عن عروة بن عبد الله، والمشمرج بن جرير، سمع منه قتيبة بن سعيد. انتهى. وذكره أيضًا ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٦/ ٦١ فقال: عبد الكريم بن يعفور، أبو يعفور الجعفيّ، روى عن جابر بن زيد، وعن المشمرج، سمع منه قتيبة، وأبو موسى الأنصاريّ، سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرَّحمن، قال: سألت أبي عنه، فقال: هو من عتّقي الشيعة، قلت: ما حاله؟، قال: هو شيخ ليس بالمعروف. انتهى. وذكره ابن حبّان في «الثقات» ٨/ ٤٢٣ فقال: عبد الكريم بن يعفور الجعفيّ، أبو يعفور، يروي عن عروة بن عبد الله بن عبد الله، روى عنه قتيبة بن سعيد. انتهى. وذكره الذهبيّ في «ميزان الاعتدال» ٢/ ٦٤٧، فقال: عبد الكريم الخزّاز عن جابر الجعفي، قال الأزديّ: واهي الحديث جدًّا، ثم ذكر بعد ترجمة ما نصّه: عبد الكريم بن يعفور الخزّاز هو المذكور، قال أبو حاتم: من عُتَّق الشيعة. انتهى . فتبيّن بهذا أن قول النوويّ: وآباء يعفور الثلاثة ثقات، غير صحيح، فإن الثالث حاله ما بيّنه أبو حاتم، والأزديّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (أَيُّ الْأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ؟) أي أكثر ثوابًا بحيث يكون من عمل بها سريع الدخول في الجنّة مع أوائل الداخلين فيها. قال الحافظ ابن رجب - ﵀ - بعد أن ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث: وهذه الألفاظ متقاربة المعنى، أو متّحدة؛ لأن ما كان من الأعمال أحبّ إلى الله تعالى، فهو أفضل الأعمال، وهو أقرب إلى الجنّة من غيره، فإن ما كان أحبّ إلى الله، فعامله أقرب إلى الله من غيره، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - فيما يروي عن ربّه قال: «ما تقرّب إليّ عبدي بمثل ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه …» الحديث، أخرجه البخاريّ. وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: أفضل الأعمال أداء ما فرض الله، وكذا قال عمر بن عبد العزيز في خطبته. انتهى . وقوله: («عَلَى مَوَاقِيتِهَا») قيل: «على» بمعنى اللام، ففيه ما تقدم، وقيل: لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقُّق دخول الوقت؛ ليقع الأداء فيه، قاله في «الفتح» . وقوله: (وَمَاذَا يَا نَبِي اللهِ؟) أي وما الذي يلي الصلاة في الفضل؟، وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦١] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّار، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ الله، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟، قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟، قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»، قَالَ: حَدَّثَني بِهِنَّ، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ، حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) هو: معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المثبت المشهور البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) المذكور قريبًا، والباقون تقدّموا قبل حديث. وقوله: (وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ) أي أشار أبو عمرو الشيبانيّ إلى دار عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وفيه أن الإشارة تُتَنَزَّل منزلة التصريح، إذا كانت مُعَيِّنة للمشار إليه، مميزة له عن غيره، إلا ترى أن الأخرس إذا طلَّق امرأته بالإشارة المفهمة يقع طلاقه بحسب الإشارة، وكذا سائر تصرّفاته . وقوله: (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) أي بهؤلاء الجمل الثلاث، وهو مقول عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وفيه تقرير وتأكيد لما تقدم من أنه باشر السؤال، وسمع الجواب؛ إذ لا ريب أنه صريحٌ في ذلك، وهو أرفع درجات التحمّل. وقوله: (وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي) أي ولو طلبت منه - ﷺ - أن يعلّمني زيادةً على ما سألته لزادني؛ لسعة خلقه، وحسن عشرته، ثم طلبه الزيادة يحتمل أن يكون أراد من هذا النوع، وهي مراتب أفضل الأعمال، ويحتمل أن يكون أرادها من مطلب المسائل المحتاج إليها، وفي رواية الترمذيّ من طريق المسعوديّ، عن الوليد: «فسكت عنّي رسول الله - ﷺ -، ولو استزدته لزادني»، فكأنه استشعر منه مشقة وسآمة، فلذلك قال ما قاله، ويؤيّده ما في رواية المصنّف الماضية: «في تركت أن أستزيده إلَّا إرعاءً عليه»، أي شفقةً عليه؛ لئلا يسأم . وقال النوويّ في «شرحه»: قوله: («ولو استزدته لزادني») فيه جواز استعمال «لو»، وجواز إخبار الإنسان عما لَمْ يقع أنه لو كان كذا لوقع؛ لقوله: «لو استزدته لزادني». