HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٠

حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا ليث عن عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أن رسول الله ﷺ قَالَ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ. قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَا اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عن آياته وأنا أنظر إليه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص108
ج ١ ص ١٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٥٩٠
(٨١) - (بَاب فِي ذِكْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، وَالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٢] (١٦٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَرَانِي لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَة، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أنتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَال، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَم، قَدْ رَجَّلَهَا، فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْن، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْن، يَطُوفُ بِالْبَيْت، فَسَألتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ، جَعْدٍ، قَطَطٍ، أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأنهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ، إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في«المقدمة»٣/ ٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، إمام دار الهجرة، ثقةٌ ثبت حجة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِعٍ) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في«الإيمان»٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، وُلد بعد المبعث بيسير، واستُصغِر في أحد، وأجيز في الخندق، مات (٧٣) (ع) تقدم في«الإيمان»١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد وهو (١٧) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن فيه قوله:«قرأت على مالك … إلخ»فيه هذه الصيغة التزمها يحيى بن يحيى في روايته عن مالك، وذلك لأن مالكًا ﵀ يرى القراءة مثل السماع، وينكر على من ينكر ذلك، فقد أخرج الحاكم في«علوم الحديث»من طريق مطرّف، قال: صحبت مالكًا سبع عشرة سنة، فما رأيته قرأ«الموطّأ» على أحد، بل يقرأون عليه، قال: وسمعته يأبى أشدّ الإباء على من يقول: لا يجزيه إلا السماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا يجزيك هذا في الحديث، ويُجزيك في القرآن، والقرآن أعظم؟ . ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد مطلقًا على ما نقل عن الإمام البخاريّ ﵀. ٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها للأخذ عن مالك. ٦ - (ومنها): أن ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵃ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَرَانِي) بفتح الهمزة؛ أي: أرى نفسي، وذكره بلفظ المضارع مبالغةً في استحضار صورة الحال . (لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ) البيتُ الحرام زاده الله تعالى تشريفًا، سُمِّي كعبةً لارتفاعه وتَرَبّعه، وكلُّ بيت مُرَبَّع عند العرب فهو كعبة، وقيل: سُمِّي كعبة لاستدارته وعُلُوّه، ومنه كُعْبُ الرجل، ومنه كَعَبَ ثَدْيُ المرأة من باب نَصَرَ : إذا علا واستدار . وفي الرواية التالية:«أراني الليلة في المنام عند الكعبة»، فصرّح بأنه كان منامًا. (فَرَأيتُ رَجُلًا آدَمَ) أي: أسمر (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ) بضمّ الهمزة وسكون الدال، جمع آدم، كما قال في«الخلاصة»: فُعْلٌ لِنَحْوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا … وَفِعْلَةٌ جَمْعًا بِنَقْلٍ يُدْرَى والإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف، أي: الرجالِ الأُدْمِ. (لَهُ لِمَّةٌ) بكسر اللام، وتشديد الميم، وجمعها لِمَمٌ كقِرْبَةٍ وقِرَبٍ، قال الجوهريّ: ويُجمع على لِمَام، يعني: بكسر اللام، وهو الشَّعْرُ المُتَدَلِّي الذي جاوز شَحْمَةَ الأذنين، فإذا بَلَغ المنكبين فهو جُمَّةٌ، أي: بضم الجيم، وتشديد الميم، ذكره النوويّ . وفي الرواية التالية: «تضرب لمّته بين منكبيه»، وقال في «الفتح»: قوله: «لِمّته» بكسر اللام؛ أي: شعر رأسه، ويقال له: إذا جاوز شحمة الأذنين وألمّ بالمنكبين: لِمّة، وإذا جاوزت المنكبين فهي: جُمّة، وإذا قصرت عنهما فهي: وَفْرَة. انتهى . (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَم، قَدْ رَجَّلَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، ومعنى «رَجَّلها» بتشديد الجيم: سَرّحها بِمُشْط مع ماء أو غيره. (فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً) قال القاضي عياض ﵀: يحتمل أن يكون على ظاهره، أي: يقطر بالماء الذي رَجّلها به لقرب ترجيله، والى هذا نحا القاضي الباجيّ، قال القاضي عياض: ومعناه عندي أن يكون ذلك عبارةً عن نَضَارته وحسنه، واستعارةً لجماله . (مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمهما . (أَوْ) للشكّ من الراوي (عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ) جمع عاتقٍ، قال أهل اللغة: هو ما بين المنكب والعُنُق، وفيه لغتان: التذكير والتأنيث، والتذكير أفصح وأشهر، قال صاحب «المحكم»: ويُجْمَع العاتق على عواتق كما ذكرنا، وعلى عُتُقٍ وعُتْقٍ بضمّ التاء وسكونها. (يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) قال القاضي عياض ﵀: إن كانت هذه رؤيا عين، فعيسى ﵇ حَيٌّ لم يمت، يعني: فلا امتناع في طوافه حقيقةً، وإن كان منامًا كما نَبَّهَ عليه ابنُ عمر - ﵄ - في روايته، فهو مُحْتَمِلٌ لِمَا تقدم ولتأويل الرؤيا، قال القاضي: وعلى هذا يُحْمَل ما ذُكِر من طواف الدجال بالبيت، وأن ذلك رؤيا؛ إذ قد ورد في «الصحيح» أنه لا يَدْخُل مكة ولا المدينة، مع أنه لم يُذْكَر في رواية مالك طواف الدجال، وقد يقال: إن تحريم دخول المدينة عليه إنما هو في زمن فتنته . وقال في «الفتح»: وغَلِط من استدلّ بهذا الحديث على أن الدجّال يدخل مكة أو المدينة؛ إذ لا يلزم من كون النبيّ - ﷺ - رآه في المنام بمكة أنه دخلها حقيقةً، ولو سُلّم أنه رآه في زمانه - ﷺ - بمكة، فلا يلزم أن يدخلها بعد ذلك إذا خرج في آخر الزمان. قال: وقد استُدِلّ على أن ابن صيّاد ليس هو الدجّال بكونه سكن المدينة، ومع ذلك، فكان عمر وجابر - ﵄ - يحلفان على أنه الدجّال، كما سيأتي. انتهى . (فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ﵇، واختَلَف العلماءُ في سبب تسمية عيسى ﵇ مَسِيحًا، قال الواحديّ: ذهب أبو عبيد والليث إلى أن أصله بالعبرانية مَشِيحا، فعربته العرب وغَيَّرت لفظه، كما قالوا: موسى، وأصله موشى أو ميشا بالعبرانية، فلما عَرّبوه غَيّروه، فعلى هذا لا اشتقاق له، قال: وذهب أكثر العلماء إلى أنه مشتقّ، وكذا قال غيره: إنه مشتقّ على قول الجمهور، ثم اختَلَفَ هؤلاء، فحُكِي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: لأنه لم يَمْسَحْ ذا عَاهَةٍ إلا بَرِئَ، وقال إبراهيم وابن الأعرابيّ: المسيح الصّدّيق، وقيل: لكونه ممسوح أسفل القدمين لا أخمص له، وقيل: لمسح زكريا إياه، وقيل: لمسحه الأرض، أي: قطعها، وقيل: لأنه خَرَج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، وقيل: لأنه مُسِح بالبركة حين وُلد، وقيل: لأن الله تعالى مَسَحَهُ، أي: خلقه خَلْقًا حَسَنًا، وقيل غير ذلك والله