HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٠

حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ «قَاتِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ «فَأَنْتَ شَهِيدٌ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ «هُوَ في النار».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص87
ج ١ ص ١٢٤

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٥٧
ويقال: الكنديّ، ثم ذكر هذا الحديث من رواية الطبرانيّ، ثم قال: وأصله في مسلم من حديث علقمة دون تسميتهما، وله طرُقٌ، وقال أبو سعيد بن يونس: شهد ربيعة بن عَيْدَان بن ربيعة الأكبر بن عَيْدان الأكبر بن مالك بن زيد بن ربيعة الحضرمي فتحَ مصرَ، وله صحبة، وليست له رواية نعلمها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «وأصله في مسلم … إلخ» هذا غريب من الحافظ - ﵀ -، كيف خَفِي عليه؟ فإن هذا الحديث الذي عزاه إلى الطبرانيّ موجود في «صحيح مسلم» بسنده، ومتنه، وفيه تسميتهما، وهو الحديث الذي نشرحه الآن، سبحان من لا يسهو، ولا يَغفُل!!!. وقوله: (إِذَنْ يَذْهَبَ بِهَا) تقدَّم أن نصب«يذهبَ» هو الأصل؛ لوجود شروط عمل «إذن»، وقد جوّز بعضهم الرفع، فراجع الحديث الماضي. وقوله: (فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ) استدلّ به بعضهم على أن الحالف يكون قائمًا، لكن في قيامه هنا احتمالٌ، هل لنفس اليمين، أو لينهض لموضعها، كما تقدّم، قاله عياض - ﵀ - . وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ) هو ابن راهويه أحد شيخي المصنّف في هذا الحديث. (رَبِيعَةُ بْنُ عَيْدَانَ) أي بفتح العين، وسكون الياء التحتانيّة بدل قول زُهير بن حرب: «ربيعة بن عِبْدَان» بكسر العين، وسكون الباء الموحدة، وقد سبق أن الضبط الأول هو الصواب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (٦٥) - (بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه، فَهُوَ شَهِيدٌ) [٣٦٧] (١٤٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا خَالِدٌ؛ يَعْني: ابْنَ مَخْلَدٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ، يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟، قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ»). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (أَبُو كُرَيْب، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (خالد بن مَخْلد) القَطَوَانيّ - بفبح القاف والطاء - أبو الهَيْثَم البجليّ مولاهم الكوفيّ، وقَطَوَان موضع بالكوفة، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠]. رَوَى عن سليمان بن بلال، وعبد الله بن عُمر العُمَريّ، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ومالك، وعبد الرَّحمن بن أبي الموال، وإسحاق بن حازم المدني، وغيرهم. ورَوَى عنهْ البخاري، وروى له مسلم، وأبو داود في «مسند مالك»، والباقون بواسطة محمد بن عثمان بن كَرَامة، وأبي كريب، وابن نمير، والقاسم بن زكريا، وعبد بن حميد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، وجماعة. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: له أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: صدوقٌ، ولكنه يَتَشَيَّع. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ما به بأس. وقال ابن عديّ: هو من المكثرين، وهو عندي - إن شاء الله - لا بأس به. وقال أيضًا بعد أن ساق له أحاديث: لَمْ أجد في حديثه أنكر مما ذكرته، ولعلها تَوَهُّمًا منه، أو حملًا على حفظه. وقال ابن سعد: كان متشيعًا منكر الحديث مُفْرِطًا في التشيع، وكتبوا عنه للضرورة. وقال العجلي: ثقة، فيه قليل تشيع، وكان كثير الحديث. وقال صالح بن محمد جَزَرَة: ثقة في الحديث، إلَّا أنه كان مُتَّهَمًا بالغلوّ. وقال الجوزجاني: كان شَتّامًا مُعْلِنًا لسوء مذهبه. وقال الأعين: قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل: في المثالب، أو المثاقب - يعني: بالمثلثة، لا بالنون -. وحكى أبو الوليد الباجي في رجال البخاري، عن أبي حاتم أنه قال: لخالد بن مَخْلَد أحاديث مناكير، ويكتب حديثه. وفي «الميزان» للذهبي: قال أبو