HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٢

حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ إن رسول الله ﷺ قال «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ (وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ. يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) قَالَ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ. قَالَ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ خَرَجْتُ. فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ. فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فقال جبريل ﷺ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا. فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ. فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇. فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ. مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ فَفُتِحَ لَنَا. فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا. فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ. قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ. وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا. فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ ﷺ. إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ. فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ. فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿ورفعناه مكانا عليا﴾ [١٩/مريم/ آية ٥٧] ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ. قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إليه؟ قال: وقد بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا. فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ ﷺ. فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بموسى ﷺ. فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ. وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بإبراهيم ﷺ، مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ. ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ المنتهى. وإن وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ. وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ. قَالَ، فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ. فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى. فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كل يوم وليلة. فنزلت إلى موسى ﷺ. فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ. فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ. فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. قَالَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي. فحَطّ عَنِّي خَمْسًا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ، فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ. فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً. وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً. فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا. فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً. قَالَ: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فقال رسول الله ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ منه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص101
ج ١ ص ١٤٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٤٤١
ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدَّثنا رسول الله - ﷺ -، قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جِوَاري هَبَطتُ، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي، فلم أرَ شيئًا، ونظرت خلفي، فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دَثّروني، وصُبُّوا عليّ ماءً باردًا، قال: فدَثروني، وصَبُّوا عليّ ماءً باردًا، قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ١ - ٣]»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٠) - (بَابُ الإسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى السَّمَاوَات، وَفَرْضِ الصَّلَوَاتِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٨] (١٦٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِت الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أُتِيتُ بِالْبُرَاق، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَار، وَدُونَ الْبَغْل، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِه، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِس، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكعَتَيْن، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ - ﵇ - بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ - ﵇ -: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاء، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أنتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لنا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّد - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ: عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ويَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا، فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثالِثَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِيُوسُفَ - ﷺ -، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْن، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِليْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ - ﷿ - ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ - ﷺ - فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﷿ -، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى - ﷺ -، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بإِبْرَاهِيمَ - ﷺ - مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُور، وَإذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْه، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَة، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَال، قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى ، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى - ﷺ -، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أمّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أمّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أمّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎، وَبَيْنَ مُوسَى - ﵇ - حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ، كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى - ﷺ -، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُليّ، صدوق، يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في«الإيمان»١٢/ ١٥٧. [تنبيه]: فَرّوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة -: اسم عجميّ، ولذا لا ينصرف؛ للعلميّة والعجمة. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابتٍ، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٠. ٣ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِي) هو ثابت بن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع ومائة وعشرين)، وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٠. [تنبيه]:«البُنانيّ»- بضمّ الموحّدة، ونونين مخفّفين -: منسوب إلى قبيلة معروفة . ٤ - (أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر الصحابيّ الشهير - ﵁ -، مات سنة (٩٢ أو ٩٣) وقد جاوز مائة (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٣، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد وهو (١٤) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وحماد بن سلمة، قد علّق له البخاريّ، بل قيل: روى عنه حديثًا واحدًا في«كتاب الرقاق». ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريّين، وشيبان أُبُلّيّ - بضمتين، وتشديد اللام - قرية من قرى البصرة. ٤ - (ومنها): أن حماد بن سلمة أثبت من روى عن ثابت، وثابتٌ ألزم أصحاب أنس - ﵁ - له، فقد قيل: إنه لازمه أربعين سنة. ٥ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ -، من المكثرين السبعة - ﵃ -، فقد روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو ممن نال الكرامة بخدمة رسول الله - ﷺ -، فقد خدمه عشر سنين، ودعا له بالبركة، فنال ذلك، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد عُمِّر أكثر من مائة سنة - ﵁ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أُتِيتُ) بالبناء للمفعول (بِالْبُرَاقِ) - بضم الباء الموحدة - قال أهل اللغة:»البُرَاق«: اسم الدابة التي ركبها رسول الله - ﷺ - ليلة الإسراء. قال الزبيديّ في«مختصر العين»، وصاحب«التحرير»: هي دابة كان الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - يركبونها. قال النوويّ: وهذا الذي قالاه، من اشتراك جميع الأنبياء فيها يحتاج إلى نقل صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ما يُثبت ذلك من النقل - إن شاء الله تعالى - قريبًا. قال ابن دُرَيد: اشتقاق البراق من البَرْق - إن شاء الله تعالى - يعني: لسرعته، وقيل: سُمِّي بذلك؛ لشدة صفائه، وتلألئه، وبريقه، وقيل: لكونه أبيض. وقال القاضي عياض: يحتمل أنه سمِّي بذلك؛ لكونه ذا لونين، يقال: شاة بَرْقاء، إذا كان في خلال صوفها الأبيضِ طاقاتٌ سُودٌ، قال: ووُصف في الحديث بأنه أبيض، وقد يكون من نوع الشاة البَرْقاء، وهي معدودة في البيض، والله تعالى أعلم . وقال في «الفتح»: و«البُرَاق» - بضم الموحدة، وتخفيف الراء -: مشتقّ من البَريق، فقد جاء في لونه أنه أبيض، أو من البَرق؛ لأنه وصفه بسرعة السير، أو من قولهم: شاةٌ بَرْقاء: إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سُودٌ، ولا ينافيه وصفه في الحديث بأن البراق أبيض؛ لأن البرقاء من الغنم معدودة في البياض، ويحتمل أن لا يكون مشتقًّا. انتهى . [تنبيه]: قيل: الحكمة في الإسراء به - ﷺ - راكبًا، مع القدرة على طيّ الأرض له إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسًا له بالعادة في مقام خرق العادة؛ لأن العادة جرت بأن الملك إذا استَدْعَى من يختص به يَبْعَث إليه بما يركبه . (وَهُوَ) أي: البراق (دَابَّةٌ أَبْيَضُ) ذكّر وصفه باعتبار كونه مركوبًا، أو نظرًا للفظ البراق. والحكمة في كونه بهذه الصفة الإشارة إلى أن الركوب كان في سِلْم وأَمْن، لا في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة. (طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَار، وَدُونَ الْبَغْلِ) الظرف متعلّق بصفة بعد الصيم لـ «دابّة»، أو بحال منه (يَضَعُ حَافِرَهُ) واحد حوافر الدابّة، وقد يُستعار للقدم كما في قول الشاعر [من الطويل]: فَمَا بَرِحَ الوِلْدَانُ حَتَّى رَأَيْتُهُ … عَلَى البَكْرِ يَمْرِيهِ بِسَاقٍ وَحَافِرِ قاله في «الصحاح» . (عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) أي: عند نهاية نظرها، فـ «الطَّرْفُ» - بفتح، فسكون -: مصدرُ طَرَفَ، يقال: طَرَفَ البَصَرُ طَرْفًا، من باب ضَرَبَ: تحرّك، وطَرْفُ العين: نَظَرُها، ويُطلق على الواحد وغيره؛ لأنه مصدرٌ، قاله الفيّوميّ ، وفي رواية النسائيّ: «خَطْوُها عند منتهى طَرْفِها»، والخَطْو بالفتح مصدر خطأ يخطو: إذا مشى. وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - عند أبي يعلى والبزَّار: «إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هَبَط ارتفعت يداه»، وفي رواية لابن سعد، عن الواقديّ بأسانيده: «له جناحان»، قال الحافظ: ولم أرَها لغيره، وعند الثعلبيّ بسند ضعيف، عن ابن عباس في صفة البراق: «لها خَدّ كخدّ الإنسان، وعَرْف كالفرس، وقوائم كالإبل، وأظلاف وذَنَب كالبقر، وكان صدره ياقوتة حمراء». قيل: ويؤخذ من ترك تسمية سير البراق طيرانًا أن الله إذا أكرم عبدًا بتسهيل الطريق له، حتى قطع المسافة الطويلة في الزمن اليسير أن لا يَخرُج بذلك عن اسم السفر، وتجري عليه أحكامه. قال ابن أبي جمرة - ﵀ -: خُصَّ البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به؛ لأنه لم يُنقَل أن أحدًا ملكه، بخلاف غير جنسه من الدواب، قال: والقدرة كانت صالحة لأن يصعد بنفسه من غير براق، ولكن ركوب البراق كان زيادةً له في تشريفه؛ لأنه لو صَعِدَ بنفسه لكان في صورة ماشٍ، والراكب أعزّ من الماشي. (قَالَ) - ﷺ - (فَرَكِبْتُهُ) أي: البراق (حَتَّى أتيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ) فيه لغتان مشهورتان غايةَ الشهرة: [إحداهما]: بفتح الميم، وإسكان القاف، وكسر الدال المخففة. [والثانية]: بضم الميم، وفتح القاف، والدال المشددة، قال الواحديّ: أما مَن شَدَّده، فمعناه المُطَهَّر، وأما مَن خَفّفه، فقال أبو عليّ الفارسيّ: لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، فان كان مصدرًا، كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] ونحوه من المصادر، وإن كان مكانًا، فمعناه بيت المكان الذي جُعِل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها، وقال الزجاج: البيت المقدَّس: المطَهَّر، وبيت المقدس؛ أي: المكان الذي يُتطهَّر فيه من الذنوب، ويقال فيه أيضًا: إيلياء . (قَالَ) - ﷺ - (فَرَبَطْتُهُ) بفتح الموحّدة، يقال: رَبَطته رَبْطًا، من بابي ضرب ونَصَرَ: إذا شددته، والرِّباط بالكسر: ما تُربط به القربة وغيرها، والجمع رُبُط، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، قاله الفيّوميّ . (بِالْحَلْقَةِ) بإسكان اللام، على اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى الجوهريّ وغيره فتح اللام أيضًا، قال الجوهريّ: حَكَى يونس، عن أبي عمرو بن العلاء حَلَقَة بالفتح، وجمعها حَلَقٌ، وحَلَقَات، وأما على لغة الإسكان، فجمعها حَلَق وحِلَق، بفتح الحاء وكسرها، قاله النوويّ . وقال ابن منظور - ﵀ -: «الحَلْقَةُ»: كلُّ شيء استدار، كحلقة الحديد والفضّة والذهب، وكذلك هو في الناس، والجمع حِلاق بالكسر على الغالب، وحِلَق بكسر، ففتح، على النادر، كهَضَبة وهِضَب، والحَلَق بفتحتين عند سيبويه اسم للجمع، وليس بجمع؛ لأن فَعْلَةً ليست مما يُكسَّر على فَعَل، أفاده ابن منظور . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: وَحَلَقةُ الباب بالسكون من حديد وغيره، وحَلَقَةُ القوم: الذين يجتمعون مستديرين، والحَلْقَةُ: السلاح كلُّهُ، والجمع حَلَق بفتحتين على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَق بالكسر، مثلُ قَصْعَةٍ وَقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَرٍ، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الحَلَقَة بالفتح لغةٌ في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس، مثلُ قَصَبَةٍ وقَصَبٍ. انتهى . (الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأنبِيَاءُ) كذا هو في الأصول «يَربط به» بضمير المذكر، فأما «يَربط»، فإنه يجوز فيه الأمران؛ لأنه مسند إلى «الأنبياء»، والجمع يجوز تذكيره وتأنيثه، كما قال في «الخلاصة»: وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ … مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ وأما «به» فأعاده على معنى «الحلقة»، وهو الشيء. قال صاحب «التحرير»: المراد حلقة باب مسجد بيت المقدس، والله تعالى أعلم. (قَالَ) - ﷺ - (ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي: الأقصى (فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكَعَتَيْنِ) أي: تحيّة للمسجد (ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ - ﵇ - بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ) أي: ليشرب ما يشاء (فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ) أي: فخيّرني أن آخذ أيّهما شئتُ، فاخترت بتوفيق من الله - ﷾ -، ففي هذه الرواية اختصار، تبيّنها رواية أبي هريرة - ﵁ - الآتية بلفظ: «فأُتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن، فشربته» (فَقَالَ جِبْرِيلُ - ﷺ -: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ) قال النوويّ - ﵀ -: فَسَّرُوا الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة، ومعناه - والله أعلم -: اخترت علامة الإسلام والاستقامة، وجُعِل اللبن علامة؛ لكونه سهلًا طيبًا طاهرأ سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، وأما الخمر، فإنها أمّ الخبائث، وجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل، والله تعالى أعلم. انتهى. وقال القرطبيّ - ﵀ -: أصل الفطرة: ابتداء الخلقة، ومنه فَطَرَ ناب البعير إذا ابتدأ خروجه، ومنه قول الأعرابيّ المتحاكم إلى ابن عبّاس - ﵄ - في البئر: أنا فَطَرتها، أي: ابتدأت حفرها، وقيل في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: جِبِلّة الله التي جَبَلَهم عليها، من التهيّؤ لمعرفته، والإقرار به، وقيل: هي ما أُخذ عليهم في ظهر آدم - ﵇ - من الاعتراف بربوبيّته، وقيل: الفطرة الإسلام؛ لأنه الذي لقتضيه فطرة العقل ابتداءً، وقد حُمِل على هذا قوله - ﷺ -: «كلّ مولود يولد على الفطرة …» الحديث، متّفقٌ عليه، وقد نصّ على هذا في حديث آخر، فقد أخرج المصنّف من حديث عياض بن حمار - ﵁ - مرفوعًا، قال: «إني خلقت عبادي حُنفاء كلّهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم …» الحديث، وكأن معنى هذا الحديث: أنه لَمّا مال إلى ما يُتَناوَل بالجِبِلّة والطبع، وما لا ينشا عنه مفسدة، وهو اللبن، وعَدَلَ عمّا ليس كذلك مما يُتوقَّع منه مفسدةٌ أو من جنسه، وهي إذهاب العقل الموصل للمصالح، صَوَّب الملك فعله ودعا له، كما قال في الرواية الأخرى: «أَصَبْتَ أصاب الله بك». ويحتمل أن يكون من باب التفاؤل والتشبيه لَمّا كان اللبن أوّل شيء يدخل جوف الصبيّ، ويشقّ أمعاءه، فسُمّي بذلك فطرة. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقال القاضي عياض - ﵀ -: أصل الفطرة في كلام العرب: الخِلْقة، ومنه ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]؛ أي: خالقهما، وقيل: الفطرة: الا بتداء، وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]؛ أي: أقم وجهك للدين الذي فطر الله الناس عليه، قبل الْجِبِلّة التي جَبَلهم عليها من التهيّؤ لمعرفة الله تعالى والإقرار به، وقيل: ما أخذ الله عليهم في ظهر آدم - ﵇ - من الاعتراف بربوبيّته. وقيل: معناه الاستقامة؛ لأن الحنيف عند بعضهم المستقيم، وسُمِّي الأحنف على القلب، كما سُمّي اللديغ سَلِيمًا، والحنيفيّة المستقيمة عن الميل لأديان أهل الشرك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١]، وكما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠]. وقيل في قوله - ﷺ -: «كلُّ مولود يولد على الفطرة» متّفقٌ عليه، هذه الأقوال كلّها، وقيل: ما كُتب عليه في بطن أمه، وقيل: الإسلام. ويحتمل أن المراد بالفطرة في قوله: «اخترتَ الفطرة» بعض هذه المعاني: الإسلام، أو الاستقامة، أو الحنيفيّة، ويكون أيضًا لَمّا كان اللبن كلّه حلالًا في هذه الشريعة والخمر كلّه حرامًا، فعَدَل عما حُرّم فيها إلى ما أُحلّ فيها، ودلّ ذلك على هدايته لها، وقيل: هو من باب التفاؤل الحسن لَمّا كان اللبن أوّل شيء يدخل جوف الرضيع ويَفتح فمه عليه، سُمّي فِطرةً لشقّه الأمعاء، وما تقدّم أوجَه. انتهى كلام القاضي - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «لَمّا كان الخمر كلّه حرامًا» فيه نظر؛ إذ الخمر لم تكن حينئذ محرّمة، اللهم إلا أن يكون المراد أنها ستحرّم، فألهمه الله تعالى ذلك، فأعرض عنها، فيكون من توفيق الله له للهدى، أو نَفَرَ منها لِمَا جَبَلَه الله تعالى عليه من البُعْد عن أسباب الشرّ والفساد، كما نَفَر عنها كثير من عقلاء الجاهليّة لذلك، أو نَفَر منها لكونه لم يَعْتَدْ شربها، فوافق طبعه ما سيقع من تحريمها بعدُ، حفظًا من الله تعالى له ورعايةً، واختار اللبن؛ لكونه مألوفًا له، سهلًا طيّبًا سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، بخلاف الخمر في جميع ذلك، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ عَرَجَ) بفتح العين والراء، من باب قعد، أي: صَعِدَ، وارتقى (بِنَا) أي: به ومن معه، وهو جبريل - ﵇ -، أو عبّر بما هو للجماعة عن نفسه، لأن المقام مقام فخر واعتزاز، وتحدّث بنعمة الله تعالى (إِلَى السَّمَاءِ) أي: الدّنيا، كما جاء في الرواية الأخرى، ومعناه: القربى، وهي الأولى، (فَاسْتَفْتَحَ) أي: طلب فتح الباب، فالمفعول محذوف اختصارًا (جِبْرِيلُ)؛ (فَقِيلَ) أي: قال له خزانها، كما صُرّح به في الرواية الأخرى (مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ) خبر لمبتدأ محذوف، أي: أنا جبريل، قال النوويّ - ﵀ -: فيه بيان الأدب فيمن استأذن بدَقّ الباب ونحوه، فقيل له: من أنت؟ فينبغي أن يقول: زيد مثلًا، إذا كان اسمه زيدًا، ولا يقول: أنا، فقد جاء الحديث بالنهي عنه، ولأنه لا فائدة فيه. انتهى . (قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -) خبر لمحذوف أيضًا؛ أي: هو محمد، أو مبتدأ حُذف خبره؛ أي: محمد معي، (قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟) ببناء الفعل للمفعول، قال النوويّ - ﵀ -: مراد البوّاب بقوله: «وقد بُعِث إليه؟» بعثه للإسراء وصعود السموات، وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة، فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدّة، فهذا هو الصحيح - والله أعلم - في معناه، ولم يذكر الخطابيّ في «شرح البخاريّ» وجماعة من العلماء غيرَهُ، وإن كان القاضي قد ذكر خلافًا، أو أشار إلى خلاف في أنه استَفْهَمَ عن أصل البعث، أو عما ذكرتُهُ، قال القاضي: وفي هذا أن للسماء أبوابًا حقيقيةً، وحفظةً مُوَكَّلين بها، وفيه إثبات الاستئذان، والله أعلم. انتهى. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «وقد بُعث إليه» هو استفهام من الملائكة عن بعث النبيّ - ﷺ - وإرساله إلى الخلق، وهذا يدلّ على أنهم لم يكن عندهم علمٌ من وقت إرساله؛ لكونهم مستغرقين بالعبادة، لا يَفترون عنها، وقيل: معناه استفهامهم عن إرسال الله تعالى إليه بالعروج إلى السماء. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول الثاني هو الأظهر، والله تعالى أعلم. (قَالَ) جبريل - ﵇ - (قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ) أي: بالصعود، (فَفُتِحَ لَنَا) بالبناء للمفعول، أي: فتح خازن السماء باب السماء لأجلنا، (فَإِذَا أَنَا) «إذا» هي الفُجائيّة، (بِآدَمَ) أبي البشر؛ (فَرَحَّبَ بِي) أي: قال لي بعد ردّ السلام: مرحبًا بالابن الصالح، والنبيّ الصالح، كما سيأتي في الروايات الأخرى، يقال: رَحّب به ترحيبًا: إذا دعاه إلى الرُّحْب، بالضمّ؛ أي: المكان الواسع، (وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) قال القاري: يحتمل أن يكون المراد قوله: «ولنعم المجيءُ جاء»، وأن يكون غيره غيرَ مُبيَّن. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول مما لا يخفى بُعده فتفطّن، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -) الباب، (فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ: عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا) قال الأزهريّ: قال ابن السّكِّيت: يقال: هما ابنا عَمٍّ، ولا يقال: ابنا خال، ويقال: هما ابنا خالة، ولا يقال: ابنا عمة. انتهى. (فَرَحَّبَا، وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي) وفي نسخة: «بنا» (إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَة، فَاسْتَفْتَحَ) البابَ جِبْرِيلُ؛ (فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ) بنِ يعقوب - ﵇ -، (إِذَا هُوَ) بدل من الأول في معنى بدل الاشتمال، قاله القاري ، (قَدْ أُعْطِيَ) بالبناء للمفعول، (شَطْرَ الْحُسْنِ) أي: نصف حسن الناس، وفي حديث أبي سعيد - ﵁ - عند البيهقي، وأبي هريرة - ﵁ - عند ابن عائذ والطبرانيّ: «فإذا أنا برجل أحسنِ ما خَلَقَ اللهُ، قد فَضَلَ الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب»، وهذا ظاهره أن يوسف؛ كان أحسن من جميع الناس، لكن رَوَى الترمذيّ، من حديث أنس - ﵁ -: «ما بَعَثَ الله نبيًّا إلا حَسَنَ الوجه، حَسَنَ الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا»، فعلى هذا فيُحْمَل حديث المعراج على أنّ المراد غير النبيّ - ﷺ -، ويؤيده قول من قال من الأصوليين: إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه. وأما حديث الباب، فقد حمله ابن المُنَيِّر - ﵀ - على أن المراد: أن يوسف أُعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبيّنا - ﷺ -، والله تعالى أعلم . (فَرَحَّبَ) وفي نسخة: «ورحّب بي»، (وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟) وفي نسخة: «فقيل: من هذا؟» (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَال: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ - ﷿ -: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧] أي: في السماء الرابعة، ذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - في تفسيره عند شرح هذه الآية (٣/ ١٢٧) ما نصّه: وقد رَوَى ابن جرير ههنا أثرًا غريبًا عجيبًا، فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شَمِر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله - ﷿ - لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾؟ فقال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه أني أَرْفَع لك كلَّ يوم مثلَ عمل جميع بني آدم، فأَحَبّ أن يزداد عملًا، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال له: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكَلِّم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملًا، فحمله بين جناحيه، حتى صَعِد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت مُنْحَدِرًا، فكلَّم ملك الموت في الذي كلَّمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري، قال ملك الموت: العجب بُعِثتُ، وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]. قال ابن كثير: هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: إسناد هذا الأثر ثقات، رجال الصحيح، غير شَمِر بن عطيّة، وهو ثقة وثّقه النسائيّ، وابن سعد، وغيرهما، إلا أنه من الإسرائيليّات، لا سيَّما وقد قال ابن كثير: وفي بعضه نكارة، فالظاهر عدم صحّته، والله تعالى أعلم. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس، أنه سأل كعبًا … فذكر نحو ما تقدَّم، غير أنه قال لذلك الملك: هل لك أن تسأله - يعني: ملك الموت - كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل؟ … وذكر باقيه، وفيه أنه لَمّا سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر، فنظر، ثم قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه، فإذا هو قد قُبِضَ - ﵇ - وهو لا يشعر به. ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس: أن إدريس كان خَيّاطًا، فكان لا يَغْرِز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي، وليس في الأرض أحدٌ أفضل عملًا منه، وذكر بقيته كالذي قبله. وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: إدريس رُفِع لم يمت كما رفع عيسى. وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: السماء الرابعة، وقال العَوْفي عن ابن عباس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال: رُفِع إلى السماء السادسة، فمات بها، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقال الحسن وغيره في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧] قال: الجنة. انتهى ما ذكره ابن كثير - ﵀ -. وقال في «الفتح»: واستَشْكَل بعضهم قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ بأن غيره من الأنبياء أرفع مكانًا منه! ثم أجاب بأن المراد أنه لم يُرْفَع إلى السماء مَن هو حي غيره. وفيه نظر؛ لأن عيسى - ﵇ - أيضًا قد رُفع وهو حي على الصحيح، وكون إدريس رُفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قويّة، ثم أورد أثر كعب الذي سبق من رواية الطبريّ، ثم قال: وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته . قال الجامع عفا الله عنه: هذه الآثار كلّها لا تستند إلى دليل مرفوع صحيح، فليست حجة مقنعة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟) وفي نسخة: «فقيل: من هذا؟» (قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّد - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنا بِهَارُونَ - ﷺ -، فَرَحَّبَ) وفي نسخة: «فرحّب بي» (وَدَعَا لِي بِخَيْر، ثمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى - ﷺ -، فَرَحَّبَ، وَدَعَا لِي بِخَيْر، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قِيل) وفي نسخة: «قال»، (وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْه، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ - ﷺ -) حال كونه، (مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) أي: الذي تعمُره الملائكة بالعبادة، قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: يُستَدَلّ به على جواز الاستناد إلى القبلة، وتحويل الظهر إليها. انتهى. (وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ) أي: للعبادة فيه، (لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ) أي: لكثرتهم، فلا يستطيعون العودة إليه مرّة أخرى، وفيه كثرة الملائكة على سائر المخلوقات، (ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى) هكذا وقع في الأصول «السدرة» بالألف واللام، وفي الروايات بعد هذا: «سدرة المنتهى» بالإضافة، وسيأتي عند المصنّف في حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنها سُمِّيت بذلك؛ لأنه إليها يَنتهي ما يُعرَج به من الأرض فيُقبَض منها، وإليها ينتهي ما يُهبَط به من فوقها فيُقبض منها. وقال النوويّ - ﵀ -: سُمِّيت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحدٌ إلا رسول الله - ﷺ -. قال الحافظ - ﵀ -: وهذا لا يعارض حديث ابن مسعود - ﵁ - المتقدم، لكن حديث ابن مسعود ثابت في «الصحيح»، فهو أولى بالاعتماد، وأورده النووي بصيغة التمريض، فقال: وحُكِي عن ابن مسعود أنها سُمّيت بذلك … إلخ هكذا أورده، فأشعر بضعفه عنده، وهو صحيح مرفوع، فكان الأولى له إيراده بالجزم. وقال القرطبيّ في «المفهم»: ظاهر حديث أنس - ﵁ - أنها في السابعة؛ لقوله بعد ذكر السماء السابعة: «ثم ذَهَب بي إلى السدرة»، وفي حديث ابن مسعود أنها في السادسة، وهذا تعارض لا شكّ فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل، وكل ملك مقرَّب، على ما قال كعب، قال: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله أو من أعلمه، وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد. وقال غيره: إليها منتهى أراوح الشهداء، قال: ولترجح حديث أنس بأنه مرفوع، وحديث ابن مسعود موقوف، قال الحافظ: كذا قال، ولم يُعَرِّج على الجمع بل جزم بالتعارض، قال: ولا يعارض قولُهُ: «إنها في السادسة» ما دلت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة؛ لأنه يُحمَل على أن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها. (وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ) بكسر الفاء، وفتح الياء التحتانيّة، بعدها لام، جمع فِيلٍ، وفي رواية للبخاريّ: «مثلُ آذان الفُيُول» وهو أيضًا جمع فيل، قال ابن دحية: اختيرت السدرة دون غيرها؛ لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظلّ ممدود، وطعائم لذيذٌ، ورائحة زكيّة، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يَجمع القول والفعل والنيّة، فالظلّ بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النيّة، والرائحة بمنزلة القول. انتهى . (وَإِذَا ثَمَرُهَا) وفي رواية: «فإذا نَبِقها» بفتح النون، وكسر الموحّدة وسكونها أيضًا، قال ابن دحية: والأول هو الذي ثبت في أصل الرواية، أي التحريك، و«النَّبِقُ»: معروف وهو ثَمَرُ السدر ، (كَالْقِلَالِ) بكسر القاف، جمع قُلّة بالضمّ، وهي: جَرَّةٌ عظيمة، تَسَعُ قِرْبتين أو أكثر، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وفي الرواية الآتية: «مثلُ قلال هَجَر»، و«هَجَر» بفتحتين بلد بقرب المدينة، لا تنصرف للعلميّة والتأنيث باعتبار البقعة، ويجوز صرفها باعتبار المكان، قال الخطابيّ - ﵀ -: يريد أن ثمرها في الكثرة مثل القلال، وكانت معروفةً عند المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها، قال: وهي التي وقع تحديد الماء الكثير بها في قوله - ﷺ -: «إذا بلغ الماء قلتين …» الحديث ، (قَالَ) - ﷺ - (فَلَمَّا غَشِيَهَا) بكسر الشين، من باب تَعِبَ؛ أي: غطّاها، (مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ) «ما» موصولة فاعل «غشيها»، وعبّر بها تفخيمًا وتعظيمًا للأمر، كما في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، وقال القرطبيّ: يعني غشيها من جلال الله تعالى وعظيم شأنه وسلطانه، (تَغَيَّرَتْ) أي: انتقلت عن حالها الأول إلى حال أخرى أحسن منها، (فَمَا) نافية، أي: ليس (أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا) بفتح العين، يقال: نَعَتَ الرجلُ صاحبه نَعْتًا، من باب نَفَعَ: إذا وصفه، ونَعَتَ نفسَهُ بالخير: وصفَها به، وانتَعَتَ: اتّصفَ، ونَعُتَ الرجلُ بضمّ العين: إذا كان النعت له خِلْقةً، قاله الفيّوميّ ، وقوله: (مِنْ حُسْنِهَا) أي: لأجل شدّة حسنها، فهو تعليلٌ لعدم استطاعة نعتها (فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى) وفي نسخة: «فأوحى إليّ ما أوحى»، أي: الذي أوحاه، وأبهمه أيضًا للتفخيم والتغظيم. (فَفَرَضَ عَلَيَّ) أي؛ وعلى أمته، ففي الرواية الأخرى: «فقم بها أنت وأمتك» (خَمْسِينَ صَلَاةً، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى - ﷺ -، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ) وفي نسخة: «فَسَله»، (التَّخْفِيفَ، فَإنَّ أُمّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ) أي: اختبرت، يقال: بلاه الله بخير أَو شرّ، يبلوه بَلْوًا، وأبلاه بالألف، وابتلاه ابتلاء: بمعنى امتحنه (بَني إِسْرَائِيلَ، وَخَبَرْتُهُمْ) عطف تفسير لـ «بلوت» (قَالَ) - ﷺ - (فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي) إلى الموضع الذي ناجيته منه أوّلًا، فناجيته فيه ثانيًا، (فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَط عَنِّي خَمْسًا، قَالَ) موسى - ﵇ - (إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، قَالَ) - ﷺ - (فَلَمْ أَزَلْ أَرْجعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎، وَبَيْنَ مُوسَى؛ (حَتَّى قَالَ) - ﷾ - (يَا مُحَمَّدُ) فيه أن الله - ﷾ - كلّم نبيه محمدًا - ﷺ - في تلك الليلة بلا واسطة (إِنَّهُنَّ) أي: الصلوات (خَمْسُ صَلَوَاتٍ، كُلَّ يَوْمِ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ) إذ الحسنة بعشر أمثالها (فَذَلِكَ خَمْسُونَ) وفي نسخةَ: «فتلك خمسون» (صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ) أي: قصد أن يعمل حسنة (فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ) بالبناء للمفعول (لَهُ حَسَنَةً) منصوب على الحال (فَإنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا) أي: عشر حسنات (وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ سَيئَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَنَزَلْتُ) أي: من محلّ المناجاة (حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى - ﷺ -، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ) موسى (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ) أي: من الخمس (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ«) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[٨٠/ ٤١٨ و٤١٩ و٤٢٠ و٤٢١، (١٦٢)، و(البخاريّ) في«صفة النبيّ - ﷺ - »(٣٥٧٠)، و«التفسير»(٤٩٦٤)، و«الأشربة»(٥٦١٠)، و«الرقاق»(٦٥٨١)، و«التوحيد»(٧٥١٧)، وفي«خلق أفعال العباد«(٢٦ و٦٩)، و(أحمد) في»مسنده«(٣/ ١٤٨ - ١٥٣ - ٢٨٦)، و(عبد بن حُميد) في»مسنده«(١٢١٠)، و(أبو عوانة) في»مسنده«(٣٤٤)، و(أبو نُعيم) في»مستخرجه« (٤١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات، وفرض الصلوات الخمس فيها. ٢ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به نبيّه وحبيبه - ﷺ - بالعروج إليه، وتكليمه إياه بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه - ﷺ - عُرج به روحًا وجسدًا، يقظة لا منامًا، على ما هو الحقّ، وسيأتي بيان الخلاف فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على نبيّه - ﷺ - حيث هداه الله تعالى للفطرة، فاختار اللبن. ٥ - (ومنها): بيان أن الخمر خبيثة، وهي أم الخبائث، تُخرج عن الطبيعة وتلقي في الشرّ والضلال. ٦ - (ومنها): إثبات البُراق وبيان صفته، أنه من الدواب المعروفة بهذه الصفة السامية. ٧ - (ومنها): أن في ربطه الأخذَ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وأن ذلك لا يَقْدَح في التوكل، إذا كان الاعتماد على الله تعالى. ٨ - (ومنها): فيه استحباب لقاء أهل الفضل بالبشر، والترحيب، والكلام الحسن، والدعاء لهم، وإن كانوا أفضل من الداعي. ٩ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه، إذا أُمِن عليه الإعجاب وغيره من الفتن. ١٠ - (ومنها): إثبات أبواب للسماء حقيقيّة وحفَظَة موكّلين بها. ١١ - (ومنها): مشروعيّة الاستئذان لدخول بيوت الناس. ١٢ - (ومنها): أن من آداب الاستئذان، أن يقول إذا قيل له: من أنت؟ أن يقول: محمد، أو أحمد باسمه، ولا يقول: أنا؛ إذ لا فائدة فيه، ولأنه ورد الإنكار فيه، فقد أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: أتيت النبيّ - ﷺ - في دَيْن كان على أبي، فدققت الباب، فقال: «من ذا؟» فقلت: أنا، فقال: «أنا أنا!»، كأنه كرهها. ١٣ - (ومنها): بيان أن من أدب البوّاب أن لا يسمح لأحد بالدخول إلا بعد أن يتأكّد من إذن صاحب البيت للطارق، ولو كان ذلك صديقًا له. ١٤ - (ومنها): أن الملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله تعالى به، فإنهم استفهموا جبريل عن بعثة النبيّ - ﷺ -. ١٥ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به هؤلاء الأنبياء، حيث رفعهم إلى السماوات العلى. ١٦ - (ومنها): بيان تفاوت مراتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله - ﷿ -: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. ١٧ - (ومنها): مشروعيّة تحيّة المسجد بركعتين. ١٨ - (ومنها): أن فرض الصلاة ليلة الإسراء، وهو مجمع عليه. ١٩ - (ومنها): أن المارّ يُسلِّم على القاعد، وإن كان المارّ أفضل من القاعد. ٢٠ - (ومنها): فيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظَهر وغيره، وهو مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور، وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة. ٢١ - (منها): جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل. ٢٢ - (ومنها): استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى وتكثير الشفاعة عنده؛ لِمَا وقع منه - ﷺ - في إجابته مَشُورة موسى - ﵇ - في سؤال التخفيف. ٢٣ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ الاستحياء وبذل النصيحة من يَحتاج إليها، وإن لم يستشر الناصح في ذلك. ٢٤ - (ومنها): بيان ما أسدى موسى - ﵇ - إلى هذه الأمة حيث أمر النبيّ - ﷺ - بطلب التخفيف عليهم عن خمسين صلاةً حتى خمسًا. ٢٥ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على هذه الأمة حيث خفّف عنها خمسين صلاةً من حيث العدد، وأبقى أجرها كما هي ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]. ٢٦ - (ومنها): شدّة رأفة النبيّ - ﷺ - على أمته، حيث سعى في التخفيف عنها عن خمسين صلاة، فظهر به مصداق قوله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قصّة الإسراء: (اعلم): أنهم اختَلَفوا في الإسراء برسول الله - ﷺ -، فقيل: إنما كان جميع ذلك في المنام، والحقّ الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، أنه أُسري بجسده - ﷺ -، والآثار الكثيرة التي أوردها المصنّف في هذا الباب، وكذا غيره من المحدّثين، وأهل السير في كتب السنّة واضحة في الدلالة على ذلك من طالعها، وبحث عنها، وتأمّلها حقّ تأمّل، ولا يُعدَل عن ظاهرها إلا بدليل، ولا استحالة في حملها عليه فيُحتاجَ إلى تأويل. وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء، وقد نَبّه مسلم على ذلك بقوله: «فقدَّم وأخَّر، وزاد ونقَّص». فمن ذلك قوله: «وذلك قبل أن يُوحَى إليه»، وهو غلطٌ بلا شكّ، فإن الإسراء أقلُّ ما