HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٢

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ (وَاللَّفْظُ لِإِبْرَاهِيمَ). قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ (وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا. وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ. فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ. وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً! فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثاما﴾ [الفرقان/ آية ٦٨ وَنَزَلَ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [٣٩/الزمر/ آية ٥٣]
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص79
ج ١ ص ١١٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن النسائي, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص٤٨١
له عليه، فيحصل لكل واحد منهما قسم بكماله، ولها طرقٌ غير هذا، لا حاجة إلى الإطالة بها هنا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بأن القسمة تمييز حقّ، وليست ببيع عندي هو الظاهر، فتأمله، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أنه يُستفاد من سياق كلام عمرو بن العاص - ﵁ - أنه إنما لم يستطع أن يصف النبيّ - ﷺ -؛ لكونه لم يتأمل ذاته الشريفة في حالتي الكفر والإسلام؛ لاحتجابه عن ذلك، أما في حال كفره فمنعه شدّة بغضه له - ﷺ - على أن لا يملأ عينيه من النظر إليه، وأما في حال الإسلام فمنعه من ذلك أيضًا شدّة محبته؛ لأن شدّة بغض الشيء، وشدّة حبه، يحجب العين عن النظر إليه نظر تأمل. ومن ثمّ إنك إذا نظرت إلى أكابر الصحابة - ﵃ - كأبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ - لا تجد عندهم من أوصافه - ﷺ - الذاتيّة بدقّة ما عند أصاغرهم، فمعظم كتب السنّة والسير إذا طالعت فيها تجد أوصافه - ﷺ - الدقيقة مروية عن أصاغر الصحابة، كأنس، وهند بن أبي هالة، وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وأم معبد الخزاعيّة - ﵃ -، وأشباههم، أو الذين لازموه من صغرهم، كعليّ، وابن مسعود - ﵃ -، وسرّ ذلك هو ما ذكره عمرو بن العاص - ﵁ - هنا؛ لأنهم ما كانوا يملأون أعينهم من النظر إليه - ﷺ -، حتى يصفوه وصفًا دقيقًا، فتأمل ما ذكرته، تجده حقًّا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٩] (١٢٢) - (حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَاللَّفْظُ لإِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْك، قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا - ﷺ -، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ، وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا، أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) المعروف بالسمين، مروزيّ الأصل، نزيل بغداد، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (٢٣٥) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) التمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقة [١٠] (٢٣٢) (م) تقدم في «الإيمان» ٤١/ ٢٧٢. ٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصّيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره لَمّا قدم بغداد [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٤. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم، أبو الوليد، أو أبو خالد المكيّ، ثقة فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٥ - (يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ) بن هُرْمُز المكيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبي الشَّعْثاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وطلق بن حبيب. ورَوَى عنه محمد بن المنكدر، وهو أكبر منه، وابن جريج، وسفيان بن حسين، وشعبة، وعبد الرحمن بن حرملة. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الآجريّ، عن أبي داود: يعلى بن مسلم بصريّ، كان بمكة، وهو غير يعلى بن مسلم المكيّ، ذاك أخو الحسن بن مسلم. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان، فقط، هذا (١٢٢)، وحديث (١٨٣٤): «نزل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٣٣] الآية». ٦ - (سعيد بن جبير) بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]. رَوَى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعديّ بن حاتم، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، والضحاك بن قيس الفهري، وأنس، وعمرو بن ميمون، وأبي عبد الرحمن السلمي، وعائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: عبد الملك، وعبد الله، ويعلى بن حكيم، ويعلى بن مسلم، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير المكي، وآدم بن سليمان، وأشعث بن أبي الشعثاء، وأيوب، وبكير بن شهاب، وثابت بن عجلان، وغيرهم. قال ضمرة بن ربيعة، عن أصبغ بن زيد الواسطي: كان له ديك يقوم من الليل لصياحه، فلم يَصِحْ ليلة حتى أصبح، فلم يستيقظ سعيد، فشق عليه، فقال: ما له قطع الله صوته، قال: فما سُمِع له صوت بعدها. وقال يعقوب الْقُمِّيُّ عن جعفر بن أبي المغيرة: كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أم الدَّهْمَاء؟ - يعني: سعيد بن جبير - وقال عمرو بن ميمون عن أبيه: لقد مات سعيد بن جبير، وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. وكان سفيان يقدم سعيدًا على إبراهيم في العلم، وكان أعلم من مجاهد وطاووس. وقال عثمان بن بوذويه: كنت مع وهب بن منبه، وسعيد بن جبير يوم عرفة، فقال وهب لسعيد: أبا عبد الله كم لك منذ خِفْتَ من الحجاج؟ قال: خرجت عن امرأتي، وهي حامل، فجاءني الذي في بطنها، وقد خَرَجَ وجهه، وقال هشيم: حدثني عتبة مولى الحجاج، قال: حضرت سعيد بن جبير، حين أُتِي به الحجاج بواسط، فجعل الحجاج يقول له: ألم أفعل بك؟ ألم أفعل بك؟ فيقول: بلى، قال: فما حملك على ما صنعت من خروجك علينا؟ قال: بيعة كانت عليّ، قال: فغضب الحجاج، وصفق بيديه، وقال: فبيعة أمير المؤمنين كانت أسبق وأولى، وأمر به، فضُربت عنقه، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان فقيهًا عابدًا فاضلًا ورعًا، وكان يكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود، حيث كان على قضاء الكوفة، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى، ثم خرج مع ابن الأشعث في جملة القراء، فلما هُزِم ابن الأشعث، هَرَب سعيد بن جبير إلى مكة، فأخذه خالد الْقَسْريّ بعد مدة، وبعث به إلى الحجاج، فقتله الحجاج سنة (٩٥) وهو ابن (٤٩) سنة، ثم مات الحجاج بعده بأيام، وكان مولد الحجاج سنة (٤٠). انتهى. وقيل: إن قتله كان في آخر سنة (٩٤)، وقال عمر بن سعيد بن أبي حسين: دعا سعيد بن جبير ابنه حين دُعي ليُقتَل، فجعل ابنه يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟، وقال أبو القاسم الطبري: هو ثقة إمام حجة على المسلمين، قُتل في شعبان سنة خمس وتسعين، وهو ابن (٤٩) سنة. وقال أبو الشيخ: قتله الحجاج صبرًا سنة (٩٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٨) حديثًا. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، - ﵁ - حبر الأمة، وبحرها (ت ٦٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (ومنها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه له شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والإخبار، والسماع، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني من أفراده، وإلا يعلى، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): سعيد بن جُبير، ويعلى بن مسلم هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما لكلّ منهما عند المصنّف من الحديث. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: «واللفظ لإبراهيم»، وقوله: «وهو ابن محمد»، وقد سبق الكلام عليهما غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عباس - ﵄ - حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَنَّ نَاسًا) اسم وُضِع للجمع، كالقوم، والرَّهْط، واحده إنسان، من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلّى، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ [الناس: ٥]، ثم فسّر الناس بقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ٦]. [تنبيه]: قال صاحب «التنبيه»: قوله: «أن ناسًا من أهل الشرك» عُرِف منهم وحشيُّ بن حرب. انتهى . وفي «صحيح البخاريّ» عن ابن عبّاس - ﵄ -: «لما نزلت التي في سورة الفرقان قال مشركو مكة …» قال في «الفتح»: في رواية الطبرانيّ من وجه آخر عن ابن عباس أن السائل عن ذلك وحشيّ بن حرب قاتل حمزة، قال: روى ابن إسحاق في «السيرة» قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: «اتّعدتّ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص أن نُهاجر إلى المدينة، فذكر الحديث في قصّتهم، ورجوع رفيقه، فنزلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قال: فكتبت بها إلى هشام». انتهى . وقوله: (مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ) متعلّق بصفة لـ«ناس» (قَتَلُوا) أنفسًا (فَأَكْثَرُوا) القتل (وَزَنَوْا) بفتح النون، أصله زَنَيُوا، فقُلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين (فَأَكْثَرُوا) الزنا (ثُمَّ أَتَوْا) بفتح التاء، أصله أَتَيُوا فُعل به ما فُعل بـ«زَنَوْا» (مُحَمَّدًا - ﷺ -، فَقَالُوا) له - ﷺ - (إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو) مفعول الفعلين محذوف، وهو عائد الصلة: أي إن الذي تقوله، وتدعو الناس إليه من التوحيد، وإخلاص الطاعة لله تعالى (لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا) من المعاصي (كَفَّارَةً) قال النووي: فيه محذوف، وهو جواب «لو»:. أي لو تُخبرنا لأسلمنا، وحذف جوابها كثير في القرآن العزيز، وكلام العرب، كقوله ﷿: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وأشباهه. انتهى . وقال القرطبيّ: يحتمل أن تكون «لو» هنا للامتناع، ويكون جوابها محذوفًا، تقديره: لأسلمنا، أو نحوه، ويَحْتَمِل أن يكون تَمَنِّيًا بمعنى «ليتَ»، والأول أظهر. انتهى . (فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي لا يشركون (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾) أي حرّمها، أي حرّم قتلها (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾) أي