HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١٢

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ؛ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا. فَلَمَّا مَالَ رسول الله ﷺ إلى عَسْكَرِهِ. وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ. وَفِي أَصْحَابِ رسول الله ﷺ رجل لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ. فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا. قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ. كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ. وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ. قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا. فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ. ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَي سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ «وَمَا ذَاكَ؟» قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنَ أَهْلِ النَّار. فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ. فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا. فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ. فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ. ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عِنْدَ ذَلِكَ «إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أهل الجنة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص74
ج ١ ص ١٠٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص٣٤٨
ابن أخيه، وموسى بن عقبة، ويونس بن يزيد، والله أعلم. وكذا رَجَّحَ الذهليّ رواية شعيب ومعمر، قال: ولا تدفع رواية الأخيرين؛ لأن الزهريّ كان يقع له الحديث من عِدَّة طُرُق، فيحمله عنه أصحابه بحسب ذلك، نعم، ساق من طريق موسى بن عقبة، وابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ موافقةَ الزُّبَيديّ على إرسال آخر الحديث. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا حقّق الحافظ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. وحاصله أن الرواية الراجحة هي رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، وقد تابعه معمر وروايته عند مسلم هنا، فالحديث موصول، وأن الغزوة هي خيبر، لا حُنينٌ، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣] (١١٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَيٌّ مِنَ الْعَرَب، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَاقْتَتَلوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى عَسْكَرِه، وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفي أَصْحَابِ رَسُول اللهِ - ﷺ - رَجُلٌ، لَا يَدَع لَهُمْ شَاذَّةً، إِلَّا اتَّبَعَهَا، يَضْرِبُهَا بِسَيْفِه، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنا صَاحِبُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْض، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِه، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُول اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله، قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أنَا لَكُمْ بِه، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِه، حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْض، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْه، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّار، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلانيّ، قيل: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حَلِيف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٥. [تنبيه]: قوله: (حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ) الظاهر أنه من كلام المصنّف، ويحتمل أن يكون من كلام شيخه، يعني أن «القاريّ» بالقاف، وتشديد الياء نسبة إلى قبيلة من قبائل العرب. قال السمعانيّ في «الأنساب»: القاريّ - بالقاف، والراء المهملة المكسورة، وتشديد ياء النسبة، غير مهموزة - هذه النسبة إلى بني قارة، وهم بطن معروف من العرب، قال بعضهم: أيثع بن مليح بن الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ومن