قيل فيه: إنه كان بعد مبعثه - ﷺ - بخمسة عشر شهرًا، وقال الحربيّ: كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزهريّ: كان ذلك بعد مبعثه - ﷺ - بخمس سنين، وقال ابن إسحاق: أُسْرِي به - ﷺ -، وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل. وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق؛ إذ لم يَختلفوا أن خديجة - ﵂ - صلَّت معه - ﷺ - بعد فرض الصلاة عليه، ولا خلاف أنها تُوفيت قبل الهجرة بمدة، قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس. ومنها أن العلماء مجمعون على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون هذا قبل أن يُوحَى إليه. وأما قوله في رواية شريك: «وهو نائم»، وفي الرواية الأخرى: «بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان»، فقد يحتج به مَن يجعلها رؤيا نوم، ولا حجة فيه؛ إذ قد يكون ذلك حالة أول وصول الملك إليه، وليس في الحديث ما يدل على كونه نائمًا في القصة كلها، هكذا حقّق القاضي عياض - ﵀ -. قال النوويّ - ﵀ - بعد نقل كلام عياض هذا: وهذا الذي قاله في رواية شريك، وأن أهل العلم أنكروها قد قاله غيره، وقد ذكر البخاريّ - ﵀ - رواية شريك هذه، عن أنس، في «كتاب التوحيد» من «صحيحه»، وأتى بالحديث مُطَوَّلًا. قال الحافظ عبد الحقّ - ﵀ - في كتابه «الجمع بين الصحيحين» بعد ذكر هذه الرواية: هذا الحديث بهذا اللفظ، من رواية شريك بن أبي نَمِر، عن أنس، وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأَتَى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد رَوَى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين، والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البنانيّ، وقتادة، يعني: عن أنس، فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك، وشريك ليمس بالحافظ عند أهل الحديث، قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المعوَّل عليها. انتهى كلام الحافظ عبد الحق - ﵀ - . وقال في «الفتح»: وقد اختُلِف في وقت المعراج، فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذّ إلا إن حُمِل على أنه وقع حينئذ في المنام، وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا، فقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد وغيره، وبه جزم النوويّ، وبالغ ابن حزم، فنَقَل الإجماع فيه، وهو مردود، فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا، يزيد على عشرة أقوال، منها ما حكاه ابن الجوزيّ أنه كان قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وحكى هذا الثاني أبو الربيع بن سالم، وحَكَى ابن حزم مقتضى الذي قبله؛ لأنه قال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة، وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربيّ، حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورَجَّحه ابن المنير في «شرح السيرة» لابن عبد البر، وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر، وقيل: قبلها بسنة وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس، وقيل: بسنة وخمسة أشهر، قاله السديّ، وأخرجه من طريقه الطبريّ، والبيهقيّ، فعلى هذا كان في شوال، أو في رمضان، على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقديّ، وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة، وحكاه ابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا، وعند ابن سعد عن ابن أبي سَبْرة أنه كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وقيل: كان في رجب، حكاه ابن عبد البر، وجزم به النوويّ في «الروضة»، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير، وحَكَى عياضٌ وتبعه القرطبيّ والنوويّ عن الزهريّ: أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورَجّحه عياض ومن تبعه، واحتَجَّ بأنه لا خلاف أن خديجة صَلّت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث؛ أو نحوها، وإما بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء. قال الحافظ: في جميع ما نفاه من الخلاف نظرٌ؛ أما أوّلًا: فإن العسكريّ حَكَى: أنها ماتت قبل الهجرة بسبع سنين، وقيل: بأربع، وعن ابن الأعرابيّ: أنها ماتت عام الهجرة. وأما ثانيًا: فإن فرض الصلاة اختُلِف فيه، فقيل: كان من أول البعثة، وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشيّ، وإنما الذي فرض ليلة الإسراء الصلوات الخمس. وأما ثالثًا: فقد ثبت عن عائشة - ﵂ - أنها جَزَمت بأن خديجة - ﵂ - ماتت قبل أن تُفْرَض الصلاة. فالمعتمد أن مراد مَن قال: بعد أن فُرضت الصلاة ما فُرض قبل الصلوات الخمس، إن ثَبَت ذلك، ومراد عائشة بقولها: ماتت قبل أن تُفْرَض الصلاة - أي: الخمس - فيُجْمَع بين القولين بذلك، ويلزم منه أنها ماتت قبل الإسراء. وأما رابعًا: ففي سنة موت خديجة اختلاف آخر، فحَكَى العسكريّ عن الزهريّ: أنها ماتت لسبع مضين من البعثة، وظاهره أن ذلك قبل الهجرة بست سنين، فَرّعَه العسكريّ على قول مَن قال: إن المدة بين البعثة والهجرة كانت عشرًا. انتهى ما ذكره في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يميل إليه القلب هو القول بأنه كان قبل الهجرة بسنة، كما قال به الأكثرون، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. [تنبيه]: يوجد في هامش بعض النسخ ما نصّه: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ المَاسَرْجِسِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِهَذَا الحَدِيثِ. انتهى. أما «أبو أحمد» فهو: محمد بن عيسى بن محمد الزاهد النيسابوريّ الجُلُوديّ، راوي الكتاب عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن الإمام مسلم، تُوفّي سنة (٣٦٨ هـ)، وقد تقدّمت ترجمته في تراجم رواة «صحيح مسلم» أوائل شرح المقدّمة . وأما المَاسَرجِسِيّ فهو: الإمام المحدِّث العالم الثقة، أبو العباس، أحمد بن محمد بن الحسين بن عيسى، سِبْطُ الحسن بن عيسى بن مَاسَرْجِس النيسابوريّ. سَمِع جدّه، وإسحاق بن راهويه، وشيبان بن فَرّوخ، والربيع بن ثَعْلب، ووهب بن بقية، وعمرو بن زُرَارة، وطبقتهم. وحدّث عنه الحافظ أبو عليّ النيسابوريّ، وأبو إسحاق المزكِّي، وأبو سهل الصُّعْلوكيّ، وأبو أحمد الحاكم، وآخرون. مات في صفر سنة (٣١٣ هـ)، وهو في عشر المائة، وكان من وجوه أهل بلده، وعلمائهم - ﵀ - . (فائدة): «المَاسَرْجِسِيّ» - بفتح السين المهملة، وإسكان الراء، وكسر الجيم -: نسبة إلى جدّه مَاسَرْجِس. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما أتى الجُلُوديّ - ﵀ - بهذا هنا؛ لأنه قد علا له هذا الحديث برجل، فإنه رواه أوّلًا، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم، عن شيبان بن فَرُّوخ، ثم رواه عن المَاسَرْجِسِيّ، عن شيبان. قال النوويّ - ﵀ -: وهذه الفائدة، وهي قوله: «قال الشيخ أبو أحمد … إلى آخره» تقع في بعض الأصول في الحاشية، وفي أكثرها في نفس الكتاب، وكلاهما له وجه، فمَن جعلها في الحاشية، فهو الظاهر المختار؛ لكونها ليست من كلام مسلم ولا من كتابه، فلا تُدخَل في نفسه، وإنما هي فائد، فشأنها أن تُكْتَب في الحاشية، ومَن أدخلها في الكتاب، فلكون الكتاب منقولًا عن عبد الغافر الفارسيّ، عن شيخه الجُلُوديّ، وهذه الزيادة من كلام الشيخ الجلوديّ، فنقلها عبد الغافر في نفس الكتاب؛ لكونها من جملة المأخوذ عن الجلوديّ، مع أنه ليس فيه لَبْسٌ، ولا إيهام أنها من أصل مسلم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤١٩] (…) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُتِيتُ، فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى زَمْزَمَ، فَشُرِحَ عَنْ صدْرِي، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقة، صاحب حديث، من صغار [١٠] (ت سنة بضع ٢٥٠) (م) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٢ - (بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ) العَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) وقيل قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١١. والباقيان تقدّما في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُتِيتُ) بالبناء للمفعول، أي: أتاني الملائكة، (فَانْطَلَقُوا بِي) أي: ذهبوا بي (إِلَى زَمْزَمَ) أي: إلى بئر زمزم، وهو البئر المعروفة في المسجد الحرام بمكة، وهي لا تنصرف؛ للعلميّة والتأنيث، ويقال: ماءٌ زَمْزَمٌ، وزَمْزَامٌ، وزُوَازِمُ، وزُوَزِمُ: إذا كان بين الملح والعَذْب، وقد ذكر بعض اللغويين لها أسماءً كثيرة، منها: مَكْتُومةُ، ومَضْنُونةُ، وشُبَاعَةُ، وسُقيا، والرِّواءُ، ورَكْضة جبريل، وهَزْمَةُ جِبريل، وشِفَاءُ سُقْم، وطَعامُ طُعْم، وحَفِيرةُ عبد المطّلب . وذكر صاحب «تاج العروس» أنه جمع لها من كتب الحديث وكتب اللغة أسماء تنيف على ستّين اسمًا . (فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِي) بالبناء للمفعول، أي: شُقّ، كما في الرواية التالية، (ثُمَّ غُسِلَ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ») بالبناء للمفعول أيضًا، قال النوويّ - ﵀ -: هو بإسكان اللام، وضمّ التاء هكذا ضبطناه، وكذا هو في جميع الأصول والنُّسَخ. انتهى. وقال القاضي عياض - ﵀ -: كذا رويناه عن جميعهم بضمّ الهمزة، وكسر الزاي، وضمّ التاء، وحَكَى لنا بعض شيوخنا عن القاضي أبي الوليد الوَقَّشِيّ - وكان أكثر اعتنائه بأمثال هذه الألفاظ المشكلة، والجسارة على تقويمها بزعمه وإصلاحها - أن اللفظة وَهَمٌ من الرواة وتصحيفٌ، وصوابها:«ثُمّ تُرِكتُ»، فعَرضتُ هذا على شيخنا أبي الحسين بن سِرَاج الحافظ اللغويّ، فقال لي: هذا تكلّف، و«أُنزلتُ»بمعنى تُرِكتُ في كلام العرب معروفٌ ، فاتّفقا في المعنى واختلفا في صحّة اللفظ. قال: ثم ظهر لي أنا بعد ذلك أن«أُنزلتُ»على بابها المستعمل الذي هو ضدّ«رُفِعتُ»، ألا تراه كيف قال في أول الحديث:«انطلقوا بي»؟ أي: رفعوه من مضجعه وحملوه إلى حيث فُعِل به هذا، ثم رُدّ إلى مكانه وأُنزل في مضجعه. قال: ولم أزل أَعُدّ هذا وما قبله أنا وغيري من غرائب المعاني، ودقائق أسرار كشف المشكل إلى أن أوقفني المطالعة عن الجلاء فيه، وإذا اللفظ طرفٌ من الحديث الطويل المتقدّم، وقف عليها الراوي معلِّقًا بقيّة الحديث بما تقدّم، ومُحيلًا عليه، فذكر الإمام أبو بكر الخُوَارَزميّ المعروف بالبَرْقانيّ في«الصحيح»فقال فيه:«ثمّ أُنزلت طستٌ مملوءةٌ حكمةً وإيمانًا، فحُشي بها صدري، ثم عُرِج بي … »، وذكر تمام الحديث. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ - . قال النوويّ: ومقتضى رواية البَرْقانيّ أن يُضْبَطَ«أُنْزِلَتْ»بفتح اللام وإسكان التاء، وكذلك ضبطناه في الجمع بين«الصحيحين»للحميديّ، وحَكَى الحميديّ هذه الزيادة المذكورة عن رواية البَرْقانيّ وزاد عليها، وقال: أخرجها البَرْقانيّ بإسناد مسلم، وأشار الحميديّ إلى أن رواية مسلم ناقصة، وأن تمامها ما زاده البَرْقانيّ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله عنه: نصّ الحميديّ - ﵀ - في«الجمع»: وأخرج مسلم أيضًا طرفًا منه من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -:«أُتيتُ، فانطلقوا بي إلى زمزم، فشُرح عن صدري، ثم غُسل بماء زمزم، ثم أُنزلت»، لم يزد مسلم على هذا فيما رأيناه من نُسَخ كتابه. وتمامه في كتاب أبي بكر البَرْقَانيّ بهذا الإسناد، قال:«ثم أنزلت طستًا من ذهب ممتلئةً إيمانًا وحكمةً، فحشا بها صدري، ثم عَرَج بي الملكُ إلى السماء الدنيا، فاستفتح الملك، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِث؟ قال: نعم، ففتح، فإذا آدم، فقال: مرحبًا بك من ولد ومرحبًا بك من رسول، ثم عَرَج بي إلى السماء الثانية، واستفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِثَ؟ قال: نعم، قال: ففتح، فإذا عيسى ويحيى، فقالا: مرحَبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، قال: ثم عَرَجَ بي الملك إلى السماء الثالثة، ثم اسَتفتح، قال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: من معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، ففتح، فإذا يوسف، قال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، قال: ثم عَرَجَ بي إلى السماء الرابعة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِثَ؟ قال: نعم، فإذا إدريس في الرابعة، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، قال: ثم عَرَج إلى السماء الخامسة، ثم استفتح، فقالَ: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قال: ففتح، فإذا هارون، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، ثم عَرَج بي الملك إلى السماء السادسة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعث؛ قال: نعم، ففتح، فإذا موسى، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ومرحبًا بك من رسول، ثم عَرَجَ إلى السماء السابعة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعث؟ قال: نعم، ففتح، فإذا إبراهيم، فقال: مرحبًا بك من ولد ومرحبًا بك من رسول، فانتهيتُ إلى بناء، فقلتُ للملك: ما هذا؟ قال: هذا بناء بناه الله - ﷿ - للملائكة، يدخل فيه كلَّ يوم سبعون ألف ملك، يقدّسون الله، ويسبّحونه، ولا يعودون فيه، قال: ثم انتهيتُ إلى السدرة، وأنا أعرف أنها سدرة، أعرف ورقها وثمرها، قال: فلمّا غشيها من أمر الله ما غَشِيها، تحرّكت حتى ما يستطيع أحدٌ نعتها، قال: وفُرِض عليّ خمسون صلاةً، فأتيتُ على موسى، قال: بكم أُمرتَ؟ قلت: أُمرتُ بخمسين صلاةً، قال: فإن أمتك لا تُطيق هذا، فارجع إلى ربّك، فاسأله التخفيف، فرجعتُ إلى ربي، فوضع عنّي عشرًا، قال: فما زلت بين ربي وموسى حتى جعلها خمس صلوات، فأَتيتُ على موسى، فقال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، قال: لا، بل أُسلِّم لربي، فنوديتُ: إني قد كمَّلتُ فريضتي وخفَّفتُ عن عبادي، بكلّ صلاة عشر صلوات». انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأَولى في توجيه رواية المصنّف هذه حملها على أنها مختصرة من المتن الطويل، وبه يزول الإشكال دون تكلّف وتعسّف، فهي كسائر الروايات التي يوردها المصنّف مختصرة، غاية الأمر أنه لم يُشِر إلى أنها مختصرة، وهذا لا يضرّ فيما قلنا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (مسألة): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -، أخرجه هنا بهذا الطريق، وأخرجه (أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤١٤)، و(أبو بكر البَرْقانيّ) كما سبق آنفًا من رواية الحميديّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٠] (…) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِت الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَاهُ جِبْرِيلُ - ﵇ -، وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَان، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِه، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِه، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ، يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي: ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ، وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْن، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ). رجال هذا الإسناد أربعةٌ: وقد تقدّموا كلهم قبل حديث، وهو (١٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَاهُ جِبْرِيلُ - ﵇ -) وقوله: (وَهُوَ يَلْعَبُ) بفتح أوله وثالثه، من باب تَعِبَ، والجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (مَعَ الْغِلْمَانِ) بكسر الغين المعجمة، وسكون اللام: جمع كثرة لغُلام بالضمّ، وهو الابن الصغير، وجمع القلّة: غِلْمة بكسر فسكون، ويُطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ مجازًا باسم ما يؤول إليه، قاله الفيّوميّ ، (فَأخَذَهُ، فَصَرَعَهُ) أي: ألقاه على الأرض، يقال: صرَعَه يَصْرَعه، كمَنَعه يمنعه: إذا طرحه على الأرض، أفاده المجد ، (فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ) أي: محلّ قلبه، (فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ) أي: من القلب (عَلَقَةً) بفتحتين أي: قِطعة دم، قال المجد - ﵀ -: «العَلَقُ» محرّكةً: الدم عامّةً، أو الشديد الحُمْرة، أو الغليظ، أو الجامد، والقِطْعةُ منه بهاء. انتهى . (فَقَالَ) الملك (هَذَا) إشارة إلى العلقة، وذكّره نظرًا للخبر (حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ) أي: نصيبه الذي يستطيع إيصال الوسوسة إليك منه، قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذه العَلَقةُ المنتزعة عنه، هي القابلة للوساوس والمحرّكة للشهوات، فأُزيل ذلك عنه، وبذلك أعين على شيطانه حتى سلم منه. انتهى . وقال القاضي عياض - ﵀ -: ويحتمل أن تكون هذه العَلَقَةُ التي استخرجها من قلبه هي أحد أجزاء القلب المختصّ بها حبّ الدنيا، والنزوع إلى الشهوات التي منها يأتي الشيطان، أو ما يختصَّ بها من عوارض السهو والغفلة، كلُّ ذلك بتدبير العزيز الحكيم، وهي الأبواب التي يأتي منها الشيطان، فطُرِحت عنه، فلا يجد الشيطان إليه سبيلًا، كما طُرح عن يحيى شهوة النساء. أو تكون تلك العَلَقَة إذا كانت في القلب هي القابلة لوسواس الشيطان، والمحرّكة للنفس بما رَكب الله فيها من القُوَى لما يُوافقه، فأُزيحت عنه - ﷺ - ليسلم من دواعيه الخبيثة، ونُقّي القلب وغُسل منها حتى لا يبقى لها أثرٌ في القلب جُملةً. انتهى كلام القاضي - ﵀ - . (ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) قال النوويّ - ﵀ -: «الطَّست» - بفتح الطاء، وإسكان السين المهملتين -: إناء معروف، وهي مؤنثة، وحَكَى القاضي عياض كسر الطاء لغةً، والمشهور الفتح، ويقال فيها: طَسّ - بتشديد السين، وحذف التاء - وطَسَّة أيضًا، وجمعها طِسَاس وطُسُوسٌ وطَسّات. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: «الطَّسْتُ» قال ابن قُتيبة: أصلها طَسٌّ، فأُبدلت من أحد المضعّفين تاء؛ لثِقَل اجتماع المثلين؛ لأنه يقال في الجمع: طِسَاسٌ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَام، وفي التصغير: طُسَيسة، وجُمِعت أيضًا على طُسُوس باعتبار الأصل، وعلى طُسُوت باعتبار اللفظ، قال ابن الأنباريّ: قال الفرّاء: كلام العرب طَسّةٌ، وقد يقال: طَسّ بغير هاء، وهي مؤنّثةٌ، وطيّئٌ تقول: طَسْتٌ، كما قالوا في لَصّ: لَصْتٌ، ونُقل عن بعضهم التذكير والتأنيثُ، فيقال: هو الطسّةُ والطّسْتُ، وهي الطّسّةُ والطَّسْتُ، وقال الزجّاج: التأنيث أكثر كلام العرب، وجمعها طَسّات على لفظها، وقال السِّجِسْتانيّ: هي أعجميّةٌ مُعرّبةٌ، ولهذا قال الأزهريّ: هي دَخِيلة في كلام العرب؛ لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربيّة. انتهى . (بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ) بفتح اللام، وبعدها همزة، على وزن ضَرَبه، وفيه لغة أُخرى لاءمه بالمد، على وزن آذنه، ومعناه: جمعه وألزقه، وضمّ بعضه إلى بعض حتى التأم . قال النوويّ: وليس في هذا ما يوهم جوازَ استعمال إناء الذهب لنا، فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، ولأنه كان أوّل الأمر قبل تحريم النبيّ - ﷺ - أوانيَ الذهب والفضة. انتهى . (ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ) أي: أعاد الملكُ القلبَ إلى مكانه الأول، والظاهر أن «ثمّ» للترتيب الذكريّ؛ لأن اللأم بعد وضعه في مكانه، والله تعالى أعلم، (وَجَاءَ الْغِلْمَانُ) أي: الذين كانوا يلعبون معه - ﷺ - (يَسْعَوْنَ) أي: يُهَرْولون ويُسرعون في مشيهم (إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي: ظِئْرَهُ -) هذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، أي: أراد بقوله: «إلى أمه» إلى مرضعته، و«الظِّئْرُ» بكسر الظاء المعجمة، بعدها همزة ساكنة: هي المرضعة، ويقال أيضًا لزوج المرضعة: ظِئْرٌ، قاله النوويّ - ﵀ -. وقال المجد - ﵀ -: «الظِّئْرُ» بالكسر: العاطفة على ولد غيرها المرضعةُ له في الناس وغيرهم، للذكر والأنثى، جمعه أَظْؤُرٌ، وأَظْآرٌ، وظُؤُورٌ، وظُؤُورةٌ، وظُؤَارٌ، وظُؤْرَةٌ. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: «الظّئْرُ» بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها: الناقة تَعْطِف على ولد غيرها، ومنه قيل للمرأة الأجنبيّة تَحْضنُ ولد غيرها: ظِئْرٌ، وللرجل الحاضن: ظِئْرٌ أيضًا، والجمع أَظْآرٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحمال، وربّما جُمعت المرأة على ظِئَارٍ بكسر الظاء وضمّها، وظَأَرْتُ أَظأَرُ بفتحتين: اتّخذتُ ظِئْرًا. انتهى . [تنبيه]: المراد بـ «ظِئْره» هنا هي حليمة السعديّة، مرضعة النبيّ - ﷺ -، وهي بنت أبي ذؤيب، واسمه عبد الله بن الحارث بن شِجْنة - بكسر المعجمة، وسكون الجيم، بعدها نون - ابن رِزَام - بكسر الراء، بعدها زاي - ابن ناضرة بن سعد بن بكر بن هوازن. قال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: أرضعت النبيّ - ﷺ -، ورأت له بُرهانًا، تركنا ذكره لشهرته، وروى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال: جاءت حليمة ابنة عبد الله، أم النبيّ - ﷺ - من الرضاعة إلى رسول الله - ﷺ -، فقام إليها وبسط لها رداءه، فجلست عليه، وروى عنها عبد الله بن جعفر، وحديثه عنها بقصّة إرضاعها أخرجه أبو يعلى وابن حبّان في «صحيحه»، وصرّح فيه بالتحديث بين عبد الله بن جعفر وحليمة، قاله في «الإصابة» . (فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا) - ﵀ - (قَدْ قُتِلَ) أي: لأنهم رأوا الملك يصرعه، ويشقّ عن قلبه (فَاسْتَقْبَلُوهُ) أي: استقبلت النبيّ - ﷺ - أمه ومن معها من أقاربها (وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ) - بالقاف المفتوحة - أي: مُتَغَيّر اللون، قال أهل اللغة: امْتُقِعَ لونه فهو مُمْتَقَعٌ، وانْتُقِعَ فهو مُنْتَقَعٌ، وابْتُقِعَ - بالباء - فهو مُبْتَقَعٌ، فيه ثلاث لغات، والقاف مفتوحة فيهنّ، قال الجوهريّ وغيره: والميم أفصحهنّ، ونَقَل الجوهريّ اللغات الثلاث عن الكسائيّ، قال: ومعناه: تَغَيُّرٌ مِن حُزْنٍ أو فَزَعٍ، وقال الهرويّ في «الغريبين» في تفسير هذا الحديث: يقال: انْتُقِعَ لونُهُ، وامْتُقِعَ، وَاهْتُقِعَ، والتُمِعَ، واسْتُنْقِعَ، والتُمِئَ، وانْتُسِفَ، وابْتُسِرَ، والتُهِمَ بمعنى واحد، كلها عن الفرّاء. وقال الأزهريّ: التُمِغَ - بالغين المعجمة أيضًا - وانْتُشِفَ - بالشين المعجمة أيضًا -. قال القاضي عياض: وأصل انْتُقِعَ - والله أعلم - من النَّقْعِ وهو التراب، أي: تغيّر وجهه وزال عنه نور الحياء حتى أشبه التراب وكأنما ذُرّ عليه. انتهى . (قَالَ أنَسٌ) - ﵁ - (وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ) هو بكسر الميم، وإسكان الخاء، وفتح الياء، وهي الإِبْرة. [تنبيه]: قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا الشقّ هو خلاف الشقّ المذكور في حديث أبي ذرّ ومالك بن صعصة - ﵄ -، بدليل اختلاف الزمانين والمكانين والحالين، أما الزمانان؛ فالأول في صِغَره والثاني في كِبَره، وأما المكانان؛ فالأول كان ببعض جهات مكة عند مرضعته والثاني عند البيت، وأما الحالان؛ فالأول نُزع من قلبه ما كان يضرّه وغُسِل، وهو إشارة إلى عصمته، والثاني غُسِل، ومُلئ حكمةً وإيمانًا، وهو إشارةٌ إلى التهيّؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يُشْهِدَه، ولا يُلْتَفت إلى قول من قال: إن ذلك كان مرّةً واحدةً في صغره، وأخذ يُغلّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين، فإن الغلط به أَلْيَق والوهم منه أقرب، فإن رُواة الحديثين أئمة مشاهير حُفّاظ، ولا إحالة في شيء مما ذكروه، ولا معارضة بينهما ولا تناقض، فصحّ ما قلناه، وبهذا قال جماعة من العلماء، منهم القاضي المهلَّب بن أبي صفرة في «شرح مختصر صحيح البخاري». انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٨٠/ ٤٢٠]، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢١ - ١٤٩ - ٢٨٨)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١٣٠٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٣٧٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٤٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤١٥)، وفي «دلائل النبوّة» (١٦٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٣٣٤ و٦٣٣٦)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (١/ ١٤٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٧٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عناية الله - ﷾ - بنبيّه - ﷺ - حيث أخرج منه حظّ الشيطان حتى لا يتسلّط عليه، قال القرطبيّ - ﵀ -: ما دلّ عليه الحديث من الشقّ، والإخراج فهو محمولٌ على ظاهره وحقيقته؛ إذ لا إحالة في متنه عقلًا، ولا يُستبعد من حيث إنّ شقّ الصدر وإخراج القلب موجب للموت، فإن ذلك أمر عاديّ، وكانت جلّ أحوال النبيّ - ﷺ - خارقةً للعادة، إما معجزةً، وإما كرامةً. انتهى . ٢ - (ومنها): ما قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: وفي هذه القصّة أدلّ حجة، وأوضح برهان، وأصحّ دليل على مذهب أهل الحقّ من أن الموت والحياة وسائر الأشياء من فعل الله تعالى وخلقه محضًا، ليس يُوجبها سبب، ولا تقتضيها طبيعة، ولا يُشترط لوجودها شرط لا توجد إلا معه البتّة، إلا من حيث أجرى الله العادة حتى إذا شاء خرقها وأنفذ قدرته كيف شاء، وكانت بمجرّد قدرته خلافًا للفلاسفة ومن ضارع مذهبها من المعتزلة، فإن شقّ الجوف، وإخراج الحشوة، وإخراج القلب، وشقّه، ومعاناته، وغسله، وإخراج شيء منه كلّ ذلك مُقتِل في العادة، وسبب يوجد معه الموت لا محالة، وقد اجتمعت هذه كلّها في هذه القصّة، ولم يمت صاحبها؛ إذ لم يُرد الله تعالى موته ولا قضاه، بل كانت هذه المهالك في حقّ غيره أسبابًا لحياة نفسه، وقوّة روحه، وكمال أمره. انتهى كلام القاضي - ﵀ - . ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: وفي هذا دليل على جواز نظر الرجل إلى صدر الرجل، ولا خلاف في جوازه، وكذا يجوز أن ينظر إلى ما فوق سرته وتحت ركبته، إلا أن ينظر بشهوة، فإنه يحرم النظر بشهوة إلى كل آدميّ إلا الزوج لزوجته ومملوكته، وكذا هما إليه، وإلا أن يكون المنظور إليه أمرد حسن الصورة، فإنه يحرم النظر إليه إلى وجهه وسائر بدنه، سواء كان بشهوة أو بغيرها، إلا أن يكون لحاجة البيع والشراء، والتطبيب، والتعليم، ونحوها. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ في الأمر من تحريم النظر إلى وجهه مطلقًا فيه نظرٌ لا يخفى، فإنه كان في أولاد الصحابة - ﵃ - من هو صبيح الوجه، فلم يُنقل تحريم النظر إليهم، ومن ذلك أن النبيّ - ﷺ - صرف وجه الفضل بن عباس - ﵄ - في حجة الوداع لنظر تلك المرأة إليه ونظره إليها، وكان صبيح الوجه، فلما سئل عن ذلك أجاب بأنه خشي افتتان المرأة به وافتتانه بها، فإنما منع أن تنظر إليه المرأة وينظر إليها، ولم يمنع أحدًا من الرجال أن ينظر إليه، وأمثال ذلك كثيرة. وهذا إذا لم يكن النظر بشهوة، وأما إذا كان بشهوة، فالمنع لا شك فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان - ﵀ - بعد إخراجه لهذا الحديث: شُقّ صدرُ النبيّ - ﷺ - وهو صبيّ يَلعب مع الصبيان وأُخرج منه العَلَقة، ولَمّا أراد الله جلّ وعلا الإسراء به، أمر جبريل بشقّ صدره ثانيًا وأخرج قلبه فغسله، ثم أعاده مكانه مرّتين في موضعين، وهما غير متضادّين. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢١] (…) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَني سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَني شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَة، أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاَثةُ نَفَرٍ، قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْه، وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِه، نَحْوَ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِي، وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقَةٌ ثبتٌ عابدٌ حافظٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد أو أبو أيوب، المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. ٤ - (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) القُرَشيّ، وقيل: الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥]. رَوَى عن أنس، وسعيد بن المسيِّب، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وكريب، وعكرمة، وعطاء بن يسار، وغيرهم. ورَوَى عنه سعيد المقبريّ وهو أكبر منه، والثوريّ، ومالك، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وإسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز الدراورديّ، وغيرهم. قال ابن معين والنسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال ابن عديّ: إذا رَوَى عنه ثقة فلا بأس برواياته، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقة، وقال النسائيّ أيضًا: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: ربما أخطأ، وقال ابن الجارود: ليس به بأس، وليس بالقويّ، وكان يحيى بن سعيد لا يحدِّث عنه، قال الساجيّ: كان يَرَى القدر. قال الواقديّ: تُوُفّي قبل خروج محمد بن عبد الله بن الحسن بعد سنة أربعين ومائة، وقال ابن عبد البر: مات سنة (١٤٤). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في «الشمائل»، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث، والصحابيّ سبق قريبًا. وقوله: (عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) ببناء الفعل للمفعول، والإسراء: سير الليل، يقال: سَرَيتُ مَسْرًى وسُرًى، وأسريتُ إسراءً بمعنًى واحد، وبالألف لغة أهل الحجاز، وقد جاء في القرآن، وقال حسّان: حَيِّ النَّضِيرَ رَبَّةَ الخِدْرِ … أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي وقيل: أسرى: سار من أول الليل، وسرى: سار من آخره، والقول الأول أعرف، ويقال: سَرَينا سَرْيَةً واحدةً، والاسم: السُّرْيةُ بالضمّ والسُّرَى، ويقال: أسراه وأسرى به، مثل أخذ الخطام وأخذ به . وقوله: (أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاَثةُ نَفَرٍ) هم ملائكة، ولم يُعرف تسميتهم، ويحتمل أن يكون منهم ما وقع في رواية ميمون بن سِيَاه، عن أنس عند الطبراني: «فأتاه جبريل وميكائيل، فقالا: أيهم؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة، فقالا: أُمِرنا بسيدهم، ثم ذهبا ثم جاءا، وهم ثلاثة، فألقوه فقلبوه لظهره» . وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ) أنكره الخطابيّ، وابنُ حزم، وعبد الحقّ، والقاضي عياض، والنوويّ، وعبارة النوويّ: وقع في رواية شريك - يعني هذه - أوهام، أنكرها العلماء، أحدها: قوله: «قبل أن يوحى إليه»، وهو غلطٌ ، لم يوافق عليه، وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي. انتهى، وصرح المذكورون بأن شريكًا تفرد بذلك. قال الحافظ: وفي دعوى التفرد نظرٌ، فقد وافقه كثير بن خُنيس - بمعجمة، ونون، مصغَّرًا - عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ في «كتاب المغازي» من طريقه. انتهى . وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِضَتِهِ) يعني: أن شريكًا ساق متن الحديث مطوّلًا، وفيه قصة الإسراء بطولها. وقوله: (وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ) إشارة إلى ما وقع لشريك من المخالفات، وقد تكلّم العلماء على هذه المخالفات، ونبّهوا عليها كما أشار إليه المصنّف هنا، وبيّنوا ما فيها من الغلط: قال عبد الحق في «الجمع بين الصحيحين»: زاد فيه - يعني: شريكًا - زيادة مجهولةً، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ، فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ. وسبق إلى ذلك أبو محمد بن حزم، فيما حكاه الحافظ أبو الفضل بن طاهر في جزء سمّاه «الانتصار لأيامى الأمصار»، فنَقَل فيه عن الحميديّ، عن ابن حزم، قال: لم نجد للبخاريّ ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه الوهم، مع إتقانهما وصحة معرفتهما فذكر هذا الحديث، وقال: فيه ألفاظ معجمة، والآفة من شريك. من ذلك قوله: «قبل أن يوحى إليه»، وأنه حينئذ فرض عليه الصلاة، قال: وهذا لا خلاف بين أحد من أهل العلم إنما كان قبل الهجرة بسنة، وبعد أن أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة. ثم قوله: «إن الجبار دنا فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى»، وعائشة - ﵂ - تقول: إن الذي دنى فتدلى جبريل. انتهى. وقال أبو الفضل بن طاهر: تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء لم يُسْبَق إليه، فإن شريكًا قَبِله أئمة الجرح والتعديل، ووثَّقُوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به، ورَوَى عبد الله بن أحمد الدَّوْرَقيّ، وعثمان الدارميّ، وعباس الدُّوريّ عن يحيى بن معين: لا بأس به، وقال ابن عديّ: مشهور من أهل المدينة، حَدَّث عنه مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا رَوَى عنه ثقة لا بأس به، إلا أن يَرْوِي عنه ضعيف، قال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقةٌ، وهو سليمان بن بلال، قال: وعلى تقدير تسليم تفرده «قبل أن يوحى إليه» لا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث، لا يُسقط جميع الحديث، ولا سيَّما إذا كان الوَهَم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو تُرِك حديث مَن وَهِم في تاريخ، لتُرك حديث جماعة من أئمة المسلمين، ولعله أراد أن يقول: «بعد أن أوحي إليه»، فقال: «قبل أن يوحى إليه». انتهى. وقد سبق ابنَ حزم أيضًا إلى الكلام في شريك أبو سليمان الخطابيّ، وقال فيه النسائيّ، وأبو محمد بن الجارود: ليس بالقويّ، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، نعم، قال محمد بن سعد، وأبو داود: ثقةٌ، فهو مختلف فيه، فإذا تفرّد عُدّ ما ينفرد به شاذًّا، وكذا منكرًا على رأي من يقول: المنكر والشاذّ شيء واحد. والأَوْلى التزام وُرود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها، إما بدفع تفرّده، وإما بتأويله على وفاق الجماعة. ومجموع ما خالفت فيه روايةُ شريك غيرَه من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك: [الأول]: أمكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات، وقد أفصح بأنه لم يَضْبِط منازلهم، وقد وافقه الزهريّ في بعض ما ذَكَر. [الثاني]: كون المعراج قبل البعثة، وقد سبق الجواب عن ذلك، وأجاب بعضهم عن قوله: «قبل أن يوحى» بأن القبلية هنا في أمر مخصوص وليست مطلقةً، واحتَمَلَ أن يكون المعنى قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج مثلًا، أي: أن ذلك وقع بغتةً قبل أن يُنذَر به، ويؤيده قوله في حديث الزهريّ: «فُرِجَ سقفُ بيتي». قِال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا الجواب - أعني: كون الوحي المنفيّ في شأن الإسراء لا وحي الرسالة - هو الأقرب، فتأمّله، والله تعالى أعلم. [الثالث]: كونه منامًا، وسيأتي الجواب عنه أيضا بما فيه غنية. [الرابع]: مخالفته في محل سحدرة المنتهى وأنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة كما سيأتي أيضًا. [الخامس]: مخالفته في النهرين، وهما النيل والفرات، وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور روايته أنهما في السماء السابعة وأنهما من تحت سدرة المنتهى. [السادس]: شقّ الصدر عند الإسراء، وقد وافقته رواية غيره، كما سيأتي في شرح رواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة. [السابع]: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة، كما سيأتي أيضًا. [الثامن]: نسبة الدنوّ والتدلّي إلى الله - ﷿ -، والمشهور في الحديث أنه جبريل - ﵇ -. [التاسع]: تصريحه بأن امتناعه - ﷺ - من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه كان بعد التاسعة. [العاشر]: قوله «فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه»، وقد تقدم ما فيه [الحادي عشر]: رجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى ﵊ أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس، فامتنع كما سيأتي. [الثاني عشر]: زيادة ذكر التَّوْر في الطَّست. قال الحافظ - ﵀ -: فهذه أكثر من عشرة مواضع في هذا الحديث، لم أرَها مجموعة في كلام أحد ممن تقدّم، وقد بيّنت في كل واحد إشكال من استشكله والجواب عنه إن أمكن، وبالله التوفيق. قال الحافظ: وهذا الأخير متعيّن، وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى. انتهى. «فتح» ١٣/ ٤٩٢ «كتاب التوحيد» رقم (٧٥١٧). وقد جزم ابن القيّم في «الهدي» بأن في رواية شريك عشرة أوهام، لكن عدَّ مخالفته لمحالّ الأنبياء أربعة منها، وأنا جعلتها واحدة، فعلى طريقته تزيد العِدّة ثلاثة، وبالله التوفيق. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو تحقيق نفيسٌ وبحث أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: رواية شريك التي أحالها المصنّف - ﵀ - على رواية ثابت قد ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - في «كتاب التوحيد» من «صحيحه» مطوّلةً، فقال: (٧٥١٧) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان، عن شريك بن عبد الله، أنه قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: ليلة أُسري برسول الله - ﷺ - من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نَفَرٍ قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يَرَهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يَرَى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشَقّ جبريل ما بين نَحْره إلى لَبَّته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أَتَى بطست من ذهب، فيه تَوْر من ذهب، محشوًّا إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولَغَاديده - يعني: عروق حلقه - ثم أطبقه، ثم عَرَج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: مَن هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بُعِث؟، قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء، لا يَعْلَم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يُعلمهم، فوَجَدَ في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم، فسَلِّم عليه فسَلَّم عليه ورَدّ عليه آدم، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطّردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مَضَى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزَبَرْجَد، فضرب يده، فإذا هو مسكٌ أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عَرَج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: مَن هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد - ﷺ -، قالوا: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا، ثم عَرَج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عَرَج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عَرَج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عَرَج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كلُّ سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم، فأوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: ربّ، لم أظُنّ أن يُرْفَع عليّ أحدٌ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا للجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاةً على أمتك كلَّ يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عَهِدَ إليك ربك؟ قال: عَهِد إليّ خمسين صلاةً كلَّ يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع، فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبيّ - ﷺ - إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يا ربِّ خَفّف عنّا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى، فاحتبسه، فلم يزل يُرَدّده موسى إلى ربه، حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضَعُفُوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع، فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبيّ - ﷺ - إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم، فخفف عنّا، فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يُبَدَّل القول لديّ كما فرضتُهُ عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فقال: خَفَف عنّا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها، قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك، فتركوه، ارجع إلى ربك، فليخفف عنك أيضًا، قال رسول الله - ﷺ -: يا موسى، قد والله استحييت من ربي، مما اختلفت إليه، قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام». قوله:«فقال أولهم: أيُّهم هو؟ »فيه إشعار بأنه كان نائمًا بين جماعة أقلّهم اثنان، وقد جاء أنه كان نائمًا معه حينئذ حمزة بن عبد المطلب عمه، وجعفر بن أبي طالب ابن عمه. وقوله:«فلم يرَهم»أي: بعد ذلك«حتى أتوه ليلة أخرى»، ولم يُعَيِّن المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أُوحي إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدةٌ، فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة، أو ليالي كثيرة، أو عدة سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطابيّ وابن حزم وغيرهما بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وبالله التوفيق. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل هذا الجواب أن قوله: «قبل أن يوحى إليه» ليس ظرفًا للإسراء، وإنما هي ليلة أخرى، ثم بعد أن أوحي إليه جاؤوه فوقع الإسراء، وهذا تأويل قويّ، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. قال الحافظ: وأما ما ذكره بعض الشرّاح أنه كان بين الليلتين اللتين أتاه فيهما الملائكة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: ثلاثة عشر، فيُحْمَل على إرادة السنين، لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال، وبذلك جزم ابن القيِّم في هذا الحديث نفسه. وأقوى ما يُسْتَدَلُّ به أن المعراج بعد البعثة قوله في هذا الحديث نفسِهِ: إن جبريل قال لبواب السماء إذ قال له: أبُعث؟ قال: نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة، فيتعين ما ذكرته من التأويل. وقوله: «فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام»، فإن حُمِل على ظاهره جاز أن يكون نام بعد أن هَبَط من السماء، فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام، وجاز أن يؤَوَّل قوله: «استيقظ» أي: أفاق مما كان فيه، فإنه كان إذا أُوحي إليه يَستغرق فيه، فإذا انتهى رَجَع إلى حالته الأولى، فكَنَى عنه بالاستيقاظ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه؛ هذا الاحتمال الأخير هو الأقرب، والله تعالى أعلم. وقوله: «ثم أطبقه، ثم عَرَج به إلى السماء الدنيا» إن كانت القصة متعددة فلا إشكال، وإن كانت متحدة، ففي هذا السياق حذف تقديره: «ثم أركبه البراق إلى بيت المقدس، ثم أَتَى بالمعراج»، كما في حديث مالك بن صعصعة: «فغُسِل به قلبي، ثم حُشِي، ثم أعيد، ثم أُتيت بدابة، فحُملت عليه، فانطلق بي جبريل، حتى أتى السماء الدنيا»، وفي سياقه أيضًا حذف تقديره: «حتى أتى بي بيت المقدس، ثم أَتى بالمعراج»، كما في رواية ثابت، عن أنس رفعه: «أُتيت بالبراق، فركبته حتى أتى بي بيت المقدس، فربطته، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين». وقوله: «فإذا هو في السماء الدنيابنهرين يَطّرِدان»؛ أي: يجريان، وظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: «فإذا في أصلها أربعة أنهار»، وُيجمَع بأن أصل نَبْعهما من تحت سدرة المنتهى، ومَقَرّهما في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض. وقوله: «قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك»، هذا ممَّا يُستَشكَل من رواية شريك، فإن الكوثر في الجنة، والجنة في السماء السابعة، وقد أخرج أحمد من حديث حميد الطويل، عن أنس رفعه: «دخلت الجنة، فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي في مجرى مائه، فإذا مسك أذفر، فقال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله تعالى»، وأصل هذا الحديث عند البخاريّ بنحوه من طريق قتادة، عن أنس، لكن ليس فيه ذكر الجنة، وأخرجه أبو داود، والطبري من طريق سليمان التيميّ، عن قتادة، ولفظه: «لَمّا عُرِج بنبيّ الله - ﷺ - عَرَض له في الجنة نهرٌ …» الحديث. ويمكن أن يكون بهذا الموضع شيء محذوف، تقديره: ثم مَضَى به في السماء الدنيا إلى السابعة، فإذا هو بنهر. وقوله: «كلُّ سماء فيها أنبياء، قد سماهم، فوَعَيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة». كذا في رواية شريك، وفي حديث الزهريّ، عن أنس، عن أبي ذرّ، قال أنس: فذكر أنه وَجَد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، ولم يُثْبِت كيف منازلهم، غير أنه وَجَد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. انتهى. وهذا موافق لرواية شريك في إبراهيم، وهما مخالفان لرواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة، قال الحافظ: وقد وافق الأكثرون قتادة، وسياقه يدُلّ على رُجحان روايته، فإنه ضَبَط اسم كلِّ نبيّ والسماء التي هو فيها، ووافقه ثابت عن أنس وجماعة، فهو المحتمد، لكن إن قلنا: إن القصة تعددت، فلا ترجيح ولا إشكال. قال الجامع عفا الله عنه: القول بتعدّد القصّة غير صحيح؛ لِمَا سيأتي، فالترجيح هو الصحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: «وموسى في السابعة بفضل كلامه لله»، قال الحافظ: وهذا التعليق يدُل على أن شريكًا ضَبَط كون موسى في السماء السابعة، وقد قدمنا أن حديث أبي ذر يوافقه، لكن المشهور في الروايات أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة، بأنه كان مُسْنِدًا ظهره إلى البيت المعمور، فمع التعدد لا إشكال، ومع الاتحاد فقد جُمِع بأن موسى كان في حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة، على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة؛ لأنه لم يُذكَر في القصة أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فَرَض الله على أمته من الصلاة كما كلمه موسى، والسماء السابعة هي أوّلُ شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها؛ لأنه هو الذي خاطبه في ذلك كما ثبت في جميع الروايات، ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة، فأصعد معه إلى السابعة تفضيلًا له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة، وقد أشار النووي إلى شيء من ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل يردّه قوله في رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند النسائيّ: «فرجعت إلى إبراهيم، فلم يسألني عن شيء، ثم أتيت على موسى، فقال: كم فرض الله عليك …»، فإنها ظاهرة بأنه مرّ أوّلًا على إبراهيم؛ لأنه في السماء السابعة، ثم مرّ على موسى في السادسة، فالأولى ترجيح الروايات المشهورة: أن إبراهيم في السابعة، وموسى في السادسة، فتبصّر بإمعان، والله تعالى أعلم. وقوله: «ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى»، كذا وقع في رواية شريك، وهو مما خالف فيه غيره، فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة، وعند بعضهم في السادسة. قال الحافظ: ولعل في السياق تقديمًا وتأخيرًا، وكان ذكر سدرة المنتهى قبل: «ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله». ووقع في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبريّ بعد ذكر إبراهيم في السابعة: «فإذا هو بنهر، فذكر أمر الكوثر، قال: ثم خرج إلى سدرة المنتهى» وهذا موافق للجمهور. ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلوّ البالغ لسدرة المنتهى صفة أعلاها، وما تقدم صفة أصلها. انتهى. وقوله: «ودنا الجبار ربُّ العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى»، في رواية ميمون المذكورة: «فدنا ربك - ﷿ -، فكان قاب قوسين أو أدنى». قال الخطابيّ: ليس في هذا الكتاب - يعني: صحيح البخاري - حديث أشنع ظاهرًا ولا أشثع مَذَاقًا من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما. هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلَّق من فوق إلى أسفل، قال: فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعًا عن غيره، ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قُصاراه إما ردّ الحديث من أصله وإما الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما، وأما من اعتبر أول الحديث بآخره، فإنه يزول عنه الإشكال، فإنه مصرَّح فيهما بأنه كان رؤيا؛ لقوله في أوله: «وهو نائم»، وفي آخره: «استيقظ»، وبعض الرؤيا مَثَلٌ يُضرَب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يُصرَف إليه في مثله، وبعض الرؤيا لا يَحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة. قال الحافظ؛ وهو كما قال، ولا التفات إلى مَن تعقّب كلامه بقوله في الحديث الصحيح: «إن رؤيا الأنبياء وحي»، فلا يَحتاج إلى تعبير؛ لأنه كلام مَن لم يُمْعِن النظر في هذا المحل، فقد ثبت أن بعض مرأى الأنبياء يقبل التعبير، ومن ذلك قول الصحابة - ﵃ - له - ﷺ - في رؤية القميص: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: «الدين»، وفي رؤية اللبن قال: «العلم» إلى غير ذلك. لكن جزْم الخطابي بأنه كان في المنام متعَقَّب بما تقدم تقريره قبلُ، ثم قال الخطابيّ مشيرًا إلى رفع الحديث من أصله بأن القصة بطولها: إنما هي حكاية يَحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يعزُها إلى النبيّ - ﷺ -، ولا نَقَلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي، إما من أنس وإما من شريك، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة. انتهى. وتعقّبه الحافظ وأحسن، فقال: وما نفاه من أنَّ أنسًا لم يُسند هذه القصة إلى النبيّ - ﷺ - لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن يكون مرسل صحابيّ، فإما أن يكون تلقّاها عن النبيّ - ﷺ - أو عن صحابيّ تلقاها عنه، ومثل ما اشتَمَلت عليه لا يقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لِمَا ذكره تأثير لم يُحمَل حديثُ أحدٍ، رَوَى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة، فالتعليل بذلك مردود. ثم قال الخطابيّ: إن الذي وَقَع في هذه الرواية من نسبة التدلي للجبار - ﷿ - مخالف لعامة السلف، والعلماء، وأهل التفسير، مَن تقدم منهم ومَن تأخر، قال: والذي قيل فيه ثلاثة أقوال: [أحدها]: أنه دَنَا جبريل من محمد - ﷺ -، فتدلى، أي: تقرّب منه، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: تدلى فدنا؛ لأن التدلي بسبب الدنو. [الثاني]: تدلى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع، حتى رآه متدليًا كما رآه مرتفعًا، وذلك من آيات الله، حيث أقدره على أن يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شيء، ولا تمسك بشيء. [الثالث]: دنا جبريل فتدلى محمد - ﷺ - ساجدًا لربه تعالى شكرًا على ما أعطاه، قال: وقد رُوي هذا الحديثُ عن أنس من غير طريق شريك، فلم تُذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يُقَوِّي الظن أنها صادرة من جهة شريك. انتهى. وقد أخرج الأموي في «مغازيه»، ومن طريقه البيهقي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] قال: دنا منه ربه، وهذا سَنَد حسنٌ، وهو شاهد قويٌّ لرواية شريك. ثم قال الخطابيّ: وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرّد بها شريك أيضًا لم يَذكُرها غيره، وهي قوله: «فعلا به - يعني: جبريل - إلى الجبار تعالى، فقال وهو مكانه: يا رب». قال: والمكان لا يضاف إلى الله تعالى، إنما هو مكان النبيّ - ﷺ - في مقامه الأوّل الذي قام فيه قبل هبوطه. انتهى. قال الحافظ: وهذا الأخير متعيِّنٌ، وليس في السياق تصريحٌ بإضافة المكان إلى الله تعالى. وأما ما جزم به من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلي، ففيه نظرٌ، فقد ذكرتُ من وافقه، وقد نَقَل القرطبيّ عن ابن عباس أنه قال: دنا الله - ﷾ -، قال: والمعنى دنا أمره وحكمه، وأصل التدلّي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه، قال: وقيل: تدلَّى الرفرف لمحمد - ﷺ - حتى جَلَس عليه، ثم دنا محمد من ربه. انتهى. قال: وقال القاضي عياض في «الشفاء»: إضافة الدنو والقرب إلى الله تعالى، أو من الله، ليس دنوّ مكان ولا قرب زمان، وإنما هو بالنسبة إلى النبيّ - ﷺ - إبانة لعظيم منزلته وشريف رتبته، وبالنسبة إلى الله - ﷿ - تأنيس لنبيّه وإكرام له، ويتأول فيه ما قالوه في حديث: «يَنزل ربنا إلى السماء»، وكذا في حديث: «مَن تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا»، وقال غيره: الدنوّ مجاز عن القرب المعنوي؛ لإظهار عظيم منزلته عند ربه تعالى، والتدلّي طلب زيادة القرب، وقاب قوسين بالنسبة إلى النبيّ - ﷺ - عبارة عن لطف المحلّ وإيضاح المعرفة، وبالنسبة إلى الله إجابة سؤاله ورفع درجته. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: زيادة الدنوّ في هذا الحديث مما أُنْكِر على شريك، قال الإمام البيهقيّ - ﵀ -: في حديث شريك زيادة تفرّد بها على مذهب من زعم أنه - ﷺ - رأى ربه، يعني: قوله: «ثم دنا الجبار ربُّ العزة فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى» قال: وقول عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل - ﵇ - أصحّ. قال الإمام ابن كثير - ﵀ - في «تفسيره» بعد نقل كلام البيهقيّ ما نصّه: وهذا الذي قاله البيهقيّ في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذرّ - ﵁ - قال: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: «نورٌ أنَى أراه؟»، وفي رواية: «رأيتُ نورًا»، أخرجه مسلم - ﵀ -. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨] إنما هو جبريل - ﵇ - كما ثبت ذلك في «الصحيحين» عن عائشة أم المؤمنين وابن مسعود - ﵄ -، وكذلك هو في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ -، ولا يُعرف لهم مخالفٌ من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا. انتهى كلام ابن كثير - ﵀ - . والحاصل أن زيادة الدنوّ لا تثبُت في حديث صحيح، فلا حاجة إلى توجيهها؛ لأنه فرع ثبوتها، فلو ثبتت لما توقّفنا في حملها على ظاهرها كسائر الصفات، من الاستواء، والنزول، والقرب، والمجيء، وغير ذلك مما ثبت في النصوص الصحيحة على ما يليق بجلال الله تعالى، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: «عند الخامسة» هذا التنصيص على الخامسة على أنها الأخيرة يخالف رواية ثابت عن أنس أنه وضع عنه في كل مرة خمسًا، وأن المراجعة كانت تسع مرات، ورجوع النبيّ - ﷺ - بعد تقرير الخمس لطلب التخفيف مما وقع من تفردات شريك في هذه القصة، والمحفوظ ما تقدم أنه - ﷺ - قال لموسى في الأخيرة: «استحييت من ربي».
مصادر المؤلف (٧٠)