بقوَدٍ، أو رجمٍ، رِدّة، أو شِرْكٍ، أو سَعْيٍ في الأرض بفساد، وهو متعلّقٌ بالقتل المحذوف، أو بـ ﴿لَا يَقْتُلُونَ﴾ . (﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾) فيستحلّون الفروج بغير نكاح، ولا ملك يمين، ودلتّ هذه الآية على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحقّ، ثم الزنا، ولهذا ثبت في حدّ الزنا القتل لمن كان محصنًا، أو أقصى الجلد لمن كان غير محصن، قاله القرطبيّ . وقال النسفيّ: ونفيُ هذه الكبائر عن عباده الصالحين تعريضٌ لما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيرهم، كأنه قيل: والذين طهّرهم الله مما أنتم عليه. انتهى . (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) قال القرطبيّ: «ذا» إشارة إلى واحد في أصل وضعها، غير أن الواحد تارةً يكون واحدًا بالنصّ عليه، وتارةً يكون بالتأويل، وإن كانت أمورٌ متعدّدة في اللفظ كما في هذه الآية، فإنه ذَكَر قبل «ذا» أمورًا، وأعاد الإشارة إليها من حيث إنها مذكورة، أو مقولة، فكأنه قال: ومن يفعل المذكور، أو المقول. انتهى . (﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) قيل: معناه: عقوبةً، وقيل: هو وادٍ في جهنّم، وقيل: بئرٌ فيها، وقيل: جزاء إثمه . (وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ﴾) قرئ بفتح الياء، وسكونها (﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾) أي جَنَوا عليها بالإسراف في المعاصي، والغلوّ فيها (﴿لَا تَقْنَطُوا﴾) بفتح النون، وكسرها، من بابي تَعِبَ، وضرب: أي لا تيأسوا (﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣])، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٥٧/ ٣٢٩] (١٢٢)، ويأتي في «التفسير» برقم (٣٠٢٣)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٨٥٥)، و«التفسير» (٤٥٩٠ و٤٧٦٢ و٤٧٦٣ و٤٧٦٤ و٤٧٦٥ و٤٧٦٦)، و(أبو داود) في «الفتن» (٤٢٧٥)، و(النسائيّ) في «تحريم الدم» (٤٠٠٠ و٤٠٠١ و٤٠٠٢ و٤٠٠٥)، وفي «كتاب القسامة» (٤٨٦٤ و٤٨٦٥ و٤٨٦٦ و٤٨٦٧)، وفي «الكبرى» (٣٤٦٢ و٣٤٦٣ و٣٤٦٤ و٣٤٦٥ و٣٤٦٨)، و(ابن ماجه) في «الديات» (٢٦٢١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٠٤)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٣١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الإسلام، حيث إنه يَهْدِم ما كان قبله، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا؛ لأن الإسلام والإيمان شيء واحد، كما سبق بيانه. ٢ - (ومنها): بيان سعة رحمة الله ﷾، ومغفرته، حيث وعد المسرفين، فقال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. ٣ - (ومنها): ما قاله العلامة ابن العربي: هذه لطيفة من الله ﷾ مَنّ بها على الخلق، وذلك أن الكفار يَقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي والمآثم، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذةً لهم لمَا استدركوا أبدًا توبة، ولا نالتهم مغفرة، فَيَسّر الله تعالى عليهم قبول التوبة، عند الإنابة، وبذل المغفرة بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم؛ ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين، وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين، ولو عَلِمُوا أنهم يؤاخذون لَمَا تابوا، ولا أسلموا. وفي «صحيح مسلم»: «كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم سأل: هل من توبة؟ فجاء عابدًا، فسأله: هل له من توبة؟ فقال: لا توبة لك، فقتله، فكمل به مائة …» الحديث، فانظروا إلى قول العابد: لا توبة لك، فلما عَلِمَ أنه قد أيئسه قتله فِعْلَ الآيس من الرحمة، فالتنفير مفسدة للخليقة، والتيسير مصلحة لهم، ورُوي عن ابن عباس - ﵄ - أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل، فسأله: هل لقاتل من توبة؟ فيقول: لا توبةَ؛ تخويفًا وتحذيرًا، فإذا جاءه مَن قتل، فسأله، هل لقاتل من توبة؟ قال له: لك توبةٌ؛ تيسيرًا وتأليفًا. انتهى . ٤ - (ومنها): أنه اختُلف في تصرّف الكافر بالطلاق وغيره إذا أسلم: قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلّق في الشرك، ثم أسلم، فلا طلاق له، وكذلك من حَلَف فأسلم، فلا حِنث عليه، وكذا مَن وجبت عليه هذه الأشياء، فذلك مغفور له. فأما مَن افترى على مسلم ثم أسلم، أو سرق ثم أسلم، أقيم عليه الحد للفرية والسرقة. ولو زَنَى وأسلم، أو اغتصب مسلمة ثم أسلم، سقط عنه الحدّ. ورَوَى أشهب عن مالك أنه قال: إنما يعني الله ﷿ ما قد مضى قبل الإسلام، من مال، أو دم، أو شيء. قال ابن العربيّ: وهذا هو الصواب؛ لما قدمناه من عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٨]، وقوله - ﷺ -: «الإسلام يَهْدِم ما قبله»، وما بيّناه من المعنى من التيسير وعدم التنفير. قال القرطبيّ: أما الكافر الحربيّ، فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب، وأما إن دخل إلينا بأمان، فقَذَف مسلمًا، فإنه يُحَدُّ، وإن سرق قُطِع، وكذلك الذمي إذا قَذَف حُدّ ثمانين، وإذا سَرَق قُطع، وإذا قَتل قُتل، ولا يُسقط الإسلام ذلك عنه؛ لنقضه العهد حال كفره على رواية ابن القاسم وغيره. قال ابن المنذر: واختلفوا في النصراني يزني ثم