HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٦

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ. حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ. وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ المسجدين كما تأرز الحية في جحرها».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص90
ج ١ ص ١٣١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص١٤٦
وأخرج الشيخان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مئة عام، لا يقطعها»، قال: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزُّرَقيّ، فقال: حدثني أبو سعيد الخدريّ، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن في الجنة شجرة، يسير الراكب الجواد المُضمِر السريع مائة عام ما يقطعها». وفي «صحيح البخاريّ» عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] قال: «في الجنة شجرةٌ يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها». وأخرج الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة - ﵁ - قال:«طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها: تَفَتّقي لعبدي عما شاء، فتفتق له عن الخيل بسروجها ولُجُمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال في الحقيقة ليس بينها تعارض، بل هي من تنوّع العبارات، واللفظ محتمل لكلّها، فحمله على جميعها هو الأولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٨٠] (١٤٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْن، كمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ) بن إبراهيم، أبو العبّاس البغداديّ، أصله من خُرَاسان، ثقةٌ [١١] (٢٥٥) (خ م دت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٣. ٣ - (شَبَابَةُ بن سَوَّارٍ) الفَزَاريّ مولاهم، أبو عمرو المدائنيّ، أصله من خُرَاسان، قيل: اسمه مَرْوان، حكاه ابن عديّ، ثقة حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٢٥٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٤ - (عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ) هو: عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٢. ٥ - (أَبُوهُ) هو: محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٢. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب العَدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - المدنيّ (ت ٧٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ - وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عاصم. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵃ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ) تقدّم شرح هذه الجملة في الحديث الماضي (وَهُوَ) أي: الإسلام، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعد هذا:»إن الإيمان ليأرز إلى المدينة … «(يَارِزُ) بياء مثناة من تحتُ، بعدها همزة، ثم راء مكسورة، ثم زاي معجمة، هذا هو المشهور، وحكاه صاحب»المطالع« »مطالع الأنوار«عن أكثر الرُّواة، قال: وقال أبو الحسين بن سراج: لَيْأرُز بضم الراء، وحَكَى القابسيّ فتحَ الراء، ومعناه: يَنضمّ ويجتمع، هذا هو المشهور عند أهل اللغة والغريب، وقيل في معناه غير هذا مما لا يظهر، قاله النوويّ . وقال أبو عبيد: معنى قوله:«ليأرز»؛ أي: ينضمّ، ويجتمع بعضه إلى بعض، كما تنضمّ الحيّة إلى جحرها ، وقال ابن دُريد: أَرَزَ الشيءُ يَأْرِزُ: إذا ثبت في الأرض، وشجرة آرزٌ، وأَرِزَةٌ . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يقتضيه صنيع الجوهريّ في«الصحاح»، وابن منظور في«لسان العرب»أن«يَأْرِزُ»من باب ضرب، ولكن المجد في«القاموس»ذكر التثليث، حيث قال: أَرَزَ يَأْرِزُ، مثلّثة الراء أُرُوزًا: انقبض، وتجمّع، وثَبَت، فهو آرِزٌ، وأَرُوزٌ. انتهى. لكن تعقّبه المحشّي، فقال: قوله مثلّثة الراء، الصواب إسقاطه، والاقتصار على ذكر المضارع المفيد كسر الراء، كما في حديث:«إن الإيمان ليأرِزُ إلى المدينة»، ضبطه الرواةُ قاطبةً بكسر الراء، وكذلك ضبطه أهل الغريب. اهـ. لكن أجاب الشارح عنه بأنه إذا كان المراد بالتثليث كونه من حدّ ضَرَبَ، وعَلِمَ، ونَصَرَ، فلا مانع، ولا يَرِدُ عليه أنه ليس في عينه، أو لامه حرف حلقيّ؛ لأن هذا إنما يُشتَرط فيما يكون من باب مَنَعَ، كما هو ظاهرٌ. انتهى . قال الجامع: الذي يظهر لي أن ردّ المحشّي ضبط التثليث وجيهٌ؛ لأن المجد لم يعزُ التثليث إلى أحد من أهل اللغة، ولم يتعرّض أصحاب المعاجم، والغريب لذكره، ولم يأتِ الشارح في جوابه بما يُثبت نقله عن أهل اللغة، فكونه من باب ضرب هو