HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٧

حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا إسماعيل بن علية، عن سعيد بن الْجُرَيْرِيِّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ (ثَلَاثًا) الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ. وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. وَشَهَادَةُ الزُّورِ، (أَوْ قَوْلُ الزُّورِ)» وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص64
ج ١ ص ٩١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص١٩
سعيد بن جبير، وابن عباس - ﵃ -. انتهى كلام القرطبيّ . وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٠) - (بَابُ ذِكْرِ الْكَبَائِر، وَبَيَانِ أكبَرِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٦] (٨٧) - (حَدَّثَني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ - ثَلَاثًا - الإِشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْن، وَشَهَادَةُ الزُّور، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ»، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ) أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو ابن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) - بضمّ الجيم مصغّرًا - هو سعيد بن إياس أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥]. رَوَى عن أبي الطُّفَيل، وأبي عثمان النَّهْديّ، وعبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وأبي نضرة العبدي، وأبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشِّخّير، وعبد الله بن شقيق، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن عُلَيّة، وبشر بن المفضل، وجعفر الضُّبَعي، وأبو قُدَامة، والحمادان، والثوري، وشعبة، وابن المبارك، وأبو أسامة، ووهيب، ومعمر، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: الْجُريري محدث أهل البصرة، وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح، وهو حسن الحديث، وقال يحيى القطان عن كهمس: أنكرنا الجريري أيام الطاعون، وقال ابن سعد عن يزيد بن هارون: سمعت من الجريري سنة (٤٢)، وهي أول سنة دخلت البصرة، ولم نُنْكِر منه شيئًا، وكان قيل لنا: إنه قد اختلط، وسمع منه إسحاق الأزرق بعدنا، وقال أحمد بن حنبل، عن يزيد بن هارون: ربما ابتدأنا الجريريُّ، وكان قد أُنكر، وقال ابن معين، عن ابن عَدِيّ: لا نَكْذِب الله سمعنا من الجريري وهو مختلط، وقال الآجري، عن أبي داود: أرواهم عن الجريري ابنُ عُلَيّة، وكل من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جَيِّد، وقال النسائي: ثقة أنكر أيام الطاعون، وقال ابن معين: قال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس: أسمعت من الجريري؟ قال: نعم، قال: لا ترو عنه - يعني: لأنه سمع منه بعد اختلاطه -، وقال الدُّوري عن ابن معين: سمع يحيى بن سعيد من الجريري، وكان لا يروي عنه، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله - إلَّا أنه اختلط في آخر عمره. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سألت ابن علية: أكان الجريري اختلط؟ فقال: لا، كَبِرَ الشيخ فَرَقّ، وقال النسائي: هو أثبت عندنا من خالد الحذاء. وقال العجلي: بصري ثقة، واختلط بآخره، رَوَى عنه في الاختلاط يزيد بن هارون، وابن المبارك، وابن أبي عديّ، وكُلُّ ما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط، إنما الصحيح عنه حماد بن سلمة، والثوري، وشعبة، وابن علية، وعبد الأعلى من أصحهم سماعًا منه قبل أن يختلط بثماني سنين. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أحاديث الجريريّ لا تصحّ إلَّا إذا جاءت من طريق قدماء أصحابه، وهم المذكورون في كلام العجليّ، فتنبّه، وإلى هذا أشرت في «ألفيّة العلل»، حيث قلت: وَمِنْهُمُ سَعِيدٌ الْجُرَيْرِي … مُخْتَلِطٌ مُلَقَّنٌ لِلضَّيْرِ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ رَوَى الثَّوْرِيُّ … بِشْرٌ وَإِسْمَاعِيلُ يَا أُخَيُّ وَبَعْدَهُ يَزِيدُ عِيسَى وَكَذَا … نَجْلُ أَبِي عَدِيٍّ أَيْضًا أَخَذَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ عَنْهُ مَا اخْتَلَطْ … بَلْ كَبِرَ الشَّيْخُ فَرَقَّ مَا ضَبَطْ فقوله: «بشر» هو ابن المفضّل، و«إسماعيل» هو ابن عليّة، و«يزيد» هو ابن هارون، وعيسى «هو ابن يونس»، و«نجل ابن أبي عديّ» هو محمد بن إبراهيم، والله تعالى أعلم. وقال ابن سعد: قالوا: توفي سنة (١٤٤). وكذا أرّخه ابن حبان، وقال: كان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، ورآه يحيى بن سعيد القطان، وهو مختلط، ولم يكن اختلاطه فاحشًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا. [تنبيه]: قوله: «الْجُريريُّ» - بضم الجيم، وفتح الراء، مصغّرًا -: نسبة إلى جُرَير بن عُبَاد بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، قال السَّمْعاني: وإنما قيل لسعيد بن إياس: الْجُريريّ؛ لأنه من ولد جُرَير بن عباد أخى الحارث بن عباد، وقد قيل: إنه من مولى بني قيس بن ثعلبة بن بكر بن وائل. انتهى . والله تعالى أعلم. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث الثقفيّ، أبو بَحْر، ويقال: أبو حاتم البصريّ، وهو أول مولود، وُلد في الإسلام بالبصرة، ثقة [٢]. رَوَى عن أبيه، وعلي، وعبد الله بن عمرو بن الأسود بن سَرِيع، والأشجّ الْعَصَري. وَرَوَى عنه ابن أخيه ثابت بن عبيد بن أبي بكرة، وابن ابنه بحر بن مَرّار بن عبد الرَّحمن، وخالد الحذاء، ومحمد بن سيرين، وعلي بن زيد، وقتادة، وجماعة. ذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن سعد: هو أول مولود وُلد بالبصرة، فَأَطعَم أبوه أهلَ البصرة جَزُورًا، فكفتهم، وكان ثقةً، وله أحاديث ورواية، وقال ابن خلفون في «الثقات»: يقال: وُلد سنة (١٤)، ومات سنة (٩٦)، وكذا أَرَّخ وفاته إسحاق القَرّاب، وقال خليفة: تُوُفّي بعد الثمانين، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال البلاذريّ: حدثني أبو الحسن البلاذري، حدثني أبو الحسن المدائني، قال: كان عبد الرَّحمن بن أبي بكرة فَرّاسًا، وشارف التسعين، ووقع في بعض النسخ من «مختصر السنن» للمنذري بتقديم السين على الباء، وهو خطأ، وقال أبو هلال: كان زياد وَلَّى عبدَ الرَّحمن بيوتَ الأموال، وَوَلَّى عبدَ الله سجستان، وقال أبو اليقظان: ولاه عَلِيّ بيت المال ثم ولاه ذاك زياد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٥ - (أَبُوهُ) هو: نُفيع بن الحارث بن كَلَدة بن عمرو الثقفيّ، وقيل: اسمه مَسْرُوح، الصحابيّ المشهور - ﵁ -، مات سنة إحدى وخمسين: وقيل: سنة ثنتين وخمسين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث بالإفراد في الأول، والجمع في موضعين، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيخه، في أخرج له الترمذيّ وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: سعيد عن عبد الرَّحمن. ٥ - (ومنها): أن فيه من لُقِّب بصورة الكنية، وهو أبو بكرة - ﵁ -، فإنه لقّب؛ لأنه تدلّى من حصن ثقيف ببكرة البئر، فأسلم، وكان عبدًا، فأعتقه النبيّ - ﷺ -، ومن معه من العبيد، وكانوا جماعة. ٦ - (ومنها): أن عبد الرَّحمن أول مولود في الإسلام بالبصرة، كما سبق آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) نُفَيع بن الحارث - ﵁ -، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (أُنَبِّئُكُمْ)، وفي رواية للبخاري:«ألا أخبركم»، وهي رواية أبي عوانة في«المستخرج»، (بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) قال الشيخ ابن دقيق العيد - ﵀ -: هذا يدلّ على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، وعليه أيضًا يدلّ قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، وفي الاستدلال بهذا الحديث على ذلك نظر؛ لأن من قال: كلّ ذنب كبيرة، فالكبائر والذنوب عنده متواردان على شيء واحد، فكأنه قيل: ألا أنبئكم بأكبر الذنوب؟