أحمد: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الأزديّ: في حديثه بعض المناكير، وهو عندنا في عداد أهل الصدق. وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق. وذكره الساجي والعقيلي في «الضعفاء». وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان يكره أن يقال له: القَطَوَانيّ. وقال البخاري في «تاريخه»: كان يغضب من القَطَوَاني، ويقال: إنما قَطَوَان بَقّال. وزعم الباجي أن قَطَوان قرية بالقرب من الكوفة، وبه جزم ابن السمعاني. قال مطيّن: مات سنة (٢١٣)، وكذا أرَّخه ابن سعد، وقال ابن قانع: سنة (١٤)، وذكره البخاري في «الأوسط» فيمن مات فيما بين سنة (١١) إلى (١٥). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في «مسند مالك»، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، أكبر منه، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٩. ٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحُرَقيّ، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (ز م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٥ - (أَبُوهُ) عبد الرَّحمن بن يعقوب الجُهنيّ الحُرقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى العلاء، فأخرج له البخاريّ في «جزء القراءة». ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وخالد، فكوفيّان. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة أصحاب الأصول بلا واسطة، كما تقدّم بيان ذلك غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء عن أبيه. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن بن يعقوب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه. انتهى . [تنبيه]: ذكر الشيخ مشهور في تعليقه على «تنبيه المعلم» (ص ٧٦ - ٧٧) نقلًا عن الديوبندي أن الرجل المبهم هو مخارق بن سُليم، ولم يتعقّبه، بل ذكر أنه وقع ذلك في رواية النسائيّ في «المجتبى» (٧/ ١١٣ - ١١٤) رقم (٤٠٨١)، وانظر: «تحفة الأشراف» (٨/ ٣٦٦ - ٣٦٧) رقم (١١٢٤٢). انتهى. وهذا وَهَمٌ، فإن مخارق بن سُليم ليس هو الرجل المبهم، وإنما هو روى الحديث بالإبهام كرواية أبي هريرة زحنه هذه، فقال: «جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - …» إلخ، فليس عند النسائيّ، ولا في «تحفة الأشراف» ما يدلّ على أن الرجل هو مخارق، فتنبّه لهذا الوهم، والله تعالى أعلم. (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني عما ينبغي أن أفعله (إِنْ جَاءَ رَجُل يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟) أي: غصبًا، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ «رجل»، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فماذا أفعل؟ أعطيه، أم أمنعه؟ (قَالَ) - ﷺ - («فَلَا ثُعْطِهِ مَالَكَ») ناهية، ولذا جُزم بها «تُعطه»، والهاء ضمير الرجل، وذكر القاري أنه وقع في بعض نسخ «المشكاة» بسكون الهاء، وعليه فتكون هاء سكت، جيء بها للوقف، كما قال في «الخلاصة»: وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ «أَعْطِ مَنْ سَأَلْ» والفاء في جواب شرط محذوف، أي إن جاءك فلا تعطه مالك، معناه لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء. قال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «فلا تُعطه» جواب للسؤال، وجزاء الشرط محذوفٌ، يدلّ عليه السؤال، كما أن السؤال شرط جزائه محذوف، يعني: إن جاء رجلٌ بهذه الصفة، فأعطيه أم لا؟، قال: «فلا تعطه»، يعني: إن كان كما وصفته، وعلى هذا قوله: «فأنت شهيد»، وأما ما جاء بلا فاء من قوله: «قاتله»، «هو في النار»، فعلى الاستئناف، بعد تقدير جواب الشرط، كأن قائلًا سأل، قال: فماذا قال رسول الله - ﷺ - في جوابه؟ فأجيب: قال: كذا. انتهى كلام الطيبيّ - ﵀ - . قال النوويّ - ﵀ -: «قوله؟ - ﷺ -:»فلا تُعْطه«، فمعناه ة لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء». انتهى . (قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟) أي: فماذا أفعل؟ (قَالَ) - ﷺ - («قَاتِلْهُ») هذا دليل جواب الشرط المقدّر، وليس جوابًا، وإلا لاقترن بالفاء؛ أي: إن قاتلك، فقاتله. ثم إن هذه المقاتلة تكون بعد المناشدة بالله، والاستعانة بالمسلمين، وولاة الأمور، فقد أخرج النسائيّ هذا الحديث في «المجتبى» (٤٠١٤) من طريق عمرو بن قُهَيد الغفاريّ، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن عُدِي على مالي؟ قال: «فانشُدْ بالله!، قال: فإن أَبَوا عليّ، قال:»فانشد بالله«، قال: فإن أبوا عليّ؟ قال:»فانشد بالله!، قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: «فقاتل، فإن قُتلتَ ففي الجَنَّة، كان قَتَلْتَ ففي النار»؛ أي: إن قتلتَ هؤلاء المعتدين، فهم في النار. وأخرج (٤٠١٣) من طريق سماك بن حرب، عن قابوس بن مخارق، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - و، فقال: الرجلُ يأتيني، فيريد مالي؟ قال: «ذَكِّره بالله!، قال: فإن لَمْ يَذَّكَّرْ؟ قال:»فاستعن عليه مَنْ حَوْلَك من المسلمين«، قال: فإن لَمْ يكن حولي أحدٌ من المسلمين؟ قال:»فاستعن عليه بالسلطان«، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال:»قاتل دون مالك، حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك«. فقد دلّ هذان الحديثان على أن القتال يكون بعد الدفع بالأسهل فالأسهل، والله تعالى أعلم. (قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟) أي: فماذا حكم الله تعالى في أمري؟ (قَالَ) - ﷺ - (»فَأَنْتَ شَهِيدٌ) قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: أصل الشهادة التبيين، ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨]؛ أي: بيّن، وسُمّي الشاهد؛ لأن بشهادته تبيينَ الحكم. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: «الشهيد» في الأصل: من قُتل مجاهدًا في سبيل الله، ويُجمع على شُهداء، وسُمي شهيدًا؛ لأن الله تعالى وملائكته شهودٌ له بالجنّة، وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهد غسله، أو تشهد نقل روحه إلى الجنّة، أو لأن الله تعالى شهد له بالجنّة، وقيل: لقيامه بشهادة الحقّ في أمر الله تعالى حتى قُتل، وقيل: لأنه يشهد ما أعدّ الله له من الكرامة بالقتل، وقيل غير ذلك، فهو فعيلٌ بمعنى فاعل، أو مفعول على حسب اختلاف التأويل. انتهى . وقال النضر بن شُميل: سُمِّي الشهيد شهيدًا؛ لأنه حيّ؛ لأن أرواحهم شَهِدَت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها إلَّا يوم القيامة، وهو مأخوذ من قوله - ﷿ -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقال ابن الأنباريّ؛ لأن الله تعالى، وملائكته يشهدون له بالجنة، فمعنى شَهِيد مشهود له. وقيل: سُمّي شهيدًا؛ لأنه شَهِدَ عند خروج روحه ما له من عند الله تعالى من النجاة، والثواب والبشرى، والكرامة، وحَقَّقَ ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وقيل: لأن ملائكة الرحمة يَشْهَدون، فيأخذون روحه، وقيل: لأنه شُهِدَ له بالإيمان، وخاتمة الخير بظاهر حاله، وقيل: لأن عليه شاهدًا يَشْهَد بكونه شهيدًا، وهو دَمُهُ، فإنه يُبْدَثُ، وجُرْحُهُ يَثْعَب دَمًا. وحَكَى الأزهريّ وغيره قولًا آخر، أنه سُمّي شَهِيدًا؛ لكونه ممن يَشْهَد يوم القيامة على الأمم . قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول فيه نظر لا يخفى؛ لأن هذا لا يخصّ الشهيد، بل يَعُمّ جميع المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. (قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟) أي: فماذا عليّ؟ (قَالَ) - ﷺ - («هُوَ فِي النَّارِ») أي: لكونه قُتل ظالِمًا، ولا شيء عليك؛ لكونك مظلومًا مدافِعًا عن حقّك. والمراد أنه يَستحقّ النار، وقد يُجَازَي، وقد يُعْفَى عنه، إلَّا أن يكون مستحلًّا لذلك بغير تأويل، فإنه يَكْفُر، ولا يُعْفَى عنه ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة المانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٦٥/ ٣٦٧] (١٤٠)، و(النسائيّ) في «كتاب المحاربة» (٤٠٨٤ و٤٠٨٥)، وفي «الكبرى» (٣٥٤٥ و٣٥٤٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٢٦ و١٢٧)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٣٦١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم مال المسلم بغير رضاه، وأنه ينافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا. ٢ - (ومنها): أن من قصد مال مسلم بغير حقّ يكون هَدَر الدم، وإن