HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٤

حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى. قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ. وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ. فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص70
ج ١ ص ١٠٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص٢٣٥
٢ - (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه المذكور قريبًا. ٤ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) - بمعجمتين، وزان جَعْفَر - المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٥ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (١٨٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨، والأعمش سبق في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش، عبد الله بن مُرّة، عن مسروق، عن عبد الله - ﵁ -. وقوله: (وَقَالَا: «وَشَقَّ، وَدَعَا») ضمير التثنية لجرير، وعيسى بن يونس، يعني: أنهما روياه بالواو بدل «أو». [تنبيه]: رواية عيسى أخرجها النسائيّ في «المجتبى» (١٧/ ١٨٦٠)، فقال: أخبرنا عليّ بن خَشْرَم، قال: حدثنا عيسى، عن الأعمش (ح) أنبأنا الحسن بن إسماعيل، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرّة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منا مَن ضرب الخدود، وشَقَّ الجيوب، ودعا بدعاء الجاهلية»، واللفظ لعليّ، وقال الحسن: «بدعوى». وأما رواية جرير، فلم أجدها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الامام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤] (١٠٤) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَني أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا، فَغُشِيَ عَلَيْه، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِه، فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِه، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ: أنا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَإِن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَة، وَالْحَالِقَة، وَالشَّاقَّةِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ) هو: الحكم بن موسى بن أبي زُهَير شِيرزَاد البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطَريّ، ثقةٌ [١٠]. رَأى مالك بن أنس، ورَوَى عن ضَمْرة بن ربيعة، وإسماعيل بن عياش، وشعيب بن إسحاق، وابن المبارك، والوليد بن مسلم، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري تعليقًا، ومسلم، وأبو داود في «المراسيل»، وروى له النسائيّ بواسطة عمرو بن منصور، وابن ماجه بواسطة أبي زرعة الرازيّ، وأبو حاتم، وأحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، والدارميّ، وأبو قدامة السرخسيّ، وابن المدينيّ، والذهليّ، والزعفرانيّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، ومحمد بن يحيى بن سليمان المروزيّ، وجماعة. قال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرةً: ثقةٌ، وكذا قال العجليّ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، وكان رجلًا صالحًا، ثبتًا في الحديث، وقال موسى بن هارون: حدثنا الحكم بن موسى، أبو صالح الشيخ الصالح، وقال: بلغني عن ابن المدينيّ أنه قال كذلك، وكذا قال البغويّ، وقال صالح جزرة: الثقة المأمون، وقال ابن قانع: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال البخاري وجماعة: مات سنة (٢٣٢)، زاد البغويّ: ليومين من شوال. أخرج له البخاري في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. [تنبيه]: «الْقَنْطَريّ» - بفتح القاف، وسكون النون، وفتح الطاء -: منسوب إلى قَنْطَرَة بَرَدَان - بفتح الباء والراء -: جِسْرُ بغداد، قاله النوويّ في «شرحه». وذكر السمعانيّ في «الأنساب»، والمجد في «القاموس»: أن «القَنْطَرَة» اسم لعدّة مواضع كثيرة، وذكرا بعض من ينتسب إليها، ولكن لم يذكر الحكم بن موسى إلى أيها ينتسب؟ ، والله تعالى أعلم. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بن واقد الحضرميّ، أبو عبد الرحمن الْبَتْلَهِيّ الدمشقيّ القاضي، من أهل بيت لَهْيَا، ثقة، رُمي بالقدر [٨]. رَوَى عن الأوزاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وثور بن يزيد، ونصر بن علقمة، وزيد بن واقد، وسليمان بن أرقم، وسليمان بن داود الخولاني، وعمرو بن مهاجر، ومحمد بن الوليد الزُّبَيْديّ، ويحيى بن الحارث الذَمَاريّ، ويزيد بن أبي مريم الشامي، وجماعة. ورَوَى عنه ابنه محمد، وابن مهديّ، والوليد بن مسلم، وأبو مسهر، ومحمد بن المبارك، ومروان بن محمد، ويحيى بن حسان، وعبد الله بن يوسف، والحكم بن موسى، وأبو النضر الفراديسيّ، ومحمد بن عائذ، وهشام بن عمار، وعلي بن حجر، وآخرون. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وكذا قال الْمَرُّوذيّ عن أحمد، وقال الغلابي وغيره عن ابن معين: ثقة، قال الغلابي: كان ثقة، وكان يُرمَى بالقدر، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: كان قدريًّا، وكان صدقة بن خالد أحب إليهم منه، وقال عثمان الدارمي عن دُحيم: ثقة عالم، لا أشك إلا أنه لقي علي بن يزيد، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، قلت: كان قدريًّا؟ قال: نعم. وقال النسائي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، وكان قاضيًا على دمشق ثقة. وقال عبد الله بن محمد بن سيار: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث صالحه. وقال عمرو بن دُحيم: أعلم أهل دمشق بحديث مكحول الهيثم بن حميد، ويحيى بن حمزة. وقال العجلي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة مشهور، وقال مروان بن محمد: استقضاه المنصور سنة ثلاث وخمسين، فلم يزل قاضيًا حتى مات، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: وُلد سنة ثلاث ومائة، ومات سنة ثلاث وثمانين ومائة، وكذا قال أبو مسهر وغيره، قال أبو سليمان بن زَبْر: وُلد سنة اثنتين، وقيل: سنة خمس، وقيل غير ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث، هذا الحديث، وحديث (١٢١١): «وإنها لحابستنا …»، و(١٥٤٨): «فلا تفعلوا، ازرعوها، أو أزرعوها …»، و(١٨٨٨): «رجلٌ يُجاهد في سبيل الله بماله …»، و(١٥٣٧): «لا تزال طائفة من أمتي قائمةً …»، و(١٩٧٥): «أَصْلِحْ هذا اللحم، فأصلحته …»، و(٢٨٦٤): «تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق …»، و(٢٩٤٤): «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا …». ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقةٌ [٧] (مات سنة بضع و١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ) - بالمعجمة، مصغّرًا - أبو عُروة الْهَمْدانيّ - بالسكون - الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ فاضل [٣]. رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي أُمامة، وأبي مريم الأزديّ، وعلقمة بن قيس، ووَرّاد كاتب المغيرة، وأبي بردة بن أبي موسى، وغيرهم. ورَوى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وسِمَاك بن حَرْب، وعلقمة بن مَرْثَد، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والْحَكَم بن عُتيبة، وسَلَمة بن كُهيل، والحسن بن الْحُرّ، وحسان بن عطية، وموسى بن سليمان، ويزيد بن أبي مريم الشاميّ، وغيرهم. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: لم نَسمع أنه سَمِع من أحد من الصحابة، وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق ثقةٌ كوفيُّ الأصل، كان مُعَلّمًا بالكوفة، ثم سكن الشام، وقال عباد بن العَوّام، عن إسماعيل بن أبي خالد: كنا في كُتَّابه، وكان يُعَلِّمُنا، ولا يأخذ منا، وقال العجليّ، وابنُ خِرَاش: ثقةٌ، وقال الأوزاعيّ: أتى القاسمُ بن مُخَيْمِرة عمرَ بن عبد العزيز، ففَرَض له، وأمر له بغلام، فقال: الحمد لله الذي أغناني عن التجارة، قال: وكان له شريك كان إذا رَيح قاسمه، ثم قعد في بيته، فلا يخرج حتى يأكله، قلت: وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: ما أحْسُبُه سَمِع من ابن أبي موسى، وكان من خيار الناس، ومن صالحي أهل الكوفة، انتقل منها إلى الشام مُرَابطًا، وقال في موضع آخر: سأل عائشة عما يَلْبَس المحرم. قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن حبّان: ما أحسبه سمع من ابن أبي موسى، فيه نظر لا يخفى، فقد أخرج له مسلم هذا الحديث من روايته عنه، وقد صرّح بأنه حدّثه، فكيف يستقيم هذا الحسبان؟، اللهمّ إلا أن يريد بابن أبي موسى غير أبي بردة، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. قال خليفة وغير واحد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة مائة، وقيل: سنة إحدى ومائة. أخرج له البخاريّ في «التعاليق»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٢٧٦): «ثلاثة أيام ولياليهنّ للمسافر …». و«أَبُو بُرْدَةَ»، و«أَبُو مُوسَى الأشعريّ» تقدّما قبل باب، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وأخرج له البخاري في التعاليق، وأبو داود في «المراسيل»، وغير القاسم، فعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين غير شيخه، فبغداديّ، وأبي بردة، وأبي موسى، فكوفيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: القاسم، عن أبي بردة، والابن عن أبيه: أبي بردة عن أبي موسى - ﵁ -. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من مشاهير الصحابة - ﵃ -، ذو مناقب جمّة، أمّره عمر، ثم عثمان - ﵃ -، وهو أحد الحكمين بصفّين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن الْقَاسِم بْنِ مُخَيْمِرَةَ - بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، مصغّرًا - (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى) قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، وقوله؛ (قَالَ) تفسير لـ «حدّثني» (وَجِعَ) بفتح الواو، وكسر الجيم - من باب تَعِبَ: أي مرض (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس - ﵁ -، وقوله: (وَجَعًا) منصوب على أنه مفعول مطلقٌ. [فائدة]: قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: وَجِعَ فلانًا رأسُهُ أو بطنُهُ، يُجعلُ الإنسان مفعولًا، والعضو فاعلًا، وقد يجوز العكسُ، وكأنه على القلب لفهم المعنى، يَوْجَعُ وَجَعًا، من باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ: أي مَرِيضٌ متألِّمٌ، ويقع الْوَجَعُ على كلّ مرضٍ، وجمعه أوجاعٌ، مثلُ سَبَب وأسباب، ووِجَاعٌ أيضًا بالكسر، مثلُ جَبَل وجبال، وقومٌ وَجِعُونَ، وَوَجْعَى، مثلُ مَرْضَى، ونساءٌ وَجِعَات، ووَجَاعَى، وربّما قيل: أوجعه رأسُهُ با لألف، والأصلُ: وَجِعَهُ ألمُ رأسه، وأوجعه ألمُ رأسه، لكنّه حُذف للعلم به، وعلى هذا، فيقال: فلانٌ مَوْجُوعٌ، والأجودُ: مَوْجُوعُ الرأس، وإذا قيل: زيدٌ يَوْجَعُ رأسَهُ بحذف المفعول انتصب الرأسُ، وفي نصبه قولان: قال الفرّاءُ: وَجِعْتَ بَطنَكَ، مثلُ رَشِدتَ أمرَكَ، فالمعرفة هنا في معنى النكرة، وقال غير الفرّاء: نُصِبَ البطنُ بنزع الخافض، والأصلُ وَجِعْتَ من بطنك، ورَشِدتَ في أمركَ؛ لأن المفسِّرَات عند البصريين لا تكون إلا نكرات، وهذا على القول بجعل الشخص مفعولأ واضحٌ، أما إذا جُعِل الشخص فاعلًا، والعضوُ مفعولًا، فلا يَحتاج إلى هذا التأويل. انتهى كلام الفيّوميّ . (فَغُشِيَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول: أي أُغمي عليه، قاله ابن الأثير، وقال الفيّوميّ: غُشِيَ عليه بالبناء للمفعول غَشْيًا بفتح الغين، وضمُّها لغة، والْغَشْيَةُ بالفتح: المرّةُ، فهو مَغْشي عليه، ويقال: إن الْغَشْي يُعَطِّلُ الْقُوَى المحَرِّكة، والأَوْرِدة الْحَسَّاسَة؛ لضعف القلب بسبب وَجَعٍ شديدٍ، أو بَرْد، أو جُوعٍ مُفْرط، وقيل: الْغَشْيُ: هو الإغماءُ، وقيل: الإغماء: امتلاء بُطُون الدماغ من بَلْغَمٍ باردٍ غَلِيظٍ، وقيل: الإغماءُ سَهْوٌ يَلْحَقُ الإنسانَ مع فُتُور الأعضاء لعلّةٍ. انتهى . (وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، و«الْحِجْرُ» بفتح