، وعن بعض السلف: أن كلّ ما نهى الله - ﷿ - عنه فهو كبيرة، وظاهر القرآن والحديث على خلافه، ولعله أخذ الكبيرة باعتبار الوضع اللغويّ، ونَظَرَ إلى عِظَم المخالفة للأمر والنهي، وسَمَّى كلّ ذنب كبيرة. قال: ويدلّ أيضًا على انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر، لقوله - ﷺ -: «ألا أنبّئكم بأكبر»، وذلك بحسب تفاوت مفاسدها، ولا يلزم من كون الذي ذكره أنه أكبر الكبائر استواء رُتبها في نفسها، فإن الإشراك بالله تعالى أعظم كبيرة من كلّ ما عداه من الذنوب المذكورة في الأحاديث التي ذُكر فيها الكبائر. انتهى . [تنبيه]: قوله: «أكبر الكبائر» ليس على ظاهره من الحصر، بل «من» فيه مقدرةٌ، فقد ثبت في أشياء أُخَر أنَّها من أكبر الكبائر: (منها): حديث أنس - ﵁ - في قتل النفس، فقد وقع في رواية للبخاريّ في «الديات» من طريق شعبة، عن ابن أبي بكرة، أنه سمع أنسًا، عن النبيّ - ﷺ - قال: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس …» الحديث. (ومنها): حديث ابن مسعود - ﵁ - المتقدّم: «أيُّ الذَّنْب أَعظم؟»، فذكر فيه الزنا بحليلة الجار. (ومنها): حديث عبد الله بن أُنيس الجهني - ﵁ - مرفوعًا قال: «من أكبر الكبائر …» فذكر منها: «اليمين الغموس»، أخرجه الترمذيّ بسند حسن، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، عند أحمد. (ومنها): حديث أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «إن من أكبر الكبائر استطالةَ المرء في عرض رجل مسلم»، أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن. (ومنها): حديث بريدة - ﵁ - رفعه: «من أكبر الكبائر …» فذكر منها: منع فضل الماء، ومنع الفحل. أخرجه البزار بسند ضعيف. (ومنها): حديث ابن عمر - ﵄ - ارفعه: «أكبر الكبائر سوء الظن بالله»، أخرجه ابن مردويه بسند ضعيف. ويَقرُب منه حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «ومن أظلم ممن ذَهَب يخلُقُ كخلقي …»الحديث، متَّفقٌ عليه. (ومنها): حديث عائشة - ﵂ - مرفوعًا: «أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصم»، متَّفقٌ عليه. (ومنها): حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - مرفوعًا: «من أكبر الكبائر أن يسب الرجل أباه …»، ولكنه من جملة العقوق، والله تعالى أعلم. (ثَلَاثًا) أي قال لهم ذلك ثلاث مرّات على عادته في تكرير الشيء ثلاث مرّات؛ تأكيدًا؛ لينتبه السامع على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره، وفهم منه الفاكهيّ أن المراد بقوله: «ثلاثًا» عدد الكبائر، وهو غلطٌ، فقد وقع عند البخاريّ في «كتاب استتابة المرتدّين» بلفظ: «أكبر الكبائر: الإشراك، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور» ثلاثًا، وأصرح منه ما وقع عند أبي عوانة في «مسنده» بلفظ: «أَلا أخبركم بأكبر الكبائر، قالها ثلاثًا»، وقد ترجم البخاريّ ﵀ في «كتاب العلم»، «باب من أعاد الحديث ثلاثًا؛ ليُفهم عنه»، وذكر فيه طرفًا من هذا الحديث تعليقًا . (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) قال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن يراد به مطلق الكفر، فيكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، ولا سيّما في بلاد العرب، فذكره تنبيهًا على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يُراد به خصوصه، إلَّا أنه يَرِد على هذا الاحتمال أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم قُبْحًا من الإشراك، وهو التعطيل؛ لأنه نفيٌ مطلقٌ، والإشراك إثبات مقيَّدٌ، فيترجّح الاحتمال الأول على هذا. انتهى . (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أي عصيانهما، وترك الإحسان إليهما، وأصل الْعَقّ: الشقّ، يقال: عقّ ثوبه، كما يقال: شقّه بمعناه، ومنه يقال: عقّ الولد أباه عُقُوقًا، من باب قَعَدَ: إذا عصاه، وترك الإحسان إليه، فهو عاقّ، والجمع عَقَقَةٌ، قاله في «المصباح» . وقال في «المفهم»: «عقوق الوالدين»: عصيانهما، وقطع البرّ الواجب عنهما، وأصل العَقّ: الشقّ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود: عقيقةً؛ لأنه يُشَقّ حُلقُومها، قاله الهرويّ وغيره . وقال في «الفتح»: «الْعُقُوق» بضمّ العين المهملة: مشتقّ من العقّ، وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذّى به الوالد من ولده، من قول أو فعل إلَّا في شرك، أو معصية ما لَمْ يتعنّت الوالد، وضبطه ابن عطيّة بوجوب طاعتهما في المباحات فعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات، وفروض