أعلم. (ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ، جَعْدٍ) بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، قال الهروي: «الجَعْدُ» في صفات الرجال يكون مدحًا ويكون ذَمًّا، فإذا كان ذمًّا، فله معنيان: أحدهما: القصير المترَدِّد، والآخر: البخيل، يقال: رجل جَعْدُ اليدين، وجَعْدُ الأصابع، أي: بَخِيل، وإذا كان مدحًا، فله أيضًا معنيان: أحدهما أن يكون معناه شديد الخلق، والآخر يكون شَعْرُه جَعْدًا غير سَبِطٍ، فيكون مدحًا؛ لأن السُّبُوطة أكثرها في شعور العجم، قال القاضي: وقال غير الهَرَويّ: الجعد في صفة الدجال ذَمٌّ، وفي صفة عيسى ﵇ مَدْحٌ. انتهى. (قَطَطٍ) بفتح القاف والطاء، هذا هو المشهور، قال القاضي عياض ﵀: رويناه بفتح الطاء الأولى وبكسرها، قال: وهو شديد الجُعُودة. (أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) رُوي بالهمز، وبغير الهمز، فمن همز معناه: ذَهَبَ ضوؤها، ومن لم يهمز معناه: ناتئة بارزة، ثم إنه جاء هنا «أعور العين اليمنى»، وجاء في رواية أخرى «أعور العين اليسرى»، وقد ذكرهما جميعًا مسلم في آخر الكتاب، وكلاهما صحيح. قال القاضي عياض ﵀: رويناه عن الأكثر بغير همز، وهو الذي صححه الجمهور، وجزم به الأخفش، ومعناه أنها ناتئة نتوء حبة العِنَب من بين أخواتها، قال: وضبطه بعض الشيوخ بالهمز، وأنكره بعضهم، ولا وجه لإنكاره، فقد جاء في آخر أنه ممسوح العين مطموسة، وليست جَحْراء ولا ناتئة، وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها، وهو يصحح رواية الهمز. قال الحافظ: والحديث المذكور عند أبي داود يوافقه حديثُ عبادة بن الصامت، ولفظه: «رجلٌ قصيرٌ أفحج» بفاء ساكنة، ثم مهملة مفتوحة، ثم جيم من الفَحَج ، وهو تباعد ما بين الساقين أو الفخذين، وقيل: تداني صدور القدمين، مع تباعد العقبين، وقيل: هو الذي في رجله اعوجاج، وفي الحديث المذكور: «جَعْدٌ أعور مطموس العين، ليست بناتئة» - بنون ومثناة -، ولا جَحْراء - بفتح الجيم، وسكون المهملة، ممدودًا - أي: عميقة، وبتقديم الحاء، أي: ليست مُتَصَلِّبةً. وفي حديث عبد الله بن مُغَفَّل - ﵁ - «ممسوح العين»، وفي حديث سمرة - ﵁ - مثله، وكلاهما عند الطبرانيّ، ولكن في حديثهما: «أعور العين اليسرى»، ومثله لمسلم من حديث حُذيفة، وهذا بخلاف قوله في حديث الباب: «أعور العين اليمنى»، وقد اتّفقا عليه من حديث ابن عمر - ﵄ -، فيكون أرجح، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، لكن جمع بينهما القاضي عياض، فقال: تُصَحَّح الروايتان معًا، بأن تكون المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز، أي: التي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى، كما في حديث ابن عمر، وتكون الجاحظة التي كأنها كوكب، وكأنها نُخَاعة هي الطافية بلا همز، وهي العين اليسرى، كما جاء في الرواية الأخرى، وعلى هذا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا، فكل واحدة منهما عوراء، أي: معيبة، فإن الأعور من كل شيء المعيب، وكلا عيني الدجال معيبة، فإحداهما معيبة بذهاب ضوئها، حتى ذهب إدراكها، والأخرى بنتوئها. انتهى. قال النوويّ: هو في نهاية الحسن. وقال القرطبيّ في «المفهم»: حاصل كلام القاضي أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء، إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والأخرى بأصل خلقها معيبة، لكن يُبْعِد هذا التأويلَ أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وُصِفَت به الأخرى من العور، فتأمّله. وأجاب صاحبه القرطبيّ في «التذكرة» بأن الذي تأوله القاضي صحيح، فإن المطموسة، وهي التي ليست ناتئة ولا جحراء، هي التي فَقَدت الإدراك، والأخرى وُصِفت بأن عليها ظُفْرة غليظة، وهي جِلْدة تُغَشِّي العينَ، وإذا لم تُقْطَع عَمِيت العين، وعلى هذا فالعور فيهما؛ لأن الظُّفْرة مع غلظها تمنع الإدراك أيضًا، فيكون الدجال أعمى أو