HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٩

حدثني هارون بن سعيد الأيلي. حدثنا ابن وَهْبٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ. وَالسِّحْرُ. وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ. وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ. وَأَكْلُ الرِّبَا. وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ. وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص64
ج ١ ص ٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص٣٥
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٩] (٨٩) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقّ، وَأكلُ مَالِ الْيَتِيم، وَأكلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (٢٥٣) (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. ٤ - (ثَوْرُ بْنُ زيدٍ) الدّيليّ - بكسر الدال المهملة، بعدها تحتانيّة - المدنيّ، ثقة [٦]. رَوَى عن سالم أبي الغيث، وأبي الزناد، وسعيد المقبريّ، وعكرمة، والحسن البصريّ، وغيرهم، وأرسل عن ابن عباس . ورَوَى عنه مالك، وسليمان بن بلال، وابن عجلان، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، والدَّرَاوَرْديّ، وجماعة. قال أحمد، وأبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن عبد البرّ: هو صدوق، ولم يتهمه أحد بكذب، وكان يُنسَب إلى رأي الخوارج، والقول بالقدر، ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الآجريّ: سئل أبو داود عنه، فقال: هو نحو شريك - يعني: ابن أبي نَمِر -، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في «الميزان»: اتهمه ابن الْبَرقيّ بالقدر، ولعله شُبِّهَ عليه بثور بن يزيد. انتهى. قال الحافظ: والْبَرْقيّ لم يتهمه، بل حَكَى في الطبقات أن مالكًا سئل: كيف رَوَيت عن داود بن الحصين، وثور بن زبد، وذكر غيرهما، وكانوا يُرْمَون بالقدر؟ فقال: كانوا لأن يَخِرُّوا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا كَذْبة، وقد ذكر المزيّ أن مالكًا روى أيضًا عن ثور بن يزيد الشاميّ، فلعله سئل عنه، وذكره ابن المديني في الطبقة التاسعة من الرواة عن نافع. قال ابن عبد البر في «التمهيد»: مات سنة (١٣٥)، لا يختلفون في ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث: هذا الحديث، وحديث (١١٥): «إن الشملة لتلتهب عليه نارًا …»، و(٢٥٤٦): «لو كان الإيمان عند الثريّا …»، و(٢٨٦٣): «إن العرق يوم القيامة ليذهب …»، و(٢٩٠٩): «ذو السويقتين من الحبشة يخرّب بيت الله …»، و(٢٩١٠): «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان …»، و(٢٩٢٠): «سمعتم بمدينة جانب منها في البرّ …»، و(٢٩٨٢): «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد …»، و(٢٩٨٣): «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين …». ٥ - (أَبُو الْغَيْثِ) هو: سالم مولى ابن مطيع المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وعنه ثور بن زيد الدِّيليّ، وسعيد المقبريّ، وإسحاق بن سالم، وصفوان بن سُليم، وعُمر بن عطاء، وعثمان بن عمر بن موسى التيميّ، ويزيد بن خُصَيفة. قال أحمد: لا أعلم أحدًا رَوَى عنه إلا ثورٌ، وأحاديثه متقاربة، وقال الدُّوريّ، عن ابن معينٍ: ثقةٌ يُكتَب حديثه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: كان ثقة، حسن الحديث، وذكر ابن شاهين أن كلام أحمد بن حنبل اختَلَف فيه. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب الأحاديث التسعة التي تقدّمت في ترجمة ثور بن زيد. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فأيليّ، ثم مصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اجْتَنِبُوا) أي ابتعدوا، وهو أبلغ من اترُكوا (السَّبْعَ)، قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا انحصار للكبائر في عدد مذكور، وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أنه سُئل عن الكبائر: أسبع هي؟ فقال: هي إلى سبعين - ويُروَى إلى سبعمائة - أقرب. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله - ﷺ -: الكبائرُ سبعٌ، فالمراد به من الكبائر سبعٌ، فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم، فهي مخصوصة بلا شكّ، وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع، وفي الرواية الأخرى: ثلاثٌ، وفي الأخرى: أربعٌ، لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها، لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية، ولم يَذكُر في بعضها ما ذَكَر في الأخرى، وهذا مُصَرّح بما ذكرته من أن المراد البعض، وقد جاء بعد هذا من الكبائر شتمُ الرجل والديه، وجاء في النميمة، وعدم الاستبراء من البول أنهما من الكبائر، وجاء في غير مسلم: من الكبائر اليمين الغَمُوس، واستحلال بيت الله الحرام. انتهى . (الْمُوبِقَاتِ») بموحّدة، فقاف: أي المهلكات، جمع موبقة، من أوبقه: إذا أهلكه، قال في«القاموس»: وَبَقَ كَوَعَدَ، وَوَجِلَ، وَوَرِثَ، وُبُوقًا، وَمَوْبِقًا: هَلَكَ، كاسْتَوْبَقَ، وكمَجْلِسٍ: الْمَهْلِكُ، والمَوْعِدُ، والْمَحْبِس، ووَادٍ في جَهنَّمَ، وكلُّ شيءٍ حال بين شيئين، وأوبقه: حبَسَهُ، وأهلكه. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى:«الموبقات»: الْمُهلكات، جمع موبقة، من أوبق، ووابقه: اسم فاعل من وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا: إذا هَلَكَ، والْمَوْبِقُ مَفْعِلٌ منه، كالموعد، مَفْعِلٌ من الوعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، وفيه لغة ثانيةٌ: وَبِقَ بكسر الباء يَوْبَقُ بالفتح وَبَقًا، وفيه لغة ثالثةٌ: وَبِقَ يَبِقُ بالكسر فيهما، وأوبقه: أهلكه، وسُمّيت هذه الكبائر مُوبقات؛ لأنها تُهلك فاعلها في الدنيا بما يترتّب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب، ولا شكّ في أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة في هذا الباب، وفي غيره، ولذلك قال ابن عبّاس - ﵄ - حين سُئل عن الكبائر، فقال: «هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع»، وفي رواية عنه: «هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع»، وعلى هذا، فاقتصاره - ﷺ - على هذه السبع في هذا الحديث يَحْتَمِل أن يكون لأنها هي التي أُعلم بها في ذلك الوقت بالوحي، ثم بعد ذلك أُعلم بغيرها، وَيحتمل أن يكون ذلك لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سُئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كلّ حديث خَصَّ عددًا من الكبائر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى . (قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟) أي السبع المهلكات؟ (قَالَ) - ﷺ - («الشِّرْكُ بِاللهِ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال: أي هي: الشرك بالله تعالى، ويجوز نصبه بدلًا من»السبع«، أو على أنه مفعول لفعل مقدّر: أي أعني، ونحوه، وهكذا إعراب ما بعده. وكون الشرك من الكبائر، بل هو أكبرها على الإطلاق، صريح النصّ القرآني، حيث قال ﷾: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وتقدّم حديث ابن مسعود - ﵁ - المتّفق عليه، قال: قلت: يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟، قال:«أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك … » الحديث، وفيه: وأنزل الله تصديق قول النبيّ - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قبح الكفر، وكونه من أكبر الكبائر، فكان معروفًا عندهم، ولا يتشكّك في ذلك أحدٌ من أهل القبلة. انتهى . (وَالسِّحْرُ) - بكسر السين، وسكون الحاء المهملتين -، قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَرَهُ بكلامه: استماله بِرِقَّته، وحسن تركيبه، قال الإمام فخر الدين في «التفسير»: ولفظ «السحر» في عرف الشرع: مختص بكلِّ أمر يَخْفَى سببه، ويُتَخَيَّلُ على غير حقيقته، ويَجْرِي مَجْرَى التمويه والخِدَاع، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وإذا أُطلِق ذُمَّ فاعلُهُ، وقد يُسْتَعمَلُ مُقَيَّدًا فيما يُمْدَح ويُحْمَد، نحو قوله ﵊: «إن من البيان لَسِحْرًا»: أي إن بعض البيان سِحْرٌ؛ لأن صاحبه يُوَضِّح الشيء المشكل، ويَكْشِف عن حقيقته بحسن بيانه، فيَسْتَمِيل القلوب، كما تُسْتَمالُ بالسحر، وقال بعضهم: لَمّا كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يَجْذِب السامعَ، ويُخرِجه إلى حَدٍّ يكاد يَشْغَله عن غيره شُبِّه بالسحر الحقيقيّ، وقيل: هو السحر الحلال، ذكره الفيّوميّ . وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما عدّه - ﷺ - السحر من الكبائر، فهو دليل لمذهبنا الصحيح المشهور، ومذهب الجماهير، أن السحر حرام، من الكبائر فعلُه وتعلُّمُهُ وتعليمه، وقال بعض أصحابنا: إنّ تعلمه ليس بحرام، بل يجوز؛ لِيُعْرَفَ، ويُرَدَّ على صاحبه، ويُمَيَّز عن الكرامة للأولياء، وهذا القائل يمكنه أن يَحْمِل الحديث على فعل السحر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ . (وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي كأن تَقتُل بريئًا عمدًا، فيُقتَصَّ منها، أو تزَني مُحصَنَةً، فتُرْجَمَ، (وَأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ) بفتح الياء التحتانيّة، وكسر التاء الفوقانيّة، يقال: يَتُمَ يَيْتُمُ، من بابي تَعِبَ وقَرُبَ، يُتْمًا بضم الياء وفتحها، لكن الْيُتْم في الناس من قِبَل الأب، فيقال: صغير يَتِيمٌ، والجمعُ أَيْتَامٌ، ويَتَامى، وصَغيرة يتيمةٌ، وجمعها يَتَامَى، وفي غير الناس من قِبَل الأمّ، وأيتمت المرأة إيتامًا، فهي موتِمٌ: صار أولادها يَتَامَى، فإن مات الأبوان فالصغير لَطِيمٌ، وإن ماتت أمه فقط، فهو عَجِيٌّ، قاله الفيّوميّ . والمراد إتلاف ماله، وإنما خصّ الأكل؛ لكونه أعظم المقصود من المال، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. (وَأكْلُ الرِّبَا) المراد كسب الربا، وإنما خصّ الأكل؛ لأنه معظم ما يكتسب له، ويشمل ربا الفضل وربا النسيئة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]. (وَالتَّوَلَّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي الفرار من الجهاد، ولقاء العدوّ في الحرب، و«الزَّحْفُ»: الجيش يَزْحَفُون إلى العدوّ: أي يمشون، يقال: زَحَفَ إليه يَزْحَفُ زَحْفًا، من باب مَنَعَ: إذا مشى نحوه، أفاده ابن الأثير في «النهاية» . وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى: و«الزحْفُ»: القتال، وأصله: المشي المتثاقل، كالصبيّ يَزْحَفُ قبل أن يمشى، والبعير إذا أعيى، فَجَرَّ فِرْسَنَهُ ، وقد سُمّي الجيش بالزحف؛ لأنه يُزْحَف فيه، والتولّي عن القتال إنما يكون كبيرةً إذا فرّ إلى غير فئة، وإذا كان العدوّ ضعفي المسلمين على ما يأتي في «الجهاد» - إن شاء الله تعالى -. انتهى . وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما عدّه - ﷺ - التَّوَلِّي يوم الزحف من الكبائر، فدليل صريح لمذهب العلماء كافة في كونه كبيرةً، إلا ما حُكِيَ عن الحسن البصريّ رحمه الله تعالى أنه قال: ليس هو من الكبائر، قال: والآية الكريمة في ذلك إنما وردت في أهل بدر خاصّةً، والصواب ما قاله الجماهير: إنه باقٍ. انتهى . وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال: ١٥] ما نصّه: أمر الله ﷿ في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا الأمر مُقَيَّد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين، فإذا لقيت فئةٌ من المؤمنين فئةً هي ضعف المؤمنين من المشركين، فالفرض ألا يفروا أمامهم، فمن فَرَّ من اثنين فهو فارّ من الزحف، ومن فَرَّ من ثلاثة، فليس بفارّ من الزحف، ولا يتوجه عليه الوعيد، والفرار كبيرةٌ مُوبقة بظاهر القرآن، وإجماع الأكثر من الأئمة. وقالت فرقة، منهم ابن الماجشون في «الواضحة»: إنه يُراعَى الضعفُ والقوةُ والعُدَّةُ، فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس من مائة فارس، إذا عَلِموا أن ما عند المشركين من النجَّدْةِ والبَسَالة ضِعْفُ ما عندهم، وأما على قول الجمهور، فلا يحل فرار مائة إلا مما زاد على المائتين، فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين، فيجوز الانهزام، والصبر أحسن، وقد وَقَفَ جيش مُؤتة، وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من الْمُسْتَعْرِبة من لَخْمٍ وجُذَام. قال: ووقع في تاريخ فتح الأندلس أن طارقًا مولى موسى بن نُصَير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، فالتقى وملك الأندلس لذريق، وكان في سبعين ألف عِنَان، فزَحَفَ إليه طارق، وصَبَر له، فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعت مالكًا يسأل عن القوم يلقون العدوّ، أو يكونون في مَحْرَس يَحْرُسون، فيأتيهم العدوّ، وهم يسير، أيقاتلون، أو ينصرفون فيُؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما قاله الجمهور