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٢] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ الله، وَمَا سَمَّاهُ لنَا). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر البصريّ المعروف ببُندار، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢، وشعبة ذُكر في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي بالإسناد المذكور قبله، وهو سند شعبة، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -. وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الماضي. وقوله: (وَرادَ) الضمير لشيخه محمد بن بشار، أي زاد محمد بن بشار في روايته على رواية عبيد الله وغيره قوله: (وَمَا سَمَّاهُ لَنَا) فالزيادة هي قوله: «وما سمّاه لنا»، أي لَمْ يسمّ أبو عمرو صاحب الدار، بل اكتفى بالإشارة إلى داره؛ لعدم التباسه بغيره. [تنبيه]: رواية شعبة التي أحالها المصنّف هنا على ما قبلها، ساقها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في «مسنده»، فقال: (٤١٧٥) - حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، وحجاج، حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار، قال حجاج: سمعت أبا عمرو الشيبانيّ، وقال محمد، عن أبي عمرو الشيبانيّ، قال: حدثنا صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله، وما سمّاه لنا، قال: سألت رسول الله - ﷺ -: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله - ﷿ -؟ فقال: «الصلاة على وقتها»، قال الحجاج: «لوقتها»، قال: ثم أيّ؟ قال: «ثم بِرّ الوالدين»، قال: ثم أيّ؟ قال: «ثم الجهاد في سبيل الله»، ولو استزدته لزادني. انتهى. وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣] (…) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَن الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ - أَوْ الْعَمَلِ - الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ المذكور قبل بابين. - (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ المذكور قبل بابين أيضًا. ٣ - (الحسن بن عبيد الله) بن عُرْوة النخعيّ، أبو عُرْوة الكوفيّ، ثقة فاضل [٦]. رَوَى عن إبراهيم بن يزيد، وإبراهيم بن سُويد النخعيين، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وزيد بن وهب، وأبي عمرو الشيباني، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والسفيانان، وزائدة، وأبو إسحاق الفزاري، وعبد الله بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وجرير بن عبد الحميد، وجعفر بن غياث، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. قال ابن المديني: له نحو ثلاثين حديثًا أو أكثر، وقال ابن معين: ثقة صالح، وقال العجلي، وأبو حاتم: ثقة، وقال الساجيّ: صدوق، وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أيما أعجب إليك، الحسن بن عبيد الله، أو الحسن بن عمرو كان قال: الحسن بن عمرو أثبتهما، وهما جميعًا ثقتان صدوقان، وقال يعقوب بن سفيان: كان من خيار أهل الكوفة، وقال البخاري: لَمْ أُخرِج حديث الحسن بن عبيد الله؛ لأن عامة حديثه مضطرب، وضعّفه الدارقطني بالنسبة للأعمش، فقال في «العلل» بعد أن ذكر حديثًا للحسن خالفه فيه الأعمش: الحسن ليس بالقوي، ولا يقاس بالأعمش. قال عمرو بن علي: مات سنة (١٣٩)، وكذا قال ابن حبان في «الثقات»، وزاد: وقيل سنة (٤٢). أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، هذا الحديث، وحديث (٥٧٢): «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون …»، و(١٠٨٠): «الشهر هكذا، وهكذا …»، و(١١٧٥): «يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد …»، و(١١٩٠): «كأني أنظر إلى وبيص المسك …»، و(٢١٦٩): «إذنك عليّ أن يُرفع الحجاب …»، و(٢٧٢٣): «أمسينا، وأمسى الملك لله …»، وكرره ثلاث مرّات. وشرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء الثاني من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه الله تعالى ليلة السبت ٧/ ١/ ١٤٢٥ هـ الموافق ٢٧/ فبراير / ٢٠٠٤ م. أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث مفتتحًا بـ (٣٩) - (بَابُ كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحَ الذُّنُوب، وَبَيَانِ أَعْظَمِهَا بَعْدَهُ) رقم الحديث (٢٦٤) (٨٦). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك».
مصادر المؤلف (٣٦)

