HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٦

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظِبْيَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ. قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ. فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ. فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا. فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ. فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ«أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ. قَالَ«أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا». فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ. قَالَ فَقَالَ سَعْدٌ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ يَعْنِي أُسَامَةَ. قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ. وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فتنة.﴾ [٨/ الأنفال/ آية ١٩]
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص67
ج ١ ص ٩٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص١٧٣
البخاري ﵀ في «صحيحه» فقال: (٦٨٦٥) حدّثنا عبدان، حدّثنا عبد الله، حدّثنا يونس عن الزهريّ، حدّثنا عطاء بن يزيد، أنّ عبيد الله بن عديّ حدّثه أن المقداد بن عمرو الكنديّ حليف بني زهرة حدّثه، وكان شهد بدرًا مع النبيّ - ﷺ - أنه قال: يا رسول الله إني لقيتُ كافرًا، فاقتتلنا، فضرب يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ منِّي بشجرة، وقال: أسلمت لله، آقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقتله»، قال: يا رسول الله، فإنه طرح إحدى يديّ، ثم قال ذلك بعدما قطعها، آقتله؟ قال: «لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال». انتهى. وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٤] (٩٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، وَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَقالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَقَتَلْتَهُ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاح، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه، حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأنَا وَاللهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ - يَعْنِي أُسَامَةَ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: ألَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]؟، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) هو: سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠٥. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه المذكور قبل حديث. ٥ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير المذكور في الباب الماضي. ٦ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْران المذكور في الباب الماضي. ٧ - (أَبُو ظَبْيَانَ) - بفتح الظاء المعجمة، وسكون الموحّدة - هو: حُصين بن جُندب بن الحارث بن وَحْشِيّ بن مالك الْجَنْبيّ - بفتح الجيم، وسكون النون، ثم موحّدة - الكوفيّ، ثقة [٢]. رَوَى عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وسلمان، وأسامة بن زيد، وعمار، وحذيفة، وأبي موسى، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وغيرهم، ومن التابعين عن علقمة، وأبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه قابوس، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وسلمة بن كُهيل، والأعمش، وحصين بن عبد الرحمن، وأبو حَصِين، وعطاء بن السائب، وسِمَاك بن حَرْب، وجماعة. قال ابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ، والدارقطنيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة يُنكر أن يكون سَمِع من سلمان، وقال أبو حاتم: قد أدرك ابن مسعود، ولا أظنُّهُ سمع منه، ولا أظنه سمع من سلمان حديثَ العَرَب، ولا يثبت له سماع من عليّ، والذي ثبت له ابنُ عباس، وجرير، وقال ابن حزم: لم يَلْقَ معاذًا، ولا أدركه، وسئل الدارقطنيّ: ألقي أبو ظبيان عُمَر وعليًّا؟ قال: نعم، وقال عَبّاس الدُّوريّ: سألت يحيى عن حديث الأعمش، عن أبي ظَبْيان، قال لي عمر: يا أبا ظبيان أَتَجِد مالًا؟ فقال يحيى: ليس هذا أبو ظبيان الذي يَروِي عن عليّ، ورَوَى عنه سلمة بن كُهَيل، ذاك أبو ظبيان آخر، هو القرشي. قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٨٩) وقال ابن سعد وغيره: مات سنة (٩٠)، وقيل: غير ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وأعاده بعده، وحديث (٢٣١٩): «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿». [تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: وأما قوله: «عن أبي ظبيان»: فهو بفتح الظاء المعجمة، وكسرها، فأهل اللغة يفتحونها، ويُلَحِّنون مَن يكسرها، وأهلُ الحديث يكسرونها، وكذلك قَيَّده ابن ماكولا وغيره. انتهى . ٨ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْد) بن حارثة بن شَرَاحيل بن عبد الْعُزَّى بن زيد بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد وَدّ بن عوف بن كِنانة بن بكر بن عَوف بن عُذْرة بن زيد اللات بن رُفَيدة بن ثَوْر بن كَلْب بن وبرة الكلبيّ، أبو محمد، ويقال: أبو زيد، وقيل غير ذلك في كنيته، الْحِبُّ ابن الْحِبّ، مولى رسول الله - ﷺ -، وأمه أم أيمن حاضنة النبيّ - ﷺ -. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبيه، وأم سلمة. ورَوَى عنه ابْنَاه: الحسن ومحمد، وابنُ عباس، وأبو هريرة، وكُرَيب، وأبو عثمان النَّهْديّ، وعمرو بن عثمان بن عفان، وأبو وائل، وعامر بن سعد، وعروة بن الزبير، والزِّبْرِقان بن عمرو بن أمية الضَّمْريّ، وقيل: لم يلقه، والحسن البصريّ على خلاف فيه، فقد قال ابن المدينيّ، وأبو حاتم: إن الحسن البصريّ لم يسمع منه شيئًا، وجماعةٌ. استعْمَلَه رسول الله - ﷺ - على جيشٍ فيه أبو بكر وعمر - ﵃ -، فلم يَنفُذ حتى تُوُفِّي النبيّ - ﷺ -، فبعثه أبو بكر إلى الشام. وكان عمر - ﵁ - يُجِلُّه ويُكرمه، وفَضَّله في العطاء على ولده عبد الله بن عمر، واعتزل أسامة الْفِتَن بعد قتل عثمان - ﵁ - إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية، وكان قد سَكَن الْمِزَّة من عَمَلِ دِمَشْق، ثم رجع، فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى المدينة، فمات بها بالْجُرُف، وصَحَّح ابن عبد البر أنه مات سنة أربع وخمسين، وهو ابن (٧٥)، وقال ابن حبان: مات سيدنا رسول الله - ﷺ -، ولأسامة عشرون سنة، زاد ابن سعد: ولم يَعْرِف إلا الإسلام، ولم يَدِنْ بغيره، وذكر ابن أبي خيثمة أن النبيّ - ﷺ -: تُوُفِّي، وله (١٨) سنةً، وقال مصعب الزبيريّ: تُوُفي آخر أيام معاوية بن أبي سفيان، سنة (٨) أو (٥٩) . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثًا ، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه من صيغ الأداء: التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى التحويل، فله إلى الأعمش إسنادان: الأول: أبو بكر، عن أبي حيّان، عن الأعمش، والثاني: أبو كريب، وإسحاق كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش. ٤ - (ومنها): أنه له فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بين اثنين منهما، وأبو كريب هو من التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن أبا معاوبة أثبت من روى عن الأعمش. ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي ظبيان. ٧ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستة من يُكنى بأبي ظبيان غير هذا، وأما أبو ظبيان القرشيّ الذي يروي عن عمر، وعنه سلمة بن كُهيل، وهو مجهول من الطبقة الثالثة، فليس من رجالها، وإنما يُذكر في كتب الرجال للتمييز فقط، فتنبّه. وتقدّم أيضًا أن هذا الباب أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وتقدّم عدد مرويّاته، وأن اسمه حصين بن جُندب، ولا يوجد في هذا الكتاب ممن اسمه حُصين إلا ثلاثة: هذا أحدهم، والثاني حُصين بن عبد الرحمن، أبو الهذيل الكوفيّ الثقة من الطبقة الخامسة، والثالث: حُصين محمد الأنصاريّ السالميّ المدنيّ من الطبقة الثانية، ويزيد البخاريّ على هؤلاء حُصين بن نُمير الواسطيّ من الطبقة الثامنة. ٨ - (ومنها): أن صحابيّه حبّ رسول الله - ﷺ -، وابن حبّه، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» عن أسامة بن زيد - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ -: أنه كان يأخذه والحسن، ويقول: «اللهم إني أحبهما فأحبهما»، أو كما قال، ومناقبه كثيرة، وفضائله شهيرة، وأن هذا الباب أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وتقدّم عدد مرويّاته فيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ) بظاء معجمة مفتوحة، ثم موحدة ساكنة، ثم ياء آخر الحروف (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ) - ﵄ -، وقوله: (وَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ) يعني أن المتن الذي ساقه هو لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأما شيخاه: أبو كريب، وإسحاق بن إبراهيم، فروياه بمعناه (قَالَ) أسامة - ﵁ - (بَعَثنا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ) بفتح السين المهملة، وكسر الراء، وتشديد الياء: القطعة من الجيش، فعيلة بمعنى فاعلة، والجمع سرايا، وسَرِيّات، مثلُ عَطِيّة وعَطَايَا وعَطِيَّات. قاله الفيّوميّ، وقال ابن الأثير: السَّرِيّة: طائفة من الجيش، يَبلُغ أقصاها أربعمائة تُبْعَثُ إلى العدوّ، سُمّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خُلاصة الْعَسكر وخيارهم، من الشيء السّرِيّ، أي النفيس، وقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يَنفُذون سِرًّا وخُفَيةً، وليس بالوجه؛ لأن لام السرّ راءٌ، وهذه ياء. انتهى . (فَصَبَّحْنَا) بتشديد الباء الموحّدة، ويجوز تخفيفها، يقال: صَبَحه، كمنَعَهُ، وصَبّحه بالتشديد: إذا أتاه وقت الصبح ، أي أتيناهم، وهَجَمْنَا عليهم صباحًا بغتة قبل أن يَشْعُروا بنا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨)﴾ [القمر: ٣٨] (الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ) «الْحُرَقات» - بضم المهملة، وفتح الراء، ثم قاف -: هم بطن من جُهَينة، ولذا قال: «من جهينة»، وسُمُّوا بذلك؛ لوقعة كانت بينهم وبين بني مُرَّة بن عوف بن سَعْد بن ذُبْيَان، فأحرقوهم بالسهام؛ لكثرة من قَتَلُوا منهم، ذكره في «الفتح» ، وذكر في موضع آخر، فقال: نسبة إلى الحرقة، واسمه جُهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودعة بن جُهينة، تَسَمّى الْحُرَقة؛ لأنه حرّق قومًا بالقتل، فبالغ في ذلك، ذكره ابن الكلبيّ. انتهى . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: «الْحُرقات» رَوَيناه بضمّ الراء، وفتحها، وهو موضع معروفٌ من بلاد جُهينة، يُسمّى بجمع المؤنّث السالم، كعرفات، وأذرعات. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكره القرطبيّ، ومما سبق عن «الفتح»: أن «الحرقات» تُطلق على قبيلة، وعلى بلدة، وقد جمع بينهما في «لُبّ اللباب»، حيث قال ما حاصله: الْحُرَقيّ بضم الحاء، وفتح الراء، وفي آخره قاف: هذه النسبة إلى الْحُرقات من جُهينة، وبطنٌ من غافق، وناحيةٌ بعُمَان. انتهى . [تنبيه]: قال في «الفتح»: هذه السرية يقال لها سَريّة غالب بن عبيد الله الليثيّ، وكانت في رمضان سنة سبع، فيما ذكره ابن سعد، عن شيخه، وكذا ذكره ابن إسحاق في «المغازي»: حدثني شيخ من أسلم، عن رجال من قومه، قالوا: بعث رسول الله - ﷺ - غالب بن عبيد الله الكلبيّ، ثم الليثيّ إلى أرض بني مُرّة، وبها مِرْداس بن نَهِيك حليف لهم من بني الْحُرَقة، فقتله أسامة، فهذا يُبَيِّن السبب في قول أسامة: «بعثنا إلى الحرقات من جهينة»، والذي يظهر أن قصة الذي قَتَل، ثم مات فدُفن، ولفظته الأرض غير قصة أسامة؛ لأن أسامة عاش بعد ذلك دهرًا طويلًا، وترجم البخاري في «المغازي»: «بَعْثُ النبيّ - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة»، فجرى الداودي في «شرحه» على ظاهره، فقال: «تأمير مَن لم يبلغ». وتُعُقِّب من وجهين: [أحدهما]: أنه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الأمير؛ إذ يَحتمل أن يكون جَعَل الترجمة باسمه؛ لكونه وقعت له تلك الواقعة، لا لكونه كان الأمير. [والثاني]: أنها إن كانت سنة سبع أو ثمان فما كان أسامة يومئذ إلا بالغًا؛ لأنهم ذكروا أنه كان له لما مات النبيّ - ﷺ - ثمانية عشر عامًا. انتهى . (فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا) وفي الرواية التالية: «فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي، حَتَّى قَتَلْتُهُ». قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: اسمه - يعني: الرجل المقتول - مِرْداس بن عمرو الْفَدَكيّ، ويقال: مِرداس بن نَهِيك الْفَزَاريّ، وهو قول ابن الكلبيّ، قتله أُسامة، وساق القصة. وقال صاحب «التنبيه»: هو مِرْداس بن نَهِيك، قاله ابن بشكوال، وجزم به ابن القيّم في «الهدي»، وذكره الطبريّ، ويقال: مِرداس بن عمرو بن نَهِيك، وقال ابن طاهر: هو مِرداس بن عُمَر الفَدَكيّ. انتهى. نقله عنه الحافظ وليّ الدين العراقيّ، والظاهر أنه تحريفٌ من الكاتب، وإنما هو ابن عَمْرو بالواو في آخره، وهذا الرجل يقال فيه: مِرداس بن عمرو، ويقال: مِرداس بن نَهِيك، قاله الذهبيّ في «التجريد». انتهى . وذكر ابن منده أن أبا سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - سَرِيّةً فيها أسامة إلى بني ضَمْرة، فذكر قتل أسامة الرجل. وقال ابن أبي عاصم في «الديات»: حدثنا يعقوب بن حُميد، حدثنا يحيى بن سُليم، عن هشام بن حسان، عن الحسن، أن رسول الله - ﷺ - بعث خيلًا إلى فَدَك، فأغاروا عليهم، وكان مِرْداس الْفَدَكيّ قد خرج من الليل، وقال لأصحابه: إني لاحق بمحمد وأصحابه، فبَصُرَ به رجل، فحَمَل عليه، فقال: إني مؤمن، فقتله، فقال النبيّ - ﷺ -: «هلا شَقَقت عن قلبه؟»، قال: فقال أنس - ﵁ -: إن قاتل مِرداس مات، فدفنوه، فأصبح فوق القبر، فأعادوه، فأصبح فوق القبر مرارًا، فذكروا ذلك للنبيّ - ﷺ -، فأَمَر أن يُطْرَح في واد بين جبلين، ثم قال: «إن الأرض لَتَقْبَلُ مَن هو شرٌّ منه، ولكن الله وَعَظَكم». قال الحافظ: إن ثبت هذا فهو مِرداس آخر، وقتيل أسامة لا يُسَمَّى مِرداسًا، وقد وقع مثل هذا عند الطبريّ في قتل مُحَلِّم بن جَثّامةَ عامرَ بنَ الأضبط، وأن مُحَلِّمًا لَمّا مات، ودُفِن لفظته الأرض، فذكر نحوه. انتهى . (فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ) أي بالرمح، ففي الرواية الآتية: «فأدركت رجلًا، فطعنته برمحي حتى قتلته»، وفي حديث جندب الآتي أيضًا: «فلما رَفَع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله». ويُمكن الجمع بأنه رَفَع عليه السيف أوّلًا، فلما لم يتمكن من ضربه بالسيف طعنه بالرمح، قاله في «الفتح». (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -) وفي الرواية التالية: «فلما قدمنا المدينة بلغ ذلك النبيّ - ﷺ -»، ولا منافاة بينهما؛ لأنه يُحْمَل على أن ذلك بلغ النبيّ - ﷺ - من أسامة، لا من غيره، فيكون تقدير الثاني: بلغ ذلك النبيّ - ﷺ - مني، أفاده في «الفتح». وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قول أسامة في الرواية الأولى: «فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبيّ - ﷺ -»، وفي الرواية الأخرى: «فلما قَدِمنا بلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فقال لي: يا أسامة، أقتلته؟»، وفي الرواية الأخرى: «فجاء البشير إلى النبيّ - ﷺ -، فسأله، فأخبره حتى أخبره خبر الرجل، فدعاه - يعني: أسامة - فسأله»، فيحتمل أن يُجمَع بينها بأن أسامة وقع في نفسه من ذلك شيءٌ بعد قتله، ونَوَى أن يسأل عنه، فجاء البشير، فأَخبَر به قبل مَقْدَم أسامة، وبلغ النبيّ - ﷺ - أيضًا بعد قدومهم، فسأل أسامةَ، فذكره، وليس في قوله: «فذكرته» ما يدُلّ على أنه قاله ابتداءً قبل تقدُّم علم النبيّ - ﷺ - به، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَقَتَلْتَهُ؟») قال ابن التين رحمه الله تعالى: في هذا اللَّوْم تعليم، وإبلاع في الموعظة حتى لا يُقْدِم أحدٌ على قتل مَن تلفظ بالتوحيد. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: في تكراره القول إنكار شديد، وزجرٌ وَكِيدٌ، وإعراضٌ عن قبول عذر أسامة الذي أبداه بقوله: «إنما قالها خوفًا من السلاح». انتهى. (قَالَ) أسامة (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا قَالَهَا) أي كلمة التوحيد (خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ) وفي رواية حصين الآتية: «إنما كان مُتَعَوِّذًا»، وفي رواية ابن أبي عاصم من وجه آخر، عن أسامة: «إنما فَعَلَ ذلك لِيَحْرِز دمه». (قَالَ) - ﷺ - («أفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه، حَتَّى تَعْلَمَ أَقالَهَا أَمْ لَا؟») قال النوويّ رحمه الله تعالى: الفاعل في قوله: «أقالها؟» هو القلب، ومعناه: أنك إنما كُلِّفتَ بالعمل بالظاهر، وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال: «أفلا شققت عن قلبه»؛ لتنظر هل قالها القلبُ، واعتقدها، وكانت فيه، أم لم تكن فيه، بل جَرَت على اللسان فحسبُ؟، يعني: وأنت لست بقادر على هذا، فاقتصر على اللسان فحسبُ، يعني: ولا تطلب غيره. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى . (فَمَا زَالَ) - ﷺ - (يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ) أي يُعِيد مقالته المذكورة، وقال القرطبيّ: قوله: «يكرّرها»: أي كلمة الإنكار، وظاهر هذه الرواية: أن الذي كرّر عليه إنما هو قوله: «أفلا شَقَقتَ عن قلبه، حتى تعلم أقالها أم لا؟»، وفي الرواية الأخرى: أن الذي كرّره عليه إنما هو قوله: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟»، ووجه التوفيق بينهما أن يكون النبيّ - ﷺ - كرّر الكلمتين معًا، غير أن بعض الرواة ذكر إحدى الكلمتين، وذكر آخر الأخرى. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويحتمل أن يكون بعض الرواة رواه بالمعنى، والله تعالى أعلم. (حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ) أي أن إسلامي كان ذلك اليوم؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فتمنى أن يكون ذلك الوقت أَوّلَ دخوله في الإسلام؛ ليأمن من جَرِيرة تلك الْفَعْلة، ولم يُرد أنه تَمَنَّى أن لا يكون مسلمًا قبل ذلك. وقال الخطابي: لعل أسامة تأوّل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، ولذلك عَذَره النبيّ - ﷺ -، فلم يُلزِمه ديةً ولا غيرها. قال الحافظ: كأنه حَمَل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعًا مقيدًا، بأن يَجِبَ الكَفُّ عنه حتى يُخْتَبَر أمره، هل قال ذلك خالصًا من قلبه، أو خشيةً من القتل؟، وهذا بخلاف ما لو هَجَم عليه الموتُ، ووَصَلَ خروج الروح إلى الغرغرة، وانكشف الغطاء، فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة، وهو المراد من الآية. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وإنما تمنّى أسامة أن يتأخّر إسلامه إلى يوم المعاتبة ليسلم من تلك الجناية السابقة، وكأنه استصغر ما كان منه من الإسلام، والعمل الصالح قبل ذلك في جنب ما ارتكبه من تلك الجناية؛ لِمَا حَصَلَ في نفسه من شدّة إنكار النبيّ - ﷺ - لذلك وعِظَمه. [فإن قيل]: إذا استحال أن يكون قتل أسامة لذلك الرجل عمدًا؛ لما ذكرتم، وثَبَتَ أنه خطأ، فلِمَ لم تلزمه الكفّارة، والعاقلةَ الديةُ؟. [فالجواب]: أن ذلك مسكوت عنه، وغير منقول شيءٌ منه في الحديث، ولا في شيء من طرقه، فيَحْتَمِلُ أن يكون النبيّ - ﷺ - حَكَمَ بلزوم ذلك أسامة وعاقلته، ولم يُنقَل، وفيه بُعدٌ؛ إذ لو وقع شيء من ذلك لنُقِل في طريق من الطرق، مع أن العادة تقتضي التحديث بذلك والإشاعة، ويحتمل أن يقال: إن ذلك كان قبل نزول حكم الكفّارة والدية، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ) أي أبو ظبيان (فَقَالَ سَعْدٌ) أي ابن أبي وقّاص - ﵁ - (وَأَنَا وَاللهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ) - بضم الباء - تصغير بَطْن، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قيل لأسامة: ذو الْبُطَين؛ لأنه كان له بطن عظيم. انتهى. وقوله: (- يَعْنِي أُسَامَةَ -) العناية من أحد الرواة، المصنّف، أو من فوقه، يعني بقوله: «ذو البطين»: أسامة بن زيد صاحب القصّة هنا. (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه أبو ظبيان (قَالَ رَجُلٌ) منكرًا قول سعد - ﵁ - المذكور (أَلمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]؟)، قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في «تفسيره» (٢/ ٣٥٣): هذا أمرٌ بالقتال لكل مشرك، في كل موضع، على مَن رآها ناسخةً، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾، والأول أظهر، وهو أَمْر بقتالٍ مُطلق، لا بشرطِ أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، وقال - ﷺ -: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، فدَلَّت الآية والحديث على أنّ سبب القتال هو الكفر؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أي كُفْرٌ، فجَعَل الغاية عدمَ الكفر، وهذا ظاهرٌ، قال ابن عباس، وقتادة، والربيع، والسُّدِّيّ، وغيرهم: الفتنة هنا الشرك، وما تابعه من أذى المؤمنين، وأصل الفتنة الاختبار والامتحان، مأخوذ من فَتَنْتُ الفضة: إذا أدخلتها في النار؛ لتميز رديئها من جَيِّدها. انتهى كلام القرطبيّ . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في «تفسيره» (٢/ ٣٠٩): وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: لا يكون شرك، وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسُّدّيّ، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير وغيره، من علمائنا: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتى لا يُفْتَنَ مسلم على دينه، وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، قال الضحاك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يُخْلَص التوحيد دئه، وقال الحسن، وقتادة، وابن جرير: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أن يقال: لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله، ليس فيه شركٌ، ويُخْلَع ما دونه من الأنداد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، لا يكون مع دينكم كفرٌ، ويشهد لهذا ما ثَبَتَ في «الصحيحين» من حديث ابن عمر - ﵄ -، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿». وأخرجا من حديث أبي موسى الأشعريّ - ﷺ - قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل رياءً، أَيُّ ذلك في سبيل الله ﷿؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله ﷿» . (فَقَالَ سَعْدٌ) بن أبي وقّاص - ﵁ - ردًّا على إنكاره (قَدْ قَاتَلْنَا) أي الكفّار (حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي حتى لا يَفْتِن الكفّار المؤمنين (وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ) يريد الذين يتقاتلون بينهم، لا للكفر، بل لأغراض أخرى بتأويل، أو بغير تأويل، فسعد - ﵁ - ممن لم ير القتال معهم (تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ) أي حتى توجد الفتنة بين المسلمين. [تنبيه]: هذا الذي جرى بين سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - وبين الرجل، قد جرى مثله لعبد الله بن عمر - ﵄ -، وذلك فيما أخرجه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «صحيحه»، فقال: (٤١٥٣) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس صَنَعُوا، وأنت ابن عمر، وصاحب النبيّ - ﷺ -، فما يمنعك أن تَخْرُج؟ فقال: يمنعني أن الله حَرَّم دم أخي، فقالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله. وزاد عثمان بن صالح، عن ابن وهب، قال: أخبرني فلان، وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو الْمَعَافريّ، أن بُكير بن عبد الله حدَّثه، عن نافع: أن رجلًا أتَى ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما حَمَلك على أن تَحُجّ عامًا، وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله ﷿، وقد عَلِمت ما رَغَّب الله فيه؟ قال: يا ابن أخي، بُنِي الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت، قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله - ﷺ -، وكان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يُفْتَن في دينه، إما قتلوه، وإما يعذبونه، حتى كَثُر الإسلام، فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه، وأما عليّ فابن عم رسول الله - ﷺ -، وخَتَنه، وأشار بيده، فقال: هذا بيته حيث ترون. و(٤٦٥١) حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا بيان أن ابن وَبَرَة حدثه، قال: حدثني سعيد بن جبير، قال: خَرَج علينا، أو إلينا ابن عمر - ﵄ -، فقال رجلٌ: كيف تَرَى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد - ﷺ - يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك. هذا كله سياق البخاري رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُسامة بن زيد - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٤٣/ ٢٨٤ و٢٨٥] (٩٦)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٢٦٩)، و«الديات» (٦٨٧٢)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦٤٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٠٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» (١/ ٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٩٢ و١٩٣ و١٩٤ و١٩٥ و١٩٦)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٢٧٦ و٢٧٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم قتل الكافر بعدما قال: «لا إله إلا الله». ٢ - (ومنها): الإنكار على من يتسارع في النيل ممن أظهر إسلامه، بظنّ أنه إنما يريد به غرضًا دنيويًّا؛ لأن الحكم بما ظهر، لا بما استتر. ٣ - (ومنها): بيان قدر «لا إله إلا الله»، فإن النبيّ - ﷺ - قال لأسامة - ﵁ -: «كيف تصنع بلا إله إلا الله»؟. ٤ - (ومنها): أن «لا إله إلا الله» تُحَاجّ عن صاحبها يوم القيامة؛ لأنه - ﷺ - قال له: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟»، وهو نظير ما وقع لأبي طالب، حيث قال له النبيّ - ﷺ -: «أي عمّ قل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحاجّ لك بها عند الله»، متفقّ عليه. ٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على ترتُّب الأحكام على أسبابها الظاهرة دون الباطنة. قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله - ﷺ -: «أفلا شَقَقت عن قلبه؟»، فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول، أن الأحكام يُعْمَل فيها بالظواهر، والله يتولى السرائر. انتهى . ٦ - (ومنها): أن في قول أسامة - ﵁ -: «حتى تمنيتُ أني أسلمتُ يومئذ» إشعارًا بأنه - ﵁ - استصغر ما سَبَقَ له قبل ذلك من عمل صالح، في مقابلة هذه الْفَعْلة لَمّا سَمِع من النبيّ - ﷺ -، من الإنكار الشديد، وإنما أورد ذلك على سبيل المبالغة، قاله القرطبيّ. ٧ - (ومنها): أن الإسلام يَجُبّ ما قبله، فإن أسامة - ﵁ - ما تمنّى إسلامه يومئذ إلا لما عَلِم أنه يزيل عنه التبعات، وقد جاء مصرّحًا به في حديث عمرو بن العاص - ﵁ - الآتي للمصنّف أنه - ﷺ - قال له: «أما علمت أن الإسلام يَهْدِم ما كان قبله، وأن الهجرة تَهدِم ما كان قبلها، وأن الحج يَهدِم ما كان قبله؟». ٨ - (ومنها): أنه استدل به النوويّ على رَدّ الفرع الذي ذكره الرافعيّ فيمن رأى كافرًا أسلم، فأُكرِم إكرامًا كثيرًا، فقال: ليتني كنت كافرًا لأكرم، وقال الرافعيّ: يكفر بذلك، وردّه النووي: بأنه لا يَكفُر؛ لأنه جازمُ الإسلام في الحال والاستقبال، وإنما تَمَنَّى ذلك في الحال الماضي مُقَيِّدًا له بالإيمان؛ ليتم له الإكرام، واستَدَلَّ بقصة أسامة - ﵁ -، ثم قال: ويمكن الفرق. انتهى. ٩ - (ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله تعالى: إن هذه القصة كانت سبب حلف أسامة - ﵁ - أن لا يقاتل مسلمًا بعد ذلك، ومن ثَمَّ تَخَلَّف عن علي - ﵁ - في الْجَمَل وصِفِّين. انتهى. ١٠ - (ومنها): أن القرطبي قال: فيه دليلٌ لأهل السنّة على أن حديث النفس كلام وقولٌ، فهو ردّ على من أنكر ذلك من المعتزلة، وأهل البِدَعِ. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال القرطبيّ بهذا الحديث على إثبات الكلام النفسيّ، إن أراد به ما أراده المتكلّمون من أن المراد بكلام الله تعالى هو الكلام النفسيّ، وأما الكلام اللفظيّ فهو عبارة عن النفسيّ، وهو مذهب الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، فهذا مذهبٌ باطل منابذٌ لنصوص الكتاب والسنّة التي هي صريحة في إثبات الكلام اللفظيّ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] الآية، وكقوله - ﷺ -: «من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله به حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» ، وغير ذلك من النصوص، وقد استوفيت البحث في هذه المسألة في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في عدم ذكر وجوب القصاص والدية والكفّارة على أسامة - ﵁ - في هذا الحديث: قال النوويّ رحمه الله تعالى: أما كونه - ﷺ - لم يوجب على أسامة قصاصًا، ولا ديةً، ولا كفارةً، فقد يُسْتَدل به لإسقاط الجميع، ولكن الكفارة واجبةٌ، والقصاص ساقطٌ للشبهة، فإنه ظنّه كافرًا، وظنّ أن إظهاره كلمة التوحيد في هذا الحال لا يجعله مسلمًا، وفي وجوب الدية قولان للشافعي رحمه الله تعالى، وقال بكل واحد منهما بعضٌ من العلماء، ويجاب عن عدم ذكر الكفارة في قصّة أسامة - ﵁ -: بأنها ليست على الفور، بل هي على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأما الدية على قول من أوجبها، فيَحْتَمِل أنّ أسامة كان في ذلك الوقت مُعسِرًا بها، فأُخِّرت إلى يساره. انتهى . وقال في «الفتح»: وأما كونه - ﷺ - لم يُلزِمه ديةً، ولا كفارةً فتوقف فيه الداوديّ، وقال: لعله سَكَت عنه؛ لعلم السامع، أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة. وقال المازريّ رحمه الله تعالى: لم يَذكُر في الحديث قصاصًا، ولا عقلًا، فيحتمل أن يكون إنما أَسقَط ذلك عنه؛ لأنه متأوّلٌ، ويكون ذلك حجّةً في إسقاط العقل على إحدى الروايتين عند المالكيّة في خطأ الإمام، ومن أَذِن له في شيء، فأتلفه غلطًا، كالأجير والخاتن. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لا امتراء أن أسامة - ﵁ - إنما قتله متأوّلًا، وظانًّا أن الشهادة عند معاينة القتل لا تنفع، كما لا تنفع عند حضور الموت، ولم يَعلَم بعدُ حكم النبيّ - ﷺ - فيه، ألا تراه كيف قال: إنما قالها متعوّذًا؟، فحكمه حكم الخاطئ، فسقوط القصاص عنه بَيِّنٌ، وأما سقوط الدية، فلكونه من العدوّ، ولعله لم يكن له وليّ من المسلمين تكون له ديته كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [النساء: ٩٢]، فلم يجعل عليه قصاصًا، ولا ديةً سوى الكفّارة، وهذا مذهب ابن عبّاس، وجماعة في الآية أنها في المؤمن يُقتَلُ خطأ، وقومه كفّار، فليس على عاقلته سوى الكفّارة. وذهب بعضهم إلى أن الآية فيمن كان أولياؤه معاهدين، وذُكر عن مالك، والمشهور عنه أنها فيمن لم يُهاجر من المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. فيكون هذا الحديث ومثله، حُجّةً لهذه المقالات، أو يكون قتله هذا لم يُعلَم إلا بقول أُسامة - ﵁ -، ولم تَقُم بذلك بينةٌ، ولا تعقل العاقلة اعترافًا. قال الجامع: في قوله: «إلا بقول أسامة … إلخ» نظر؛ لأنه سيأتي في الرواية الآتية: أن البشير بَلَّغ بذلك النبيّ - ﷺ - قبل أسامة، فتبصر، والله تعالى أعلم. قال: ولم يكن لأسامة - ﵁ - مالٌ، فيكون فيه الدية، أو يكون قد تحقّق النبيّ - ﷺ - بوحي الله تعالى أن المقتول لم يقل: لا إله إلا الله مخلصًا، بل قالها معتصمًا بها من القتل، غير معتقد لها، فكان كافرًا في الباطن، لكن شدّد النبيّ - ﷺ - على أسامة الأمر، وعظّمه عليه؛ لئلا يواقعه ثانية في قائلها عن صحّة وحقيقة، وممن يكتم إيمانه، كما قال للمقداد - ﵁ -، فلهذا كان أسامة بعدُ لا يقاتل مسلمًا، وحَلَفَ على ذلك، ولهذا قَعَد عن نصرة عليّ - ﵁ -. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى . قال الجامع: قوله: «إن المقتول لم يَقُلْ مخلصًا، بل معتصمًا … إلخ» فيه نظر؛ إذ السياق يدفعه، فتأمله بإنصاف، ولهذا قال القرطبيّ رحمه الله تعالى بعدما ذكر نحو هذه الأجوبة، ما نصّه: وهذه الأوجه لا تَسْلَمُ عن الاعتراض، وتتبّع ذلك يُخرج عن المقصود، ولم أجد لأحد من العلماء اعتذارًا عن سقوط إلزام الكفّارة، فالأولى التمسّك بالاحتمالين المتقدّمين. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامح عفا الله عنه: أراد القرطبيّ بالاحتمالين: احتمال كون النبيّ - ﷺ - حكم بلزوم ذلك لأسامة وعاقلته، ولكنه لم يُنقَل، واحتمال أن يكون ذلك قبل نزول حكم الكفّارة والدية. والذي يظهر لي أن الاحتمال الثاني هو أوجه الاحتمالين، وأرجحهما، وذلك لأن الاحتمال الأول بُعده ظاهرٌ، كالاحتمالات السابقة؛ لأن كونه - ﷺ - حكم به، ثم لا ينقله أحد من الرواة، ولا يثبت في طرق من طرق الحديث أبعد، وأبعد؛ لأن العادة تقتضي التحدّث بمثل ذلك، وإشاعته. والحاصل أن أقرب الأجوبة هو: أن الواقعة إنما وقعت قبل شرع الكفّارة والدية، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥] (…) - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زيدِ بْنِ حَارِثَةَ، يُحَدِّثُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْحُرَقَة، مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَار، رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا، بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ لِي: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: فَقَالَ: «أقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيوْمِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدورقيّ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (حُصَيْن) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ابن عم منصور بن المعتمر، ثقةٌ تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣). رَوَى عن جابر بن سمرة، وعمارة بن رُوَيبة، وعن زيد بن وهب، وعمرو بن ميمون، ومُرّة بن شَرَاحيل، وهلال بن يساف، وأبي وائل، وأبي ظبيان، والشعبي، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوري، وزائدة، وجرير بن حازم، وسليمان التيمي، وهُشيم بن بشير، وخلف بن خليفة، وجرير بن عبد الحميد، وخالد الواسطي، وغيرهم. قال أبو حاتم عن أحمد: حصين بن عبد الرحمن الثقة المأمون، من كبار أصحاب الحديث، وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، والواسطيون أروى الناس عنه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: ثقة، قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: إي والله، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة في الحديث، وفي آخر عمره ساء حفظه، وقال هشيم: أَتَى عليه (٩٣) سنة، وكان أكبر من الأعمش، وقال علي بن عاصم عن حصين: جاءنا قتل الحسين، فمكثنا ثلاثًا كأن وجوهنا طُلِيت رمادًا، قلت: مثل من أنت يومئذ؟ قال: رجلٌ مُنَاهِد، وقال أسلم بن سهل في «تاريخ واسط»: ثنا أحمد بن سنان، سمعت عبد الرحمن يقول: هشيم عن حصين أحب إلي من سفيان، وهشيم أعلم الناس بحديث حصين، وقال علي بن عاصم: قَدِمُت الكوفة يوم مات منصور، فاشتد عليّ، فلقيت حصينًا - يعني: وأنا لا أعرفه - فقال: أدلك على مَنْ يذكر يومَ أُهدِيت أم منصور إلى أبيه؟ قلت: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال أسلم: قال هشيم: رَوَى حصين عن ستة من الصحابة، قال أسلم: واتصل بنا أنه رَوَى عن ثمانية وامرأتين، فذكر أبا جحيفة، وعمرو بن حريث، وابن عمر، وأنسًا، وعُمارة بن رُويبة، وجابر بن سمرة، وعُبيد الله بن مُسلم الحضرمي، وأم عاصم امرأة عتبة بن فَرْقد، وأم طارق مولاة سعد، كذا قال، قال الحافظ: وفيه بعض ما فيه. وقال النسائي: تغير، وذكره الْعُقيليّ، ولم يذكر إلا قول يزيد بن هارون: إنه نَسِيَ. وقال الحسن - يعني: الحلواني - عن يزيد بن هارون: اختلط، وأنكر ذلك ابن المديني في «علوم الحديث»، فقال: ما اختلط، ولكن تغير، وقال ابن عدي: له أحاديث، وأرجو أنه لا باس به، وذكر ابن أبي خيثمة عن يزيد بن هارون قال: طلبت الحديث، وحصين حَيّ يُقرأ عليه بالْمُبَارك ، وقد نَسِي، وقال ابن حبان في أتباع التابعين من «الثقات» له: يقال: إنه سمع من عُمارة بن رُوَيبة، فإن صحّ ذلك فهو من التابعين، وكان قد ذكر في التابعين: حُصين بن عبد الرحمن السُّلَميّ، سَمِع عمارة بن رُويبة، رَوَى عنه أهل العراق، مات سنة (١٦٣). قال الحافظ: فكأنه ظنّ غيرَ هذا، وهو هو، وإنما لَمّا وقع له الغلط في تاريخ وفاته ظنه آخرَ، والصواب في سنة وفاته - كما قاله مطيّن - أنه سنة (١٣٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا، والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنصَارِ) قال في «الفتح»: «لم أقف على اسم الأنصاريّ المذكور في هذه القصّة»، وكذا قال صاحب «التنبيه» : لا أعرف الأنصاريّ، وقال في «هدي الساريّ»: لم أعرف اسم الأنصاريّ، ويحتمل أن يكون أبا الدرداء - ﵁ -، ففي تفسير عبد الرحمن بن زيد ما يُرشد إليه. انتهى . وقوله: (رَجُلًا مِنْهُمْ) قد تقدّم أنه مِرداس بن نَهِيك، أو ابن عمرو بن نَهِيك. وقوله: (فَلَمَّا غَشِينَاهُ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، معجمتين، من باب تَعِبَ، أي: لَحِقنا به، حتى تَغَطَّى بنا. وقوله: (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أي المدينة النبويّة. وقوله: (بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -) وفي رواية الأعمش الماضية: «فوقع في نفسي من ذلك شيء، فذكرته للنبيّ - ﷺ -»، وفي حديث جندب بن عبد الله - ﵁ - الآتي: «فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -» فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ … «، وتقدّم وجه التوفيق بين هذه الروايات في الحديث الماضي، فلا تغفُل. وقوله: (إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا) أي متحصّنًا ومعتصمًا بهذه الكلمة، وتمام شرح
مصادر المؤلف (٢٦)

١. «شرح النوويّ» ٢/ ١٠٣.

٢. راجع: «الإصابة» ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، و«تهذيب التهذيب» ١/ ١٠٧ - ١٠٨.

٣. هكذا في برنامج الحديث (صخر)، والذي ذكرته في «قرّة العين» نقلًا عن ابن الجوزيّ: أنه روى من الأحاديث (١٢٨) حديثًا، اتفق الشيخان على (١٥) حديثًا، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بحديثين، ولا اختلاف بين هذا وبين ما في البرنامج؛ لأن ما في البرنامج بالمكرّرات، فتأمله، والله تعالى أعلم.

٤. «النهاية» ٢/ ٣٦٣.

٥. راجع: «القاموس» ص ٢٠٧.

٦. «الفتح»١٢/ ٢٠٢«كتاب المغازي»رقم الحديث (٦٨٧٢ - ٦٨٧٥).

٧. «الفتح»٧/ ٥٩١«كتاب المغازي»رقم الحديث (٤٢٧٢ - ٤٢٧٣).

٨. «المفهم»١/ ٢٩٦.

٩. «لبّ اللباب»١/ ٢٤٣.

١٠. «الفتح» ١٢/ ٢٠٣.

١١. راجع: «تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم» ص ٦١.

١٢. المصدر السابق.

١٣. «شرح النوويّ» ٢/ ١٠٧.

١٤. «شرح النوويّ» ٢/ ١٠٤.

١٥. «المفهم» ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.

١٦. «المفهم» ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨.

١٧. «جامع أحكام القرآن» ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤.

١٨. «تفسير ابن كثير» ٧/ ٧٥ - ٧٨.

١٩. «شرح النوويّ» ٢/ ١٠٧.

٢٠. حديث صحيحٌ، أخرجه الترمذيّ في «جامعه» (٢٨٣٥) بإسناد صحيح.

٢١. «شرح النوويّ» ٢/ ١٠٦.

٢٢. «إكمال المعلم» ١/ ٤٤٥ - ٤٤٨.

٢٣. «المفهم» ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨.

٢٤. اسم موضع.

٢٥. راجع:«تنبيه المعلم»ص ٦١ - ٦٢.

٢٦. راجع:«الفتح»١٢/ ١٩٥، و«هدي الساري» ص ٣٠٧.