من أنه لا يحلّ الفرار إلا فيما زاد العدو على الضعف هو الحقّ؛ لظهور حجّته، والله تعالى أعلم. (وَقَذفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ») أي رميُهنّ بالزنى، و«الإحصان»هنا: العِفّةُ عن الفواحش، و«الغافلات»أي عما رُمين به من الفاحشة، أي هنّ بريئات من ذلك، لا خَبَرَ عندهنّ منه، قاله القرطبيّ . وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما«المحصنات الغافلات»: فبكسر الصاد وفتحها، قراءتان في السبع، قرأ الكسائيّ بالكسر، والباقون بالفتح، والمراد بـ«المحصنات»هنا: العفائف، وبـ«الغافلات»: الغافلات عن الفواحش، وما قُذِفن به. انتهى . [فائدة]: قال النوويّ رحمه الله تعالى:«الإحصان» في الشرع خمسة أقسام: [أحدهما]: الإحصان في الزنا، الذي يوجب الرجم على الزاني، وهو الوطء بنكاح. [والثاني]: الإحصان في المقذوف، وهو العفّة، وهو الذي يوجب على قاذفه ثمانين جلدة. [والثالث]: الإحصان بمعنى الحريّة. [والرابع]: الإحصان بمعنى التزويج. [والخامس]: الإحصان بمعنى الإسلام. فأما الإحصان في الزنا، فليس له ذكر في القرآن العزيز إلا في قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، قالوا: معناه مُصيبين بالنكاح، لا بالزنا. وأما الأربعة الباقية فمذكورة في الكتاب العزيز، فأما الإحصان في المقذوف، فهو المراد بقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] الآية. وأما الإحصان بمعنى الحرية، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الآية. وأما الإحصان بمعنى التزويج، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى قولهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. وأما الإحصان بمعنى الإسلام، فهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية. واختلف العلماء في المراد بأُحْصِنَّ هذا، فقيل: أسلمن، وقيل: تزوجن، وقد قُرئ بفتح الهمزة وضمها قراءتان في السبع، قال الواحديّ: من ضمها فمعناه: أُحْصِنَّ بالأزواج، أي تزوجن، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة - رحمهم الله تعالى - ومن فتحها، فمعناه: أسلمن، كذا قاله ابن عمر، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهم - والشعبيّ، وإبراهيم، والسُّدّيّ - رحمهم الله تعالى -. فأما شرط المحصن الذي يُرْجَم في الزنا، فهو البالغ العاقل الحرّ الواطئ في نكاح صحيح في حال تكليفه وحريته. وأما المحصن الذي يُجْلَد قاذفه ثمانين جلدة، فهو البالغ العاقل الحرّ المسلم العفيف، وإن شئت قلت في الموضعين: المكلف بدلًا عن البالغ العاقل، والأول أولى؛ لئلا يَخْرُج السكران والنائم، فإنهما ليسا مكلفين. قال الإمام الواحديّ: الإحصان في اللغة أصله المنع، وكذلك الحصانة، ومنه مدينة حصينة، ودِرعٌ حصينة، أي تمنع صاحبها من الجرح، والحصن: الموضع الحصين؛ لمنعه، والْحِصَان - بكسر الحاء -: الفرس؛ لمنعه لصاحبه من الهلاك، والْحَصَان - بفتح الحاء -: المرأة العفيفة؛ لمنعها فرجها من الفساد، وحَصنت المرأة تَحْصُن حُصْنًا فهي حَصَان، مثل: جَبُنت تَجْبُن جُبْنًا فهي جَبَان. وقال الفيّوميّ: و«الحصان» - بالفتح -: المرأة العفيفة، وجمعها حُصُنٌ، وقد حَصِنَت مثلث الصاد، وهي بَيِّنة الْحَصانة - بالفتح -: أي العفة، وأحصن الرجل بالألف: تَزَوَّج، والفقهاء يزيدون على هذا: وَطِئ في نكاح صحيح، قال الشافعيّ: إذا أصاب الحرّ البالغ امرأته، أو أُصيبت الحرة البالغة بنكاح، فهو إحصان في الإسلام والشرك، والمراد في نكاح صحيح، واسم الفاعل من أَحْصَنَ: إذا تزوج مُحْصِنٌ - بالكسر - على القياس، قاله ابن القطاع، ومُحْصَنٌ - بالفتح - على غير قياس، والمرأة مُحْصَنَةٌ - بالفتح - أيضًا على غير قياس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي ويَحْرُم عليكم المتزوجات، وأما أَحْصَنت المرأة فرجها: إذا عَفَّت، فهي مُحْصِنَة - بالفتح، والكسر - أيضًا، وقُرئ بذلك في السبعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المراد الحرائر العفيفات، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المراد الحرائر أيضًا. انتهى كلام الفيّوميّ . قال الواحديّ: وأما الإحصان، فيقع على معانٍ ترجع إلى معنى واحد، منها: الحرية، والعَفَافُ، وكون المرأة ذات زوج، فالإحصان هو أن يَحْمِي الشيءَ، ويمنع، والحرةُ تَحْصُن نفسها، وتُحْصَن هي أيضًا، والعفة مانعة من الزنا، والعفيفة تمنع نفسها من الزنا، والإسلام مانع من الفواحش، والمحصَنَةُ المزوجة؛ لأن الزوج يمنعها. قال الواحديّ: واختَلَفَ القراء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فقرأوا بفتح الصاد وكسرها في جميع القرآن، إلا الحرف الأول في النساء ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فإنهم أجمعوا على فتحه، قاله أبو عبيدة. انتهى كلام الواحديّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد نظمت المعاني الخمسة للإحصان بقولي: قَدْ وَرَدَ الإِحْصَانُ فِي الشَّرْعِ عَلَى … خَمْسَةِ أَقْسَامٍ رَوَاهَا النُّبَلَا عِفَّةٌ النِّكَاحُ وَالإِسْلَامُ … حُرِّيَّة تَزْوِيجُ مَنْ تُرَامُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في «الإيمان» [٤٠/ ٢٦٩] (٨٩)، و(البخاريّ) في «الوصايا» (٢٧٦٦)، و«الطبّ» (٥٧٦٤)، و«الحدود» (٦٨٥٧)، و(أبو داود) في «الوصايا» (٢٨٧٤)، و(النسائيّ) في «الوصايا» (٣٦٩٨)، و«الكبرى» (٦٤٩٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٤٨ و١٤٩)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٢٦٢)، و(ابن حبان) في «صحيحه» (٥٥٦١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٢٤٩)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١/ ٣٨٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان قبح الشرك بالله تعالى، وهو وجه مناسبة إيراده هنا؛ لأن الشرك ضدّ الإيمان، ومناقض له، فلا بدّ أن تُعلم أنواعه، حتى لا يقع فيه المؤمن جهلًا، فيفسد عليه إيمانه. ٢ - (ومنها): بيان انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر. ٣ - (ومنها): بيان وجوب الاجتناب عن هذه السبع الموبقات التي تُهلك من تلبّس بها، وترديه في جنهم - أعاذنا الله تعالى بمنّه منها -. ٤ - (ومنها): شدّة حرص النبيّ - ﷺ - على تحذير أمته عن اقتراف ما يُهلكها، ويُرديها، فهذا مصداق قوله ﷾: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٥ - (ومنها): تحريم الفرار من الزحف، وقد اختلف