قال: أيثع بن الهون، فقد وَهِمَ، قال أبو عُبيدة: أيثع هو القارة، وقال غيره: القارة: هو الديش بن محلم بن غالب بن عايذة بن أيثع بن مليح بن الهون بن خزيمة بن مدركة، وإنما سُمُّوا القارة لأن يعمر بن عوف الشداخ أراد أن يفرقهم في بطون بني كنانة، فقال رجل منهم [من الوافر]: دَعُونَا قَارَةً لَا تَنْفِرُونَا … فَنُجْفِلَ مِثْلَ إِجْفَالِ الظَّلِيمِ فسُمُّوا القارة، ويعمر بن الشداخ أحد بني الليث، وقيل في المثل السائر: قد أنصف من راماها، يصفهم بالرمي والإصابة. انتهى كلام السمعانيّ . ٣ - (أَبُو حَازِمٍ) هو: سلمة بن دينار الأعرج الأَفْزر التَّمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ويقال: مولى بني شِجْع من بني ليث، ومن قال: أشجع فقد وَهِمَ، ثقة عابدٌ [٥]. رَوَى عن سهل بن سعد الساعدي، وأبي إمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيب، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، ولم يسمع منهما، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي قتادة، وعبيد الله بن مقسم، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهري، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، ومالك، والحمادان، والسفيانان، وسليمان بن بلال، وسعيد بن أبي هلال، وابناه عبد الجبار وعبد العزيز، وخلق، آخرهم أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي. قال أحمد وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة. وقال ابن خزيمة: ثقة لَمْ يكن في زمانه مثله، وقال ابنه ليحيى بن صالح: مَنْ حَدّثك أن أبي سمع من أحد من الصحابة، غير سهل بن سعد، فقد كَذَب، وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: أصله فارسيّ، وكان أشقر، أحول، أفزر، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان قاصّ أهل المدينة، ومن عبّادهم، وزُهّادهم، بَعَث إليه سليمان بن عبد الملك بالزهري في أن يأتيه، فقال للزهري: إن كان له حاجة فليأت، وأما أنا فمالي إليه حاجة، مات سنة (٣٥)، وقد قيل: سنة (٤)، وقال ابن سعد: كان يقصّ بعد الفجر في مسجد المدينة، ومات في خلافة أبي جعفر، بعد سنة أربعين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: مات بعد الثلاثين إلى الأربعين، وقال عمرو بن علي: مات سنة (٣٣)، وقال خليفة: سنة (٣٥)، وقال ابن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٠) حديثًا. ٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الساعديّ، أبو العباس، ويقال: أبو يحيى الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -. رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن أُبَيّ بن كعب، وعاصم بن عدي، وعمرو بن عَبَسَة، ومروان بن الحكم، وهو دونه. ورَوَى عنه ابنه عباس، والزهري، وأبو حازم بن دينار، ووَفَاء بن شُريح الْحَضْرميّ، ويحيى بن ميمون الحضرمي، وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي ذُبَاب، وعمرو بن جابر الحضرميّ، وغيرهم. قال شعيب، عن الزهري، عن سهل بن سعد: أنّ رسول الله - ﷺ - تُوُفِّي، وهو ابن (١٥) سنة، قال أبو نعيم وغير واحد: مات سنة (٨٨)، زاد بعضهم: وهو ابن (٩٦) سنة، وقال الواقدي وغيره: مات سنة (٩١)، وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. قال الحافظ: رواية شعيب صحيحة، وهي المعتمدة في مولده، فيكون مولده قبل الهجرة بخمس سنين، فأيّ سنة مات يضاف إليها الخمس، فيخرج مبلغ عمره على الصحة، وما يخالف ذلك لا يُعَوَّل عليه. وقال ابن حبّان: كان اسمه حَزْنًا فسماه رسول الله - ﷺ - سَهْلًا، وقال أبو حاتم الرازي: عاش مائة سنة، أو أكثر، فعلى هذا، يكون تأخر إلى سنة (٩٦) أو بعدها، وزعم قتادة أنه مات بمصر، وزعم أبو بكر بن أبي داود أنه مات بالإسكندرية، قال الحافظ: وهذا عندي أنه وَلَدُهُ عباس بن سهل، انتقل الذهن إليه، وأما سهل فموته بالمدينة. انتهى . أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا. [تنبيه]: قوله: (السَّاعديّ) نسبة إلى بني ساعدة، قبيلة من الأنصار، وهو: ساعدة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة ، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (٩) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه بَغْلانيّ - بفتح الموحدة، وسكون الغين