HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤١

حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ (قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ؛ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ. تَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ: فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإسناد، مثله.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص87
ج ١ ص ١٢٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٦٦
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دعوة المحاربين قبل القتال: اختلفوا، هل يُدعون قبل القتال، أم لا؟، والمراد بالدعوة دعوة الإمام، أو نائبه قبل مقاتلتهم، وهذا في حال اعتصامهم، وتعذّر إقامة الحقّ عليهم دون قتال، فهم حينئذ كالبغاة الذين يجب على الإمام أن يُبيّن لهم، ويدعوهم إلى ترك ما هم عليه قبل مباشرة قتالهم، وهو رأي الجمهور، وذهب بعض أهل العلم من الحنفيّة وغيرهم إلى أنه يبدأ بقتالهم؛ لعلمهم بما سيدعوهم إليه. وقد فصّل ابن رُشد - ﵀ - القول في هذه المسألة لدى المالكيّة، فنقل عن مالك - ﵀ - أنهم يُدْعَون، وعن سَحْنُون - ﵀ - أنهم لا يُدعون، ثم قال: تكلّم سحنون على ما يُعْرَف من غالب أمرهم، وتكلّم مالك على قدر ما يُرجَى في النادر منهم، وذلك يَرْجِع إلى أنه إن رُجي إن دُعُوا، أو نُشِدوا أن يَكُفُّوا استُحِبَّ دعاؤهم، وترك معاجلتهم بالقتال، وإن تُيُقِّنَ ذلك وجب أن يُدْعَوا، وإن خيف إن دُعُوا أن يستأسِدُوا، ويعاجلوا المسلمين وجب أن لا يُدْعَوا، كما قال سحنون - ﵀ -. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن رُشد - ﵁ - من التفصيل حسنٌ جدًّا. وحاصله أن دعوتهم يُنظر فيها إلى ما يترتّب من المصالح، فإن يُرجى رجوعهم عن غيّهم تُستحبّ دعوتهم، وإن غلب ذلك تجب، وإن كان يُخشى إلحاق الضرر بالمسلمين بتأخيرهم لأجل الدعوة وجب تركها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٨] (١٤١) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ، أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ، تَيَسَّرُوا لِلْقِتَال، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه، فَهُوَ شَهِيدُ»؟). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون اللام - أبو عليّ الخَلّال، نزيل مكة، ثقة حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د، ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ مصنَّفٌ مشهور، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، منسوب إلى جدّه، الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقة فقيه فاضلٌ، يُدلّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٦ - (سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ) هو: سليمان بن أبي مسلم المكيّ الأحول، خالُ ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد الله، ثقةٌ [٥] (ع). رَوَى عن طارق بن شهاب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن، وطاووس، وغيرهم. وروى عنه ابن جُريج، وحُسين المعلِّم، وشعبة، وابن عيينة، وإبراهيم بن نافع المكيّ، وغيرهم. قال الحميديّ، عن سفيان: ثنا سليمان الأحول، وكان ثقةً، وقال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال أحمد: هو ثقةٌ ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، ونَقَلَ ابن خَلْفُون، عن ابن وَضّاح توثيقه. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا (١٤١)، و(٧٦٩): «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض …»، و(١٣٢٧): «لا يَنْفِرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت»، و(١٦٣٧): «ائتوني أَكْتُبْ لكم كتابًا …»، و(٢٠٠٠): «نهى رسول الله - ﷺ - عن النبيذ في الأوعية …»، و(٢٠٧٧): «أأمُّك أمرتك بهذا؟ …». ٧ - (ثَابِتٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو: ثابت بن عياض، الأحنف الأعرج العَدَويّ مولاهم، وهو مولى عبد الرَّحمن بن زيد بن الخطاب، وقال ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن عياض، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عُمَر، وابن عَمْرٍو، وابن الزبير، وأنس، وأبي هريرة - ﵃ -. وروى عنه زياد بن سعد، وسليمان الأحول، وعمرو بن دينار، وفُليح بن سليمان، ومالك بن أنس، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقة، وقال زياد بن سعد: قيل لثابت الأعرج: أين سمعت من أبي هريرة؟ فقال: كان مواليَّ يبعثوني يوم الجمعة، آخذُ مكانًا، فكان أبو هريرة يجيء يحدث الناس قبل الصلاة، وقال ابن المدينيّ: معروف، ووثقه أحمد بن صالح، وذكره ابن حبان في «الثقات» في موضعين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا (١٤١)، و(٢٧٨): «إذا استيقظ أحدكم، فليُفرِغ على يده …»، و(١٤٣٢): «شرّ الطعام طعام الوليمة …»، و(٢١٦٠): «يسلّم الراكب على الماشي …». ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرَّحمن، الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة على الأصحّ بالطائف (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه الثلاثة، وثابت، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سليمان الأحول، عن ثابت. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) أي: ألفاظ حديث الشيوخ الثلاثة متقاربة، وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ) أي: ابن منصور (أَخْبَرَنَا) مقول «قال»، وقوله: (وَقَالَ الآخَرَانِ) أي: قال الحسن الحُلْوانيّ، ومحمد بن رافع، وقوله: (حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ) مقول «قال»، يعني: أنهم اختلفوا في صيغ الأداء عن شيخهم عبد الرزاق، فقال إسحاق: أخبرنا عبد الرزّاق؛ لكونه أخذه عنه سماعًا بقراءة غيره عليه، وقال الحسن، ومحمد بن رافع: حدّثنا عبد الرزّاق؛ لكونهما سمعاه من لفظه، فقوله: «عبد الرزاق» تنازعه الفعلان قبله، أي: «أخبرنا»، و«حدّثنا»، وإعمال الثاني أولى عند البصريين؛ لقربه، والأول أولى عند الكوفيين؛ لسبقه، وإلى هذا أشار ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» حيث قال: إِنْ عَامِلَان اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ … قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا العَمَلْ وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ البَصْرَهْ … وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد فقهاء الصحابة، والمشهورين بالفتوي، والرواية - ﵃ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن ثَابِتٍ (مَوْلَى عُمَرَ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن زيد بن الخطّاب أنه (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر سليمانَ الأحولَ (أَنَّهُ) الضمير للشأن، والضمير الذي تفسّره الجملة بعده، وهي قوله: (لَمَّا كَانَ … إلخ) «لَمَّا» بفتح اللام، وتشديد الميم: حرف وجود لوجود، وسيبويه يقول: حرف وجوب لوجوب، تدخل على الماضي، فتقتضي جملتين، وُجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما، نحو لَمّا جاءني أكرمته، وزعم ابن