العلماء، هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر، أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟. فرُوي عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - أن ذلك مخصوص بيوم بدر، وبه قال نافع، والحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب، والضحاك، وبه قال أبو حنيفة، وأن ذلك خاصّ بأهل بدر، فلم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبيّ - ﷺ -، فأما بعد ذلك، فإن بعضهم فئة لبعض، قال إلْكِيا: وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلقٌ كثيرٌ من الأنصار، لم يأمرهم النبيّ - ﷺ - بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله - ﷺ - فيمن خَفّ معه. ويُرْوَى عن ابن عباس، وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة. احتَجَّ الأولون بما ذَكَرنا، وبقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، فقالوا: هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نُسِخَ حكم الآية بآية الضعْف، وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة، وقد فَرَّ الناس يوم أحد، فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، ولم يقع على ذلك تعنيف. وقال الجمهور من العلماء: إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ﴾، وحكم الآية باقٍ إلى يوم القيامة، بشرط الضِّعْف الذي بيّنه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ. والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال، وانقضاء الحرب، وذهاب اليوم بما فيه، وإلى هذا ذهب مالك، والشافعيّ، وأكثر العلماء، وفي «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» وفيه: «والتولي يوم الزحف»، وهذا نصّ في المسألة، وأما يوم أُحد، فإنما فَرّ الناس من أكثر من ضِعْفهم، ومع ذلك عُنّفُوا، وأما يوم حنين فكذلك مَن فَرَّ إنما انكشف عن الكثرة. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع عفا الله تعالى: قد تبيّن بما ذُكر أن ما قاله الجمهور من أن الآية غير منسوخة، وأن الحكم عامّ لا يختصّ بيوم بدر هو الصواب؛ لظهور حجّته، والله تعالى أعلم. [فائدة]: الفرار من الزحف من كبائر الذنوب، كما سبق، فمن فرّ فليستغفر الله ﷿، لما أخرجه الترمذي من حديث بلال بن يسار بن زيد، قال: حدثني أبي، عن جدّي، سمع النبيّ - ﷺ - يقول: «من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم، وأتوب إليه، غُفِر له، وإن كان قد فَرّ من الزحف» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر ما ورد من الآثار في الموبقات، وما قاله أهل العلم في ذلك: قال الحافظ رحمه الله تعالى: المراد بالموبقة هنا الكبيرة، كما ثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ - من وجه آخر، أخرجه البزّار، وابن المنذر، من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، رفعه: «الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس …» الحديث، مثل رواية أبي الغيث، إلا أنه ذكر بدل «السحر»: الانتقال إلى الأعرابيّة بعد الهجرة. وأخرج النسائيّ، والطبرانيّ، وصححه ابن حبّان، والحاكم من طريق صُهيب، مولى الْعُتْوَاريين، عن أبي هريرة، وأبي سعيد - ﵄ -، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من عبد يُصلّي الخمس، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتحت له أبواب الجنّة» الحديث، ولكن لم يفسّرها. والمعتمد في تفسيرها ما وقع في رواية سالم، وقد وافقه كتاب عمرو بن حزم الذي أخرجه النسائيّ، وابن حبّان في «صحيحه»، والطبرانيّ، من طريق سليمان بن داود، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، قال: «كتب رسول الله - ﷺ - كتاب الفرائض، والديات، والسنن، وبَعَثَ به مع عمرو بن حزم إلى اليمن» الحديث بطوله، وفيه: «وكان في الكتاب: وإن أكبر الكبائر الشرك»، فذكر مثل حديث سالم سواءً، وللطبرانيّ من حديث سهل بن أبي حثمة، عن عليّ - ﵁ - رفعه: «اجتنب الكبائر السبع»، فذكرها، لكن ذكر «التعرّب بعد الهجرة»، بدل «السحر»، وله في «الأوسط» من حديث أبي سعيد - ﵁ - مثله، وقال: «الرجوع إلى الأعراب بعد الهجرة». ولإسماعيل القاضي من طريق المطّلب بن عبد الله بن حنطب، عن عبد الله بن عمرو، قال: «صعد النبيّ - ﷺ - المنبر، ثم قال: أبشروا، مَن صلّى الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنّة»، فقيل له: أسمعت النبيّ - ﷺ - يذكرهنّ؟ قال: نعم، فذكر مثل حديث عليّ سواءً، وقال عبد الرزّاق: أنبأنا معمرٌ، عن الحسن، قال: «الكبائر الإشراك بالله»، فذكر مثل الأصول سواءً، إلا أنه قال: «اليمين الفاجرة»، بدل «السحر». ولابن عمرو فيما أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد»، والطبريّ في «التفسير»، وعبد الرزّاق، والخرائطيّ في «مساوئ الأخلاق»، وإسماعيل القاضي في «أحكام القرآن»، مرفوعًا، وموقوفًا، قال: «الكبائر تسع»، فذكر السبع المذكورة، وزاد: «الإلحاد في الحرم، وعُقُوق الوالدين». ولأبي داود، والطبرانيّ، من رواية عُبيد بن عُمير بن قتادة الليثيّ، عن أبيه، رفعه: «إن أولياء الله المصلّون، ومن يجتنب الكبائر»، قالوا: ما الكبائر؟ قال: «هنّ تسعٌ، أعظمهنّ الإشراك بالله»، فذكر مثل حديث ابن عمر سواءً، إلا أنه عبّر عن «الإلحاد في الحرم» باستحلال البيت الحرام. وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيّب، قال: «هنّ عشرٌ»، فذكر السبع التي في الأصل، وزاد: «وعقوقُ الوالدين، واليمين الغموس، وشرب الخمر». ولابن أبي حاتم من طريق مالك بن حريث، عن عليّ - ﵁ - قال: «الكبائر»، فذكر التسع، إلا مال اليتيم، وزاد العقوق، والتعرّب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة. وللطبراني عن أبي أمامة أنهم تذاكروا الكبائر، فقالوا: الشرك، ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والسحر، والعقوق، وقول الزور، والغلول، والزنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله ثمنًا قليلًا؟». وعند عبد الرزّاق، والطبرانيّ، عن ابن مسعود - ﵁ -: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله»، وهو موقوف. وروى إسماعيل بسند صحيح، من طريق ابن سيرين، عن عبد الله بن عمرو مثل حديث الأصل ، لكن قال: «البهتان» بدل السحر، والقذف، فسُئل عن ذلك؟ فقال: البهتان يجمع. وفي «الموطّأ» عن النعمان بن مرّة مرسلًا: «الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فواحش»، وله شاهد من حديث عمران بن حُصين عند البخاريّ في «الأدب المفرد»، والطبرانيّ، والبيهقيّ، وسنده حسنٌ، وسيأتي في «الطهارة» حديث ابن عباس في النميمة، ومن رواه بلفظ الغيبة، وترك التنزّه من البول. ولإسماعيل القاضي، من مرسل الحسن، ذكر «الزنا والسرقة»، وله عن أبي إسحاق السبيعيّ: «شتم أبي بكر وعمر»، وهو لابن أبي حاتم من قول مغيرة بن مِقسم. وأخرج الطبريّ عنه بسند صحيح: «الإضرار في الوصيّة من الكبائر»، وعنه: «الجمع بين الصلاتين من غير عذر»، رفعه، وله شاهد أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر قوله، وعند إسماعيل من قول ابن عمر ذكر النُّهْبة، ومن حديث بُريدة عند البزّار: منع فضل الماء، ومنع طروق الفحل، ومن حديث أبي هريرة عند الحاكم: «الصلوات كفّارات إلا من ثلاث: الإشراك بالله، ونكث الصفقة، وترك السنّة»، ثم فسّر نكث الصفقة بالخروج على الإمام، وترك السنّة بالخروج عن الجماعة، أخرجه الحاكم، ومن حديث ابن عمر عند ابن مردويه: «أكبر الكبائر سوء الظنّ بالله». ومن الضعيف في ذلك نسيان القرآن. أخرجه أبو داود، والترمذيّ، عن أنس - ﵁ - رفعه: «نظرت في الذنوب، فلم أرَ أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل، فنسيها»، وحديث: «من أتى حائضًا، أو كاهنًا، فقد كفر». أخرجه الترمذيّ. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فهذا جميع ما وقفت عليه، مما ورد التصريح بأنه من الكبائر، أو من أكبر الكبائر، صحيحًا، وضعيفًا، مرفوعًا، وموقوفًا، وقد تتبّعته غاية التتبّع، وفي بعضه ما ورد خاصًّا، ويدخل في عموم غيره، كالتسبب في لعن الوالدين، وهو داخل في العقوق، وقتل الولد، وهو داخل في قتل النفس، والزنا بحليلة الجار، وهو داخلٌ في الزنا، والنُّهْبة، والغلول، واسم الخيانة يشمله، ويدخل الجميع في السرقة، وتعلّم السحر، وهو داخل في السحر، وشهادة الزور، وهي داخلة في قول الزور، واليمين الغموس، وهي داخلة في اليمين الفاجرة، والقنوط من رحمة الله، كاليأس من روح الله. والمعتمد في كلّ ذلك ما ورد مرفوعًا بغير تداخل من وجه صحيح، وهي السبعة المذكورة في حديث الباب، والانتقال عن الهجرة، والزنا، والسرقة، والعقوق، واليمين الغموس، والإلحاد في الحرم، وشرب الخمر، وشهادة الزور، والنميمة، وترك التنزّه من البول، والغلول، ونكث الصفقة، وفراق الجماعة، فتلك عشرون خصلة، وتتفاوت مراتبها، والمجمع على عدّه من ذلك أقوى من المختلف فيه، إلا ما عضده القرآن، أو الإجماع، فيلتحق بما فوقه، ويجتمع من المرفوع، ومن الموقوف ما يقاربها. ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع. ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة، وهو جواب ضعيف. وبأنه أُعْلِم أوّلًا بالمذكورات، ثم أُعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة، ونحو ذلك. وقد أخرج الطبريّ، وإسماعيل القاضي، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنه قيل له: الكبائر سبع، فقال: هنّ أكثر من سبع، وسبع، وفي رواية عنه: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية إلى السبعمائة. ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع، وكأن المقتصر عليها اعتمد على حديث الباب المذكور. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تقسيم الذنوب إلى صغائر، وكبائر: قد اختلف السلف في الكبائر والصغائر، فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر، ومنها صغائر. وشذّت طائفة منهم: أبو إسحاق الإسفرايينيّ، فقال: ليس في الذنوب صغيرة، بل كلّ ما نهى الله عنه كبيرة، ونُقِل ذلك عن ابن عبّاس، وحكاه القاضي عياض عن المحقّقين، واحتجّوا بأن كلّ مخالفة لله، فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة. اهـ. ونسبه ابن بطّال إلى الأشعريّة، فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامّة الفقهاء، وخالفهم في ذلك من الأشعريّة أبو بكر بن الطيّب، وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة، بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبْلة المحرّمة صغيرة بإضافتهما إلى الزنا، وكلّها كبائر، قالوا: ولا ذنب عندنا يُغْفَر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كلّ ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وأجابوا عن الآية التي احتجّ أهل القول الأول بها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] أن المراد الشرك. وقد قال الفرّاء: من قرأ «كبائر»، فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع، والمراد به الواحد، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يُرسل إليهم غير نوح ﵇، قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة. اهـ. قال النوويّ: قد تظاهرت الأدلّة من الكتاب والسنّة إلى القول الأول، وقال الغزاليّ في «البسيط»: إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة، لا يليق بالفقيه. قال الحافظ: قد حقّق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة، واختاره، وبيّن أنه لا يخالف ما قاله الجمهور، فقال في «الإرشاد»: المرضيّ عندنا أن كلّ ذنب يُعصَى الله به كبيرة، فربّ شيء يُعدّ صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو كان في حقّ الملك لكان كبيرة، والربّ أعظم من عُصِي، فكلّ ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم، ولكن الذنوب، وإن عظمت، فهي متفاوتة في رتبها. وظنّ بعض الناس أن الخلاف لفظيّ، فقال: التحقيق أن للكبيرة اعتبارين، فبالنسبة إلى مقايسة بعضها لبعض، فهي تختلف قطعًا، وبالنسبة إلى الآمر الناهي، فكلّها كبائر. اهـ. والتحقيق أن الخلاف معنويّ، وإنما جَرَى إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدالّ على أن الصغائر تُكفّر باجتناب الكبائر، كما تقدّم، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ: ما أظنّه يصحّ عن ابن عباس أن كلّ ما نهى الله تعالى عنه كبيرة؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، فجعل في المنهيّات صغائر وكبائر، وفرّق بينهما في الحكم، إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن؟. قال الحافظ: ويؤيّده ما سيأتي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما في تفسير اللمم، لكن النقل المذكور عنه، أخرجه إسماعيل القاضي، والطبريّ بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عبّاس، فالأَولى أن يكون المراد بقوله: «نهى الله