الظاهر، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. وذكر في «اللسان» أن الأَرْزَ أن تَدخُل الحيّة جُحْرها على ذنبها، فآخرُ ما يَبْقَى منها رأسُها، فيدخُلُ بعدُ، قال: وكذلك الإسلامُ خرج من المدينة، فهو يَنْكُصُ إليها حتى يكون آخره نُكُوصًا كما كان أوّله خروجًا، وإنما تَأْرِزُ الحيّةُ على هذه الصفة إذا كانت خائفة، وإذا كانت آمنة، فهي تبدأ برأسها، فتُدخله، وهذا هو الانحجار. انتهى . وقال الطيبيّ - ﵀ - عند قوله: «ليأرِزُ إلى المدينة»: أي: ينضمُّ، وينقبض، يقال: أَرَزَ يَأْرِزُ أَرْزًا، وأُرُوزًا، ومنه الأَرُوزُ للبخيل، سُمّي به؛ لأنه ينقبض إذا سُئل، والمَرْزَأُ: المَلْجَأُ أيضًا. قيل: يحتمل أن يكون هذا إخبارًا منه - ﷺ - عما كان في ابتداء الهجرة، ويحتمل أنه أخبر عن آخر الزمان حين يقلّ الإسلام، فينضمّ إلى المدينة، فيبقى فيها، شَبَّهَ الإيمانَ، وفرارَ الناس من آفات المخالفين، والتجائهم إلى المدينة، بانضمام الحيّة في جحرها، ولعلّ هذه الدابّة أشدّ فرارًا، وانضمامًا من غيرها، فشَبَّهَ بها بمجرّد هذا المعنى، فإن المماثلة يكفي في اعتبارها بعض الأوصاف. انتهى . (بَيْنَ الْمَسْجدَيْنِ) أي: مسجدي مكة والمدينة، قال القرطبيّ - ﵀ -: وهو إشارة إلى أن مبدأ الإيمان كان بمكة، وظهوره بالمدينة. انتهى . (كمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَما») بضمّ الجيم، وسكون الحاء المهملة، جمع جِحَرَةٌ، بكسر، ففتح، مثلُ عِنَبَة وعِنَب، وهو للحيّة، والضبّ، واليَربوع، يقال: انجحر الضبّ على انفعل: أوى إلى جُحْرِه، أفاده في«المصباح». وقال المجد: الجُحْرُ بالضمّ: كلُّ شيء تَحتفره الهوامّ والسباع لأنفسها؛ كالجُحْران، جمعه جِحَرَةٌ، وأَجْحَارٌ. انتهى . والمعنى أنه كما تنتشر الحيّة من جُحرها في طلب ما تعيش به، فإذا راعها شيءٌ، رجعت إلى جحرها كذلك الإيمان انتشر من المدينة حتى وصل إلى جميع أقطار الأرض، ثم في آخر الزمان يرجع إليها، وتكون معقله، كما كان في الأول، ويفرّ إليها كلّ مؤمن فرارًا من آفات المخالفين. وقال في«الفتح»: وكلّ مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة؛ لمحبّته في النبيّ - ﷺ -، فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبيّ - ﷺ - للتعلّم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين، وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك للصلاة في مسجده، وزيارة قبره - ﷺ - ، والتبرّك بمشاهدة آثاره، وآثار أصحابه. وقال الداوديّ: كان هذا في حياة النبيّ - ﷺ -، والقرن الذي كان منهم، والذين يلونهم، والذين يلونهم خاصّةً. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٦٩/ ٣٨٠] (١٤٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٩٦ و٢٩٧)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٣٧٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٧٢٧)، و(البزّار) في «مسنده» (١١٨٢)، و(القُضاعيّ) في «مسند الشهاب» (١٠٥٤). [تنبيه]: في الباب عن ابن عمر - ﵄ - سيأتي بعد هذا، وسعد بن أبي وقّاص - ﵁ - عند أحمد في «مسنده» (١/ ١٨٤)، وعبد الرحمن بن سنّة عنده أيضًا (٤/ ٧٣ - ٧٤) بمثل حديث ابن عمر الآتي للمصنّف، وعن عمرو بن عوف بن زيد بن مِلْحَة عن الترمذيّ (٢٦٣٠) بلفظ: «إن الدين ليأرِزُ إلى الحجاز، كما تأرز الحيّة إلى جُحْرها»، وقال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: تصحيح الترمذيّ - ﵀ - لهذا الحديث فيه نظر لا يخفى؛ لأن سنده ضعيف جدًّا؛ لأن فيه كثير بن عبد الله بن عوف ضعيفٌ جدًّا، بل كذّبه الشافعيّ، وأبو داود، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان غربة الإسلام، وقلّة العاملين به، والناصرين له. ٢ - (ومنها): بيان خلوّ الأرض منه إلا بين المسجدين الشريفين. ٣ - (ومنها): بيان فضل الحرمين الشريفين، حيث يبقيان معقلًا للإسلام، وحصنًا حصينًا له، ولأهله في آخر الزمان، كما كانا كذلك في أوله، وإلى هذا يشير إخبارُ النبيّ - ﷺ - أَنّ رُعْب الدجّال لا يدخلهما. فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك - ﵁ -، عن النبيّ - ﵁ - قال: «ليس من بَلَدٍ إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، ليس له من نِقَابها نقب إلا عليه الملائكة، صافِّين يَحْرُسونها، ثم تَرْجُف المدينة بأهلها ثلاث رَجَفات، فَيُخْرِجُ الله كلَّ كافر ومنافق». ٤ - (ومنها): أن في الحديث الثاني مدح المدينة النبويّة، أن الإيمان سيأرِز إليها آخرًا كما كانت موئلًا له أولًا؛ إذ كان في أوّل الإسلام كلّ من خَلُص إيمانه، وصحّ إسلامه أتى إليها إما مُهاجِرًا مستوطنًا لها، وإما متشوِّقًا لرؤية