HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٧

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بن سعيد، وعلي بن حُجْرٍ. جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ ابن أيوب: حدثنا إِسْمَاعِيل بْنُ جَعْفَرٍ. قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى الْحُرَقَةِ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «من اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فَقَالَ له رجل: وإن كان شيئا يسير، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أراك».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص85
ج ١ ص ١٢٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٥
٦٤ - (بَابُ بَيَانِ وَعِيدِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٠] (١٣٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، مَوْلَى الْحُرَقَة، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيّ، عَنْ أَخِيه، عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ: مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِه، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية، كلّهم تقدّموا قبل باب، سوى ثلاثة: ١ - (مَعْبَدُ بْنُ كَعْبٍ السَّلَمِيُّ) - بفتحتين - هو: مَعبَد بن كعب بن مالك الأنصاري السَّلَمِيّ المدني، كان أصغر الإخوة، السَّلَميّ، صدوق [٣]. رَوَى عن أبي قتادة، وجابر، وعن أخويه: عبد الله، وعبيد الله. ورَوَى عنه: وهب بن كيسان، ومحمد بن عمرو بن حَلْحَلة، والعلاء بن عبد الرحمن، والوليد بن كثير، وابن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي، وعيسى بن معاوية، وعُقَيل بن خالد. ذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاري حديثًا واحدًا والمصنّف، وأبو داود في «الناسخ والمنسوخ»، والنسائي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (١٣٧)، و(٩٥٠): «مستريح ومستراح منه …»، و(١٦٠٧): «إياكم وكثرة الحلف في البيع …». ٢ - (أَخُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَمِيّ المدنيّ، ثقةٌ، يقال: له رؤية [٢]. كان قائد أبيه حين عَمِيَ، روى عنه، وعن أبي أيوب، وأبي لبابة، وأبي أمامة بن ثعلبة، وعثمان بن عفان، وابن عباس، وعبد الله بن أُنيس الجُهَنيّ، وجابر، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: عبدُ الرحمن، وخارجةُ، وإخوته: عبد الرحمن، ومحمد، ومعبد بنو كعب، والأعرج، والزهريّ، وسعد بن إبراهيم، وعبد الله بن أبي أمامة بن ثعلبة، وعبيد الله بن أبي يزيد، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن سعد: سَمِعَ من عثمان، وكان ثقة، وكناه أبا فَضَالة، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وذكر البخاريّ أنه رَوَى عن عمر - ﵁ -، وذكره العسكريّ فيمن لَحِقَ النبيَّ - ﷺ -، وقال أبو القاسم البغويّ: قال الواقديّ: وُلِد على عهد النبيِّ - ﷺ -. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات في ولاية سليمان سنة سبع، أو ثمان وتسعين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، فقط، هذا (١٣٧)، وحديث (٧١٦): «لا يَقْدَمُ من سفر إلا نهارًا …»، و(١١٤٢): «لا يدخل الجنة إلا مؤمن …»، و(١٥٥٨): «يا كعب»، فقال: لبيك يا رسول الله …، و(٢٠٣٢): «يأكل بثلاث أصابع …»، و(٢٨١٠): «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع …». ٣ - (أَبُو أُمَامَةَ) البَلَويّ الأنصاريّ، واسمه: إياس بن ثعلبة، ويقال: عبد الله بن ثعلبة بن عبد الله، حليف بني حارثة، وهو ابن أخت أبي بُرْدَة بن نِيَار، وقال أبو حاتم: ثعلبةُ بن عبد الله بن سهل. رَوَى عن النبيِّ - ﷺ -، وعن عبد الله بن أُنيس الجُهَنيّ، وعنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن أُنيس الجهنيّ، وقيل: هو عبد الله بن عطية بن عبد الله بن أُنيس الجهنيّ، وعبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ. قال أبو أحمد الحاكم: رَدّه النبيّ - ﷺ - من بدر، من أجل أُمّه، فلما رَجَعَ وجدها ماتت، فصلى عليها، رواه عبد الله بن المُنِيب، عن جده عبد الله بن أبي أُمامة، عن أبيه، ورَجَّحَ كونه إياس بن ثعلبة. أخرج له المصنّف، والأربعة، له عندهم هذا الحديث، وعند أبي داود، وابن ماجه حديث آخر أيضًا؛ حديث: «إن البذاذة من الإيمان»، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيوخه، فالأول بغداديّ، والثاني بغلانيّ، والثالث مروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: العلاء، عن معبد، عن أخيه عبد الله بن كعب، ورواية الراوي عن أخيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، ليس له في الكتب الخمسة إلا هذا الحديث، وآخر عند أبي داود، وابن ماجه، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: (اعلم): أن أبا أمامة هذا ليس هو أبا أمامة الباهليّ، صُدَيَّ بن عجلان المشهور، بل هذا غيره، واسم هذا إياس بن ثعلبة الأنصاريّ الحارثيّ، من بني الحرث بن الخزرج، وقيل: إنه بَلَويّ، وهو حليف بني حارثة، وهو ابن أخت أبي بُرْدة بن نِيَار، هذا هو المشهور في اسمه، وقال أبو حاتم الرازي: اسمه عبد الله بن ثعلبة، ويقال: ثعلبة بن عبد الله. قال: (ثم اعلم): أن هنا دقيقةً، لا بدَّ من التنبيه عليها، وهي أن الذين صَنّفُوا في أسماء الصحابة - ﵃ -، ذكر كثير منهم، أن أبا أمامة هذا الحارثيّ - ﵁ -، تُوُفي عند انصراف النبيّ - ﷺ - من أُحد، فصَلَّى عليه، ومقتضى هذا التاريخ أن يكون هذا الحديث الذي رواه مسلم منقطعًا، فإن عبد الله بن كعب تابعيّ، فكيف يَسمَع مَن تُوفي عامَ أحد في السنة الثالثة من الهجرة؟ ولكن هذا النقل في وفاة أبي أمامة ليس بصحيح، فإنه صَحّ عن عبد الله بن كعب، أنه قال: حدثني أبو أمامة، كما ذكره مسلم في الرواية الثانية، فهذا تصريح بسماع عبد الله بن كعب التابعيّ منه، فبَطَل ما قيل في وفاته، ولو كان ما قيل في وفاته صحيحًا، لم يخرّج مسلم حديثه، ولقد أحسن الإمام أبو البركات الجزريّ، المعروف بابن الأثير، حيث أنكر في كتابه «معرفة الصحابة - ﵃ -» هذا القول في وفاته، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره النوويّ ﵀ حسنٌ جدًّا، ومنه يتبيّن غلط ما كتبه أصحاب برنامج الحديث (صخر) حيث كتبوا لأبي أمامة المذكور في هذا الحديث ترجمة: صُدَيّ بن عَجْلان الصحابيّ المشهور، فليُتنبَّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) زاد في الرواية التالية: «الحارثيّ» - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ: مَنِ اقْتَطَعَ) افتعال من القطع للمبالغة، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهو الأخذ هنا؛ لأن من أخذ شيئًا لنفسه، فقد قطعه عن مالكه . (حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِم بِيَمِينِهِ) أي بسبب يمينه الكاذبة (فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ») قال القرطبيّ: أي إذا كان مستحلًّا لذلك، فإن كان غير مستحلّ، وكان ممن لم يُغْفَر له، فيعذّبه الله تعالى في النار ما شاء من الآباد، وفيها تحرُم عليه الجنّة، ثم يكون حاله كحال أهل الكبائر من الموحّدين، على ما تقدّم. انتهى . وقال القاضي عياض ﵀: إنما كَبُرَت هذه المعصية بحسب اليمين الغَمُوس التي هي من الكبائر الموبقات، وتغييرها في الظاهر حكمَ الشرع، واستحلاله بها الحرام، وتصييرها المُحِقَّ في صورة المُبْطِل، والمُبْطِلَ في صورة المُحِقّ، ولهذا عَظُمَ أمرها، وأمرُ شهادة الزور. وإيجاب النار فيها على حكم الكبائر إلا أن يشاء الله تعالى أن يعفو عن ذلك لمن يشاء، وتحريمُ الجنّة عند دخول السابقين لها، والمتّقين، وأصحاب اليمين، ثمّ لا بُدّ لكلّ موحّد من دخولها إما بعد وقوف وحساب، أو بعد نَكَال وعذاب. وتخصيصه هنا المسلم؛ إذ هم المخاطبون، وعامّة المتعاملين في الشريعة، لا أن غير المسلم بخلافه، بل حكمه حكمه في ذلك. انتهى كلام القاضيرحمه الله . (فَقَالَ لَهُ) أي للنبيّ - ﷺ - (رَجُلٌ: وَإنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟)؛ أي: وإن كان الحقّ المقتطع شيئًا قليلًا من المال، (قَالَ) - ﷺ - («وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ») بنصب «قضيبًا» على أنه خبر لـ«كان» المحذوفة مع اسمها، على حدّ قول الشاعر [من البسيط]: قَدْ قِيلَ مَا قِيلَ إِنْ صِدْقًا وَإِنْ كَذِبًا … فَمَا اعْتِذَارُكَ مِنْ قَوْلٍ إِذَا قِيلَا وهذا الحذف كثير بعد «إن»، و«لو»، كما قال في «الخلاصة»: وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الخَبَرْ … وَبَعْدَ «إِنْ» وَ«لَوْ» كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ واسم «كان» ضمير يعود إلى حقّ امرئ، ويحتمل أن يعود إلى «شيئًا يسيرًا»، ويحتمل أن يكون نصبه على أنه مفعول لفعل محذوف، أي: وإن اقتطع قضيبًا. ووقع في بعض النسخ: «وإن قضيب» بالرفع، قال النوويّ: هكذا هو بالرفع في بعض الأصول، أو أكثرها، وفي كثير منها، فيكون مرفوعًا على أنه اسم «كان» المحذوفة، مع خبرها، وهو قليلٌ، أو نائب فاعل لفعل محذوف، تقديره: وإن اقتُطِعَ قضيبٌ. و«القَضيب» - بفتح، فكسر فَعِيل بمعنى مفعول -: الغُصْنُ المقطوع، والجَمْعُ قُضْبَان، بضمّ القاف وتُكسر، يقال: قَضَبْتُ الشئَ قَضْبًا، من باب ضَرَبَ، فانقضب: إذا قطعته، فانقطع، واقتضبته مثل اقتطعته وزنًا ومعنًى . [تنبيه]: ذكر في هامش النسخة التي صحّحها محمد ذهني ما نصّه: ثم إن لفظ «قُضَيِّب» وُجِد في هامش نسخة مُصَغَّرًا، فتقرأ ياؤه مشدّدة مكسورة، مع ضمّ أوله، وفتح ثانيه. انتهى . يعني: أن قُضَيِّبًا بتشديد الياء تصغير قَضِيب بتخفيفها. و«الأَرَاك» - بفتح الهمزة، وتخفيف الراء -: شجرٌ من الحَمْض، يُستاك بقُضْبَانه، الواحدة أراكةٌ، ويقال: هي شجرة طويلةٌ، ناعمةٌ، كثيرة الوَرَقِ والأغصان، خَوّارةُ العُود، ولها ثَمَرٌ في عَنَاقِيد، يُسَمَّى البَرِيرَ، يملأ العُنقُود الكفَّ، والأَرَاك: موضعٌ بعرفة من ناحية الشام، قاله الفيّوميّ ﵀ . وإضافة «قَضيب» إلى «أراك»، بمعنى «من»، أو هي من إضافة العامّ إلى الخاصّ، ومثله خاتم حديد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أمامة الحارثيّ - ﵁ - من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٦٤/ ٣٦٠ و٣٦١] (١٣٧)، و(النسائيّ) (٥٤٢١)، وفي «الكبرى» (٥٩٨٠)، و(ابن ماجه) في «الأحكام» (٢٣٢٤)، و(أحمد) في «مسند الأنصار» (٢١٧٣٦)، و(مالك) في «الموطأ» في «الأقضية» (١٤٣٥)، و(الدارميّ) في «البيوع» (٢٤٩٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٨)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٣٥٣ و٣٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وعيد من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه الكاذبة، وأن ذلك من الأخلاق التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في «كتاب الإيمان». ٢ - (ومنها): تحريم مال المسلم مطلقًا، كثيرًا كان، أو قليلًا. ٣ - (ومنها): أن اليمين الفاجرة من الكبائر؛ لتوعّد الشارع عليها بأنها موجبة للنار، ومحرّمة للجنة. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: أنه يستفاد منه أن اليمين الغَمُوس لا يرفع إثمها الكفّارة، بل هي أعظم من أن يكفّرها شيء، كما هو مذهب مالك ﵀ . وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ بعد أن ساق أحاديث تتعلّق بالباب ما حاصله: فهذه الآثار كلّها تدلّ على أن هذه اليمين من الكبائر، وقد روي عن النبيّ - ﷺ - ذلك نصًّا، قال: وأجمع العلماء على أن اليمين إذا لم يُقْتَطَع بها مالُ أحد، ولم يَحْلِف بها على مال، فإنها ليست اليمين الغَمُوس التي وَرَدَ فيها الوعيد، والله أعلم. قال: وقد تُسَمَّى غَمُوسًا، وليست عندهم كذلك، وإنما هي كَذْبَةٌ، ولا كفارة عند أكثرهم فيها إلا الاستغفار، وكان الشافعيّ، وأصحابه، ومعمر بن راشد، والأوزاعيّ يرون فيها الكفارة. ورُوِي عن جماعة من السلف أن اليمين الغَمُوس لا كفّارة لها، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار، وكان الشافعيّ، والأوزاعيّ، ومعمر، وبعض التابعين، فيما حَكَى المروزيّ يقولون: إن فيها الكفارةَ فيما بينه وبين الله في حنثه، فإن اقتطع بها مالَ مسلم، فلا كفارة لذلك إلا أداءُ ذلك، والخروج عنه لصاحبه، ثم يُكَفِّر عن يمينه بعد خروجه مما عليه في ذلك، وقال غيرهم من الفقهاء، منهم: مالك، والثوريّ، وأبو حنيفة: لا كفارة في ذلك، وعليه أن يؤدي ما اقتطعه من مال أخيه، ثم يتوب إلى الله تعالى، ويستغفره، وهو فيه بالخيار إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، وأما الكفّارة فلا مدخل لها عندهم في اليمين الكاذبة، إذا حَلَفَ بها صاحبها عَمْدًا، متعمدًا للكذب، وهذا لا يكون إلا في الماضي أبدًا، وأما المستقبل من الأفعال فلا. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم الكفّارة في اليمين الغَمُوس هو الذي يظهر لي؛ لعدم حجة توجبها، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): بيان مشروعيّة القضاء في قليل المال وكثيره، وترجم عليه الإمام النسائيّ في «السنن»، فقال: «القضاء في كثير المال وقليله»، ووجه في لالة الحديث عليه أنه لمّا ذكر النبيّ - ﷺ - أن من اقتطع حقّ امرئٍ مسلم، وإن كان شيئًا يسيرًا، دلّ على أن اقتطاع القليل محرّم، وظلم ككثيره، ومعلوم أن مَن ظَلَم غيره، رافعه المظلوم إلى الحاكم، فإذا رُفع إليه وجب عليه القضاء فيه، كما يجب عليه القضاء في كثير المال بلا فرق؛ إذ الكلّ ظلم؛ وقضاؤه هو الذي يدفع الظلم عن المظلوم، وهو استنباط حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦١] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ، يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان أبو موسى البغداديّ البزّاز الحافظ المعروف بالحَمّال، ثقة [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، وحسين بن عليّ الجعفيّ، وجعفر بن عون، وأسود بن عامر، وأبي أسامة، وحماد بن مَسْعَدة، ورَوْح بن عُبَادة، وأبي داود الطيالسيّ، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وابن أبي فُدَيك، ومحمد بن عُبيد الطَّنَافسيّ، ووهب بن جرير، ومَعْن بن عيسى، وخلق كثير. ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، ورَوَى النسائيّ في «مسند مالك»، عن زكريا السِّجْزيّ، عنه، وابنه موسى بن هارون، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي الدنيا، وإبراهيم الحربيّ، ومحمد بن وَضّاح، وابن أبي داود، والبغويّ، وابن صاعد، وغيرهم. قال المَرُّوذيّ: قلت لأبي عبد الله: أكتب عنه؟ قال: إي والله. وقال أبو حاتم، وإبراهيم الحربيّ: صدوقٌ، زاد الحربي: لو كان الكذب حلالًا تركه تَنَزُّهًا، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وفيها أَرَّخه غير واحد، زاد ابنه موسى: لتسع عشرةَ خَلَت من شوال، وكان مولده سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، ورُوِيَ عن عُبيد بن محمد البزاز أنه قال: مات سنة تسع وأربعين، والصواب الأول، ويقال: إنه إنما سُمِّي بالحمّال؛ لأنه كان بَزّازًا، فتزهَّد، فصار يَحْمِل الشيء بالأجرة، ويأكل منها. وله في هذا الكتاب (٧٨) حديثًا. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المَخزوميّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦]. رَوَى عن سعيد بن أبي هند، وسعيد المقبريّ، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، ومعبد ومحمد ابني كعب بن مالك، ومحمد بن جعفر بن الزبير بن العوّام، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنَين، وبُشَير بن يسار، وعمرو بن شعيب، والزهريّ، ونافع مولى ابن عمر، ووهب بن كيسان، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وآخرين. وروى عنه إبراهيم بن سعد، وعيسى بن يونس، وابن عيينة، وأبو أسامة، والواقديّ، وغيرهم. قال عيسى بن يونس: ثنا الوليد بن كثير، وكان ثقةً، وقال إبراهيم بن سعد: كان ثقةً مُتَّبِعًا للمغازي، حَرِيصًا على علمها، وقال عليّ ابن المدينيّ، عن ابن عيينة: كان صدوقًا، وكنت أعرفه ها هنا، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، إلا أنه إباضيّ ، وقال ابن سعد: كان له علم بالسيرة والمغازي، وله أحاديث، وليس بذاك، مات بالكوفة سنة إحدى وخمسين ومائة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه: ثنا عيسى بن يونس، ثنا الوليد بن كثير، وكان مُتْقِنًا في الحديث، وقال الساجيّ: صدوقٌ ثَبْتٌ، يُحْتَجُّ به، وقال ابن معين: ثقةٌ لا بأس به، وقال الساجيّ: وكان إباضيًّا، ولكنه كان صدوقًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَميّ - بفتحتين - المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وأخيه، عبد الله، وروى عنه الزهريّ، والوليد بن كثير. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما هذا الحديث فقط. [تنبيه]: محمد بن كعب هذا هو الأصغر، وله أخ أكبر منه اسمه أيضًا محمد بن كعب، وهو صحابيّ مات في حياة النبيّ - ﷺ -، فيما يقال . والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه تصريح محمد بن كعب بالسماع من أخيه عبد الله بن كعب، وهو صرّح بتحديث أبي أمامة له، وصرّح أيضًا بنسبه، فقال: الحارثيّ، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِمِثْلِهِ) وفي نسخة: «يقول بمثله»، يعني: أن رواية محمد بن كعب، عن أخيه عبد الله، عن أبي أُمامة مثل رواية معبد بن كعب، عن أخيه، عنه. [تنبيه]: رواية محمد بن كعب التي أشار إليها المصنّف ﵀ أخرجها الحافظ أبو نُعيم ﵀ في «مستخرجه» (١/ ٢٠٤)، فقال: (٤٣٥) حدثنا عليّ بن هارون، نا موسى بن هارون، ثنا أبو بكر بن أبي
مصادر المؤلف (١٣)

١. وما قاله في«التقريب»من أنه«مقبول»ففيه نظر لا يخفى؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان وله في البخاريّ حديث واحد، وأخرج له مسلم، فالأولى أنه صدوق. والله تعالى أعلم.

٢. هو حديث رقم (٦٥١٢):«مستريح ومستراح منه … »الحديث، وأعاده بعده رقم (٦٥١٣).

٣. «شرح مسلم» ٢/ ١٦٠.

٤. «المفهم» ١/ ٣٤٧.

٥. المصدر السابق.

٦. «إكمال المعلم» ١/ ٥٣٥ - ٥٣٦.

٧. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧.

٨. راجع: النسخة المذكورة ١/ ٨٥.

٩. «المصباح المنير» ١/ ١٢.

١٠. «المفهم» ١/ ٣٤٧.

١١. «التمهيد» ٢٠/ ٢٦٧ - ٢٦٨.

١٢. بكسر الهمزة: نسبة إلى عبد الله بن إباض التميميّ من الخوارج، قاله في «القاموس المحيط» ص ٥٧٢.

١٣. راجع: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٦٨٥، و«التقريب» ص ٣١٧.