HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٨

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ. وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص72
ج ١ ص ١٠٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص٢٨٨
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤] (١٠٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلَاث لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاة، يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيل، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْر، فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجلٌ بَايَعَ إِمَامًا، لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ»). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا، إلا: ١ - (أَبَا صَالِحٍ) هو: ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٤. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، وفي رواية للبخاريّ، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، سمعت أبا صالح، يقول: سمعت أبا هريرة - ﵁ -، وقوله: (وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ) يعني: أن اللفظ الذي ساقه هنا هو لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأمَا أبو كريب، فرواه بمعناه (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«ثَلَاثٌ) هكذا معظم الأصول في هذه الرواية عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «ثلاث» بحذف الهاء، وكذا وقع في بعض الأصول في الرواية الثانية عن أبي ذر - ﵁ -، وله وجه صحيح، وهو أن يقدّر ثلاث أنفس، و«النفس مؤنّثة»، وإنما جاء الضمير في «يكلّمُهم» مذكّرًا على المعنى، يعني: أن معنى الأنفس مذكّر؛ لأنه بمعنى الأشخاص، أو الناس، والله ﷾ أعلم . (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي بكلام مَن رَضِي عنه، وإنما يكلّمهم بكلام مَن سَخِطَ عليه، كما جاء في «صحيح البخاريّ» من حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك»، وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقيل: معناه: لا يكلّمهم بغير واسطة، استهانةً بهم، وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب عليهم، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في حديث أبي ذرّ - ﵁ -، فلا تَنْسَ. (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي نظر لطف، ورحمة، وإحسان إليهم؛ إذ نظره تعالى محيط بكل شيء (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يُثني عليهم، ومن لم يُثن عليه عذّبه، وقيل: لا يُطهّرهم من خُبث أعمالهم؛ لعظيم جُرْمهم (وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ) أي شديد الألم الموجع (رَجُلٌ) بدل تفصيل من«ثلاثةٌ»، أو خبر لمحذوف: أي أحدهم رجلٌ (عَلَى فَضْلِ مَاءٍ) من إضافة الصفة للموصوف: أي على ماء فاضل، والوصف بالفضل من باب: زيدٌ عدلٌ، والمراد ما فَضَلَ عن كفايته التي يستحقّها السابقُ للماء، فإنه أحقّ من غيره، حتى يأخذ حاجته منه، فإذا منع المستحقّ بعد أخذه كفايته عما زاد على حاجته، فقد استحقّ هذا الوعيد (بِالفَلَاةِ) بفتح الفاء: هي المفازة، والقفر التي لا أنيس بها، قاله النوويّ ، وقال الفيّوميّ: «الفلاة»: الأرض لا ماءَ فيها، والجمع فلًا، مثلُ حَصَاةٍ وحَصًا، وجمع الجمع: أفلاء، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى . وفي رواية النسائيّ: «بالطريق»، وهو معنى الفلاة هنا (يَمْنَعُهُ) أي فضل الماء (مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ) أي المسافر، ولفظ النسائيّ: «يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ مِنْهُ»، والمعنى واحد، وإن تغاير المفهومان؛ لتلازمهما؛ لأنه إذا منعه من الماء، فقد منع الماء منه، أفاده في «الفتح» . و«ابن السبيل»: هو المسافر، و«السبيل»: الطريق، وسمّي المسافر بذلك؛ لأن الطريق تُبْرِزه، وتُظْهِره، فكأنها ولدته، وقيل: سُمّي بذلك؛ لملازمته إياه، كما يقال في الغراب: ابن دَأْيَة؛ لملازمته دَأْية البعير الدَّبِرِ لينقُرها . (وَ) الثاني (رَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا) أي عقد البيع معه (بِسِلْعَةٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: رويناه «سِلْعَةً» بغير باء، ورويناه بالباء، فعلى الباء بايع بمعنى ساوم، كما جاء في الرواية الأخرى: «ساوم»، مكان «بايع»، وتكون الباء بمعنى: «عن»، كما في قول الشاعر [من الطويل]: فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي … بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ أي عن النساء. وعلى إسقاطها يكون معنى «بايع» باع، فيتعدّى بنفسه، و«سلعة» مفعوله. انتهى. وفي رواية جرير الآتية: «وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بسلعة»، وهو مفاعلةٌ من