الحاء المهملة، وكسرها لغتان، قاله ابن الأثير رحمه الله تعالى: «الْحِجْرُ» - بالفتح والكسر -: الثوبُ، والْحِضْنُ، والمصدر بالفتح لا غير، وقال أيضًا في تفسير قول عائشة - ﵂ -: «هي اليتيمة تكون في حجر وليّها»: يجوز أن يكون من حِجْر الثوب، وهو طرفه الْمُقَدَّم؛ لأن الإنسان يُرَبّي وَلَدهُ في حَجْره. انتهى . وقال الفيّوميّ: وحَجْرُ الإنسان بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنُهُ، وهو ما دون إبطه إلى الْكَشْح. انتهى . وقوله: (مِنْ أَهْلِهِ) بيان لـ «امرأة» (فَصَاحَتِ امْرَأةٌ مِنْ أَهْلِهِ) أي رفعت صوتها بالبكاء، وفي الرواية التالية من طريق أبي صخرة عن عبد الرحمن بن يزيد، وأبي بردة: «وأقبلت امرأته أم عبد الله، تَصِيح برَنَّة …»، وللنسائيّ من طريق يزيد بن أوس، عن أم عبد الله امرأةِ أبي موسى، عن أبي موسى، فذكر الحديث دون القصّة، ولأبي نُعيم في «مستخرجه» من طريق ربعيّ، قال: «أُغمي على أبي موسى، فصاحت امرأته بنتُ أبي دومة». قال الحافظ رحمه الله تعالى: فحصلنا على أنها أمّ عبد الله بنت أبي دومة، وأفاد عُمر بن شَبّة في «تاريخ البصرة» أن اسمها صفيّة بنت دومون، وأنها والدة أبي بردة بن أبي موسى، وأن ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة من قِبَل عمر بن الخطاب - ﵁ -. انتهى . (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) أبو موسى - ﵁ - (أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا) أي من الإنكار على فعلها (فَلَمَّا أفَاقَ) أي رجع من غيبوبة عقله، قال في «القاموس»: أفاق من مرضه: رجعت الصحّة إليه، أو رجع إلى الصحّة، كاستفاق. انتهى . وقال في «المصباح»: أفاق المجنون إفاقةً: رجع إليه عقله، وأفاق السكران إفاقةً، والأصل: أفاق من سُكره، كما استيقظ من نومه. انتهى . (قَالَ) أبو موسى - ﵁ - (أنا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) قال النوويّ رحمه الله تعالى: كذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول «مِمّا»، وهو صحيح: أي من الشيء الذي بَرِئ منه رسول الله - ﷺ -. انتهى . قال في «القاموس»: بَرِئَ من الأمر يَبْرَأُ، وَيبْرُؤُ - بضم الراء، نادرٌ - بَرَاءً - بالفتح -، وبُرَاءَةً - بالضمّ -، وبُرُوءًا - بضمّتين -: تَبَرّأَ، وأبْرَأك منه، وبرّأَكَ، وأنت بَرِيءٌ، جمعه بَرِيئون، وكفُقَهَاءَ، وكِرَامٍ، وأَشْرافٍ، وأَنْصِباءَ، ورُخَالٍ - بضم، ففتح -، وهي بهاء، جمعه بَرِيئاتٌ، وبَرِيّات، وَبَرَايَا، كخَطَايَا، وأنا بَرَاءٌ منه، لا يُثَنَّى، ولا يُجَمَعُ، ولا يؤنّثُ: أي بَرِيءٌ. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصل البراءة الانفصال عن الشيء، والبينونة منه، ومنه البراءة من العيوب والدَّين، ويَحْتَمِل أن يريد به أنه متبرّئٌ من تصويب فعلهم هذا، أو من الْعُهْدة اللازمة له في التبليغ. انتهى . وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: «أنا بريء ممن حَلَقَ»: أي من تصويب فعلهنّ، أو مما يستوجبن عليه من العقوبة، أو من عهدة ما لَزِمَني في بيانه عليهنّ، وتعريفهنّ ما فيه من الإثم، وأصل البراءة الانفصال، والبينونة، ومنه: بارأ الرجل امرأته إذا فارقها. انتهى . وقال النوويّ بعد نقله كلام عياض، ما نصُّهُ: ويجوز أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذه الأمور، ولا يُقدَّر فيه حذف. انتهى . (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) الفاء للتعليل، أي لأنه - ﷺ - (بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ) اسم فاعل من صَلَق - بالصاد المهملة، والقاف -: أي التي ترفع صوتها بالبكاء عند المصيبة، ويقال فيه بالسين المهملة بدل الصاد (وَالْحَالِقَةِ) اسم فاعل من حلق الشعر، أي التي تحلق رأسها عند المصيبة (وَالشَّاقَّةِ) اسم فاعل من شقّ الشيءَ: إذا قطعه، أي تقطع ثوبها عند المصيبة. قال القاضي عياض - ﵀ -: قال المازريّ: قال أبو عبيد: الصالقة بالصاد، والسين، والسَّلَق: هو الصوت الشديد، من قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، قال الهرويّ: فـ «الصالقة»: التي ترفع صوتها في المصيبات، و«الحالقة»: التي تَحْلِق شعرها عند المصيبات، قال غيره: و«الشاقّة»: التي تشقّ ثوبها في تلك الحال، كما قال - ﷺ - في الحديث الآخر: «ليس منّا من شَقَّ الجيوب» ، قال غيره: وُيبيّن تفسير الصالقة قوله في نفس الحديث: «فأقبلت امرأته برَنَّة»، فقال لها هذا الكلام، وهو معنى «دعوى الجاهليّة» في الحديث الآخر، قال أبو زيد: و«الصَّلَق»: الْوَلْوَلةُ بالصوت الشديد، وذُكر عن ابن الأعرابيّ أنه ضرب الوجه، فإذا كان على هذا، فيُفسِّرُهُ إذن الحديثُ الآخر: «ليس منّا من ضَرَبَ الخدود»، يريد عند المصيبة. انتهى كلام القاضي . وقال النوويّ في «شرحه»: قوله: «الصالقة، والحالقة، والشاقّة»، وفي الرواية الأُخرى: «أنا بريء ممن حَلَقَ، وسَلَقَ، وخَرَقَ»، فـ «الصالقة» وقعت في الأصول بالصاد، و«سَلَقَ» بالسين، وهما صحيحان، وهما لغتان: السَّلَق، والصَّلَق، وسَلَقَ، وَصَلَقَ، وهي صالقةٌ، وسالقة، وهي: التي ترفع صوتها عند المصيبة، و«الحالقة»: هي التي تَحْلِق شعرها عند المصيبة، و«الشاقة»: التي تَشُقّ ثوبها عند المصيبة، هذا هو المشهور الظاهر المعروف، وحَكَى القاضي عياض، عن ابن الأعرابيّ أنه قال: «الصَّلَق»: ضرب الوجه ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى . [تنبيه]: هذا الحديث علّقه البخاريّ رحمه الله تعالى عن شيخ المصنّف، فقال: وقال الحكم بن موسى: حدّثنا يحيى بن حمزة، ثم ساقه، فقال في «الفتح»: ووقع في رواية أبي الوقت: «حدّثنا الحكم»، وهو وَهَمٌ، فإن الذين جمعوا رجال البخاريّ في «صحيحه» أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه، فدلّ على أن الصواب رواية الجماعة بصيغة التعليق، وقد وصله مسلم في «صحيحه»، فقال: «حدّثنا الحكم بن موسى، وكذا ابن حبّان، فقال: أخبرنا أبو يعلى، حدّثنا الحكم». انتهى . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٤٦/ ٢٩٤ و٢٩٥ و٢٩٦] (١٠٤)، وعلّقه (البخاريّ) في «الجنائز» (١٢٩٦)، و(أبو داود) في «الجنائز» (٣١٣٠)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (١٨٦١ و١٨٦٣ و١٨٦٥ و١٨٦٦ و١٨٦٧)، و(ابن ماجه) في «كتاب الجنائز» (١٥٨٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٩٦ و٤٥٤ و٤١١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٥٣ و١٥٤ و١٥٥ - و١٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣١٥٠ و٣١٥١ و٣١٥٢ و٣١٥٣ و٣١٥٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن هذه الأمور منافية للإيمان؛ إذ هي تدلّ على عدم الرضا بقضاء الله تعالى، والرضا به من جملة أمور الإيمان، وهذا هو وجه إيراد الحديث في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): تحريم رفع الصوت بالبكاء والويل عند المصيبة، وكذلك حلق الشعر، وشقّ الثوب؛ لأنها تدلّ على السخط بقضاء الله - ﷾ -. ٣ - (ومنها): التبرّي من أصحاب البدع والمعاصي، والإنكار عليهم، وعدم السكوت على مخالفاتهم. ٤ - (ومنها): فضلُ الصحابيّ الجليل أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، فقد قام بالنهي عن المنكر، وهو في تلك الحالة حيث اشتدّ مرضه حتى غُشي عليه، فلم يترك امرأته تقع في المخالفة، بل أنكر عليها، وشدّد النكير، وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون همه دائمًا في الدعاء إلى الله تعالى في السرّاء، والضرّاء، والمنشط والمكره، في أقرب الناس إليه وأبعدهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٥] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَخْرَةَ، يَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، قَالَا: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَتَهُ، أُمُّ عَبْدِ الله، تَصِيحُ بِرَنَّةٍ، قَالَا: ثُمَّ أَفَاقَ، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي؟، وَكَانَ يُحَدِّثُهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ، وَسَلَقَ، وَخَرَقَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسِّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وإبراهيم بن مسلم الْهَجَريّ، والأعمش، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد، والمسعوديّ، وأبي الْعُمَيس، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وجماعة. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، والحسن بن علي الْحُلْواني، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وبُندار، وهارون الْحَمّال، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، وجماعة. قال أحمد: رجل صالح، ليس به بأس. وقال أبو أحمد الفراء: قال لي أحمد: عليك بجعفر بن عون. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان، وابن شاهين في «الثقات». وقال ابن قانع في «الوفيات»: كان ثقة. وقال البخاري: مات سنة (٢٠٦). وقال أبو داود: سنة (٢٠٧)، قيل: مات وهو ابن (٨٧)، وقيل: (٩٧) سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٤ - (أَبُو عُمَيْسٍ) - بضمّ العين المهملة، وفتح الميم، وإسكان الياء، وبالسين المهملة، مصَغّرًا - هو: عُتبة بن عبد الله بن عُتبة بن عبد الله بن مسعود المسعوديّ الكوفيّ، ثقة [٧]. رَوَى عن أبيه، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وإياس بن سَلَمة بن الأكوع، وأبي صخرة جامع بن شداد، وعون بن أبي جحيفة، وقيس بن مسلم الْجَدَليّ، وابن أبي مُليكة، وعليّ بن الأقمر، وعبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن إسحاق، وهو من أقرانه، وشعبة، ومحمد بن ربيعة الكِلابيّ، ووكيع، وأبو معاوية، وعبد الواحد بن زياد، وابن عيينة، وحفص بن غياث، وعمر بن عَلِيّ الْمُقَدَّميّ، وأبو أسامة، وجعفر بن عون، وأبو نعيم، وغيرهم. قال علي بن المدينيّ: له نحو أربعين حديثًا، وقال أحمد، وابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: كان ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٥ - (أَبُو صَخْرَةَ) هو: جامع بن شدّاد المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٥]. رَوَى عن صفوان بن مُحرِز، وطارق بن عبد الله المحاربي، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي بردة بن أبي موسى، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وجماعة. ورَوَى عنه الأعمش، ومسعر، وشعبة، والثوري، والمسعودي، وأبو العميس، وغيرهم. قال البخاري عن علي: له نحو عشرين حديثًا، وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة متقن، وقال العجلي: شيخ عالٍ ثقةٌ، من قدماء شيوخ الثوري. وقال أبو نعيم: مات سنة ١١٨، وقال ابن سعد: مات سنة ١٢٨، وقال في موضع آخر: سنة ١٢٧، وفي كتاب «الطبقات» لابن سعد: أخبرنا طلق بن غنام: سمعت قيس بن الربيع يقول: مات جامع بن شداد ليلة الجمعة لليلة بقيت من رمضان سنة (١١٨)، وكذا ذكر ابن حبان في «الثقات» وفاته، ثم قال: وقيل: سنة ١٢٧، وفيها أرخه خليفة بن خياط. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وحديث (٢٣١): «ما من مسلم يتطهّر، فيتمّ الطهور …»، وأعاده بعده. [تنبيه]: «أبو صخرة» هذا بالهاء في آخره، قال النوويّ: كذا وقع هنا، وهو المشهور في كنيته، ويقال فيه أيضًا: أبو صخر، بحذف الهاء. انتهى . ٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة من كبار [٣]. رَوَى عن أخيه الأسود، وعمه علقمة، وعن حذيفة، وعثمان، وابن مسعود، وسَلْمان، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي موسى، وعائشة، والأشتر النخعي. ورَوى عنه ابنه محمد، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وعُمارة بن عمير، وأبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم بن مهاجر، وسلمة بن كهيل، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: كوفي تابعي ثقة، وقال الدارقطنيّ: هو أخو الأسود، وابن أخي علقمة، وكلهم ثقات، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث كثيرة، تُوُفّي في ولاية الحجاج قبل الجماجم، وقال يحيى بن بكير: سنة (٧٣)، وقال عمرو بن علي: مات في الجماجم سنة ثلاث وثمانين، وقال ابن حبان في «الثقات»: قتل في الجماجم سنة (٨٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا. والباقيان تقدّما في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه شيخان قرنهما، وفيه التحديث، والإخبار، والقول، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، فالأول تفرّد به هو والترمذيّ، وعلّق عنه البخاريّ، والثاني ما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه أيضًا، فالأول كسّيّ، والثاني مروزي. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين. ٥ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب الستّة من يُكنى بأبي العميس إلا عتبة بن عبد الله هذا، ولا بأبي صخرة إلا جامع بن شدّاد هذا، وهذا الباب أول محلّ ذكرهما، وذكر عبد الرحمن بن يزيد، وهو أخو الأسود بن يزيد النخعيّ، وقد أسلفت آنفًا ما لكلّ واحد منهم من الأحاديث في هذا الكتاب، فلا تغفل، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ، أُمُّ عَبْدِ اللهِ) بالرفع بدل من «امرأتُهُ»، وعبد الله هذا ولد أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، وقد سبق الكلام في امرأته في الحديث الماضي، فلا تَنْسَ. وقوله: (تَصِيحُ) بفتح أوله، مضارع صاح بالشيء يصيح، من باب باع صَيْحةً وصِيَاحًا: إذا صَرَخَ. وقوله؛ (بِرَنَّةٍ) - بفتح الراء، وتشديد النون -: أي بصوت، قال الفيّوميّ: رَنَّ الشيءُ يَرِنُّ، من باب ضرب رَبينًا: صَوَّتَ، وله رَنَّةٌ: أي صيحةٌ، وأرنّ بالألف مثلُهُ، وأرَنّت القوس: صَوَّتَتْ. انتهى. وقال صاحب «المطالع»: الرّنّةُ: صوتٌ مع البكاء، فيه ترجيع، كالقَلْقَلة، واللَّقْلَقَة، يقال: أَرَنّت فهي مُرِنَّةٌ، ولا يقال: رَنَّت، وقال: ثابت في الحديث: «لُعِنت الرانّةُ»، ولعله من نقلة الحديث. انتهى كلام صاحب «المطالع». ونقل النوويّ عن أهل اللغة: أن الرّنّةَ، والرَّنِين، والإِرْنَانَ بمعنى واحد، ويقال: رَنّت، وأَرَنَّت، لغتان، حكاهما الجوهريّ، وفيه رَدّ لما قاله صاحب «المطالع» . وقوله: (قَالَا) الضمير لعبد الرحمن بن يزيد، وأبي بردة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث من أفراد المصنّف، وقد سبق أن البخاريّ علّقه أيضًا عن شيخ المصنّف رحمهما الله تعالى، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٦] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيّ، عَنِ امْرَأَةِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيعٍ) بن راشد البكريّ، أبو محمد النيسابوريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن هُشيم، وابن المبارك، وخالد بن عبد الله الواسطيّ، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود في «كتاب الزهد»، وروى النسائي في «اليوم والليلة» عن زكريا السِّجْزيّ عنه، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وإبراهيم بن الجنيد، وعبد الله بن أحمد، ومحمد بن عبيد الله بن المنادي، وأحمد بن الحسين الصوفي الصغير، وإسحاق بن إبراهيم الْمَنْجَنِيقيّ، وعبد الله بن محمد البغويّ، وغيرهم. ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مستقيم الحديث، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال أبو القاسم البغويّ: مات في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين ومائتين. وله في هذا الكتاب حديئان فقط، هذا، وحديث (٣٠٣١): «بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ﴿وَمِنْهُمْ﴾، ﴿وَمِنْهُمْ﴾ …» . ٢ - (هُشَيْم) بن بَشِير بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (حُصَيْن) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ، تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٥. ٤ - (عِيَاضٌ الْأَشْعَرِيُّ) هو: عياض بن عمرو مُخْتَلَفٌ في صحبته، رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبي موسى - ﵁ -، وعن امرأة أبي موسى، ورَوَى عنه الشعبيّ، وسماك بن حرب، وحصين بن عبد الرحمن. قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: رَوَى عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا، ورَوَى عن أبي موسى، ورأى أبا عُبيدة - يعني: ابن الْجَرّاح. قال الحافظ: جاء عنه حديثٌ يَقتضي التصريح بصحبته، ذكره البغوي في «معجمه»، وفي إسناده لِينٌ، واختُلِف على شَرِيك في اسمه، ثم قال البغويّ: يُشَكّ في صحبته، وقال ابن حبان: له صحبة. انتهى . وقال في «الإصابة»: وحديثه عن النبيّ - ﷺ - عند ابن ماجه، من طريق الشعبيّ، قال: شَهِدَ عياضٌ عقدًا بالأنبار، فقال: ما لي لا أراكم تُقَلِّسون كما كان يُقَلَّسُ عند رسول الله - ﷺ -؟، ولم يُسمّ أباه فيها، وأخرجه ابن منده من هذا الوجه، فسَمَّى أباه عمرًا، واختُلف فيه على شريك، عن مغيرة، فقيل: عنه عن زياد بن عياض بن عوف بن عياض بن عمرو، وروايته عن امرأة أبي موسى، عن أبي موسى عند مسلم - يعني: هذا الحديث -. انتهى . انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وله عند ابن ماجه حديث واحد، وهو حديث التقليس المذكور آنفًا، أخرجه برقم (١٢٩٢). (امْرَأَةُ أَبِي مُوسَى) هي: أم عبد الله بنت أبي دومة، لها صحبة، لها هذا الحديث فقط. وفي «تهذيب التهذيب»: أم عبد الله بنت أبي دومة امرأة أبي موسى الأشعريّ، روت عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبي موسى عنه فيمن حَلَقَ، وسَلَقَ، وعنها عِياض الأشعريّ، وقَرْثَعٌ الضَّبّيّ، ويزيد بن أوس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الأعلى النخعيّ، وثابتٌ بن قيس. انتهى . وقال في «الإصابة»: أم عبد الله، امرأة أبي موسى الأشعريّ، أخرج حديثها في «المسند» من طريق إبراهيم، عن لسَهْم بن مِنْجاب، عن قَرْثَع، أنه سمع أبا موسى الأشعريّ، وصاحت امرأته، فقال لها: أما علمت ما قال رسول الله - ﷺ -؟ قالت: بلى، ثم سكتت، فقيل لها: أَيَّ شيء قال رسول الله - ﷺ -؟ قالت: إن رسول الله - ﷺ - لَعَنَ مَن حَلَقَ، أو خَرَقَ، أو سَلَقَ، ورواه عنها أيضًا عياض الأشعريّ عند مسلم، ورواه عنها أيضًا يزيد بن أوس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وآخرون، وقال موسى بن هارون فيما أخرجه دعلج في «فوائده» عنه، عن عبد الله بن بَرّاد الأشعريّ، قال: اسم أبي بُرْدَة عامر، وأمه أم عبد الله بنت دُومِيّ، هاجرت مع أبي موسى، وقال غيره: بنت أبي دُومِيّ . انتهى . [تنبيه]: لم يسق المصنّف رحمه الله تعالى متن حديث امرأة أبي موسى - ﵂ - هنا، وقد ساقه الإمام أحمد في «مسنده»، فقال رحمه الله تعالى: (١٨٨٠٠) حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن سَهْم بن قلت: لم أجد من ذكر أن امرأة أبي موسى، هل هي بنت لهذا الصحابيّ، أم لا؟ والله تعالى أعلم. مِنْجاب، عن الْقَرْثَع، قال: لَمّا ثَقُل أبو موسى الأشعريّ، صاحت امرأته، فقال لها: أما علمت ما قال رسول الله - ﷺ -؟، قالت: بلى، ثم سكتت، فلما مات، قيل لها: أَيُّ شيء قال رسول الله؟ قالت: قال: إن رسول الله - ﷺ - لَعَنَ مَنْ حَلَقَ، أو خَرَقَ، أو سَلَقَ. وأخرجه النسائيّ أيضًا في «الجنائز» (١٨٦٧) عن هناد، عن أبي معاوية به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: […] (…) - (ح) وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشاعِر، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَد، قَالَ: حَدثنِي أَبِي، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِي: ابْنَ أَبِي هِنْدٍ - حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ أَبيِ مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث العنبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٣ - (أَبُوهُ) هوْ عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ، أبو عُبيدة التّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٤ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) الْقُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقة متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٥ - (عَاصِمٌ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] (ت بعد ١٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. ٦ - (صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ) بن زياد المازنيّ، أو الباهليّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ٧٤) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٦. [تنبيه]: لم يسق المصنّف رحمه الله تعالى متن حديث صفوان بن مُحرز، عن أبي موسى - ﵁ -، وقد ساقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في «المسند»، فقال: (١٨٨٩٦) حدثنا عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا داود بن أبي هند، قال: ثنا عاصم بن سليمان، عن صفوان بن مُحْرِز، قال: قال أبو موسى: إني بريء ممن بَرِئ الله منه، ورسوله - ﵁ -، وإن رسول الله - ﷺ - بَرِئ ممن حَلَق، وسَلَق، وخرق. وأخرجه النسائيّ أيضًا، فقال: (١٨٦١) حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: حذثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن عوف، عن خالد الأحدب، عن صفوان بن مُحْرِز، قال: أُغمي على أبي موسى، فبكوا عليه، فقال: أبرأ إليكم كما برئ إلينا رسول الله - ﷺ -: «ليس منّا من حَلَق، أو خَرَق، أو سَلَق»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: […] (…) - (ح) وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثنَا عَبْدُ الصَّمَد، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيث، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا»، وَلَمْ يَقُلْ: «بَرِيءٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، أبو عليّ الخلال، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) ٤/ ٢٤. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث المذكور في السند الماضي. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. ٤ - (عبد الملك بن عمير) بن سُويد بن حارثة القرشيّ، ويقال: اللَّخْميّ، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر الكوفيّ المعروف بالقِبْطيّ، حليف بني عَدِيّ، ويقال له: الْفَرَسيّ - بفتح الفاء والراء، ثم مهملة - نسبة إلى فَرَس له سابق، كان يقال له: الْقِبطيّ - بكسر القاف، وسكون الموحّدة - وربّما قيل ذلك أيضًا لعبد الملك، ثقة فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣]. رأى عليًّا وأبا موسى، وروى عن الأشعث بن قيس، وجابر بن سمرة، وجندب بن عبد الله البجلي، وجرير، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، والنعمان بن بشير، وعمرو بن حريث، وعطية القرظيّ، وغيرهم. وروى عنه ابنه موسى، وشهر بن حوشب، والأعمش، وسليمان التيمي، وزائدة، ومسعر، والثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم. قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو مائتي حديث. وقال علي بن الحسن الْهِسِنْجَاني، عن أحمد: عبدُ الملك مضطرب الحديث جدًّا مع قلة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غَلِط في كثير منها. وقال إسحاق بن منصور: ضعفه أحمد جدًّا. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: سماك أصلح حديثًا منه، وذلك أن عبد الملك يَختَلِف عليه الحفاظ. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: مُخَلِّط. وقال العجلي: يقال له: ابن الْقِبْطية، كان على الكوفة، وهو صالح الحديث، روى أكثر من مائة حديث، تغير حفظه قبل موته. وقال ابن أبي حاتم: ثنا صالح بن أحمد، ثنا علي ابن المديني، سمعت ابن مهدي يقول: كان الثوري يَعْجَب من حفظ عبد الملك. قال صالح: فقلت لأبي: هو عبد الملك بن عُمير؟ قال: نعم. قال ابن أبي حاتم: فذكرت ذلك لأبي، فقال: هذا وَهَمٌ، إنما هو عبد الملك بن أبي سليمان، وعبد الملك بن عُمير لم يوصف بالحفظ. وقال البخاري: سُمِع عبد الملك بن عُمير يقول: إني لأحدث بالحديث فما أترك منه حرفًا، وكان من أفصح الناس. ورواه الميموني عن أحمد، عن ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير مثله. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق الهمداني يقول: خذوا العلم من عبد الملك بن عمير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن نمير: كان ثقةً ثبتًا في الحديث. وقال ابن الْبَرْقِيِّ عن ابن معين: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين. وقال بكر بن المختار عن عبد الملك: صَعِدَ بي أبي إلى المنبر إلى عليّ، فمسح رأسي. وحَكَى ابن أبي خيثمة عن ابن مُرْدَانَبَه: كان الفصحاء بالكوفة أربعة: عبد الملك بن عمير، وذكر الباقين. وقال ابن عيينة: قال رجل لعبد الملك: أين عبد الملك بن عمير القبطي؟ فقال: أما عبد الملك فأنا، وأما القبطي ففرس لنا سابق. وروي عن أبي بكر بن عياش قال: سمعت عبد الملك يقول: هذه السنةُ تُوَفِّي في مائة وثلاث سنين. وقال أبو بكر بن أبي الأسود: مات سنة ست وثلاثين ومائة أو نحوها، زاد غيره: في ذي الحجة. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: وُلد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان، ومات سنة ست وثلاثين ومائة، وله يومئذ مائة وثلاث سنين، وكان مُدَلِّسًا، وكذا ذَكَرَ مولده ووفاته ابنُ سعد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٩) حديثًا. [تنبيه]: اختُلِف في ضبط «القرشي»، فقيل: بالقاف والمعجمة، نسبة إلى قريش، ويدل عليه قول ابن سعد: إنه حليف بني عدي بن كعب، وعليه مَشَى المزّيّ حيث قال: «القرشي، ويقال: اللَّخْمِيّ»، وأما أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وغير واحد، فضبطوه بالفاء والمهملة؛ لنسبته إلى فرسه، حتى خطّأ ابن الأثير من قال غير ذلك، والصواب أنه يجوز في نسبته الأمران؛ لما أسلفناه. والله أعلم . ٥ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) - بكسر الحاء المهملة، وآخره شين معجمةٌ - أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. [تنبيه]: انتقد الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ رحمه الله تعالى على مسلم هذا الإسناد، فقال: وأخرج مسلم حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن عبد الملك بن عُمير، عن رِبْعيّ، عن أبي موسى، عن النبيّ - ﷺ -: «ليس منّا من حَلَقَ، وسَلَقَ، وخَرَقَ». قال: وهذا لم يرفعه غير عبد، وأصحاب شعبة يُخالفونه، ويروونه عنه موقوفًا. انتهى. وقد نقل القاضي عياض هذا الانتقاد من الدارقطنيّ، وأقرّه عليه، وكذا النوويّ، ولكنه دافع عن مسلم، فقال: ولا يضرّ هذا على المذهب الصحيح المختار، وهو إذا رَوَى الحديث بعضُ الرواة موقوفًا، وبعضهم مرفوعًا، أو بعضهم متصلًا، وبعضهم مرسلًا، فإن الحكم للرفع والوصل، وقيل: للوقف والإرسال، وقيل: يُعْتَبر الأحفظ، وقيل: الأكثر، والصحيح الأول، ومع هذا فمسلم رحمه الله تعالى لم يذكر هذ الإسناد معتمدًا عليه، إنما ذكره متابعةً، وقد تكلمنا قريبًا على نحو هذا. انتهى كلام النوويّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا أجاب النوويّ، وهذا الجواب هو الذي يُكرّره دائمًا عند كلّ الانتقادات التي يوجّهها الدارقطني على مسلم، وهو جواب فيه نظر؛ لأن الصواب أنه لا يُحكم للوصل والرفع دائمًا، وإنما يُنظر بحسب المرجحات التي تقترن به، فربما يكون كما قال، وربّما يكون بالعكس، وقد حفقت هذا البحث في شرح المقدّمة، فارجع إليه تزدد علمًا. وأما الجواب الصحيح هنا فيكون من وجوه: [أحدها]: أن دعوى الدارقظنيّ تفرّد عبد الصمد عن شعبة برفع هذا الحديث غير صحيحة، فقد تابعه محمد بن جعفر، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في «مسنده»: (١٨٧١٤) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، عن أبي موسى، أنه أُغمي عليه، فبَكَت عليه أم ولده، فلما أفاق، قال لها: أما بلغك ما قال رسول الله - ﷺ -؟، قال: فسألتها، فقالت: «ليس منا مَن سَلَق، وحَلَق، وخَرَق». وتابعه أيضًا سليمان بن حرب عند النسائيّ، فقال في «سننه»: (١٨٦١) حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، وفيه: «أبرأ إليكم كما برئ إلينا رسول الله - ﷺ -». وقد تقدّم بتمامه في الحديث الماضي. فهذا ثقتان ثبتان في شعبة، قد تابعا عبد الصمد في رفعه. [ثمانيها]: أن عبد الصمد من أثبت الناس في شعبة، فقد قال عليّ ابن المدينيّ: عبد الصمد ثَبْت في شعبة. انتهى . فلو فُرض تفرّده بالرفع عن شيخ هو ثبت فيه، فالحقّ قبوله، فكيف، ولم ينفرد به؟. [ثالثها]: أن مثل هذا الانتقاد لا يضرّ بمسلم رحمه الله تعالى، فإنه ما ساق هذه الطريق إلا متابعةً، ومعلوم عند أهل الحديث أن المتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول. [رابعها]: أن الذين خالفوا عبد الصمد في هذا الرفع لم يذكر الدارقطنيّ طريقهم حتى يوازن بينها وبين رواية عبد الصمد التي قد عرفت أنه لم ينفرد بها، فأين تلك الطرق التي أشار إليها حتى يُنظر فيها؟، فيُتأمّل. والحاصل أن حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا مما لا شكّ في صحّته مرفوعًا، ولا لبس، ولا ارتياب فيه، فقد أورده مسلم من أربعة طرق صحيحة من غير طريق شعبة، ثم أتبعها بطريق شعبة، وختم بها الباب، وقد عرفت أن شعبة رواها عنه ثلاثة من الحفّاظ المتقنين لأحاديثه: عبد الصمد، وغُندر، وسليمان بن حرب، فلا يَرتاب بعد هذا في صحة طريقه أيضًا من كان منصفًا، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بالحديث الذي سبق قبله، وهو حديث عبد الرحمن بن يزيد، وأبي بُردة بن أبي موسى، قالا، عن أبي موسى: أن رسول الله - ﷺ - قال: «أنا بريء ممن حلق، وسَلَق، وخرق». وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا») يعني: أن متن حديث عياض لفظه: «ليس منّا منَ حلق، وسَلَقَ، وخَرَق». وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: «بَرِيءٌ») يعني: أنه لم يزد في أوله قوله: «أنا بريء»، وإنما اقتصر على ليس منّا … إلخ. [تنبيه]: لم أجد رواية عياض الأشعريّ هذه، فالظاهر أنها مما انفرد بها المصنّف رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٣١)