عنه» محمولًا على نهي خاصّ، وهو الذي قُرن به وعيد، كما قُيّد في الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيحمل مطلقه على مقيّده جمعًا بين كلاميه. وقال الطيبيّ: الصغيرة والكبيرة أمران نسبيّان، فلا بدّ من أمر يضافان إليه، وهو أحد ثلاثة أشياء: الطاعة، أو المعصية، أو الثواب، فأما الطاعة، فكلّ ما تكفّره الصلاة مثلًا هو من الصغائر، وكلّ ما يكفّره الإسلام، أو الهجرة فهو من الكبائر. وأما المعصية، فكلّ معصية يستحقّ فاعلها بسببها وعيدًا، أو عقابًا أزيد من الوعيد، أو العقاب المستحقّ بسبب معصية أخرى، فهي كبيرة. وأما الثواب، ففاعل المعصية إذا كان من المقرّبين، فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، فقد وقعت المعاتبة في حقّ بعض الأنبياء على أمور لم تُعَدّ من غيرهم معصية. اهـ. وكلامه فيما يتعلّق بالوعيد والعقاب يخصّص عموم مَن أطلق أن علامة الكبيرة ورود الوعيد، أو العقاب في حقّ فاعلها، لكن يلزم منه أن مطلق قتل النفس مثلًا كبيرة، كأنه وإن ورد الوعيد فيه، أو العقاب، لكن ورد الوعيد وإلعقاب في حقّ قاتل ولده أشدّ، فالصواب ما قاله الجمهور، وأن المثال المذكور، وما أشبهه ينقسم إلى كبير وأكبر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الكبيرة: قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد اختلف العلماء في حدّ الكبيرة، وتمييزها من الصغيرة، فجاء عن ابن عباس - ﵄ -: كل شيء نَهَى الله عنه فهو كبيرة، وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ الفقيه الشافعيّ، وحَكَى القاضي عياض رحمه الله تعالى هذا المذهب عن المحققين. واحتج القائلون بهذا بأن كلَّ مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة. وذهب الجماهير من السلف والخلف، من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مرويّ أيضًا عن ابن عباس - ﵄ -، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة، واستعمال سلف الأمة وخلفها، قال أبو حامد الغزاليّ في كتابه «البسيط»: إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه، وقد فُهِمَا من مدارك الشرع، وهذا الذي قاله أبو حامد قد قاله غيره بمعناه، ولا شك في كون المخالفة قبيحة جدًّا بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض، وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تُكَفِّره الصلوات الخمس، أو صوم رمضان، أو الحجّ، أو العمرة، أو الوضوء، أو صوم عرفة، أو صوم عاشوراء، أو فعل الحسنة، أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وإلى ما لا يُكَفِّره ذلك، كما ثبت في «الصحيح»: «ما لم يَغْشَ كبيرة»، فسَمَّى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر، وما لا تكفره كبائر، ولا شكّ في حسن هذا، ولا يُخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى، فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها؛ لكونها أقلّ قُبْحًا، ولكونها متيسرة التكفير، والله تعالى أعلم. وإذا ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فقد اختلفوا في ضبطها اختلافًا كثيرًا منتشرًا جدًّا. فروي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: الكبائر كلُّ ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، ونحوُ هذا عن الحسن البصريّ. وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار، أو حدّ في الدنيا. قال الحافظ: وممن نَصّ على هذا الأخير الإمام أحمد، فيما نقله القاضي أبو يعلى، ومن الشافعية الماورديّ، ولفظه: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود، أو توجه إليها الوعيد، والمنقول عن ابن عباس، أخرجه ابن أبي حاتم بسند لا بأس به، إلا أن فيه انقطاعًا، وأخرج من وجه آخر متصل لا بأس برجاله أيضًا، عن ابن عباس قال: كلُّ ما توعّد الله عليه بالنار كبيرة، وقد ضبط كثير من الشافعية الكبائر بضوابط أخرى، منها: قولُ إمام الحرمين: كلُّ جريمة تُؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورِقّة الديانة، وقول الْحَلِيميّ: كل محرم لعينه منهيّ عنه لمعنى في نفسه، وقال الرافعيّ: هي ما أوجب الحدّ، وقيل: ما يُلحَق الوعيدُ بصاحبه بنصّ كتاب أو سنة. هذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى كلامه. وقد استُشكِل بأن كثيرًا مما وَردت النصوص بكونه كبيرةً لا حَدّ فيه، كالعقوق. وأجاب بعض الأئمة بأن مُراد قائله: ضبطُ ما لم يَرِد فيه نص بكونه كبيرةً. وقال ابن عبد السلام في «القواعد»: لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة، لا يَسْلَم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يُشعِر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارَ أدون الكبائر المنصوص عليها. قال الحافظ: وهو ضابط جيّدٌ . وقال أبو حامد الغزالي في «البسيط»: والضابط الشامل المعنويّ في ضبط الكبيرة أنّ كلَّ معصية يُقْدِم المرء عليها من غير استشعار خوف، وحذار ندم، كالمتهاون بارتكابها، والمتجرئ عليه اعتيادًا، فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون، فهو كبيرة، وما يُحْمَل على فَلَتات النفس، أو اللسان، وفترة مراقبة التقوى، ولا ينفك عن تندم يمتزجُ به تنغيص التلذذ بالمعصية، فهذا لا يمنع العدالة، وليس هو بكبيرة. وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في «فتاويه»: الكبيرةُ كل ذنب كَبُر وعَظُم عِظَمًا يَصِحُّ معه أن يُطلَق عليه اسم الكبير، ووصف بكونه عظيمًا على الإطلاق، قال: فهذا حدّ الكبيرة، ثم لها أمارات، منها: إيجاب الحدّ، ومنها: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها، في الكتاب أو السنة، ومنها: وصف فاعلها بالفسق نصًّا، ومنها: اللعن، كـ «لَعَنَ الله مَن غيّر مَنَارَ الأرض». وقال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله تعالى في كتابه «القواعد»: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة، فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر، فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر، أو رَبَت عليه فهي من الكبائر، فمَن شَتَمَ الربّ ﷾، أو رسوله - ﷺ -، أو استهان بالرسل، أو كذَّب واحدًا منهم، أو ضَمَخَ الكعبة بالعَذِرَة، أو ألقى المصحف في القاذورات، فهي من أكبر الكبائر، ولم يصرِّح الشرع بأنه كبيرة، وكذلك لو أمسك امرأةً محصنةً لمن يزني بها، أو أمسك مسلمًا لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم، مع