السَّوْم، يقال: سام البائع السّلْعة سَوْمًا، من باب قال: إذا عَرضَها للبيع، والتساوم بين اثنين أن يعرض البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون ما طلبه، أفاده الفيّوميّ. (بَعْدَ الْعَصْرِ) أي بعد صلاة العصر، وخصّ بعد العصر مبالغةً في الذمّ؛ لأنه وقتٌ يتوب فيه المقصّر تمام النهار، ويشتغل فيه الموفَّقُ بالذكر ونحوه، فالمعصية في مثله أقبح. وقال النوويّ: وخصّ ما بعد العصر بالحلف؛ لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار، وغير ذلك. وقال الخطّابيّ: خصّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه، وإن كانت اليمين الفاجرة محرّمة في كلّ وقت؛ لأن الله عظّم شأن هذا الوقت، بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فَغُلِّظت العقوبة فيه؛ لئلا يُقْدِم عليها تجرّؤًا، فإن مَن تجرّأ عليها فيه اعتادها في غيره. وكان السلف رحمهم الله تعالى يُحَلّفُون بعد العصر، وجاء ذلك في الحديث أيضًا، كما قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ: وتخصيصه بما بعد العصر يدلّ على أن لهذا الوقت من الفضل والحرمة ما ليس لغيره من ساعات اليوم، ويظهر لي أن يقال: إنما كان ذلك؛ لأنه عقب الصلاة الوسطى، ولما كانت هذه الصلاة لها من الفضل، وعظيم القدر أكثر مما لغيرها، فينبغي لمصلّيها أن يَظْهَر عليه عَقِبها من التحفّظ على دينه، والتحرّز على إيمانه أكثر مما ينبغي له عَقِبَ غيرها؛ لأن الصلاة حقّها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥]: أي تحمل على الامتناع عن ذلك مما يَحْدُث في قلب المصلّي بسببها من النور، والانشراح، والخوف من الله تعالى، والحياء منه، ولهذا أشار النبيّ - ﷺ - بقوله: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدًا» ، وإذا كان هذا في الصلوات كلّها، كانت الوسطى بذلك أولى، وحقّها في ذلك أكثر، وأوفى، فمن اجترأ بعدها على اليمين الغموس التي يأكل بها مال الغير، كان إثمه أشدّ، وقلبه أفسد، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله نعالى عنه: بل الحديث ضعيف مرفوعًا، وقوله: ليث بن أبي سليم ثقة، فيه نظر، بل هو متروك؛ لأنه اختلط أخيرا، ولم يتميّز حديثه، فترك، كما قاله الحافظ في «التقريب». أما أثر ابن مسعود - ﵁ - فصحيح، موقوفًا عليه، لكن تكلّم العلماء فيه، قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: لا يصحّ حمله على ظاهره؛ لأن ظاهره معارض بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أن الصلاة مكفّرة للذنوب، فكيف تكون مكفّرة، ويزداد بها بعدًا؟ هذا مما لا يُعقل، ثم قال: وحمل الحديث على المبالغة والتهديد ممكن على اعتبار أنه موقوف على ابن عباس، أو غيره، وأما على أنه من كلامه - ﷺ - فهو بعيد عندي - والله أعلم -. قال: ويشهد لذلك ما ثبت في البخاريّ: أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فذكر ذلك للنبيّ - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. انتهى مختصرًا. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: هذا الحديث ليس بثابت عن النبيّ - ﷺ -؛ لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدًا، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي، وأقرب إلى الله منه، وإن كان فاسقًا. انتهى. انظر: تفاصيل أقوالهم في «السلسلة الضعيفة» للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ١/ ١٤ - ١٧ رقم الحديث ٢. قال: وهذا الذي ظهر لي أولى مما قاله القاضي أبو الفضل، فإنه قال: إنما كان ذلك لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في ذلك الوقت؛ لوجهين: [أحدهما]: أن هذا المعنى موجود في صلاة الفجر؛ لأن النبيّ - ﷺ - قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ثم يجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر»، متفق عليه، وعلى هذا فتبطل خصوصيّة العصر؛ لمساواة الفجر لها في ذلك. [وثانيهما]: أن حضور الملائكة، واجتماعهم إنما في حال فعل هاتين الصلاتين، لا بعدهما، كما قد نصّ عليه في الحديث، حين قال: «يجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، وتقول الملائكة: أتيناهم، وهم يصلّون، وتركناهم، وهم يصلّون»، وهذا يدلّ دلالة واضحةً على أن هؤلاء الملائكة لا يشاهدون من أعمال العباد إلا الصلوات فقط، وبها يشهدون، فتدبّر ما ذكرته، فإنه الأنسب الأسلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (فَحَلَفَ لَهُ) أي للذي بايعه (بِاللهِ لَأَخَذَهَا) أي لقد أخذ السلعة، يعني: أنه اشتراها (بِكَذَا وَكَذَا) أي من الثمن، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني: أنه كَذَبَ، فزاد في الثمن الذي اشترى به، فَكَذَبَ، واستخفّ باسم الله تعالى، حين حَلَفَ به على الكذب، وأَخَذَ مال غيره ظلمًا، فقد جمع بين كبائرَ، فاستحقّ هذا الوعيد الشديد. انتهى . وفي رواية البخاريّ من طريق أبي حمزة السُّكّريّ، عن