الكفاية كذلك، ومنه تقديمهما عند تعارض الأمرين، وهو كمن دَعَته أمه ليمرّضها مثلًا، حيث يفوت عليه فعل واجب إن استمرّ عندها، ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها، وغير ذلك لو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة، كالصلاة أول الوقت، أو في الجماعة. انتهى . وقال النوويّ في «شرحه»: أما عقوق الوالدين، فهو مأخوذ من الْعَقّ، وهو القطع، وذَكَرَ الأزهريّ أنه يقال: عَقَّ والده يَعُقُّه - بضم العين - عَقًّا وعُقُوقًا: إذا قطعه، ولم يَصِلْ رحمه، وجمع العاقّ: عَقَقَةٌ - بفتح الحروف كلها - وعُقُقٌ - بضم العين والقاف -، وقال صاحب «المحكم»: رجلٌ عاقٌّ، وعَقَّ بالفتح، وعَقَقٌ محرّكة، وعُقُقٌ بضمّتين، وجمع الأولى عَقَقَةٌ مُحرَّكةً، وكلها بمعنى واحد، وهو الذي شَقَّ عصا الطاعة لوالده، هذا قول أهل اللغة. وأما حقيقة العقوق المحرَّم شرعًا، فقَلَّ مَن ضبطه، وقد قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله تعالى: لَمْ أقف في عقوق الوالدين، وفيما يختصان به من الحقوق على ضابط أَعْتمده، فإنه لا يجب طاعتهما في كلّ ما يأمران به، وينهيان عنه باتفاق العلماء، وقد حُرِمَ على الولد الجهاد بغير إذنهما؛ لما يَشُقّ عليهما مِن توقُّع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد أُلْحِق بذلك كلُّ سفر يخافان فيه على نفسه، أو عضو من أعضائه. انتهى كلام الشيخ أبي محمد. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في «فتاويه»: العُقُوق المحرَّم كلُّ فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذيًا، ليس بالْهَيِّن، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعةُ الوالدين واجبة في كلّ ما ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما في ذلك عقوقٌ، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات، قال: وليس قولُ مَن قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم، وفي التجارة بغير إذنهما، مُخالِفًا لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ بزيادة في الضبط . (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) أي الشهادة بالكذب والباطل، وإنما كانت من أكبر الكبائر؛ لأنَّها يُتوصَّل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرّم الله، وتحريم ما حلّل الله، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا، ولا أكثر فسادًا منها بعد الشرك . (أَوْ قَوْلُ الزُّورِ) هكذا في رواية ابن عليّة عن الجريريّ بـ «أو»، وفي رواية خالد، عنه: «إلا وقول الزور، وشهادة الزور» بالواو، قال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ لأن كلَّ شهادة زور قول زور، بخلاف عكسه. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أما الزور، فقال الثعلبيّ المفسر، وأبو إسحاق وغيره: أصله تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يُخَيَّل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يُوهِم أنه حَقّ. انتهى . وقال في «الفتح»: وضابط الزور وَصْفُ الشيء على خلاف ما هو به، وقد يُضاف إلى القول، فيشمل الكذب والباطل، وقد يُضاف إلى الشهادة، فيختصّ بها، وقد يضاف إلى الفعل، ومنه «لابس ثوبي زور»، ومنه تسمية الشعر الموصول زُورًا، كما سيأتي في موضعه، وقد اختُلف في المراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، والراجح أن المراد به الباطل، والمراد أنهم لا يحضرونه. انتهى . وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ينبغي أن يُحمل قول الزور على شهادة الزور؛ لأنا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، وليس كذلك، وقد نصّ الفقهاء على أن الكذبة الواحدة، وما يقاربها لا تُسقط العدالة، ولو كانت كبيرة لأسقطت، وقد نصّ الله تعالى على عظم بعض الكذب، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢]، وعظم الكذب ومراتبه متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده، وقد نَصَّ في الحديثِ الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة؛ لإيجابها الحدّ، ولا تساويها الغيبة بقبح الخِلْقة، أو الهيئة في اللباس