كونه من الكبائر، وكذلك لو دَلَّ الكفار على عورات المسلمين، مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته، وَيسْبُون حُرَمَهم وأطفالهم، وَيغْنَمون أموالهم، فإن نسبته إلى هذه المفاسد أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر، مع كونه من الكبائر، وكذلك لو كَذَب على إنسان كذبًا يَعلم أنه يُقتل بسببه، أما إذا كَذَب عليه كذبًا يؤخذ منه بسببه تمرة، فليس كذبه من الكبائر، قال: وقد نَصَّ الشرع على أن شهادة الزور، وأكل مال اليتيم من الكبائر، فإن وقعا في مال خطير فهذا ظاهر، وإن وقعا في مال حقير، فيجوز أن يُجعلا من الكبائر فِطَامًا عن هذه المفاسد، كما جُعِل شرب قَطْرة من خمر من الكبائر، وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يُضْبَط ذلك بنصاب السرقة، قال: والحكم بغير الحقّ كبيرة، فإن شاهد الزور متسبب، والحاكم مباشر، فإذا جُعل السبب كبيرة، فالمباشرة أولى. قال: وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأنها كل ذنب قُرِن به وعيدٌ، أو حَدٌّ، أو لَعْنٌ، فعلى هذا كلُّ ذنب عُلِم أن مفسدته كمفسدة ما قُرِن به الوعيد، أو الحدّ، أو اللعن، أو أكثر من مفسدته فهو كبيرة، ثم قال: والأولى أن تُضبَط الكبيرة بما يُشْعِر بتهاون مرتكبها في دينه إشعارَ أصغر الكبائر المنصوص عليها، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ ابن عبد السلام رحمه الله تعالى. وقال الإمام أبو الحسن الواحديّ المفسر وغيره: الصحيح أن حَدَّ الكبيرة غير معروف، بل وَرَدَ الشرع بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر، وأنواع بأنها صغائر، وأنواعٍ لم توصف، وهي مشتملة على صغائر وكبائر، والحكمة في عدم بيانه أن يكون العبد ممتنعًا مخافةَ أن يكون من الكبائر، قالوا: وهذا شبيهٌ بإخفاء ليلة القدر، وساعة يوم الجمعة، وساعة إجابة الدعاء من الليل، واسم الله الأعظم، ونحو ذلك، مما أُخفِيَ، والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى كلام النوويّ . وقال الحافظ رحمه الله تعالى أيضًا في «الفتح» في «كتاب الحدود» بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في الكبائر، ما نصّه: هاذا تقرر ذلك عُرِف فساد مَن عَرَّف الكبيرة بأنها ما وَجَب فيها الحدّ؛ لأن أكثر المذكورات لا يجب فيها الحدّ، قال الرافعيّ في «الشرح الكبير»: الكبيرة هي الموجبة للحدّ، وقيل: ما يُلْحَق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب أو سنة، وهذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر، وقد أقره في «الروضة»، وهو يُشعر بأنه لا يوجد عن أحد من الشافعية الجمع بين التعريفين، وليس كذلك، فقد قال الماورديّ في «الحاوي»: هي ما يوجب الحدَّ، أو توجَّه إليها الوعيد، و«أو» في كلامه للتنويع، لا للشكّ، وكيف يقول عالم: إن الكبيرة ما وَرَدَ فيه الحدّ مع التصريح في «الصحيحين» بالعقوق، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وغير ذلك؟ والأصل فيما ذكره الرافعيّ قولُ البغوي في «التهذيب»: مَن ارتكب كبيرةً، من زنا، أو لواط، أو شرب الخمر، أو غصب، أو سرقة، أو قتل بغير حقّ تُرَدُّ شهادته، وإن فعله مرةً واحدةً، ثم قال: فكلُّ ما يوجب الحدّ من المعاصي فهو كبيرة، وقيل: ما يُلحَق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب أو سنة. انتهى. والكلام الأول لا يقتضي الحصر، والثاني هو المعتمد. وقال ابن عبد السلام: لم أقف على ضابط الكبيرة - يعني: يسلم من الاعتراض - قال: والأولى ضبطها بما يُشعر بتهاون مرتكبها إشعارَ أصغر الكبائر المنصوص عليها، قال: وضبطها بعضهم بكلّ ذنبٍ قُرِن به وعيدٌ، أو لعن. قال الحافظ: وهذا أشمل من غيره، ولا يَرِد عليه إخلاله بما فيه حدّ؛ لأن كل ما ثبت فيه الحدّ لا يخلو من ورود الوعيد على فعله، ويدخل فيه ترك الواجبات الفورية منها مطلقًا، والمتراخية إذا تضيقت. وقال ابن الصلاح: لها أماراتٌ: [منها]: إيجابُ الحدّ. [ومنها]: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها، في الكتاب أو السنة. [ومنها]: وصف صاحبها بالفسق. [ومنها]: اللعن. قال الحافظ: وهذا أوسع مما قبله. وقد أخرج إسماعيل القاضي بسند فيه ابن لهيعة، عن أبي سعيد - ﵁ - مرفوعًا: «الكبائر كلُّ ذنب أدخل صاحبه النار»، وبسند صحيح عن الحسن البصريّ قال: «كلُّ ذنب نسبه الله تعالى إلى النار فهو كبيرة». ومن أحسن التعاريف قول القرطبيّ في «المفهم»: كلُّ ذنب أُطلق عليه بنصّ كتاب، أو سنة، أو إجماع أنه كبيرة، أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو عُلّق عليه الحدّ، أو شُدّد النكير عليه فهو كبيرة. قال الحافظ: وعلى هذا فينبغي تتبع ما وَرَد فيه الوعيد، أو اللعن، أو الفسق من القرآن، والأحاديث الصحيحة والحسنة، ويُضَمّ إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن، والأحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عُرِف منه تحرير عددها، وقد شرعتُ في جمع ذلك، وأسأل الله الإعانة على تحريره بمنّه وكرمه. وقال الحليميّ في «المنهاج»: ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تُضَمُّ إليها، وتنقلب الكبيرة فاحشةً كذلك، إلا الكفر بالله، فإنه أفحش الكبائر، وليس من نوعه صغيرة. قال الحافظ: ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش وأفحش، ثم ذكر الحليميّ أمثلة لما قال، فالثاني: كقتل النفس بغير حقّ، فإنه كبيرة، فإن قتل أصلًا أو فرعًا، أو ذا رحم، أو بالحرم، أو بالشهر الحرام، فهو فاحشة، والزنا كبيرةٌ، فإن كان بحليلة الجار، أو بذات رحم، أو في شهر رمضان، أو في الحرم، أو جاهر به فهو فاحشة. والأول: كالمفاخذة مع الأجنبية صغيرةٌ، فإن كان مع امرأة الأب، أو حليلة الابن، أو ذات رحم فكبيرة، وسرقةُ ما دون النصاب صغير، فإن كان المسروق منه لا يملك غيره، وأفضى به عدمه إلى الضعف فهو كبيرة. وأطال في أمثلة ذلك، وفي الكثير منه ما يُتَعَقَّب، لكن هذا عنوانه، وهو منهجٌ حسن، لا بأس باعتباره، ومدارُهُ على شدة المفسدة وخفتها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ، وهو بحثٌ نفيسٌ. (المسألة السابعة): قال العلماء رحمهم الله تعالى: الإصرار على الصغيرة يَجعلها كبيرةً، ورُوي عن عمر، وابن عباس، وغيرهما - ﵃ -: «لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار»، ومعناه: أن الكبيرة تُمحَى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار.
مصادر المؤلف (٢٨)