قُتل بذلك كان من أهل النار. ٣ - (ومنها): أن من تعرّض له ظالم ليأخذ ماله له منعه، ومدافعته، ولو أدّى إلى قتله. ٤ - (ومنها): أن الدفاع يكون بالأسهل، فالأسهل؛ لِمَا سبق من قوله - ﷺ -: «فانشده بالله»، وفي رواية: «ذكّره بالله»، ثم أمر بالاستعانة بالمسلمين، ثم برفع أمره إلى ولاة الأمور، فإن لَمْ يتمكنّ من ذلك كلّه جاز له قتله. ٥ - (ومنها): أن فيه بيان انقسام الشهداء إلى شُهداء الدنيا، وشُهداء الآخرة. قال النوويّ - ﵀ -: (واعلم): أن الشهيد ثلاثة أقسام: [أحدها]: المقتول في حرب الكفار بسببٍ من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة، وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يُغْسَلُ، ولا يُصَلى عليه. [والثاني]: شَهِيدٌ في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون والمطعون، وصاحب الهَدْم، ومن قُتِل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا، فهذا يُغْسَلُ ويُصَلَّى عليه، وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول. [والثالث]: مَنْ غَلَّ في الغنيمة، وشِبْهُهُ، ممن وَرَدَت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، إذا قُتِلَ في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يُغْسَلُ، ولا يُصَلَّى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة، والله تعالى أعلم. انتهى . ٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أنه لا دية في قتل المحاربين، ولا قَوَدَ؛ لأنه إذا كان مقتوله شهيدًا، وأُمر بقتاله، وأَخبر النبيّ - ﷺ - أنه إن قُتل في النار، في يأمر الشرع به لا تَعَقّبَ على فاعله، ولا تَبِعَةَ عليه في الدنيا والآخرة، قاله القاضي عياض - ﵀ - . ٦ - (ومنها): جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حَقّ، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا؛ لعموم الحديث، وهذا قول الجماهير من العلماء، وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا، كالثوب، والطعام، وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير. وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف، وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف بين العلماء، والمدافعة عن المال جائزةٌ، غير واجبة، قاله النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: «والمدافعة عن المال جائزةٌ، غير واجبة» هذا مذهبه، والأرجح أنه واجب؛ لظاهر قوله - ﷺ -: «لا تعطه»، وقوله: «قاتله». قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «لا تعطه»، و«قاتله» دليلٌ على أن المحارب لا يجوز أن يُعطَى شيئًا له بالٌ من المال إذا طلبه على وجه الحرابة ما أمكن، لا قليلًا، ولا كثيرًا، وأن المحارب يجب قتاله، ولذلك قال مالك - ﵀ -: قتال المحاربين جهاد، وقال ابن المنذر - ﵀ -: عوامّ العلماء على قتال المحارب على كلّ وجه، ومدافعته عن المال، والأهل، والنفس. قال القاضي عياض - ﵀ -: اختلف المذهب - يعني: مذهب المالكية - إذا طلب الشيء الخفيف، كالثوب، والطعام، هل يُعطاه، أو يقاتل دونه؟ وهو مبنيّ على الخلاف في أصل المسألة، هل قتالهم مأمور به؛ لأنه تغيير منكر؛ لقوله - ﷺ -: «قاتله»، أو هو مباحٌ، غير مأمور به. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أنه من باب تغيير المنكر، فيجب قتالهم؛ لظاهر قوله - ﷺ -: «لا تعطه»، وقوله: «قاتله»، من دون أن يستفصل بين القليل والكثير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (١٤)

١. «الإصابة» ٢/ ٣٩٢.

٢. «إكمال المعلم» ١/ ٥٤٨ - ٥٤٩.

٣. «تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم» ص ٧٦.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٤٨٧.

٥. «شرح النوويّ» ٢/ ١٦٥.

٦. حديث في سنده انقطاع، لكنه صحيح بشواهده، كما حقّقته في «شرح النسائيّ» ٣٢/ ٦١.

٧. «إكمال المعلم» ١/ ٥٥٦.

٨. «النهاية» ٣/ ٥١٣، و«المصباح المنير» ١/ ٣٢٤.

٩. «يَثْعَبُ» من باب منع: أي يسيل، ويتفجّر.

١٠. راجع: «إكمال المعلم» ١/ ٥٥٦ - ٥٥٨، و«شرح النوويّ» ٢/ ١٦٣ - ١٦٤.

١١. «شرح النوويّ» ٢/ ١٦٥.

١٢. «شرح النوويّ» ٢/ ١٦٤.

١٣. «إكمال المعلم» ١/ ٥٦٠.

١٤. «شرح النوويّ» ٢/ ١٦٥.