الأعمش: «فَحَلَفَ لَهُ بِالله، لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا» بضمّ همزة «أُعطي»، وكسر الطاء، مبنيًّا للمفعول: أي أعطاه غيره ثمنًا معيّنًا، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل، والضمير للحالف: أي دفع هو ثمنًا معيّنًا، ورجّح في «الفتح» هذا الثاني، قال: ووقع في رواية عبد الواحد، عن الأعمش بلفظ: «لقد أَعْطَيتُ بها»، وفي رواية أبي معاوية: «فَحَلَفَ له بالله لأخذها بكذا»، وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح: «لقد أَعْطَى بها أكثر مما أُعطي»، بفتح الهمزة والطاء، وفي بعضها بضمّ أوله، وكسر الطاء، والأول أرجح، قاله في «الفتح» . (فَصَدَّقَهُ) أي صدّق المحلوف له الحالف، وقوله: (وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ) جملة في محلّ نصبٍ على الحال: أي والحال أن الواقع خلاف ما ذكره، بل كان شراؤه بثمن أقلّ مما حلف عليه، وإنما حلف على ذلك ليوقع صاحبه على شرائه بثمن أكثر. وفي رواية البخاريّ: «فصدّقه، فأخذَهَا، ولم يُعطِ بها»: أي لم يُعْطِ القدر الذي حَلَفَ أنه أَعْطَى عِوَضَها. (وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا، لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا) وفي رواية البخاريّ: «وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لِدُنْيَا»، وفي رواية: «إمامه» (فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا) أي من أغراضه من تلك الدنيا التي بايع من أجلها (وَفَى) أي ما عليه من الطاعة، مع أن الوفاء واجب عليه مطلقًا، وفي رواية البخاريّ: «إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ» (وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا) وفي رواية البخاريّ: «وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ»: أي ما يريده، فالمفعول الثاني محذوف للعلم به (لَمْ يَفِ)، وللبخاريّ: «لَمْ يَفِ لَهُ». قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هكذا الرواية «وفَى» بتخفيف الفاء، و«يَفِ» محذوف الواو، والياء، مخفّفًا، وهو الصحيح هنا، رواية، ومعنًى؛ لأنه يقال: وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً، والوفاءُ بالعهد ممدودًا: ضِدُّ الغدر، ويقال: «أوفى» بمعنى وَفَى، وأما «وفّى» المشدّد الفاء، فهي بمعنى توفية الحقّ، وإعطائه، يقال: وَفّاه حقّه يوفّيه توفيّةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]: أي قام بما كلّفه من الأعمال، كخصال الفطرة، وغيرها، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وحكى الجوهريّ: أوفاه. حقّه، قال: وعلى هذا، وعلى ما تقدّم فيكون «أوفى» بمعنى الوفاء بالعهد، وتوفية الحقّ، والأصل في «أوفى»: أطلّ على الشيء، وأشرف عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٤٨/ ٣٠٤ و٣٠٥ و٣٠٦] (١٠٨)، و(البخاريّ) في «المساقاة» (٢٣٥٨ و٢٣٦٩)، و«الشهادات» (٢٦٧٢)، و«الأحكام» (٧٢١٢)، و«التوحيد» (٧٤٤٦)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٤٧٤)، و(الترمذيّ) في «السير» (١٥٩٥)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٤٤٦٤)، وفي «الكبرى» (٦٠٥٤)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢٢٠٧)، و«الجهاد» (٢٨٧٠)، و«الفتن» (٤٠٣٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٥٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١١٨ و١١٩ و١٢٠ و١٢١ و١٢٢)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٢٩٠ و٢٩١ و٢٩٢)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٦٢٢ و٦٢٥ و٦٢٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٣٠) و(٦/ ١٥٢) و(٨/ ١٦١ و١٧٧ و١٧٨)، وفي «الأسماء والصفات» (١/ ٣٥٢ و٣٥٣)، و(البغويّ) في «شرح السنة» (١٦٦٩ و٢٥١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون هذه الأشياء تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان؛ لأنها ضدّه؛ إذ من شُعَب الإيمان النصيحة للأئمة، ولعامة المسلمين، فمن فعل هذه الأشياء فقد ترك نصيحتهم، حيث ظلمهم. ٢ - (ومنها): بيان غِلَظ الوعيد الشديد لمن خَدَع مسلمًا في البيع بحلفه الكاذب. ٣ - (ومنها): أن فيه الوعيد الشديد لمن نكث بيعة إمام، وخَرَج عليه؛ وذلك لما فيه من تفريق الكلمة، وشقّ العصى، ونشر الفساد والظلم والفحشاء بين الأمة، وفي الوفاء بالعهد تحصين للفروج، والأموال، وحقن للدماء. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى أيضًا: إنما استحقّ مَن بايع إمامًا للدنيا هذا الوعيد الشديد؛ لأنه لم يَقُم لله تعالى بما وجب عليه من البيعة الدينيّة، فإنها من العبادات التي تجب فيها النيّة، والإخلاص، فإذا فعلها لغير الله تعالى من دنيا يَقْصِدها، أو غرض عاجل يقصده، بقيت عُهْدَتُها عليه؛ لأنه مُنَافقٌ مُراءٍ غاشٌّ للإمام والمسلمين، غير ناصح في شيء من ذلك، ومن كان هذا حاله كان مُثيرًا للفتن بين المسلمين، بحيث يَسْفِك دماءهم، ويستبيح أموالهم، ويَهْتِك بلادهم، ويسعى في إهلاكهم؛ لأنه إنما يكون مع مَن بلّغه إلى أغراضه، فيبايعه لذلك، وينصره، ويغضب له، ويقاتل مخالِفَهُ، فينشأ من ذلك تلك المفاسد، وقد تكون هذه المخالفة في بعض أغراضه، فينكُث بيعته، ويطلب هلكته، كما هو حال أهل أكثر هذه الأزمان، فإنهم قد عمّهم الغدر، والخذلان. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى ، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. ٥ - (ومنها): بيان أن كلّ عمل لا يراد به وجه الله تعالى، بل الغرض الدنيويّ، فإنه وبالٌ على صاحبه، وخسران مبين. ٦ - (ومنها): الوعيد الشديد لمن منع فضل الماء المسافر المحتاج إلى الماء، قال النوويّ: لكن يُسْتَثْنَى من ذلك الحربيّ، والمرتدّ، إذا أصرّا على الكفر، فلا يجب بذل الماء لهما. انتهى. ٧ - (ومنها): أن هذا الماء الذي ورد الوعيد فيه في هذا الحديث هو الذي قد نَهَى النبيّ - ﷺ - عن منعه بقوله: «لا يُمْنَعُ فضلُ الماء؛ ليُمْنَعَ به الكلأُ»، متّفقٌ عليه. وقد أجمع المسلمون على تحريم ذلك؛ لأنه مَنْعُ ما لا حقّ له فيه من مستحقّه، وربّما أتلفه، أو أتلف ماله وبهائمه، فلو منعه هذا الماء حتى مات عطشًا قِيد منه، عند مالك؛ لأنه قتله، كما لو قتله بالجوع، أو بالسلاح، قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى . ٨ - (ومنها): أنه يستفاد من مجموع أحاديث الباب عشر خصال مذمومة، وهي: (١) الإسبال، و(٢) المنّ بالعطاء، و(٣) تنفيق السلعة بالحلف الكاذب، و(٤) زنا الشيخ، و(٥) كَذِبُ الملك، و(٦) تكبّر الفقير، و(٧) منع فضل الماء من ابن السبيل، و(٨) مبايعة الإمام لأجل الدنيا، و(٩) الحلف بعد العصر على أخذ سلعة بكذا، ولم يأخذها به، و(١٠) الحلف بعد العصر على مال مسلم ليقتطعه ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: «وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، أكثر عنه المصنّف [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد المذكور قبل باب. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثيُّ) هو: سعيد بن عمرو بن سهل الكنديّ الأشعثيّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. [تنبيه]: «الأشعثيّ» بالشين المعجمة، والعين المهملة، والثاء المثلّثة: منسوب إلى جدّه الأشعث بن قيس الكِنديّ، فإنه سعيد بن عمرو بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، قاله النوويّ . ٤ - (عَبْثَر) بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، وفتح الثاء المثلّثة، هو: ابن القاسم الزُّبَيدي - بالضمّ - أبو زُبيد - بالضمّ أيضًا - الكوفيّ، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن حُصين بن عبد الرحمن، والعلاء بن المسيَّب، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وسليمان التيميّ، وإسماعيل بن أبي خالد، والأجلح بن سِنَان، والأعمش، وأبي إسحاق الشَّيبانيّ، وبُرْد بن أبي زياد، والثوريّ، ويزيد بن أبي زياد، وجماعة. ورَوَى عنه أحمد بن عبد الله بن يونس، وابنه أبو حُصَين عبد الله بن أحمد، وسعيد بن عمرو الأشعثيّ، وأبو نعيم، وعمرو بن عون، ويحيى بن آدم، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وخَلَف بن هشام البزار، وأبو غسان النَّهْديّ، وقتيبة بن سعيد، وهنَّاد بن السَّريّ، ومحمد بن سليمان لُوَين، وغيرهم. قال صالح بن أحمد، عن أبيه: صدوقٌ ثقةٌ، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو داود: ثقةٌ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيٌّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثيرَ الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». قيل: إنه مات سنة تسع وسبعين ومائة، وقال ابن سعد: تُوُفِّي سنة (١٧٨)، وقال البخاريّ في «تاريخه»: يقال: توفي سنة (٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. وقوله: (كِلَاهُمَا) أي جرير، وعبثر. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -. وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل متن الحديث الماضي. وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: «وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ») يعني: أن لفظ رواية جرير بن عبد الحميد مخالَفة لرواية أبي معاوية، فإنه رواها بلفظ: «ورجلّ ساوم رجلًا بسلعةٍ»، بدل قوله: «ورجلٌ بايع رجلًا بسلعة»، وأما عبثرٌ، فقد رواها بلفظ أبي معاوية. ثم إن معنى بايع، وساوم هنا واحدٌ. قال ابن الأثير: «المساومة»: المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة، وفصلُ ثمنها، يقال: سام يسوم سَوْمًا، وساوم، واستام. انتهى . وقال الفيّوميّ: سام البائع السِّلْعة سَوْمًا، من باب قال: عَرَضَها للبيع، وسامها المشتري، واستامها: طلب بيعها، قاله الفيّوميّ . [تنبيه]: رواية جرير التي