المعجمة - نسبة إلى قرية من قرى بَلْخَ، والظاهر أنه دخل المدينة؛ للأخذ من مشايخها. ٤ - (ومنها): أنه ليس في الرواة من يُسمّى قُتيبة غير شيخ المصنّف هذا، وقد سبق الخلاف في اسمه آنفًا. ٥ - (ومنها): أن جملة من يُكنى بأبي حازم في الرواة ستة، وقد تقدّم بيانهم في ترجمة أبي حازم سلمان الأشجعيّ في «الإيمان» (٩/ ١٤٢) وكذا بيان الفرق بين أبي حازم المترجم هنا، والمترجم هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٦ - (ومنها): أن سهل بن سعد صحابيّ ابن صحابيّ - ﵄ -، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة - ﵃ -، على الأصحّ، مات سنة (٩١)، وهو ابن مائة سنة، كما بيّنته آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ) زاد في رواية عند البخاريّ: «في بعض مغازيه»، قال الحافظ: ولم أقف على تعيين كونها خيبر، لكنه مبني على أن القصة التي في حديث سهل - ﵁ - متحدة مع القصة التي في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقد صُرّح في حديث أبي هريرة أن ذلك كان بخيبر. وفيه نظر، فإن في سياق سهل أن الرجل الذي قَتَل نفسه اتكأ على حَدِّ سيفه حتى خرج من ظهره، وفي سياق أبي هريرة أنه استخرج أَسْهُمًا من كنانته، فنحر بها نفسه، وأيضًا ففي حديث سهل: أن النبيّ - ﷺ - قال لهم لَمّا أخبروه بقصته: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجَنَّة …» الحديث، وفي حديث أبي هريرة أنه قال لهم لَمّا أخبروه بقصته: «قُمْ يا بلال، فأَذِّن: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن»، ولهذا جنح ابن التين إلى التعدد. ويمكن الجمع بأنه لا منافاة في المغايرة الأخيرة، وأما الأُولى فيحتمل أن يكون نَحَرَ نفسه بأسهمه، فلم تُزْهَق روحه، وإن كان قد أشرف على القتل، فاتكأ حينئذ على سيفه استعجالًا للموت. لكن جزم ابن الجوزيّ في «مشكله» بأن القصة التي حكاها سهل بن سعد وقعت بأحد، قال: واسم الرجل قُزْمَان الظَّفَريّ، وكان قد تَخَلَّف عن المسلمين يوم أحد، فَعَيَّره النساء، فخرج حتى صار في الصف الأول، فكان أوَّل مَن رَمَى بسهم، ثم صار إلى السيف، ففعل العجائب، فلما انكشف المسلمون كَسَرَ جَفْنَ سيفه، وجَعَلَ يقول: الموت أحسن من الفرار، فَمَرَّ به قتادة بن النعمان، فقال له هنيئًا لك بالشهادة، قال: والله إني ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حَسَب قومي، ثم أقلقته الجراحة، فقتل نفسه. قال الحافظ: وهذا الذي نقله أخذه من مغازي الواقديّ، وهو لا يُحْتَجُّ به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟. نعم، أخرج أبو يعلى من طريق سعيد بن عبد الرَّحمن القاضي، عن أبي حازم حديث الباب، وأوَّله أنه قيل لرسول الله - ﷺ - يوم أحد: ما رأينا مثل ما أَبْلَى فلان، لقد فَرَّ الناسُ، وما فَرَّ، وما ترك للمشركين شاذّةً، ولا فاذَّةً … الحديث بطوله، على نحو ما في «الصحيح»، وليس فيه تسميته، وسعيد مُختَلف فيه، وما أظن روايته خَفِيت على البخاريّ، وأظنه لَمْ يَلتَفِت إليها؛ لأن في بعض طرقه عن أبي حازم: غزونا مع رسول الله - ﷺ -، وظاهره يقتضي أنَّها غير أحد؛ لأن سَهْلًا ما كان حينئذ ممن يُطلِق على نفسه ذلك؛ لصغره؛ لأن الصحيح أن مَوْلِده قبل الهجرة بخمس سنين، فيكون في أحد ابن عشرة، أو إحدى عشرة، على أنه قد حَفِظَ أشياء من أمر أُحُد، مثل غَسْل فاطمة - ﵂ - جراحة النبيّ - ﷺ -، ولا يلزم من ذلك أن يقول: غزونا، إلَّا أن يُحْمَل على المجاز، كما سيأتي لأبي هريرة، لكن يدفعه ما سيأتي من رواية الكشميهني قريبًا . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قصّة سهل - ﵁ - هذه غير قصّة أبي هريرة - ﵁ - التي قبلها، كما لا يخفى ذلك على من تأمّل سياقهما، وأما الجمع بينهما بالتأويل فتكلّفٌ ظاهر، لا داعي إليه، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَاقْتَتَلُوا) أي المسلمون، والمشركون، أي قتل بعضهم بعضًا. [تنبيه]: قال المجد رحمه الله تعالى: تقاتلوا، واقتتلوا بمعنًى، ولم يُدغم؛ لأن التاء غير لازمة، ويقال أيضًا: قَتَّلُوا يُقَتِّلُونَ بنقل حركة التاء إلى القاف فيهما، وبحذف الألف؛ لأنَّها مُجْتَلَبَةٌ للسكون، والفاعل من الأول: مُقَتِّلٌ، ومن الثاني: مُقِتِّلٌ - بكسر القاف - وأهل مكة يقولون: مُقُتِّلٌ، يُتْبِعُون الضمَّةَ الضمَّةَ. انتهى . (فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى عَسْكَرِهِ) أي رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم (وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجُلٌ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: اسمه قُزْمان، قاله الخطيب البغداديّ، قال: وكان من المنافقين. انتهى . وقال في «الفتح»: وقع في كلام جماعة ممن تكلم على هذا الكتاب أن اسمه قُزْمَان - بضم القاف، وسكون الزاي - الظُّفْريّ - بضم المعجمة، والفاء -: نسبة إلى بني ظُفْر بطن من الأنصار، وكان يُكنى أبا الْغَيْدَاق - بمعجمة مفتوحة، وتحتانية ساكنة، وآخره قاف - وَيعكُر عليه ما تقدم . انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما على دعوى اتّحاد القصّتين فلا يُشكل، وأما على اختلافهما، وهو الذي رجّحته فيما مرَّ آنفًا، فلا يصحّ كونه قُزمان، فتأملّه، والله تعالى أعلم. (لَا يَدَعُ) بفتح أوله، وثانيه، مضارع وَدَعَ، وقد زعم بعض أهل النحاة: أن العرب أماتت ماضيه، ومصدره، واسم الفاعل منه، لكن الصواب أن ماضيه مستعمل، وقد قُرئ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، ومنه هذا الحديث، وحديث: «لينتهيَنَّ أقوام عن وَدْعِهم الجمعة» ، وقد سبق تحقيق هذا مستوفًى (لَهُمْ) أي للمشركين (شَاذَّةً) هكذا معظم النسخ، ووقع في النسخة التي شرحها الأبيّ بلفظ: «شاذّة، ولا فاذّة»، فزاد «فاذّة»، وكذا هو في «مستخرج أبي نُعيم»، وهو الذي في «صحيح البخاريّ». قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: «الشّاذّ»: الخارج عن الجماعة، والشاذّ: المتفرّق أيضًا، و«الفاذّ»: الفرد، ومعناه لا يخلُص منه مَن خَرَج وفَرّ، وأنّث الكلمة على معنى النسمة، أو تشبيه الخارج بشاذّ الغنم وفاذّتها، وهو بمعنى متَقَصٍّ للقتل، حتى لا يدع أحدًا على طريق المبالغة، قال ابن الأعرابيّ: يقال: فلان لا يدع شاذّةً ولا فاذّةً إذا كان شُجاعًا، لا يلقاه أحد إلَّا قتله. انتهى كلام القاضي . وقال في «الفتح»: «الشاذّة» - بتشديد الذال المعجمة -: ما انفرد عن الجماعة، و«الفاذّة» - بالفاء - مثله، ما لَمْ يَختَلِط بهم، ثم هما صفة لمحذوف: أي نَسَمَةً، والهاء فيهما للمبالغة، والمعنى: أنه لا يَلْقَى شيئًا إلَّا قتله، وقيل: المراد بالشاذّ والفاذّ: ما كَبُرَ وصَغُرَ، وقيل: الشاذّ: الخارج، والفاذّ: المنفرد، وقيل: هما بمعنًى، وقيل: الثاني إتباع. انتهى . (إِلَّا اتَّبَعَهَا) وقوله: (يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالُوا) أي الصحابة الحاضرون، وفي رواية للبخاريّ: «فقال»: أي قائل، وفي رواية الكشميهني: «فقلتُ» بضمير المتكلّم، قال في «الفتح»: فإن كانت محفوظةً عُرِف اسم قائل ذلك. انتهى . (٨٦٥) من طريق الْحَكَم بن مِيناء: أن عبد الله بن عمر، وأبا هريرة حدثاه، أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول على أعواد منبره: «لَيَنْتَهِيَنَّ أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو لَيَخْتِمَنَّ الله على قلوبهم، ثم لَيَكُونُنَّ من الغافلين». قال الجامع عفا الله عنه: أراد أن القائل هو سهل بن سعد الراوي، لكن الكشميهني لا يعتمدون على روايته، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ) بالهمز: أي ما أغنى وكفَى أحدٌ مثلَ غَنائه، وكفايته. قال القرطبيّ: كذا صحّت روايتنا فيه رباعيًّا مهموزًا، ومعناه: ما أغني، ولا كَفَى، وفي «الصحاح»: أجزأني الشيءُ: كفاني، وجزى عنّي هذا الأمر: أي قَضَى، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]: أي لا تقضي، ومنه قوله - ﷺ - لأبي بُردة - ﵁ -: «ولن تَجْزي عن أحد بعدك»، متّفقٌ عليه، قال: وبنو تميم يقولون: أجزأت عنك شاةٌ بالهمز، وقال أبو عبيد: جزأتُ بالشيّ، وأجزأتُ: أي اكتفيتُ به، وأنشد [من الوافر]: فَإِنَّ اللُّؤْمَ فِي الأَقْوَامِ عَارٌ … وَإِنَّ الْمَرْءَ يَجْزَأُ بِالْكُرَاعِ أي يكتفي به. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كَـ»إلا«(إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ») وفي رواية عند البخاريّ: «فقالوا: أيُّنا من أهل الجَنَّة، إن كان هذا من أهل النار؟»، وفي حديث أكثم بن أبي الجون الخزاعيّ، عند الطبرانيّ: قال: قلنا: يا رسول الله، فلان يجزئ في القتال، قال: «هو في النار»، قلنا: يا رسول الله، إذا كان فلان في عبادته، واجتهاده، ولين جانبه في النار، فأين نحن؟ قال: «ذلك أخباث النفاق»، قال: فكنا نتحفظ عليه في القتال . (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) قال في «الفتح»: هذا الرجل هو أكثم بن أبي الجون، كما سيظهر من سياق حديثه (أنا صَاحِبُهُ أَبَدًا) وفي رواية للبخاريّ: «فقال رجل من القوم: لأتبعنه»، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: أي لا أفارقه، وأتتبّع أمره حتى أعرف مآله؛ إذ أخبر النبيّ - ﷺ - بما دلّ على سوء عُقباه وخاتمته، أو سُوء جَرِيرته بكونه من أهل النار، وخبر - ﷺ - صادقٌ، لا شكّ فيه، وكان ظاهره غيرَ ذلك، من نَصْر الدين، وحُسن البصيرة فيه، فأراد معرفة السبب الموجب لكونه من أهل النار؛ ليزداد يقينًا وبصيرة، كما فَعَل وذكر في نفس الحديث، ولتجديد شهادته بالنبوّة. انتهى . (قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ) أي ذلك الرجل الذي أخبر عنه النبيّ - ﷺ - بكونه من أهل النار (وَقَفَ مَعَهُ)، أي وقف هذا الرجل الذي وعد أنه يُصاحبه أبدًا (وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ) فعلٌ ونائب فاعله (جُرْحًا شَدِيدًا) الجرح بفتح الجيم مصدرُ جَرَحه من باب نَفَعَ، وبضمها اسم منه، زاد في رواية أكثم: فقلنا: يا رسول الله قد استُشهِد فلان، فقال: «هو في النار» (فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ) أي طلب سرعة موته؛ لشدّة الألم (فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ) وفي نسخة: «في الأرض»، و«النَّصْلُ» بفتح النون، وسكون الصاد المهملة: حديدة السهم، والرمح، والسيف ما لَمْ يكن له مَقْبِضٌ، أفاده في «القاموس» ، وقال القرطبيّ: نصلُ السيف: حديدتها كلّها، وأنشدوا: كَالسَّيْفِ سلَّ نَصْلُهُ مِنْ غِمْدِهِ ويقال: عليها مُنْصُلٌ، والمراد بالنصل في هذا الحديث: طرف النَّصْلِ الأسفل الذي يُسمّى الْقَبِيعةَ، والرِّئاس ، وذُبابُهُ: طرفه الأعلى المحدّد المهلَّلُ، وظُبَتاه وغَرْبَاهُ: حدّاه، وصدر السيف: من مَقبضه إلى مَضرِبه، ومضربُهُ: موقعُ الضرب منه، وهو دون الذُّبَاب بشبر. انتهى . (وَذُبَابَهُ) بضم الذال المعجمة، وتخفيف الباء الموحدة المكررة: قال ابن الأثير: ذُبابُ السيف: طرفه الذي يُضرَب به. انتهى . وقال النوويّ: هو طرفه الأسفل، وأما طرفه الأعلى فَمَقْبِضه . (بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) تثنية «ثَدْي» بفتح الثاء، وهو يُذَكَّر على اللغة الفصيحة التي اقتصر عليها الفَرّاء، وثعلب، وغيرهما، وحَكَى ابن فارس، والجوهريّ، وغيرهما فيه التذكير والتأنيث، قال ابن فارس: الثديُ للمرأة، ويقال لذلك الموضع من الرجل ثَنْدُوَة، وثُنْدُؤَةٌ بالفتح بلا همزة، وبالضم مع الهمزة، وقال الجوهريّ: والثَّدْيُ للمرأة وللرجل، فعلى قول ابن فارس يكون في هذا الحديث قد استعار الثَّدْي للرجل، وجمع الثَّدْي: أَثْدٍ، وثُدِيٌّ بضم الثاء، وكسرها، ذكره النوويّ . وقال الفيّومي: «الثَّدْيُ» بلمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابن السّكّيت، ويُذكَّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثَّدْيُ، والجمع أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلُهُما أَفْعُل، وفُعُولٌ، مثلُ أفلُسٍ، وفُلُوسٍ، وربّما جُمع على ثِدَاء، مثلُ سَهْمٍ ويسِهَامٍ، والثُّنْدُوة وَزْنُها فُنْعُلةٌ بضمّ الفاء والعين، ومنهم من يَجعَل النون أصليّةً، والواو زائدة، ويقول: وزنُها فُعْلُوَةٌ، قيل: هي مَغْرِزُ الثّدي، وقيل: هي اللَّحْمة التي في أصله، وقيل: هي للرجل بمنزلة الثَّدْي للمرأة، وكان رُؤبة يَهْمِزُها، قال أبو عُبيد: وعامّة العرب لا تَهْمِزُها، وحَكَى في البارع ضمّ الثاء مع الهمزة، وفتح الثاء مع الواو، وقال ابن السّكّيت: وجمع الثُّنْدُوة: ثنَادٍ على النقص. انتهى . (ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ) أي كلّف نفسه ما لا تُطيقه، وهو الوقوع على سيفه، قال في «القاموس»: تحامل في الأمر، وبه: تكلّفه على مَشَقَّة، وتحاملَ عليه: كلّفه ما لا يُطيق. انتهى . (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) وفي رواية للبخاريّ: «فوَضَعَ نصاب سيفه في الأرض، وذُبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه، فقتل نفسه»، وفي حديث أكثم: «أخذ سيفه، فوضعه بين ثدييه، ثم اتكأ عليه، حتى خرج من ظهره، فأتيت النبيّ - ﷺ -، فقلت: أشهد أنك رسول الله» . (فَخَرَجَ الرَّجُلُ) أي الذي قال: أنا صاحبه أبدًا (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله، قَالَ) - ﷺ - («وَمَا ذَاكَ؟») أي ما سبب تجديدك للشهادة برسالتي؟ (قَالَ) الرجل (الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا) أي قريبًا، وقد تقدّم الكلام عليها (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ) أي عظّموه، وكبُر عليهم، وإنما كان كذلك؛ لأنهم نظروا إلى سورة الحال، ولم يَعرِفوا الباطن، ولا المال، فأعلم العليمُ الخبيرُ البشيرَ النذيرَ بمغَيَّب الأمر وعاقبته، وكان ذلك من أدلّة صدق الرسول - ﷺ -، وصحّة رسالته، ففيه التنبيه، قالهُ القرطبيّ . (فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ) أي أنا أكفيكم شأنه، وما يؤول إليه أمره (فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِه، حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْض، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْه، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ) أي عندما أخبره الرجل بحال الرجل («إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ) قال النووي: معناه أن هذا قد يقع (عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا دليلٌ على أن ذلك الرجل لَمْ يكن مُخلِصًا في جهاده، وقد صرّح الرجل بذلك فيما يُروى عنه أنه قال: إنما قاتلتُ عن أحساب قومي، فيتناول هذا الخبر أهل الرياء، فأما حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي قال فيه:»إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنّة، ثم يُختم له بعمل أهل النار، فيدخلها«، فإنما يتناول من كان مخلصًا في أعماله، قائمًا بها على شرطها، لكن سبقت عليه سابقة القدر، فبُدِّلَ به عند خاتمته، كما يأتي تحقيقه في»كتاب القدر«- إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ . (وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) جملة حاليّة من فاعل«يَعْمَل»(وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ«) زاد في حديث أكثم: »تُدركه الشقاوة والسعادة عند خروج نفسه، فيُختَم له بها«، وسيأتي شرح الكلام الأخير في »كتاب القدر« - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (٢٦٥١) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجَنَّة، ثم يُختَم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجَنَّة». (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٥٠/ ٣١٣] (١١٢)، وفي «القدر» (١١٢) مختصرًا ، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٨٩٨)، و«المغازي» (٤٢٠٢ و٤٢٠٧)، و«الرقاق» (٦٤٩٣)، و«القدر» (٦٦٠٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٣١ و٣٣٢ و٣٣٥)، و(أبو القاسم البغويّ) في «الجعديَّات» (٣٠٣٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٤٠)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٣٠٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٥٧٨٤ و٥٧٩٨ و٥٧٩٩ و٥٨٠٦ و٥٨٢٥ و٥٨٣٠ و٥٨٩١ و٥٩٥٢ و٦٠٠١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٧٥)، و(ابن أبي عاصم) في «السنّة» (٢١٦)، و(الآجريّ) في «الشريعة» (ص ١٨٥)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (٤/ ٢٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن قتل النفس من الكبائر الموبقة، وأنه ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزّة والجلال. ٣ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: «لا يدع لهم شاذّة» جواز الإغياء في الكلام، والمبالغة فيه، إذا احتيج إليه، ولم يكن ذلك تعمّقًا، ولا تشدّقًا، فيجوز أن يُعبَّر بالعموم عن الكثير الغالب، كقوله - ﷺ -: «لا يَضَعُ عصاه عن عاتقه» . ٤ - (ومنها): بيان أن الأعمال بخواتيمها، فلا ينبغي الاغترار بالأعمال، والركون إليها؛ مخافة من انقلاب الحال عن انقضاء الآجال؛ للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يَقْنَط، ولغيره أن لا يُقنطه من رحمة الله تعالى. ٥ - (ومنها): أنه لا ينبغي أن يُطلق على من قُتل في الجهاد أنه شهيد؛
مصادر المؤلف (٣٠)