مثلًا، وليس العقوق، وقول الزور مساويًا للإشراك بالله قطعًا إلَّا إذا فعل ذلك معتقدًا حلّه، ومعلوم أن الكافر شاهد بالزور، وقائل به. انتهى . وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن كلّ شهادة زور قول زور بغير عكس، ويُحْمَل قول الزور على نوع خاص منه. ورجّح الحافظ ما قاله الشيخ ابن دقيق العيد، قال: ويؤيده وقوع الشك في ذلك في حديث أنس - ﵁ - الذي بعده، فدلّ على أن المراد شيء واحد. وزعم بعضهم أن المراد بشهادة الزور في هذا الحديث الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور، وهو ضعيف، وقيل: المراد مَن يستحل شهادة الزور، وهو بعيد. انتهى . (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ) جلوسه - ﷺ - بعد أن كان متْكئًا يُشعر بأنه اهتمّ بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه، وعِظَم قبحه، وسببُ الاهتمام بذلك كون قول الزور، أو شهادة الزور أسهل وقوعًا على الناس، والتهاون بها أكثر، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعُقُوق يَصرف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة، كالعداوة، والحسد، وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذُكِر معها من الإشراك قطعًا، بل لكون مفسدة الزور متعدّية إلى غير الشاهد، بخلاف الشرك، فإن مفسدته قاصرة غالبًا . (فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا) أي يكرّر جملة «شهادة الزور»، أو قول الزور، ولفظ البخاريّ في «كتاب الأدب»: «فقال: إلا وقول الزور، وشهادة الزور، إلا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يقولها، حتى قلت: لا يسكت»، (حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) إنما قالوه، وتَمَنَّوه شفقةً على رسول الله - ﷺ -، وكراهةً لما يُزْعِجُهُ، ويُغْضِبُهُ، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه - ﷺ -، والمحبّة له، والشفقة عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكر - ﵁ - هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٤٠/ ٢٦٦] (٨٧)، و(البخاريّ) في «الشهادات» (٢٦٥٤)، و«الأدب» (٥٩٧٦)، و«الاستئذان» (٦٢٧٣ و٦٢٧٤)، و«استتابة المرتدّين» (٦٩١٩)، و(الترمذيّ) في البرّ والصلة (١٩٠١)، و«الشهادات» و(٢٣٠١)، و«تفسير القرآن» (٣٠١٩)، وفي «الشمائل» (١٣١)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٦ و٣٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٤٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الكبائر، وأكبرها، وهو الشرك، وهو وجه المناسبة لإيراده في هذا الباب. ٢ - (ومنها): بيان انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويؤخذ منه ثبوت الصغائر؛ لأن الكبيرة بالنسبة إليها أكبر منها، والاختلاف في ثبوت الصغائر مشهور، وأكثر ما تمسك به مَن قال: ليس في الذنوب صغيرة كونه نَظَرَ إلى عِظَم المخالفة لأمر الله ونهيه، فالمخالفة بالنسبة إلى جلال الله كبيرة، لكن لمن أثبت الصغائر أن يقول: هي بالنسبة لما فوقها صغيرة، كما دلّ عليه حديث الباب، وقد فُهِمَ الفرقُ بين الصغيرة والكبيرة من مَدَارك الشرع، وسيأتي في أبواب الصلاة ما يُكَفِّر الخطايا ما لَمْ تكن كبائر، فَثَبَتَ به أن من الذنوب ما يُكَفَّر بالطاعات، ومنها ما لا يُكَفَّر، وذلك هو عين الْمُدَّعَى، ولهذا قال الغزاليّ رحمه الله تعالى: إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقيه، ثم إن مراتب كلٍّ من الصغائر والكبائر مختلف بحسب تفاوت مفاسدها. ٣ - (ومنها): بيان تحريم شهادة الزور؛ لما يترتَّب عليها من المفاسد، وإن كانت مراتبها متفاوتة، وفي معناها كُلُّ ما كان زُورًا، من تعاطي المرء ما ليس له أهلًا. ٤ - (ومنها): أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، ولا شكّ في عظم مفسدته؛ لعظم حقّ الوالدين. ٥ - (ومنها): بيان انقسام الكبائر إلى شرك وغيره. ٦ - (ومنها): الاهتمام بذكر الشيء للتنبيه على وعيه ومنعه. ٧ - (ومنها): استحباب إعادة الموعظة ثلاثًا؛ لتُفْهَم. ٨ - (ومنها): انزعاج الواعظ في وعظه؛ ليكون أبلغ في الوعي عنه، والزجر عن فعل ما يَنْهَى عنه.
مصادر المؤلف (١٧)