أشار إليها المصنّف أخرجها الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «صحيحه»، فقال: (٢٤٧٦) حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ على فضل ماء بطريق، يمنع منه ابنَ السبيل، ورجلٌ بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وَفَى له، وإلا لم يف له، ورجلٌ ساوم رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله، لقد أَعْطَى بها كذا وكذا، فأخذها». وأما رواية عبثر فلم أجد من أخرجها غير المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الامام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعًا، قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِم، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْر، عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فَاقْتَطَعَهُ …»، وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠١] (ت ٢٣٢) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الْهِلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكّيّ الثقة الحافظ الفقيه الإمام الحجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨)، وله (٩١) سنة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (عَمْرو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. والباقيان تقدّما قبله، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعًا) الظاهر أن القائل هو سفيان بن عيينة، قال الإمام البخاريّ بعد أن ساق الحديث من طريق عبد الله بن محمد المسنديّ، عن سفيان، ما نصّه: قال عليّ - يعني: ابن المدينيّ -: حدّثنا سفيان غير مرّة، عن عمرو: أنه سمع أبا صالح، يبلُغ به النبيّ - ﷺ -. انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «قال عليّ: حدثنا سفيان غير مرة … إلخ»، يشير إلى أن سفيان كان يُرسل هذا الحديث كثيرًا، ولكنه صَحَّحَ الموصول؛ لكون الذي وصله من الحفاظ، وقد تابعه سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، وعبد الرحمن بن يونس، ومحمد بن أبي الوزير، ومحمد بن يونس فوصلوه، قاله الإسماعيليّ، قال: وأرسله غيرهم. قال الحافظ: وقد وصله أيضًا عمرو الناقد، أخرجه مسلم عنه - يعني: هذه الرواية - وصفوان بن صالح، أخرجه ابن حبّان من طريقه. انتهى . وقوله: (فَاقْتَطَعَهُ) أي يأخذه لنفسه متملِّكًا، وهو يَفْتَعِلُ من القطع، قاله ابن الأثير ، وفي «المصباح»: اقتَطَعتُ من ماله قِطعَةً: أخذتها. انتهى . وقوله: (وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ) يعني: أن بقيّة متن حديث عمرو بن دينار نحو حديث الأعمش، وفيه ما سيأتي. [تنبيه]: رواية عمرو بن دينار هذه ساقها الحافظ أبو نُعيم رحمه الله تعالى في «مستخرجه» (١/ ١٧٧)، فقال: (٢٩٢) حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر، ثنا أحمد بن الحسن الصوفيّ، ثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أُراه رفعه، قال: «ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ حَلَفَ على يمين بعد العصر على مال مسلم ليقطعه، ورجلٌ حَلَف لقد أُعطي بسلعته أكثرَ مما أُعطي، وهو كاذب، ورجل بيع فضل ما عنده، قال الله تعالى: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك». وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «صحيحه»: (٢١٩٦) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة - ﵁ -. [تنبيه آخر]: قوله: «وباقي حديثه نحو حديث الأعمش»، ظاهره أن سياق حديث عمرو بن دينار مثل سياق حديث الأعمش، لكن بين سياقيهما تخالف، فقد ساق متن رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح، الإمام البخاريّ في «الشّرب» و«التوحيد» من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم: رجلٌ حَلَف على سلعة، لقد أَعطَى بها أكثر مما أَعطى، وهو كاذب، ورجلٌ حلف على يمين كاذبة بعد العصر؛ ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك». قال الكرماني: ذَكَرَ عوض الرجل الثاني، وهو المبايع للإمام آخر - يعني في رواية البخاريّ - وهو الحالف ليقتطع مال المسلم، وليس ذلك باختلاف؛ لأن التخصيص بعدد، لا ينفي ما زاد عليه. انتهى. وقال الحافظ: ويحتمل أن يكون كلٌّ من الراويين، حفظ ما لم يحفظ الآخر؛ لأن المجتمع من الحديثين أربع خصال، وكل من الحديثين مُصَدَّر بـ «ثلاثة»، فكأنه كان في الأصل أربعة، فاقتصر كلٌّ من الراويين على واحد، ضمَّه مع الاثنين اللذين توافقا عليهما، فصار في رواية كل منهما ثلاثة، ويؤيده ما سيأتي في التنبيه التالي. [تنبيه آخر]: قال في «الفتح»: أخرج مسلم هذا الحديث من رواية الأعمش أيضًا، لكن عن شيخ له آخر، بسياق آخر - يعني الحديث الماضي قبل الحديثين - قال: فذكر من طريق أبي معاوية، ووكيع جميعًا، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، كصدر حديث الباب - يعني حديث أبي صالح هذا -
مصادر المؤلف (٢١)