يسلم، وقد شَهِدت عليه بيّنة من المسلمين، فَحُكي عن الشافعي إذ هو بالعراق: لا حَدّ عليه، ولا تغريب؛ لقول الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، قال ابن المنذر: وهذا موافق لما رُوي عن مالك، وقال أبو ثور: إذا أقرّ، وهو مسلم أنه زَنَى وهو كافر، أقيم عليه الحد، وحُكِي عن الكوفي أنه قال: لا يحد. فأما المرتدّ إذا أسلم، وقد فاتته صلوات، وأصاب جنايات، وأتلف أموالًا، فقيل: حكمه حكم الكافر الأصليّ إذا أسلم، لا يؤخذ بشيء مما أحدثه في حال ارتداده، وقال الشافعي في أحد قوليه: يلزمه كلُّ حقّ لله ﷿ وللآدميّ، بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه، فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى، وقال أبو حنيفة: ما كان لله يَسقُط، وما كان للآدمي لا يسقط، قال ابن العربي: وهو قول علمائنا؛ لأن الله تعالى مُستغنٍ عن حقه، والآدمي مفتقر إليه، ألا ترى أن حقوق الله ﷿ لا تجب على الصبيّ، وتلزمه حقوق الآدميين؟ قالوا: وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عام في الحقوق لله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك، وصوّبه ابن العربيّ من أن ما مضى قبل الإسلام من مال، أو دم، أو شيء يسقط عنه بالإسلام مطلقًا هو الأرجح؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وظاهر قوله - ﷺ - لعمرو بن العاص - ﵁ -: «أما عَلمت أن الإسلام يَهدِم ما كان قبله؟»، فإنه - ﷺ - ما استثنى له شيئًا، لا من حقوق الله تعالى، ولا من حقوق العباد، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في توبة قاتل المؤمن عمدًا: قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في «تفسيره»: واختلف العلماء في قاتل العمد، هل له توبة؟. فروى البخاريّ عن سعيد بن جبير، قال: اختلف أهل الكوفة، فَرَحلت فيها إلى ابن عبّاس، فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء. وروى النسائيّ عنه، قال: سألت ابن عباس: هل لمن قتل مؤمنًا متعمّدًا من توبة؟ قال: لا، وقرأت عليه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] قال: هذه آية مكيّةٌ نسختها آية مدنيّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣]. وروى عن زيد بن ثابت نحوه، وأن آية النساء نزلت بعد الفرقان بستّة أشهر، وفي رواية بثمانية أشهر، ذكرهما النسائيّ عن زيد بن ثابت - ﵁ -. وإلى عموم هذه الآية، مع هذه الأخبار عن زيد، وابن عبّاس ذهبت المعتزلة، وقالوا: هذا مخصّص عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ورأوا أن الوعيد نافذ حتمًا على كلّ قاتل، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا: التقدير: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدًا. وذهب جماعة من العلماء منهم: عبد الله بن عمر وهو أيضًا مرويّ عن زيد بن ثابتٍ، وابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهم - إلى أن له توبةً. روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعيّ، عن سَعْد بن عبيدة، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عبّاس، فقال: ألمن قتل مؤمنًا متعمّدًا توبة؟ قال: لا إلا النار، قال: فلّمّا ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبةً مقبولة، قال: إني لأحسبه رجلًا مُغضبًا، يريد أن يقتُل مؤمنًا، قال: فبعثوا في إثره، فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنّة، وهو الصحيح، وأن هذه الآية مخصصة، ودليل التخصيص آياتٌ وأخبارٌ، وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن صبابة ، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة، فوجدوا هشامًا قتيلًا في بني النجّار، فأخبر بذلك النبيّ - ﷺ -، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه، وأرسل معه رجلًا من بني فهر، فقال بنو النجّار: والله ما نعلم له قاتلًا، ولكنّا نؤدّي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة، فعدا مقيس على الفهريّ، فقتله بأخيه، وأخذ الإبل، وانصرف إلى مكة كافرًا مَرتدًّا، وجعل يُنشد [من الطويل]: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ … سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارعِ حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَأَدْرَكْتُ ثَوْرَتِي … وَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعِ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا أُؤمّنه في حِلّ، ولا حَرَم»، وأمر بقتله يوم فتح مكّة، وهو متعلقٌ بالكعبة. وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير، وعلماء الدين، فلا ينبغي أن يُحمل على المسلمين. ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية [الشورى: ٢٥]، وقوله تعالى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والأخذ بالظاهرين تناقضٌ، فلا بُدّ من التخصيص. ثم إن الجمع بين آية «الفرقان»، وهذه الآية ممكن، فلا نسخ، ولا تعارض، وذلك أن يُحمَل مطلق آية «النساء» على مقيّد آية «الفرقان»، فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب، لا سيّما وقد اتّحد الموجِب، وهو القتل، والموجَب، وهو التواعد بالعقاب. وأما الأخبار، فكثيرة، كحديث عُبادة بن الصامت - ﵁ - الذي قال فيه: «تبايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرِقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحقّ، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك، فعوقب به، فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه». متّفقٌ عليه، وكحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - في الذي قتل مائة نفس، متّفقٌ عليه. إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة. ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يُشْهَد عليه بالقتل، أو يُقرّ بأنه قتل عمدًا، ويأتي السلطانَ الأولياءُ، فيقام عليه الحدّ، ويُقتل قَوَدًا، فهذا غير متَّبَع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعًا على مقتضى حديث عبادة - ﵁ -، فقد انكسر عليهم ما تعلّقوا به من عموم قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، ودخله التخصيص بما ذكرنا، وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بيّنّا، أو تكون محمولةً على ما حُكي عن ابن عبّاس - ﵄ - أنه قال: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ معناه مستحلًّا لقتله، فهذا أيضًا يؤول إلى الكفر إجماعًا. وقالت جماعة: إن القاتل في المشيئة تاب، أو لم يتُب. قاله أبو حنيفة، وأصحابه. [فإن قيل]: إن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] دليلٌ على كفره؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على كافر خارجٍ من الإيمان. [قلنا]: هذا وعيد، والخلف في الوعيد كَرَمٌ، كما قال [من الطويل]: وَإِنِّي مَتَى أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدتُهُ … لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي وقد تقدّم جوابٌ ثان: إن جازاه بذلك: أي هو أهلٌ لذلك، ومستحقّه لعظم ذنبه. نصّ على هذا أبو مِجْلَز لاحقُ بن حُميد، وأبو صالح، وغيرهما. وروى أنس بن مالك - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إذا وعد الله لعبد ثوابًا، فهو منجزه، وإن أوعد له العقوبةَ، فله المشيئة: إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه» . وفي هذين التأويلين دَخَلٌ، أما الأول، فقال القشيريّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن كلام الربّ لا يَقبل الخلف، إلا أن يُراد بهذا تخصيص العامّ، فهو إذًا جائزٌ في الكلام. وأما الثاني، وإن روي أنه مرفوعٌ، فقال النّحّاس: وهذا الوجه الغلط فيه بيّنٌ، وقد قال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾ الآية [الكهف: ١٠٦]، ولم يقل أحدٌ: إن جازاهم، وهو خطأٌ في العربيّة؛ لأن بعده: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣]، وهو محمول على معنى جازاه. وجوابٌ ثالث ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إن لم يتُب، وأصرّ على الذنب حتى وافى ربّه على الكفر بشؤم المعاصي. وذكر هبة الله في «كتاب الناسخ والمنسوخ» أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال: هذا إجماع الناس إلا ابن عبّاس، وابن عمر، فإنهما قالا: هي محكمة. وفي هذا الذي قاله نظرٌ؛ لأنه موضع عموم وتخصيص، لا موضع نسخ، قاله ابن عطيّة. قال القرطبيّ: هذا حسنٌ؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار، إنما المعنى: فهو يَجزيه. وقال النحّاس في «معاني القرآن» له: القول فيه عند العلماء أهلِ النظر أنه محكم، وأنه يُجازيه إذا لم يتُب، فإن تاب فقد بيّن أمره بقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢]، فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ [الهمزة: ٣]، وقال زُهَير: وَلَا خَالِدًا إِلَّا الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَا وهذا كلّه يدلّ على أن الخلد يُطلق على غير معنى التأبيد، فإن هذا يزول بزوال الدنيا، وكذلك العرب تقول: لأُخَلِّدنّ فلانًا في السجن، والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك المسجون، ومثله قولهم في الدعاء: خلّد الله ملكه، وأبّد أيامه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكِر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن قاتل المؤمن عمدًا تُقبل توبته؛ جمعًا بين النصوص المذكورة، والعمل بالدليلين إذا أمكن أولى من إلغاء أحدهما. على أنه قد جاء عن ابن عبّاس - ﵄ - القول بموافقة قول الجمهور، فقد أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» (٤) بسند صحيح، على شرط الشيخين، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أنه أتاه رجلٌ، فقال: إني خطبت امرأةً، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري، فأحبّت أن تنكحه، فغِرتُ عليها، فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمّك حيّةٌ؟ قال: لا، قال: تُبْ إلى الله ﷿، وتقرّب إليه ما استطعت، فذهبتُ، فسألت ابن عبّاس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله ﷿ من برّ الوالدة. وأخرج ابن جرير (٥/ ١٣٨) بسند جيّد، عن سعيد، عن ابن عبّاس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، قال: ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله .
مصادر المؤلف (١٦)