١. وفي نسخة: «ثم عرج بنا».

٢. وفي نسخة: «فرحّب بي».

٣. وفي نسخة: «قيل: من أنت؟».

٤. وفي نسخة: «فقيل: من هذا؟».

٥. وفي نسخة: «فرحّب بي».

٦. وفي نسخة: «قال».

٧. وفي نسخة: «فأوحى إليّ ما أوحى».

٨. وفي نسخة:«فسله».

٩. وفي نسخة:«فتلك خمسون».

١٠. «شرح النوويّ» ٢/ ٢١٠.

١١. «شرح النوويّ» ٢/ ٢١٠ - ٢١١.

١٢. «الفتح» ٧/ ٢٤٦.

١٣. «الفتح» ٧/ ٢٤٦ «كتاب المناقب» رقم (٣٨٨٨).

١٤. «صحاح الجوهريّ» ٢/ ٥٥٠.

١٥. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧١.

١٦. «شرح النوويّ» ٢/ ٢١١.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٢١٥.

١٨. «شرح النوويّ» ٢/ ٢١١.

١٩. «لسان العرب» ١٠/ ٦١.

٢٠. «المصباح المنير» ١/ ١٤٧.

٢١. «المفهم» ١/ ٣٨٨.

٢٢. «إكمال المعلم» ٢/ ٦٦١ - ٦٦٣.

٢٣. «شرح النوويّ» ٢/ ٢١٢.

٢٤. «المفهم» ١/ ٣٨٩.

٢٥. «المرقاة» ١٠/ ١٦٧.

٢٦. «المرقاة» ١٠/ ١٦٧.

٢٧. «الفتح» ٧/ ٢٥١.

٢٨. راجع: «الفتح» ٦/ ٤٣٢ - ٤٣٣ «كتاب أحاديث الأنبياء» رقم الحديث (٣٣٤٣).

٢٩. سيأتي برقم (١٧٣).

٣٠. راجع: «الفتح» ٧/ ٢٥٤ «كتاب المناقب» رقم (٣٨٨٨).

٣١. المصدر السابق.

٣٢. المصدر السابق.

٣٣. «المصباح» ٢/ ٦١٢.

٣٤. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.

٣٥. راجع: «الفتح» ٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣ «كتاب المناقب» رقم الحديث (٣٨٨٨).

٣٦. راجع: «شرح المقدّمة» ١/ ٦٣.

٣٧. راجع: «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ٤٠٥.

٣٨. «شرح النوويّ» ٢/ ٢١٥.

٣٩. راجع:«لسان العرب»١٢/ ٢٧٥.

٤٠. راجع:«تاج العروس»٨/ ٣٢٨.

٤١. قال في«المصباح»٢/ ٦٠١: ونَزَلتُ عن الحقّ: تركته. انتهى.

٤٢. «إكمال المعلم» ٦٩٢ - ٦٩٤.

٤٣. هكذا نسخة «الجمع» للحميديّ ٢/ ٥٣٣، والذي عند القاضي عياض في «الإكمال» ٢/ ٦٩٣: «ثم أنزلت طستٌ مملوءة حكمةً وإيمانًا، فحُشي بها صدري، ثم عُرج بي …»، وذكر تمام الحديث، والظاهر أن ما في الإكمال هو الصواب، فليُحرّر.

٤٤. «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤.

٤٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٢.

٤٦. «القاموس المحيط» ص ٦٦٣.

٤٧. «القاموس المحيط» ص ٨١٩.

٤٨. «المفهم» ١/ ٣٨٢.

٤٩. «إكمال المعلم» ٢/ ٦٨٨ - ٦٨٩.

٥٠. «شرح النوويّ» ٢/ ٢١٦.

٥١. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٢.

٥٢. «إكمال المعلم» ٢/ ٦٨٦.

٥٣. «شرح النوويّ» ٢/ ٢١٦.

٥٤. «القاموس المحيط» ص ٣٩٠.

٥٥. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨٨.

٥٦. «الإصابة» ٨/ ٨٧.

٥٧. «إكمال المعلم» ٢/ ٦٨٧.

٥٨. «المفهم» ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣.

٥٩. «المفهم» ١/ ٣٨٢.

٦٠. «إكمال المعلم» ٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨.

٦١. «شرح النوويّ» ٢/ ٢١٧.

٦٢. «صحيح ابن حبان» بنسخة الترتيب ١٤/ ٢٤٣.

٦٣. «المفهم» ١/ ٣٨٤.

٦٤. راجع: «الفتح» ١٣/ ٤٨٨.

٦٥. سيأتي الجواب قريبًا بأن ليلة الإسراء ليست ليلة مجيء الملائكة قبل الوحي، وإنما هي ليلة أخرى، كما سيأتي ما يدلّ على ذلك من رواية شريك نفسه، فتنبّه.

٦٦. المصدر السابق.

٦٧. أراد بما تقدّم له فيه قوله نقلًا عن الخطابيّ: قال: والمكان لا يُضاف إلى الله تعالى، إنما هو مكان النبيّ - ﷺ - في مقامه الأول الذي قام فيه قبل هبوطه. انتهى.

٦٨. يعني قوله: «بفضل كلام الله».

٦٩. راجع: «الفتح» ١٣/ ٤٩٠ - ٤٩٤ «كتاب التوحيد» رقم الحديث (٧٥١٧).

٧٠. «تفسير ابن كثير» ٨/ ٣٧٦ - ٣٧٧.