١. «الجامع لأحكام القرآن» ١٣/ ٧٥ - ٧٦.

٢. أي من الثقات الذين اختلطوا.

٣. «عُبَاد - بضم العين، وتخفيف الباء - بطن من بكر بن وائل». انتهى. «شرح النوويّ» ٢/ ٨٤.

٤. راجع: «الأنساب» ٢/ ٧٨.

٥. «إحكام الأحكام» بنسخة الحاشية «العدّة» ٤/ ٤٣٨.

٦. «الفتح» ٥/ ٣١١ «كتاب الشهادات» رقم (٢٦٥٤).

٧. المصدر السابق.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٢.

٩. «المفهم» ١/ ٢٨٢.

١٠. «الفتح» ١٠/ ٤١٩ - ٤٢٠.

١١. «شرح مسلم» ٢/ ٨٧ بزيادة من «القاموس» في ألفاظ العقوق.

١٢. «المفهم» ١/ ٢٨٢.

١٣. «شرح مسلم» ٢/ ٨٤.

١٤. «الفتح» ١٠/ ٤٢٦ «كتاب الأدب» رقم الحديث (٥٩٧٧).

١٥. «إحكام الأحكام» ٤/ ٤٤٤، و«الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١٠/ ٣٨ - ٣٩.

١٦. راجع: «الفتح» ١٠/ ٤٢٥ - ٤٢٦ «كتاب الأدب» رقم الحديث (٥٩٧٧).

١٧. «الفتح» ٥/ ٣١١.