HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٨

وحدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد (وتقاربا في اللفظ. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ عَبد: أَخْبَرَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «حِينَ أُسْرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى ﵇ (فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ) فَإِذَا رَجُلٌ (حَسِبْتُهُ قَالَ) مُضْطَرِبٌ. رَجِلُ الرَّأْسِ. كَأَنَّهُ مِنَ رِجَالِ شَنُوءَةَ. قَالَ، وَلَقِيتُ عِيسَى (فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ) فَإِذَا رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ» (يَعْنِي حَمَّامًا) قَالَ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ. قَالَ، فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ. فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ. فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ. فَقَالَ: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ. أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ. أَمَّا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أمتك».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص106
ج ١ ص ١٥٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٥٨٣
وأما فوائده، فقد تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣١] (١٦٨) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﵇: «حِينَ أُسْرِيَ بِي، لَقِيتُ مُوسَى ﵇، فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ -: مُضْطَرِبٌ، رَجِلُ الرَّأْس، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى، فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَإِذَا رَبْعَة أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ - يَعْنِي: حَمَّامًا - قَالَ: وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِه، قَالَ: فَأُتِيتُ بإِنَاءَيْنِ: فِي أَحَدِهِمَا لَبَن وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أيَّهُمَا شِئْتَ. فَاَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُهُ، فَقَالَ: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ، أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت هـ ٢٤) (خ م د ت س) تقدم في«المقدمة»٤/ ١٨. ٢ - (وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ المذكور قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ المذكور قبل باب. ٤ - (مَعْمَر) بن راشد البصريّ، ثم اليمنيّ المذكور قبل باب أيضًا. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب الإمام المشهور المذكور قبل باب أيضًا. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبث فقية، إمام [٣] (٩٤) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٧١. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ المشهور - ﵁ -، مات سنة (٥٩) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، كما سبق. ٣ - (ومنها): أن قوله:«وتقاربا في اللفظ»فيه إشارة إلى أنه إذا وقع اختلاف بين المشايخ في الألفاظ مع اتّحاد المعنى لا يضرّ عدم بيان الاختلاف بالتفصيل، بل تكفي الإشارة الإجماليّة، وإن كان الأولى الإفصاح، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في«ألفيّة الحديث» حيث قال: وَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَنَ أشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ مُقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ … يُبَيِّنِ اخْتِلَافَهُ فَلَمْ يُلَمْ أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ … وَاتَحَدَ المَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَعْ قَالَ أَوْ قَالَا فَذَاكَ أَحْسَنُ ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ عن سعيد. ٥ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي العِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سلَيْمَانُ خَارِجَهْ والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «حِينَ أُسْرِيَ بِي)»حين«منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ»لَقِيتُ«، و»أُسْرِي بي«بالبناء للمفعول، يقال: سَرَيتُ الليل، وسَرَيتُ به سَرْيًا، والاسم السِّرَايةُ: إذا قطعته بالسير، وأسريت بالألف لغة حجازيّة، ويُستعملان متعدّيين بالباء إلى مفعول، فيقال: سَرَيتُ بِزَيد وأسريتُ به . وفي نسخة:«حين أسري به». (لَقِيتُ مُوسَى ﵇) بكسر القاف، يقال: لَقِيته أَلقاه، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استقبل شيئًا، أو صادفه، فقد لَقِيهُ، ومنه لِقَاءُ البيت وهو استقباله . (فَنَعَتَهُ) من باب نَفَعَ (النَّبِيُّ - ﷺ -) أي: وصف موسى ﵇ (فَإِذَا) هي الفجائيّة (رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ -:) القائل:«حسبته»هو عبد الرزاق (مُضْطَرِبٌ) المضطرب: الشديد، وقيل: الخفيف اللحم، وفي رواية للبخاريّ من طريق هشام بن يوسف عن معمر بلفظ:«ضَرْبٌ»، وليس فيه قوله:«حسبته قال»، و«الضَّرْبُ»- بفتح الضاد المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، - فُسِّر بالنحيف، ولا منافاة بينهما. وقال ابن التين ﵀: هذا الوصف مغاير لقوله بعد هذا:«إنه جسيم»- يعني: في الرواية التي أوردها البخاريّ بعد هذه - وقال: والذي وقع نعته بأنه جسيم إنما هو الدجال، وقال القاضي عياض رَرَحِمَهُ اللهُ: رواية من قال:«ضَرْب»أصح من رواية من قال:«مُضْطَرِبٌ»؛ لما فيها من الشك، قال: وقد وقع في الرواية الأخرى:«جَسِيم»، وهو ضِدّ الضرب، إلا أن يراد بالجسيم الزيادة في الطول. وقال التيميّ ﵀: لعل بعض لفظ هذا الحديث دخل في بعض؛ لأن الجسيم إنما ورد في صفة الدجال، لا في صفة موسى. انتهى. وأُجيب بأنه لا مانع أن يكون مع كونه خفيف اللحم جسيمًا بالنسبة لطوله، فلو كان غير طويل لاجتمع لحمه، وكان جسيمًا . قال الحافظ ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال ما نصّه: والذي يتعين المصير إليه ما جَوَّزه عياض أن المراد بالجسيم في صفة موسى ﵇ الزيادة في الطول، ويؤيده قوله في الرواية التي بعد هذه - أي عند البخاريّ - : «كأنه من رجال الزُّطّ»، وهم طُوَالٌ غير غِلاظ. ووقع في حديث الإسراء: «رأيت موسى جَعْدًا طُوَالًا»، واستنكره الداوديّ، فقال: لا أراه محفوظًا؛ لأن الطويل لا يوصف بالجَعْد. وتُعُقِّبَ بأنهما لا يتنافيان، وقال النوويّ: الجُعودة في صفة موسى ﵇ جعودة الجسم، وهو اكتنازه، واجتماعه، لا جعودة الشعر؛ لأنه جاء أنه كان رَجِلَ الشَّعَر. انتهى. (رَجِلُ الرَّأسِ) بفتح الراء، وكسر الجيم، وتسكن تخفيفًا: يقال: رَجِلَ الشعرُ رَجَلًا، من باب تَعِبَ، فهو رَجِلٌ بالكسر، وتُسكَّن تخفيفًا؛ أي: ليس شديد الجُعُودة، ولا شديد السُّبُوطة، بل بينهما، أفاده الفيّوميّ ﵀ . وقال المجد ﵀: وشَعَرٌ رَجْلٌ، وكَجَبَلٍ وكَتِفٍ : بَينَ السُّبُوطة والجُعُودة، وقد رَجِلَ، كَفَرِحَ. انتهى. (كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) أي: في الطول، وهو اسم قبيلة، وقد تقدّم ضبطه وسبب تسميته في الحديث الماضي، فراجعه. (قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى) ﵇ (فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَإِذَا رَبْعَةٌ) - بفتح الراء، وسكون الموحدة، ويجوز فتحها - وهو المربوع، والمراد أنه ليس بطويل جدًّا، ولا بقصير جدًّا، بل هو وَسَطٌ. (أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ) وفي نسخة: «كأنه خرج» (مِنْ دِيمَاسٍ) - بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانية، وآخره سين مهملة - و«الدِّيمَاس» في اللغة: السَّرَبُ ، ويُطْلَق أيضًا على الكِنّ، والحَمَّام من جملة الكِنّ، والمراد من ذلك وصفه بصفاء اللون، ونَضَارة الجسم، وكثرة ماء الوجه، حتى كأنه كان في = قال النبيّ - ﷺ -: «رأيت عيسى، وموسى، وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جَعْدٌ، عَرِيض الصدر، وأما موسى، فادم، جسيم، سَبِط، كأنه من رجال الزط». و«الزُّطّ» بضم الزاي، وتشديد الطاء المهملة: جنس من السودان، وقيل: هم نوع من الهنود، وهم طوال الأجسام مع نَحَافة فيها، قاله في «الفتح» ٦/ ٥٥٩. موضع كِنٍّ، فخَرَج منه وهو عَرْقان، وفي رواية ابن عمر - ﵄ - بعد هذا: «يقطر رأسه ماءً»، وفي لفظ: «ينطُفُ رأسه ماءً»، وهو محتملٍ لأن يراد الحقيقة، وأنه عَرِقَ حتى قَطَر الماءُ من رأسه، ويحتمل أن يكون كناية عن مزيد نَضَارة وجهه، ويؤيده أن في رواية عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة - ﵁ -، عند أحمد، وأبي داود: «يقطر رأسه ماءً، وإن لم يُصِبْهُ بَلَلٌ»، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ ﵀: وأما «الدِّيماس»: - فبكسر الدال، وإسكان الياء، والسينُ في آخره مهملة - وفسره الراوي بالحَمّام، والمعروف عند أهل اللغة أن الديماس هو السَّرَبُ، وهو أيضًا الكِنّ. قال الهرويّ في هذا الحديث: قال بعضهم: الديماس هنا هو الكِنّ، أي: كأنه مُخَدَّرٌ، لم يَرَ شمسًا، قال: وقال بعضهم: المراد به السَّرَب، ومنه دَمَسْتُهُ: إذا دفنته. وقال الجوهريّ في «صحاحه»: في هذا الحديث قوله: «خَرَجَ من دِيماس»، يعني: في نَضَارته، وكثرة ماء وجهه، كأنه خَرَج من كِنٍّ؛ لأنه قال في وصفه: «كأن رأسه يقطر ماءً». وذَكَر صاحب «المطالع» الأقوال الثلاثة فيه، فقال: «الدِّيماس» قيل: هو السَّرَبُ، وقيل: الحَمَّام، هذا ما يتعلق بالديماس. وأما «الحَمَّام»: فمعروف، وهو مُذَكَّر باتفاق أهل اللغة، وقد نَقَل الأزهريّ في «تهذيب اللغة» تذكيره عن العرب، والله تعالى أعلم. وأما وصف عيسى - صلوات الله عليه وسلامه - في هذه الرواية، وهي رواية أبي هريرة - ﵁ - بأنه أحمر، ووصفه في رواية ابن عمر - ﵄ - بعدها بأنه آدَمُ، والآدم الأسمر، وقد رَوَى البخاريّ عن ابن عمر - ﵄ - أنه أنكر رواية أحمر، وحَلَفَ أن النبيّ - ﷺ - لم يقله - يعني: وأنه اشتبه على الراوي - فيجوز أن يُتَأَوَّلَ الأحمر على الآدم، ولا يكون المراد حقيقة الأُدْمَةِ والحمرة، بل ما قاربها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار النوويّ ﵀ بإنكار ابن عمر - ﵄ - الأحمر إلى ما أخرجه البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، وسيأتي ذكره قريبًا - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (يَعْنِي حَمَّامًا) قال في «الفتح»: هو تفسير عبد الرزاق، ولم يقع ذلك في رواية هشام بن يوسف. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - (وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه، وَأنا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِه، قَالَ) - ﷺ - (فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: «أن رسول الله - ﷺ - أُتي ليلة أُسري به بإيلياء بقدحين …» (فِي أَحَدِهِمَا لَبَن، وَفي الْآخَرِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ؟ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُهُ، فَقَالَ) وفي نسخة: «قال» (هُدِيتَ الْفِطْرَةَ) ببناء الفعل للمفعول، و«الفطرة» مفعول ثان؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، وباللام و«إلى»، يقال: هداه الله الطريقَ، وللطريق، وإلى الطريق، أفاده المجد ؛ أي: أرشدك الله تعالى إلى الإسلام، ودلّك عليه (أَوْ) للشك من الراوي، أي: أو قال: (أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ) تقدّم الخلاف في معناها، وأن الأرجح هو الإسلام، والاستقامة على الدين الحقّ (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أداة تنبيه واستفتاح، كـ «ألا» (إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لأنها في محل الاستئناف والابتداء، قال في «الخلاصة»: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيْثُ «إِنَّ» لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ) بفتح الغين المعجمة وفتح الواو، يقال: غَوَى غَيًّا، من باب ضرب: انهمك في الجهل، وهو خلاف الرُّشْد، والاسم الغَوَايَةُ بالفتح . وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب المذكورة: «ثم أخذ اللبن، فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، ولو أخذت الخمر غَوَت أمتك». قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: يحتمل أن يكون - ﷺ - من الخمر؛ لأنه تفرّس أنها ستحرُمُ؛ لأنها كانت حينئذ مباحة، ولا مانع من افتراق مباحين مشتركين في أصل الإباحة في أن أحدهما سيحرُم، والآخر تستمرّ إباحته. ويحتمل أن يكون نَفَرَ منها؛ لكونه لم يَعْتَدْ شربها، فوافق بطبعه ما سيقع من تحريمها بعدُ؛ حفظًا من الله تعالى له ورِعايةً، واختار اللبن؛ لكونه مألوفًا له، سهلًا طيّبًا طاهرًا، سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، بخلاف الخمر في جميع ذلك. وفي الحديث مشروعيّة الحمد عند حصول ما يُحمَد، ودفع ما يُحذر، فقد قال جبريل ﵇ لما هدى الله تعالى حبيبه - ﷺ - إلى الفطرة: «الحمد لله الذي هداك للفطرة». وقوله: «غَوَت أمتك» يحتمل أن يكون أخذه من طريق الفال، أو تقدّم عنده علم بترتّب كلٍّ من الأمرين، وهو أظهر، أفاده في «الفتح» . وقد سبق البحث في هذا كله مستوفًى في شرح حديث الإسراء، فارجع إليه تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٨٠/ ٤٣١] (١٦٨)، و(البخاريّ) في «أحاديث الأنبياء» (٣٣٩٤ و٣٤٣٧)، و«التفسير» (٤٧٠٩ و٥٥٧٦)، و«الأشربة» (٥٦٠٣)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٣٠)، و(النسائيّ) في «الأشربة» (٨/ ٣١٢)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٥/ ٣٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٨٢)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٥/ ١٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٤٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤٢٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥١)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٧٢٨)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (٢/ ٣٨٧). وأما فوائد الحديث، فقد سبق غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «المصباح المنير»١/ ٢٧٥.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٨.

٣. راجع: «الفتح» ٦/ ٥٥٩.

٤. هو: ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٣٤٣٨) حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر - ﵄ - قال: =

٥. «المصباح» ١/ ٢٢١.

٦. «القاموس المحيط» ص ٩٠٤.

٧. «السَّرَبُ»: بفتحتين: بيت في الأرض لا منفذ له، وهو الوَكْر، جمعه أَسْرابٌ، مثلُ سَبَب وأسباب، فإن كان له منفذٌ إلى موضع آخر، فهو النَّفَقُ. انتهى. «المصباح» ١/ ٢٧٢.

٨. ٦/ ٥٥٨ «كتاب أحاديث الأنبياء».

٩. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٣٢.

١٠. راجع: «الفتح» ٦/ ٥٥٨.

١١. راجع: «القاموس» ص ١٢١٠.

١٢. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٧.

١٣. ١٠/ ٣٦ «كتاب الأشربة» رقم (٥٥٧٥ - ٥٥٧٨).