قريبًا منه، إلا أنه جاء ذكر الظُفْرة في العين اليمنى في حديث سفينة، وجاء في العين الشمال في حديث سمرة، فالله أعلم. قال الحافظ: وهذا هو الذي أشار إليه شيخه بقوله: إن كل واحدة منهما جاء وصفها بمثل ما وُصِفت الأخرى، ثم قال في «التذكرة»: يَحْتَمِل أن تكون كل واحدة منهما عليها ظُفْرة، فإن في حديث حُذيفة أنه ممسوح العين، عليها ظُفْرة غليظة، قال: وإذا كانت الممسوحة عليها ظُفْرة، فالتي ليست كذلك أولى، قال: وقد فُسِّرت الظفرة بأنها لَحْمَة كالعَلَقة. ووقع في حديث أبي سعيد عند أحمد: «وعينه اليمنى عوراء جاحظةٌ، لا تخفى كأنها نُخاعة في حائط مُجَصَّص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دُرّيّ»، فوَصَف عيثيه معًا، ووقع عند أبي يعلى من هذا الوجه: «أعور ذو حَدَقة جاحظة لا تخفى، كأنها كوكب دُرّيّ»، ولعلها أبين؛ لأن المراد بوصفها بالكوكب شدّة اتّقادها، وهذا بخلاف وصفها بالطمس، ووقع في حديث أُبَيّ بن كعب عند أحمد والطبرانيّ: «إحدى عينيه كأنها زُجاجة خضراء»، وهو يوافق وصفها بالكوكب، ووقع في حديث سفينة عند أحمد والطبرانيّ: «أعور عينه اليسرى، بعينه اليمنى ظُفْرة غليظة». قال الحافظ ﵀: والذي يتحصل من مجموع الأخبار أن الصواب في «طافية» أنه بغير همز، فإنها قُيِّدت في رواية الباب بأنها اليمنى، وصَرَّح في حديث عبد الله بن مُغَفَّل وسَمُرة وأبي بكرة بأن عينه اليسرى ممسوحة، والطافية هي البارزة الممسوحة، والعجب ممن يُجَوِّز رواية الهمز في «طافية» وعدمه مع تضاد المعنى في حديث واحد، فلو كان ذلك في حديثين لسهل الأمر. وأما «الظُّفْرة»، فجائز أن تكون في كلا عينيه؛ لأنه لا يُضَادّ الطمس ولا النتوء، وتكون التي ذهب ضوؤها هي المطموسة، والمعيبةُ مع بقاء ضوئها هي البارزة، وتشبيهها بالنُّخَاعة في الحائط المجصص في غاية البلاغة، وأما تشبيهها بالزجاجة الخضراء، وبالكوكب الدريّ فلا ينافي ذلك، فإن كثيرًا ممن يَحْدُث له في عينه النتوء يبقى معه الإدراك، فيكون الدجال من هذا القبيل، والله تعالى أعلم. وقال البيضاوي ﵀: الظُّفْرة لَحْمة تَنْبُت عند المَاق، وقيل: جِلْدة تخرج في العين، من الجانب الذي يلي الأنف، ولا يُمنع أن تكون في العين السالمة، بحيث لا تواري الحدَقَة بأسرها، بل تكون على حدتها. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ) قال الحافظ: ولم أقف على اسم القائل معيّنًا (هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ») قيل: سُمّي بذلك؛ لأنه ممسوح العين، وقيل: لأنه أعور، والأعور يُسَمَّى مَسِيحًا، وقيل: لمسحه الأرض حين خروجه، وقيل غير ذلك. قال القاضي ﵀: ولا خلاف عند أحد من الرواة في اسم عيسى ﵇ أنه بفتح الميم، وكسر السين، مخففةً، واختُلِف في الدجال، فأكثرهم يقوله مثله، ولا فرق بينهما في اللفظ، ولكن عيسى ﵇ مَسِيحُ هُدًى، والدجال مَسِيحُ ضلالة، ورواه بعض الرواة مِسِّيح، بكسر الميم والسين المشدَّدة، وقاله غير واحد كذلك إلا أنه بالخاء المعجمة، وقاله بعضهم بكسر الميم، وتخفيف السين، والله أعلم. وأما تسميته بالدجَّال، فقال القاضي: قال ثعلب: لضربه في الأرض، وقطعه أكثر نواحيها، يقال منه: دَجَلَ، وهذا مثل أحد التأويلات في تسميته مَسِيحًا، وقيل: بل لتمويهه على الناس وتلبيسه، يقال: دجل: إذا مَوّه، وقيل: كلُّ كذّاب دجَّال، وهو من هذا المعنى أو قريب منه. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٨١/ ٤٣٢ و٤٣٣ و٤٣٤] (١٦٩)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٤٤٠ و٣٤٤١)، «اللباس» (٥٩٠٢)، و«التعبير» (٦٩٩٩ و٧٠٢٦ و٧١٢٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٨١١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٨٣ - ١٢٢ - ١٢٦ - ١٤٤ - ١٥٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٨٥ و٣٨٦ و٣٨٧ و٣٨٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤٢٨ و٤٢٩ و٤٣٠ و٤٣١)، و(ابن حبان) في «صحيحه» (٦٢٣١)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٧٣٠ و٧٣٣ و٧٣٤ و٧٣٥ و٧٣٦ و٧٣٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٢٦٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما منّ الله تعالى على النبيّ - ﷺ -، حيث أراه ما كان غيبًا، من صفات كلّ من عيسى - ﷺ - والدجال اللعين. ٢ - (ومنها): أن رؤيا الأنبياء وحيٌ، فهو كاليقظة، ولذلك أقدم إبراهيم ﵇ على ذبح ولده به، كما قال ﷿: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من شدّة الاهتمام بتعليم أمته ما ينفعها أو يضرّها، حتى تأخذ بأسباب كلّ منهما، وتستعدّ له قبل وقوعه. ٤ - (ومنها): تسمية كلّ من عيسى ﵇ والدجال بالمسيح، إلا أنه عيسى مسيح البركة، والدجال مسيح اللعنة. ٥ - (ومنها): ما قال ابن العربي ﵀: في اختلاف صفات الدجال بما ذُكِر من النقص بيان أنه لا يَدْفَع النقص عن نفسه كيف كان، وأنه محكوم عليه في نفسه. ٦ - (ومنها): ما قال القاضي عياض ﵀: قد يحتجّ بهذا الحديث من يُجيز الطواف على الدابّة، وللمحمول بغير عذر؛ لما ذُكر من طواف موسى ﵇ على مناكب رجلين، ومالك لا يُجيزه إلا لعذر، وجوابه عن طواف النبيّ - ﷺ - على الراحلة أن ذلك كان لعذر، ففي كتاب أبي داود أنه - ﷺ - ورد مكة وهو يشتكي … وساق الحديث، وقد يقال: لأنه كان يُعلّم الناس أمور حجّهم، فركب ليظهر لجميعهم، ولا يخفى عمله عليهم، كما أراهم صلاته على المنبر؛ لئلا يخفى على جميعهم، وقوله - ﷺ -: «لتأخذوا عني مناسككم»، أخرجه مسلم، وقال: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»، أخرجه البخاريّ. قال: ويُجاب عنه في قصّة عيسى ﵇ بأنها منام، كما روي، أو محتملة للمنام، أو أنه ليس في الواجب، أو لعلّه لعذر، أو لأن شرع من قبلنا غير لازم لنا. انتهى كلام القاضي ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: القول بصحّة الطواف راكبًا لعذر أو لغيره هو الحقّ؛ لفعل النبيّ - ﷺ - ذلك، مع قوله: «لتأخذوا عني مناسككم»، وهو مذهب الشافعيّ والمشهور من مذهب أحمد، وأما حديث أبي داود عن ابن عباس - ﵄ -: «قَدِم رسول الله - ﷺ - مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته …»، فضعيف؛ لأنه من رواية يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، فلا يصلح للاحتجاج به، وسيأتي تمام البحث في هذا في محلّه من«كتاب الحجّ» - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٣] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ - يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ - عَنْ مُوسَى - وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ - عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا، بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ»، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَة، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَال، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْه، رَجِلُ الشَّعْر، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْن، وَهُوَ بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْت، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْن، يَطُوفُ بِالْبَيْت، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) هو: محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المُسَيَّب بن أبي السائب بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزوميّ المُسَيَّبيّ، أبو عبد الله المدنيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، وابن عيينة، وأبي ضَمْرة أنس بن عياض، وعبد الله بن نافع الصائغ، ويزيد بن هارون، ومحمد بن فُليح بن سليمان، ومَعْن