النبيّ - ﷺ -، ومتعلّمًا منه، ومتقرّبًا إلى الله تعالى بلقياه، ثم بعده هكذا في زمان الخلفاء، وأخذ سيرة العدل منهم، والاقتداء بجمهور الصحابة فيها، ثم بمن بعدهم من علمائها الذين كانوا سُرُج الوقت، وأئمة الهدى، وأخذ السنن المنتشرة بها عنهم، فكان كلّ ثابت الإيمان، ومنشرح الصدر به يرحل إليها، ويَفِدُ عليها، ثم بعدُ في كلّ وقت، وإلى زماننا هذا؛ للصلاة في مسجد النبيّ - ﷺ -، حيث رغّب النبيّ - ﷺ - في شدّ الرحال إليها، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدريّ - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». ثم لزيارة قبره الشريف ، زيارةً شرعيّة، لا بدعيّة. ولرجاء الموت فيها، لعلّ الله تعالى يوفّقه لذلك؛ لأن النبيّ - ﷺ - رغّب في ذلك، فقد أخرج أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها»، وفي لفظ لأحمد: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها». وبالجملة فقصدها على هذه النيّة الحسنة، والشوق الصادق، يدلّ على صدق إيمانه، وصحّة يقينه، والله تعالى أعلم بالصواب. ٥ - (ومنها): مدح الغرباء الذين يغتربون عن أوطانهم، وعشائرهم طلبًا للإسلام، وأهله، فيجتمعون في مكان يمكنهم إظهار شعائر الإسلام فيه، ولا يُبالون بما أقبل من الدنيا، وما أدبر منها، وإنما همّهم إظهار الإسلام، والدعوة إليه، والذبّ عنه، ومقاطعة أهل البدع والخرافات، طوبى لهم، ثم طوبى لهم، ثم طوبى لهم. ٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: فيه حجةٌ على صحّة مذهب مالك في تمسّكه بعمل أهل المدينة، وكونه حجة شرعيّة، وقال أبو مصعب الزُّبيريّ في معنى الحديث: إنما المراد بالمدينة أهل المدينة، وأنه تنبيه على صحّة مذهبهم، وسلامتهم من البِدَعِ المحدثات، واقتدائهم بالسنن، والإيمان مجتمع عندهم، وعند من سلك سبيلهم. انتهى . وتعقّب ذلك الحافظ بأن هذا إن سُلّم اختَصّ بعصر النبيّ - ﷺ -، والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفِتن، وانتشار الصحابة في البلدان، ولا سيّما في أواخر المائة الثانية، وهَلُمّ جرًّا فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بحجيّة عمل أهل المدينة يحتاج إلى تفصيل، وقد حقّقه شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ - تحقيقًا لا تجده عند غيره من المحقّقين، فقال ما ملخّصه: التحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة أن منه ما هو متّفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم، وذلك أن إجماعهم على أربع مراتب: [الأولى]: ما يجري مَجرى النقل عن النبيّ - ﷺ -، مثلُ نقلهم لمقدار الصاع والمدّ، وكترك صدقة الخضروات والأحباس، فهذا مما هو حجة باتّفاق العلماء، أما الشافعيّ وأحمد، وأصحابهما فهذا حجة عندهم بلا نزاع، كما هو عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه. قال أبو يوسف، وهو أجلّ أصحاب أبي حنيفة رحمهما الله لَمّا اجتمع بمالك، وسأله عن الصاع والمدّ، فأمر مالك أهل المدينة بإحضار صيعانهم، وذكروا له إسنادها عن أسلافهم، فقال: أترى هؤلاء يكذبون؟ قال: لا، قال: فأنا حررت هذه الصيعان، فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل العراق، وسأله عن صدقة الخضروات، فقال: هذه مباقيل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله - ﷺ -، ولا أبي بكر، وعمر - ﵄ -، وسأله عن الأحباس، فقال: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، يذكر لبيان الصحابة، فقال أبو يوسف في كل منها: قد رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجت. فقد نقل أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو حجة عند غيره، لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل كما لم يبلغ غيره من الأئمة كثير من الأحاديث. [المرتبة الثانية]: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان - ﵁ -، فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عليه عن الشافعيّ، قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقّف في قلبك ريبًا إنه الحقّ، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنَّه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتّباعها، وقال أحمد: كلُّ بيعة كانت في المدينة فهي خلافة نبوّة، ومعلوم أن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان كانت بالمدينة، وكذلك بيعة عليّ كانت بالمدينة، ثم خرج منها، وبعد ذلك لم يُعقد بالمدينة بيعة، وقد ثبت في الحديث الصحيح حديث العرباض بن سارية - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلّ بدعة ضلالة». وفي «السنن» من حديث