١. باسم الحيوان المعروف. اهـ. «ت» ص ٥٢.

٢. قال الحافظ: قوله: أرسل عن ابن عباس يخالفه قولُ ابن الحذّاء، حيث ذكره في «رجال الموطأ»، فذكر عن ابن الْبَرْقيّ أن مالك ترك ذكر عكرمة بين ابن عباس وثور. انتهى. «تهذيب التهذيب» ١/ ٢٧٦.

٣. «شرح مسلم» ٢/ ٨٤.

٤. «المفهم»١/ ٢٨٣.

٥. «شرح مسلم» ٢/ ٨٨.

٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.

٧. «شرح مسلم» ٢/ ٨٨.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧٩.

٩. «النهاية» ٢/ ٤٤٨.

١٠. أي طرف خفّه.

١١. «المفهم» ١/ ٢٨٤.

١٢. «شرح مسلم» ٢/ ٨٨.

١٣. «الجامع لأحكام القرآن» ٧/ ٣٨٠ - ٣٨١.

١٤. «المفهم» ١/ ٢٨٤.

١٥. «شرح مسلم» ٢/ ٨٤.

١٦. ذكر في «القاموس» أن «حصنًا» المصدر مثلّث الحاء، فراجعه ص ١٠٧٢.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ١٣٩.

١٨. راجع: «تهذيب الأسماء واللغات»، وقد حذفت بعضه؛ لركاكته، وزدت بدل المحذوف من عبارة «الصباح المنير».

١٩. «الجامع لأحكام القرآن» ٧/ ٣٨١ - ٣٨٢.

٢٠. حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ، راجع: «صحيح الترمذيّ» للشيخ الألباني رحمه الله تعالى ٣/ ١٨٢ رقم الحديث (٢٨٣١).

٢١. يعني: السبعة التي أوردها البخاريّ، وهي التي أوردها مسلم أيضًا.

٢٢. يعني: رواية البخاريّ، وهي رواية مسلم أيضًا.

٢٣. «الفتح» ١٢/ ١٨٩ - ١٩٠ «كتاب الحدود» رقم (٦٨٥٧).

٢٤. «فتح» ١٢/ ١٤ - ١٦ «كتاب الأدب».

٢٥. «الفتح» ١٠/ ٤٢٤ - ٤٢٥ «كتاب الأدب» رقم الحديث (٥٩٧٧).

٢٦. من باب فرخ.

٢٧. «شرح مسلم» للنوويّ ٢/ ٨٤ - ٨٥، بزيادة من «الفتح» (١٠/ ٤٢٤ - ٤٢٥) رقم الحديث (٥٩٧٦ - ٥٩٧٧).

٢٨. راجع: «الفتح» ١٢/ ١٩٠ - ١٩١ «كتاب الحدود» رقم الحديث (٦٨٥٧).