السرّاج، وتبعه الفارسيّ، وابن جني، وجماعة أنَّها ظرف بمعنى «حين»، وابن مالك يقول: بمعنى «إذ» . وإلى هذا أشار شيخنا عبد الباسط المناسيّ - ﵀ - في «نظم المغني»: وَالثَّانِ مِنْ أَوْجُهِهَا أَنْ تَلْزَمَا … لِمَاضِيَيْنِ رَبَطَتْ بَيْنَهُمَا حَرْفُ وَجُودٍ لِوُجُودٍ أَوْ فَقُلْ … حَرْفُ وَجُوبٍ لِوُجُوبِ فَكَمُلْ وَالفَارِسِيُّ كَوْنَهَا ظَرْفًا زَعَمْ كَذَا … ابْنُ جِنِّي مِثْلُ «حِينٍ» قَدْ حَكَمْ وَمِثْلَ «إِذْ» جَعَلَهَا ابْنُ مَالِكِ … وَابْنُ خَرُوفٍ سَدَّ كُلَّ مَسْلَكِ و«كان» هنا تامّة، أي: حصل ووقع، «وما» فاعلها، و«كان» الثانية أيضًا تامّة، وفاعلها ضمير يعود على«ما»، أي: لما وقع بينهما ما وقع من المعاداة. (بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو) بن العاص - ﷺ - (وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ) بفتح العين المهملة، وسكون النون، وفتح الموحدة (ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ) هو: عنبسة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو عامر المدنيّ. رَوَى عن أخته أم حبيبة، وشداد بن أوس، وغيرهما، وروى عنه أبو أمامة الباهليّ، ويعلى بن أمية التميميّ، وعمرو بن أوس الثقفيّ، والقاسم أبو عبد الرَّحمن، والمسيب بن رافع، ومكحول الشاميّ، وعطاء بن أبي رَبَاح، وحسان بن عطية، وغيرهم. قال أبو نعيم الأصبهانيّ: أدرك النبيّ - ﷺ -، ولا تصح له صحبة، ولا رؤية، واتفق متقدمو أئمتنا على أنه من التابعين، وذكره أبو زرعة الدمسقيّ في الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن حبان في «ثقات التابعين»، وذكر الليث وغيره أنه حَجَّ بالناس سنة (٤٦) وسنة (٤٧)، وكذا ذكر خليفة، وزاد أن معاوية ولَّاه مكة، فكان إذا شَخَصَ إلى الطائف استَخْلَف طارق بن المُرَقّع، وقال الواقديّ: استعمله أخوه على الصائفة سنة (٤٢). أخرج له المصنّف في هذا الكتاب حديثًا واحدًا فقط، عن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان - ﵄ - ، والأربعة. (مَا كَانَ) أي: الذي حصل، ووقع من العداوة. وسبب ذلك أن عنبسة بن أبي سفيان كان عاملًا على الطائف من قِبَل أخيه معاوية بن أبي سفيان، وكان لآل عمرو بن العاص بستان، وحائط في الطائف، فأجرى عنبسة عينًا من ماء ليسقي بها أرضًا، فدنا من حائط آل عمرو، فأراد أن يَخرقه ليُجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو، ومواليه بالسلاح، يُدافعون عن مالهم، وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منّا أحدٌ، وتأهبّ الفريقان للقتال ، وهذا معنى قوله: (تَيَسَّرُوا) أي تهيّأ كلّ من عنبسة، وأتباعه، وعبد الله بن عمرو ومواليه، وتأهبوا، واستعدّوا (لِلْقِتَالِ) أي: لمقاتلة بعضهم بعضًا (فَرَكِبَ) قال النوويّ - ﵀ -: ضبطناه «فركب» بالفاء، وفي بعض الأصول: «وركب بالواو»، وفي بعضها «رَكِبَ» من غير فاء، ولا واو، وكلّه صحيح. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وجه صحة الأوجه، أنه إذا كان بالفاء، والواو فإنه معطوف على «تيسّروا»، وأما بدونهما، فيكون بدلًا من «تيسّروا» بدلَ فِعْلٍ من فعلٍ، كما قال في «الخلاصة»: وَيُبْدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كَـ «مَنْ … يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ» (خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ) بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، قُتل أبوه يوم بدر، قال ابن سعد، وابن حبّان: أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة، قال في «الإصابة»: يقال: إن