١. «شرح النوويّ» ٢/ ١٣٩.

٢. «تنبيه المعلم» ص ٧٢.

٣. «الفتح» ٨/ ٥٥٠.

٤. «شرح النوويّ» ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.

٥. «المفهم» ١/ ٣٣١.

٦. راجع: «تفسير النسفيّ» ٣/ ١٧٥.

٧. «جامع الأحكام» ١٣/ ٧٦.

٨. المصدر السابق ٣/ ١٧٥.

٩. «المفهم» ١/ ٣٣١.

١٠. «شرح النوويّ» ٢/ ١٤٠.

١١. راجع: «تفسير القرطبيّ» ٧/ ٤٠٢.

١٢. «صُبَابة» بضم الصاد المهملة، وبموحدتين أولاهما خفيفة، هكذا ضبطه في «الإصابة» في ترجمة أخيه هشام ٣/ ٦٠٣.

١٣. «فارع»: حصن بالمدينة.

١٤. قال الجامع: هذا يحتاج إلى البحث في سنده، ولم يعزه القرطبيّ إلى أي مرجع، ولم أتمكن من البحث عنه، فالله تعالى أعلم بثبوته.

١٥. «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٣٢ - ٣٣٥، «تفسير سورة النساء».

١٦. راجع: «السلسلة الصحيحة» للشيخ الألبانيّ المجلد السادس - القسم الأول ص ٧١١ - ٧١٢، رقم الحديث (٢٧٩٩).