١. قال في «التقريب»: صدوقٌ، وما قلته أولى، كما يظهر من ترجمته، فلم يتكلّم فيه أحد، بل وثقّوه، فتنبّه.

٢. راجع: «شرح النوويّ» ٢/ ١١٠، و«الأنساب» لابن السمعانيّ ٤/ ٥٣١ - ٥٣٤، و«القاموس المحيط» ص ٤٢٠ - ٤٢١.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٨ - ٦٤٩.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.

٥. «النهاية» ١/ ٣٤٢.

٦. «المصباح» ١/ ١٢١ - ١٢٢.

٧. «الفتح» ٣/ ١٩٧.

٨. «القاموس المحيط» ص ٨٢٨.

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨٤.

١٠. «شرح النوويّ» ٢/ ١١٠.

١١. الرّخال بكسر الراء، وضمها: الأنثى من أولاد الضأن. اهـ. «ق» ص ٩٠٥.

١٢. «المفهم» ١/ ٣٠١ - ٣٠٢.

١٣. «إكمال المعلم» ١/ ٤٥٢.

١٤. «شرح النوويّ» ٢/ ١١١.

١٥. حديث متّفقٌ عليه من حديث ابن مسعود - ﵁ -، تقدّم للمصنّف أول الباب.

١٦. «إكمال المعلم» ١/ ٤٥٠ - ٤٥١.

١٧. «شرح النووي» ٢/ ١١٠.

١٨. هذا الصواب، فأما ما ذكرته في «شرح النسائيّ» من أنه متّفقٌ عليه، فسهو منّي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

١٩. راجع: «الفتح» ٣/ ١٩٧ «كتاب الجنائز» رقم الحديث (١٢٩٦).

٢٠. «شرح النوويّ» ٢/ ١١١.

٢١. راجع: «شرح النوويّ» ٢/ ١١١.

٢٢. نقل في «تهذيب التهذيب» (٦/ ٣٣) عن «الزهرة»: أن مسلمًا رَوى عنه حديثين.

٢٣. «تهذيب التهذيب» ٣/ ٣٥٣.

٢٤. التقليس: الضرب بالدّفّ، والغناء.

٢٥. «الإصابة» ٤/ ٦٢٩.

٢٦. «تهذيب التهذيب» ٤/ ٦٩٩.

٢٧. قال في «القاموس»، و«شرحه» ٨/ ٢٩٧: الدُّوميّ كرُوميّ: هو ابن قيس بن ذُهل الكلبيّ، صحابيّ، له وفادة، ذكره ابن ماكولا عن «جمهرة النسب». انتهى.

٢٨. راجع: «الإصابة» ٨/ ٤٣٠.

٢٩. راجع: «تهذيب التهذيب» ٢/ ٦٢٠ - ٦٢١.

٣٠. «شرح النوويّ» ٢/ ١١١ - ١١٢.

٣١. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٥٨٠.