عمر - ﵁ - استعمل خالد بن العاص هذا على مكة بعد نافع بن عبد الحارث الخُزاعيّ، وكذلك استعمله عليها عثمان بن عفّان - ﵁ -، ثم أورد حديث مسلم هذا، ثم قال: وهذا يدلّ على أن خالد بن العاص تأخّر إلى خلافة معاوية - ﵁ -. انتهى . [تنبيه]: خالد بن العاص هذا ليس عمًّا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وإنما نبّهت عليه، وإن كان واضحًا من نسبه؛ لئلا يقع الاشتباه بسبب اتفاق اسم الأب على من غَفَلَ عن الجدّ، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قد سبق أن الأفصح في «العاصي» إثبات الياء كتابةً، ويوقف عليها، ويجوز حذفها على قلّة، وهو الذي يستعمله معظم المحدّثين، أو كلّهم، قال ابن مالك - ﵀ - في «باب الوقف» من «الخلاصة» مشيرًا إلى هذه القاعدة: وَحَذْفُ يَا المَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا … لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالعَكْسِ وَفِي … نَحْوِ «مُرٍ» لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي (إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) - ﵄ - (فَوَعَظَهُ خَالِدٌ) أي: وَعَظ خالدُ بن العاص عبدَ الله بن عمرو - ﵃ -، يقال: وَعَظَه يعِظه وَعْظًا، وعِظَةً، من باب وَعَدَ يَعِدُ عِدَةً ووَعْدًا: إذا أمره بالطاعة، ووصّاه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]: أي أوصيكم، وآمركم، فاتَّعَظ؛ أي: ائتمر، وكفَّ نفسه، قاله الفيّوميّ . والمعنى هنا: أمر خالد بن العاص عبدَ الله بنَ عمرو بأن يُطيع الأمير، ولا يخالفه فيما طلب منه (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) - ﵄ - (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح للتنبيه على الاهتمام بما بعدها، كـ «إلا» (عَلِمْتَ) بفتح التاء للمخاطب (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ» شرطيّة (قُتِلَ) بالبناء للمفعول (دُونَ مَالِهِ) أي: عنده، أو من أجله، وقال القرطبيّ - ﵀ -: «دُون» في أصلها ظرف مكان بمعنى أسفل وتحتُ، وهو نقيض «فوق»، وقد استُعْمِلَت في هذا الحديث لأجل السببيّة، وهو مجاز، وتوسّعٌ، ووجهه أن الذي يقاتل على ماله إنما يجعله خلفه، أو تحته، ثم يقاتل عليه. انتهى . (فَهُوَ شَهِيدٌ») جواب الشرط. قال في«الفتح»: قوله:«من قُتِل دون ماله فهو شهيد»، قال الإسماعيليّ: وكذا أخرجه البخاريّ، وكأنه كتبه من حفظه، أو حدث به المقرئ من حفظه، فجاء به على اللفظ المشهور، وإلا فقد رواه الجماعة عن المقرئ بلفظ:«مَن قُتِلَ دون ماله مظلومًا، فله الجَنَّة»، قال: ومن أتى به على غير اللفظ الذي اعتيد فهو أولى بالحفظ، ولا سيما وفيهم مثل دُحَيم، وكذلك ما زادوه من قوله:«مظلومًا»، فإنه لا بُدّ من هذا القيد، وساقه من طريق دُحَيم، وابن أبي عمر، وعبد العزيز بن سلام. قال الحافظ: وكذلك أخرجه النسائيّ، عن عبيد الله بن فَضَالة، عن المقريّ، وكذلك رواه حَيْوَة بن شُرَيح، عن أبي الأسود بهذا اللفظ، أخرجه الطبريّ. نعم للحديث طريق أُخرى عن عكرمة، أخرجها النسائيّ باللفظ المشهور، وأخرجه مسلم كذلك، من طريق ثابت بن عياض، عن عبد الله بن عمرو، وفي روايته قِصّةٌ، قال: لَمّا كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان … إلخ. قال: وأشار بقوله: «ما كان» إلى ما بَيَّنه حيوة في روايته المشار إليها، فإن أولها أن عاملًا لمعاوية أجرى عينًا من ماء؛ ليسقي بها أرضًا، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص، فأراد أن يخرقه؛ ليجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو، ومواليه