سفينة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «خلافة النبوّة ثلاثون سنة، ثم تصير مُلْكًا عَضُوضًا». والمحكيّ عن أبي حنيفة يقتضي أن قول الخلفاء الراشدين حجة، وما يُعلم لأهل المدينة عملٌ قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة الرسول - ﷺ -. [المرتبة الثالثة]: إذا تعارض في المسألة دليلان، كحديثين، وقياسين جُهِل أيّهما أرجح، وأحدهما يَعْمَلُ به أهل المدينة، ففيه نزاع، فمذهب مالك والشافعيّ أنه يُرجّح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يُرجّح به، ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما - وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عَقيل -: أنه لا يرجَّحُ به، والثاني - وهو قول أبي الخطاب وغيره -: أنه يُرَجَّحُ به، قيل: هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثًا، وعمِلوا به فهو الغاية، وكان يفتي على مذهب أهل المدينة، ويُقدّمه على مذهب أهل العراق تقريرًا كثيرًا، وكان يدلّ المستفتي على مذهب أهل الحديث، أهل المدينة، وكان أحمد يَكره أن يردّ على أهل المدينة كما يرُدّ على أهل الرأي، ويقول: إنهم اتبعوا الآثار. فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح بأقوال أهل المدينة. [المرتبة الرابعة]: هي العمل المتأخّر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعيّة يجب اتباعه أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعيّة، هذا مذهب الشافعيّ، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك الفاضل عبد الوهّاب في كتابه «أصول الفقه» وغيره، ذكر أن هذا ليس إجماعًا، ولا حجةً عند المحقّقين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس معه للأئمة نصّ، ولا دليلٌ، بل هم أهل التقليد. قال: ولم أرَ في كلام مالك ما يوجب جعلَ هذا حجةً، وهو في «الموطأ» إنما يذكر الأصل المجمع عليه عندهم، فهو يحكي مذهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا … وإذا تبيّن أن إجماع أهل المدينة تفاوتت فيه مذاهب جمهور الأئمة عُلم بذلك أن قولهم أصحّ أقوال أهل الأمصار روايةً ورأيًا، وأنه تارة يكون حجة قاطعة، وتارة حجة قويّة، وتارةً مرجّحًا للدليل، إذ ليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين. انتهى ملخّص كلام شيخ الإسلام - ﵀ - ، وهو تفصيل نفيس، وتحقيق أنيس، والله تعالى أعلم. وذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطيّ - ﵀ - ما معناه: أن الصحيح عن مالك أن إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان: [أحدهما]: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه. [الثاني]: أن يكون من الصحابة أو التابعين لا غير ذلك؛ لأن قول الصحابيّ فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع، فأَلْحَقَ مالك التابعين من أهل المدينة فيما لا اجتهاد فيه؛ لتعلّمهم ذلك عن الصحابة. أما في المسائل الاجتهاديّة، فأهل المدينة؛ فالصحيح عن مالك أنهم كغيرهم من الأمة، وحُكي عنه الإطلاق، وعلى القول بالإطلاق يتوجّه عليه اعتراض المؤلف - يعني: ابن قُدامة في روضة الناظر - بأنهم بعض من الأمة كغيرهم. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب. وقد نظمت التفصيل المذكور في «التحفة المرضيّة» في الأصول بقولي: وَاشْتَرَطُوا كَوْنَهُ قَولَ الكُلِّ … فَلَيْسَ إِجْمَاعٌ بقَولِ الجُلِّ فَمِنْ هُنَا إِجْمَاعُ أَهْلِ طَيْبَةِ … يَحْتَاجُ تَفْصِيلًا بِدُونِ مِرْيَةِ كَمَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدْ قَسَّمَهُ … أَرْبَعَةً فَهَاكَ مَا رَسَّمَهُ أَوَّلُهَا مَا صَارَ مِثْلَ النَّقْلِ عَنْ … نَبِيِّنَا كَالصَّاعِ حُجَّةً قَمَنْ وَثَانِهَا عَمَلُهُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ … يُقْتَلَ عُثْمَانُ فَحُجَّةٌ تُسَنْ أَعْنِي لَدَى الجُمْهُورِ إِذْ ذَا سُنَّةُ … الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حُجَّةُ وَلَيْسَ يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالَفَهْ … لِسُنَّةِ الرَّسُولِ يَا ذَا المَعْرِفَهْ ثَالِثُهَا إِنْ حُجَجٌ تَعَارَضَتْ … عَمَلُهُمْ لِبَعْضِهَا هَلْ رَجَّحَتْ؟ فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَجَّحَا … بِهِ وَنُعْمَانٌ إِبَاءً أَوْضَحَا أَصْحَابُ أَحْمَدَ لَهُمْ وَجْهَانِ … كَلَامُهُ يَمِيلُ لِلرُّجْحَانِ رَابِعُهَا عَمَلُهُمْ مُؤَخَّرَا … فَفِي احْتِجَاجِنَا بِهِ خُلْفٌ جَرَى فَأَحْمَدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو … حَنِيفَةٍ وَغَيْرُهُمْ قَدْ رَغِبُوا
مصادر المؤلف (٢٠)