١. راجع: «شرح النوويّ» ٢/ ١١٨.

٢. «شرح النوويّ» ٢/ ١١٦ - ١١٧.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨١.

٤. «الفتح» ١٣/ ٢١٤ - ٢١٥.

٥. «البعير الدبِر»: هو الذي تقرّحت دأيته، والدأية من البعير: هو الموضع الذي تقع عليه ظَلِفَةُ الرحل، فيعقره.

٦. «الفتح» ١٣/ ٢١٦.

٧. قال الهيثميّ في «مجمع الزوائد» ٢/ ٢٥٨: رواه الطبرانيّ في «الكبير»، وفيه ليث بن أبي سُليم، وهو ثقة، ولكنه مدلّس، من حديث ابن عباس، ورواه أيضًا من حديث ابن مسعود، ورجاله رجال الصحيح.

٨. «المفهم» ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨.

٩. «المفهم» ١/ ٣٠٧.

١٠. «الفتح» ١٣/ ٢١٤ - ٢١٥.

١١. «المفهم» ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩.

١٢. «المفهم» ١/ ٣٠٦.

١٣. راجع: «الفتح» ١٣/ ٢١٥ «كتاب الأحكام» رقم (٧٢١٢) فقد ذكره مجملًا، وأنا فصّلته؛ تتميمًا للفائدة، والله تعالى وليّ التوفيق.

١٤. «شرح النوويّ» ٢/ ١١٥.

١٥. «النهاية» ٢/ ٤٢٥.

١٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٧.

١٧. «الفتح» ٥/ ٥٤ حديث رقم (٢٣٦٩).

١٨. «النهاية» ٤/ ٨٢.

١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٨.

٢٠. هكذا النسخة، والظاهر أنَّها تصحفت من: «ورجل منع فضل ماء عنده»، أو نحو ذلك، فليُحرَّر، والله تعالى أعلم.

٢١. يعني: حديث أبي هريرة من رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عنه، وهو آخر الحديث في هذا الباب عند مسلم.