بالسلاح، وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا، حتى لا يبقى منّا أحد … فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي سفيان كما ظهر من رواية مسلم، وكان عاملًا لَأخيه على مكة والطائف، والأرض المذكورة كانت بالطائف. قال: وامتناع عبد الله بن عمرو من ذلك؛ لِمَا يدخل عليه من الضرر، فلا حجة فيه لمن عارض به حديث أبي هريرة - ﵁ - فيمن أراد أن يَضَعَ جِذْعَه على جدار جاره، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أن ظاهر هذا الحديث يعارض ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يَمْنَعْ جارٌ جارَه أن يَغْرِز خشبة في جداره»، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعْرِضين؟ والله لأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم. لفظ البخاريّ. فهذا يوجب أن يأذن الجار لجاره في وضع الخشبة، وحديث ابن عمرو - ﵄ - يبيح المنع، بل القتال عليه. والجواب أن حديث أبي هريرة - ﵁ - مشروط بعدم تضرّر صاحب الجدار، فأما إذا تضرّر، فلا يجب عليه؛ لحديث: «لا ضرر، ولا ضِرَار» ، والضرر منا موجود؛ لأنه إذا ثُقب الجدار لمرور الماء لا يسذ ذلك الثقب شيء، فيتضرّر صاحبه بدخول الحيوانات، ونحوها فيه، بخلاف وضع الخشبة؛ لأنه لو ثُقب شيء منه لسدّته الخشبة. وأيضًا حديث أبي هريرة - ﷺ - خاصّ بالجار، وليس عنبسة جارًا لعبد الله بن عمرو - ﵄ -، والله تعالى أعلم. وأخرجه النسائيّ من وجهين آخرين، وأبو داود، والترمذيّ، من وجه آخر كلهم عن عبد الله بن عمرو باللفظ المشهور، وفي رواية لأبي داود، والترمذيّ: «من أربد ماله بغير حقّ، فقاتل، فقُتِل فهو شهيد»، ولابن ماجة من حديث ابن عمر نحوه، ورَوَى الترمذيّ وبقية أصحاب السنن، من حديث سعيد بن زيد نحوه، وفيه ذكر الأهل، وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجة: «من أريد ماله ظلمًا، فقُتِل فهو شهيد». قال النوويّ - ﵀ -: فيه جواز قتل من قَصَدَ أخذ المال بغير حقّ، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا، وهو قول الجمهور، وشَذّ من أوجبه. قال الجامع عفا الله عنه: القول بالشذوذ فيه نظر، كيف وظاهر النصّ يدلّ له، حيث قال - ﷺ -: «لا تُعطه»، وقال أيضًا: «قاتله»، فإذا لَمْ يدلّ هذا النصّ على الوجوب، في الذي يدلُّ عليه؟ إن هذا لشيء عجيب!!!. وَحَكى ابن المنذر - ﵀ - عن الشافعيّ - ﵀ - قال: من أريد ماله، أو نفسه، أو حريمه، فله الاختيار أن يكلمه، أو يستغيث، فإن مُنِعَ، أو امتَنَعَ لَمْ يكن له قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك، ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقلٌ، ولا ديةٌ، ولا كفارةٌ، لكن ليس له تعَمُّد قتله. قال ابن المنذر - ﵀ -: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذُكِر، إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل، إلَّا أنّ كلَّ من يُحفَظُ عنه من علماء الحديث، كالمجمعين على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جَوْره، وترك القيام عليه. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر - ﵀ - تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وفَرّقَ الأوزاعي - ﵀ - بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام، فحَمَلَ الحديث عليها، وأما في حال الاختلاف والفُرْقة، فليستسلم، ولا يقاتل أحدًا. قال الجامع عفا الله عنه: ويرد على ما قاله الأوزاعيّ - ﵀ - كما قال الحافظ - حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي تقدّم قبل هذا بلفظ: «أرأيت إن جاء رجل، يريد أخذ مالي» قال: «فلا