١. أي على نفسك، فـ «عن» بمعنى «على»، ووقع في «مصنّف عبد الرزاق» رقم (٢٠٩٨) بلفظ: «على نفسك».

٢. «صحيح ابن حبان» بترتيب ابن بلبان ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢ رقم الحديث (١٤٧٧).

٣. «إحكام الأحكام» بنسخة الحاشية ٢/ ٦ - ٧.

٤. «الفتح» ٢/ ١٣.

٥. هو حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدّم أول الباب، وهو متّفقٌ عليه.

٦. «إحكام الأحكام» بنسخة الحاشية ٢/ ٧ - ٨.

٧. «المفهم» ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.

٨. «الكاشف» ٣/ ٨٦٦ - ٨٦٧.

٩. «الفتح» ٢/ ١٣ - ١٤.

١٠. راجع: «عمدة القاري» ٥/ ٢١.

١١. «عمدة القاري» ٥/ ٢٠.

١٢. «شرح مسلم» ٢/ ٧٦.

١٣. «المفهم» ١/ ٢٧٩.

١٤. «الفتح» ٢/ ١٤.

١٥. «شرح مسلم» ٢/ ٧٦.

١٦. راجع: «حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة» ٢/ ١٨٣.

١٧. هو: علي بن جعفر المعروف بابن القطّاع، عالم بالأدب واللغة، تُوفّي سنة (٥١٥ هـ).

١٨. «المفهم» ٢/ ٢٧٩.

١٩. راجع:«عمدة القاري»٥/ ٢٠.

٢٠. هكذا النسخة «في أول الوقت» فليُنظر.

٢١. «شرح البخاريّ» للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ٤/ ٢٠٨ - ٢١٠.

٢٢. حديث صحيح أخرجه الترمذيّ، وصححه، وابن ماجة، والحاكم من حديث أبي الدرداء - ﵁ -، راجع: «صحيح الترمذيّ» للشيخ الألبانيّ - ﵀ - تعالى ٣/ ١٣٩.

٢٣. قال الصنعانيّ - ﵀ - تعالى: قوله: «ففي ضبطه إشكال كبير» أقول: وذلك أن البرّ هو الإحسان، ودرجات الإحسان متفاوتة، والواجب منها للوالدين غير منضبط.

٢٤. «إحكام الإحكام» بنسخة حاشية «العدّة» ٢/ ١١ - ١٥.

٢٥. سقط من النسخة «وحج البيت»، وهو موجود في «مسند أحمد» ٤/ ٢٠٠ - ٢٠١، وفي سنده ابن لهيعة.

٢٦. أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٢٠١ - ٢٠٢، وقال أبو حاتم في «العلل»: هذا حديث منكر، يحتمل أن يكون هذا من كلام عطاء الخراسانيّ.

٢٧. تقدّم الكلام عليه، فلا تغفل.

٢٨. راجع: «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» للحافظ ابن رجب ٤/ ٢١٠ - ٢٢٠.

٢٩. راجع: «الصيانة» ص ٢٦٩.

٣٠. «شرح النوويّ» ٢/ ٧٦ - ٧٧.

٣١. راجع: «ميزان الاعتدال» ٢/ ٦٤٧.

٣٢. «شرح صحيح البخاريّ» لابن رجب ٤/ ٢٠٨.

٣٣. «الفتح» ٢/ ١٤.

٣٤. «عمدة القاري» ٥/ ٢١ - ٢٢.

٣٥. «فتح» ٢/ ١٤، و«عمدة القاري» ٥/ ٢٠ - ٢١.

٣٦. «شرح مسلم» ٢/ ٧٩.