١. في سنده شهر بن حوشب؛ مختلف فيه، والصحيح أنه حسن الحديث، راجع هذه الآثار في: «تفسير ابن جرير» ١٦/ ٤٣٦، و«تفسير ابن كثير» ٨/ ١٤١ - ١٤٨ طبعة مؤسسة قرطبة للطبع والنشر.

٢. قال في «التقريب»: صدوقٌ، والظاهر أنه ثقةٌ، فقد روى عنه جماعة، وأخرج له الشيخان، ووثقه النسائيّ، وابن حبّان، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، فتأمل، والله تعالى أعلم.

٣. قوله: «شَبَابة بن سَوّار» بالشين المعجمة المفتوحة، وبالباء الموحدة المكررة، و«سَوّار» بتشديد الواو، وشبابة لقب، واسمه مروان، وقد تقدم بيان ذلك كله في «شرح المقدّمة» برقم ٦/ ٤٠.

٤. «شرح النوويّ»٢/ ١٧٧.

٥. انظر:«المعلم»١/ ٣٢١.

٦. «إكمال المعلم»١/ ٥٨١ - ٥٨٢.

٧. راجع: «القاموس المحيط»، وما كُتِب في هامشه ص ٤٥٢.

٨. «لسان العرب» ٥/ ٣٠٥ - ٣٠٦.

٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٦٢٧.

١٠. «المفهم» ١/ ٣٦٤.

١١. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٩١.

١٢. «القاموس المحيط» ص ٣٢٦.

١٣. كان في «الفتح»: «ومن بعد ذلك لزيارة قبره - ﷺ -، والصلاة في مسجده …» إلخ، وما هنا هو الموافق لحديث: «لا تُشدّ الرحال …» إلخ كما سبق بيانه، فتنبّه.

١٤. راجع: «الفتح» ٣/ ١١٢ «كتاب فضائل المدينة» رقم (١٨٧٦).

١٥. أما السفر لزيارة قبره - ﷺ - فقد وقع فيه خلاف، فالأولى أن لا يسافر إلا بقصد الصلاة في مسجده، ثم يتوجّه لزيارة قبره بالسلام عليه - ﷺ - وعلى صاحبيه - ﵄ -، ولا يسافر بقصد الزيارة فقط، كما يفعله كثير من الناس؛ لأنه خلاف الحديث المذكور، فتنبّه لذلك، ولا تكن أسير التقليد، وسنعود إليه في موضعه - إن شاء الله تعالى -.

١٦. «المفهم» ١/ ٣٦٤.

١٧. «الفتح» ٣/ ١١٢ «كتاب فضائل المدينة» حديث (١٨٧٦).

١٨. هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب «روى»، فليُحرّر.

١٩. «مجموع الفتاوى» ٢٠/ ٣٠٣ - ٣١٠.

٢٠. «مذكّرة الشيخ الشنقيطيّ» - ﵀ - ص ١٥٤.