تعطه»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «فاقتله»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «فهو في النار». فإنه - ﷺ - في نصّه هذا لَمْ يخصّ حالةً دون حالة، بل أطلق المقاتلة، وأمره أن يقاتل كلَّ من بغى عليه، فلو كانت الحال التي فيها الجماعة والإمام لا يحل المقاتلة فيها، لبيّنها - ﷺ -، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٦٥/ ٣٦٨] (١٤١)، و(البخاريّ) في «المظالم والغصب» (٢٤٨٥)، و(أبو داود) في «السنّة» (٤٧٧١)، و(الترمذيّ) في «الديات» (١٤١٩)، و(النسائيّ) في «المحاربة» (٤٠٨٦ و٤٠٨٧ و٤٠٨٨ و٤٩٨٩ و٤٠٩٠ و٤٠٩١)، وفي «الكبرى» (٣٥٤٧ و٣٥٤٨ و٣٥٤٩ و٣٥٥٠ و٣٥٥١ و٣٥٥٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٦٣ - ٢٠٦ - ٢١٧٩٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٢٨ و١٢٩)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٣٦٥). وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيّ، حَدَّثنَا أَبُو عَاصِم، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْج، بِهَذَا الْإِسْنَاد، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون المروزيّ، بغداديّ الأصل تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسَانِيُّ - بضم الموحدة، وسكون الراء، ثم مهملة - أبو عبد الله، ويقال: أبو عثمان البصريّ، صدوق [٩]. رَوَى عن أيمن بن نابل، وهشام بن حسان، وابن جريجٍ، وشعبة، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن زياد، وابن أبي عروبة، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابن المدينيّ، وابن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهارون الحمّال، وإسحاق الكَوْسَجُ وغيرهم. قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد: صالح الحديث، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وقال أبو داود، والعجليّ: ثقة، وقال ابن عمار الْمَوْصِلِيُّ: لَمْ يكن صاحب حديث، تركناه ولم نسمع منه، وقال أبو حاتم: شيخ محله الصدق، وقال النسائي في «كتاب المحاربة» من «سننه»: ليس بالقويّ، وقال ابن قانع: كان ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال هو وابن سعد وآخرون: مات سنة (٢٠٣)، زاد ابن سعد: بالبصرة في ذي الحجة، وكان ثقة، وقال أبو موسى محمد بن المثنى: مات سنة (٢٠٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٦) حديثًا. ٣ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) هو: أحمد بن عثمان بن أبي عثمان عبد النور بن عبد الله بن سِنَان النوفليّ، أبو عثمان البصريّ المعروف بأبي الجوزاء، ثقةٌ [١١]. رَوَى عن أبي داود الطيالسيّ، وأبي عاصم، وأزهر بن سَعْد، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: ثقةٌ رَضِيّ، وابن خزيمة، وابن بُجَير، وابن أبي عاصم، وابن جرير، وغيرهم.
مصادر المؤلف (١٠)

١. راجع: «البيان والتحصيل» ٣/ ٨٣ - ٨٤، و١٦/ ٣٧٦ - ٣٨٥ - ٤١٧، انظر ما كتبه محقّق: «إكمال المعلم» ١/ ٥٥٩.

٢. راجع: «مغني اللبيب» ١/ ٢٨٠.

٣. يعني: أنه أنكر كونها اسمًا أصلًا، لا بمعنى «حين»، ولا بمعنى «إذ».

٤. سيأتي للمصنّف في «كتاب الصلاة» (٧٢٨) عن أم حبيبة - ﵄ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجَنَّة …» الحديث.

٥. راجع: «الفتح» ٥/ ١٤٧ «كتاب المظالم» رقم (٢٤٨٠).

٦. «شرح النوويّ» ٢/ ١٦٤.

٧. «الإصابة»٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦.

٨. «المصباح المنير»٢/ ٦٦٥.

٩. «المفهم»١/ ٣٥٢.

١٠. حديث صحيح، أخرجه ابن ماجة في «سننه» برقم (٢٣٣١ و٢٣٣٢).