١. «الفتح» ٧/ ٥٤١ - ٥٤٢ «كتاب المغازي» رقم الحديث (٤٢٠٣ - ٤٢٠٤).

٢. «الأنساب» ٤/ ٤٠٦.

٣. قال في «اللسان» ٥/ ٥٣: الْفُزُور: الشُّقوق والصُّدوع، ويقال: فَزَرْتُ أنف فلان فَزْرًا: أي ضربته بشيء فشققته، فهو مَفْزُورُ الأنف. انتهى.

٤. «تهذيب التهذيب» ٢/ ١٢٤.

٥. راجع: «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٩٢.

٦. يعني: قوله: «فقلت» بضمير المتكلّم.

٧. «القاموس المحيط» ص ٩٤٢ - ٩٤٣.

٨. «شرح النوويّ» ٢/ ١٢٣.

٩. لعله أراد قوله فيما سبق: إنه من طريق الواقدي، وهو لا يُحتجّ به، أو أراد ما سبق من الخلاف: هل قصّة سهل هذه هي قصة أبي هريرة الماضية أم لا؟.

١٠. «الفتح» ٧/ ٥٣٩.

١١. هو ما يأتي للمصنّف رحمه الله تعالى:

١٢. «إكمال المعلم» ١/ ٤٧٣ - ٤٧٤.

١٣. «الفتح» ٧/ ٥٤٠.

١٤. «الفتح» ٧/ ٥٤٠.

١٥. «فتح» ٧/ ٥٤٠.

١٦. «إكمال المعلم» ١/ ٤٧٦.

١٧. «القاموس» ص ٩٥٧.

١٨. رئاس السيف بالكسر: مقبضه، أو قَبيعته. اهـ. «ق».

١٩. «المفهم» ١/ ٣١٨.

٢٠. «النهاية» ٢/ ١٥٢.

٢١. «شرح النوويّ» ٢/ ١٢٢.

٢٢. «شرح النوويّ» ٢/ ١٢٣ - ١٢٤.

٢٣. «المصباح المنير» ١/ ٨١.

٢٤. «القاموس المحيط» ص ٨٨٨.

٢٥. راجع: «الفتح» ٧/ ٥٤٣.

٢٦. «المفهم» ١/ ٣١٨.

٢٧. سيأتي هذا الحديث للمصنّف في «كتاب القدر» برقم:

٢٨. «المفهم» ١/ ٣١٩.

٢٩. ولفظه: (١١٢) عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجَنَّة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجَنَّة».

٣٠. راجع: «إكمال المعلم» ١/ ٤٧٤، و«المفهم» ١/ ٣١٧.