بن عيسى، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وعثمان بن خُرَّزاد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربي، وعبد الله بن أحمد، وابن أبي الدنيا، وغيرهم. قال صالح بن محمد: سمعت مُصْعَبًا الزبيريّ يقول: لا أعلم في قريش أفضل من المسيبيّ، قال صالح: وهو ثقةٌ، وقال ابن قانع وإبراهيم بن إسحاق الصَّوّاف: ثقةٌ، وقال عبد الله بن الصَّقْر السُّكَّريّ: ثنا محمد بن إسحاق المسيبيّ الشيخ الصالح. قال البخاريّ وغيره: مات سنة ست وثلاثين ومائتين، زاد البغويّ: في ربيع الأول. تفرّد به المصنف وأبو داود، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، هذا (١٦٩)، و(٥٥٩): «إذا وُضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة …»، و(٧٨٩): «إنما مَثَل صاحب القرآن كمثل الإبل …»، و(١٢٥٩): «ينزل بذي طوى …»، و(١٢٦٠): «استقبل فُرضتي الجبل …»، و(١٢٥٧): «أناخ بالبطحاء …»، و(٢٠٩١): «إني كنت ألبس هذا الخاتم …»، و(٢٧٤٣): «بينما ثلاثة نفر يتمشون …»، و(٢٨٦٢): «يوم يقوم الناس لرب العالمين …». ٢ - (أنسُ بْنُ عِيَاضٍ) بن ضَمْرَة، وقيل: جُعْدُبة، وقيل: عبد الرحمن الليثيّ، أبو ضَمْرة المدنيّ، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن شريك بن أبي نَمِر، وأبي حازم، وربيعة، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، وسهيل بن أبي صالح، وصالح بن كيسان، وصفوان بن سليم، وابن جريج، والأوزاعيّ، وجماعة. ورَوَى عنه ابن وهب، وبَقِيَّة بن الوليد، وماتا قبله، والشافعيّ، والقعنبيّ، ودُحَيم، وعلي ابن المديني، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وقتيبة، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح، وإبراهيم بن المنذر، والحميديّ، وابن نُمير، ومحمد بن إسحاق المُسيَّبيّ، وبونس بن عبد الأعلى، والزبير بن بَكّار، وخلقٌ، وآخرهم محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. قال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال إسحاق بن منصور، عنه: صُويلحٌ، وقال أبو زرعة والنسائيّ: لا بأس به، وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأينا أسمح بعلمه منه، وَحَكَى ابن شاهين في «الثقات» من طريق يوسف بن عديّ، ثنا إسماعيل بن رُشيد قال: كنا عند مالك في المسجد، فأقبل أبو ضَمْرة، فأقبل مالك يُثني عليه، ويقول: فيه الخيرُ، وإنه وإنه، وقد سَمِع وكَتَب، وقال الآجريّ، عن أبي داود، عن أحمد بن صالح قال: ذُكِر أبو ضمرة عند مالك، فقال: لم أرَ عند المحدثين غيره، ولكنه أحمق، يدفع كُتُبه إلى هؤلاء العراقيين، قال أبو داود: وحدثنا محمود، ثنا مروان، وذَكَر أبا ضمرة، فقال: كانت فيه غفلة الشاميين، ووَثَّقه، ولكنه كان يَعْرِض كُتبه على الناس، قال أبو داود: وسمعت الأشجّ يقول: سألت أبا ضمرة عن شيء، فقال: كلُّ شيء في هذا البيت عَرْض، يعني: أحاديثه، وقال ابن حبان في الثقات: مَن زَعَم أنه أخو يزيد بن عياض بن جُعْدبة، فقد وَهِمَ، نَعَم هما جميعًا من بني ليث من أهل المدينة. قال دُحَيم: سمعته يقول: وُلِدتُ سنة (١٠٤)، وقال البخاريّ، عن عبد الرحمن بن شيبة: مات سنة مائتين، وقال ابن منجويه: سنة (١٨٠)، وكذا قال ابن حبان في الثقات، وهو وَهَمٌ، والصحيح سنة مائتين؛ لأن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ممن سمع منه، ومولده بعد سنة ثمانين ومائة . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عَيّاش - بتحتانيّة، ومعجمة - الأسديّ، مولى آل الزبير، ويقال: مولى أم خالد بنت سعيد بن العاص، زوج الزبير، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ في المغازي [٥]. أدرك ابن عمر وغيره، ورَوَى عن أم خالد، ولها صحبة، وجدّه لأمه أبي حَبِيبة مولى الزبير، وحمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، وسالم أبي الغيث، والأعرج، ونافع بن جبير بن مُطعم، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، وكريب، وعكرمة، وغيرهم. ورَوى عنه ابن أخيه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وبكير بن الأشجّ وهو من أقرانه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر، ووهيب بن خالد، والسفيانان، وسليمان بن بلال، وابن جريج، والدَّراورديّ، وجماعة. قال ابن سعد: كان ثقةٌ ثبتًا كثير الحديث. وقال في موضع آخر: كان ثقة قليل الحديث. وقال إبراهيم بن المنذر عن مَعْن بن عيسى: كان مالك يقول: عليكم بمغازي موسى بن عقبة، فإنه ثقة. وفي رواية أخرى عنه: عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي. وفي رواية: فإنه رجل ثقةٌ، طلبها على كِبَر السن، ولم يُكَثِّر كما كَثَّر غيره. وفي رواية: من كان في كتاب موسى قد شَهِد بدرًا فقد شهدها، ومن لم يكن فيه فلم يشهدها. وقال إبراهيم بن المنذر أيضًا عن محمد بن طلحة بن الطويل قال: ولم يكن بالمدينة أعلم بالمغازي منه، قال: كان شُرَحبيل أبو سَعْد عالمًا بالمغازي، فاتهموه أنه يُدخِل فيهم من لم يَشهَد بدرًا، وفيمن قُتلْ يوم أحد من لم يكن منهم، وكان قد احتاج فسقط عند الناس، فسَمِع بذلك موسى بن عقبة، فقال: وإن الناس قد اجترأوا على هذا، فَدَبّ على كِبَر السنّ، وقَيَّد من شهد بدرًا وأُحُدًا، ومن هاجر إلى الحبشة والمدينة، وكَتَب ذلك. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: كان ابن معين يقول: كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وكذا قال الدُّوري وغير واحد عن ابن معين، وكذا قال العجلي والنسائي، وقال المفضل الغَلّابي عن ابن معين: ثقة، كانوا يقولون: في روايته عن نافع شيء. قال: وسمعت ابن معين يضعفه بعض شيء. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس موسى بن عقبة في نافع مثل مالك وعبيد الله بن عمر. وقال الواقدي: كان لإبراهيم، وموسى، ومحمد، بني عقبة حلقة في مسجد رسول الله - ﷺ - وكانوا كلهم فقهاء ومحدثين، وكان موسى يُفتي. وقال مصعب الزبيري: كان لهم هيئة وعلم. وقال الدوري عن ابن معين: أقدمهم محمد، ثم إبراهيم، ثم موسى، وكان موسى أكثرهم حديثًا. وقال أبو حاتم: ثقة صالح. وروى ابن أبي خيثمة عن موسى أنه قال: لم أُدرك أحدًا يقول: قال النبي - ﷺ - إلا أم خالد. قال: وقال مَخْلَد بن الحسين: سمعت موسى بن عقبة، وقيل له: رأيت أحدًا من الصحابة؟ قال: حججت وابنَ عمر بمكة، عام حج نَجْدَة الحَرُوريّ، ورأيت سهل بن سعد متخطيًا عليّ، فتوكأ على المنبر فسارّ الإمامَ بشيء. وقال إبراهيم بن طهمان: ثنا موسى بن عقبة، وكان من الثقات. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة إحدى، وقيل: سنة خمس. وقال عمرو بن عليّ عن يحيى القطان: مات قبل أن نَدْخُل المدينة بسنة، سنةَ إحدى وأربعين ومائة، وفيها أرّخه جماعة. وقال نوح بن حبيب: مات سنة اثنتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ) بفتح الظاء المعجمة، وسكون الهاء، وفتح النون، بلفظ التثنية؛ أي: جالسًا في وسط الناس، والمراد أنه جلس بينهم مستظهِرًا لا مستخفيًا، وزيدت فيه الألف والنون تأكيدًا، أو معناه أن ظهرًا منهم قدّامه وظهرًا خلفه، وأنهم أحفّوا به من جانبيه، فهذا أصله، ثم كثُر، حتى استُعمل في الإقامة بين قوم مطلقًا، ولهذا زعم بعضهم أن لفظة «ظهراني» في هذا الموضع زائدة . وقوله: (إِنَّ اللهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ … إلخ) معناه: أن الله تعالى مُنَزَّه عن سِمَات الحَدَث، وعن جميع النقائص، وأن الدجّال مخلوق من خلق الله تعالى، ناقص الصورة، فينبغي لكم أن تعلموا هذا، وتُعَلِّموه الناس؛ لئلا يَغْتَرَّ بالدجال مَن يَرَى تخييلاته وما معه من الفتنة . وقوله: (أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى) قال النوويّ ﵀: هو عند النحويين من الكوفيين على ظاهره، من الإضافة، وعند البصريين يُقَدَّر فيه محذوف كما يُقَدَّر في نظائره، فالتقدير: أعور عين صفحة وجهه اليمنى. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما منع البصريّون من هذه الإضافة؛ لأنه يلزم فيها إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن «اليُمنى» صفة لـ «عين»، والصفة والموصوف كشيء واحد، وفائدة الإضافة تعريف المضاف بالمضاف إليه أو تخصيصه، ولا يتعرّف الشيء ولا يتخصّص بنفسه، وأما ما ظاهره إضافة الموصوف إلى صفته، كـ «حِبّة الحَمقاء»، و«صلاة الأولى»، وكهذا المثال، فيؤول على حذف مضاف إليه موصوف بتلك الصفة، فيقال: حِبة البَقلة الحمقاء، وصلاة الساعة الأولى، وكذا عين الجهة اليمنى، كما مرّ آنفًا، وأجازه الكوفيون دون تقدير، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» حيث قال: وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ وقوله: (كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنبَةٌ طَافِيَةٌ) قال القرطبيّ ﵀: بغير همز، وعليه أكثر الروايات، وهكذا قال الأخفش، ومعناه: أنها ممتلئة، قد طَفَت وبَرَزَت، وقد رُوي بالهمز؛ أي: قد ذهب ضوؤها، وتقبّضت، ويؤيّد هذه الرواية قوله في أخرى: إنه ممسوح العين، وإنها ليست جحْراء ولا ناتئة، وإنها مطموسة، وهذه صفة حبة العِنَب إذا طفت وزال ماؤها، وبهذا فسّره عيسى بن دينار. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقوله: (رَجِلُ الشَّعْرِ) بفتح الراء وكسر الجيم؛ أي: قد سَرّح شعره ودهنه. وقوله: (يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً) قال القرطبيّ: يعني أنه قريب عهد بغسل، وكأنه اغتسل للطواف . وقال في «الفتح»: يحتمل أن يريد أنه يقطر من الماء الذي سرح به شعره، أو أن المراد الاستنارة، وكنى بذلك عن مزيد النظافة والنضارة . وقوله: (جَعْدًا) بفح الجيم، وسكون العين المهملة: ضدّ السّبِط، يقال: جَعِد الشعرُ - بضمّ العين وكسرها - جُعُودةً: إذا كان فيه التواءٌ وتقبُّضٌ، فهو جَعْدٌ، وذلك خلاف المسترسِل، قاله الفيّوميّ . وقوله: (قَطَطًا) بفتح القاف، والطاء المهملة، بعدها مثلها، هذا هو المشهور، وقد تكسر الطاء الأولى، والمراد به شدّة جعودة الشعر، ويُطلق في وصف الرجل، ويُراد به الذمّ، يقال: جَعْدُ اليدين، وجعد الأصابع؛ أي: بخيل، ويُطلق على القصير أيضًا، وتقدّم تمام البحث فيه. وقوله: (كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ) قال النوويّ ﵀: ضبطنا «رأيتَ» بضمّ التاء وفتحها، وهما ظاهران، وفي الرواية الآتية: «أقرب الناس به شبَهًا ابن قطن»، وفي رواية البخاريّ: «وأقرب الناس به شبَهًا ابن قطن»، قال الزهريّ: رجل من خزاعة، هلك في الجاهليّة. انتهى. و«ابن قَطَن» بفتح القاف، والطاء المهملة، قال في «الفتح»: اسمه: عبد العزّى بن قَطَن بن عمرو بن جُندب بن سعيد بن عائد بن مالك بن المصطَلِق، وأمه هالة بنت خُويلد، أفاده الدمياطيّ، قال: وقال ذلك أيضًا عن أكثم بن أبي الجون، وأنه قال: يا رسول الله، هل يضرّني شبهه؟ قال: «لا، أنت مسلم وهو كافر»، حكاه عن ابن سعد، والمعروف في الذي شبّه به - ﷺ - أكثم هو عمرو بن لُحيّ جدّ خُزاعة لا الدجّال، كذلك أخرجه أحمد وغيره . وقوله: (يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) فيه دلالة على أن قوله - ﷺ -: «إن الدجّال لا يدخل المدينة ولا مكّة» أي: في زمن خروجه، ولم يُرد بذلك نفي دخوله في الزمن الماضي. انتهى . وتمام شرح المسائل المتعلّقة به قد سبقت في الذي قبله، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٤] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «رَأَيْتُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ رَجُلًا آدَمَ، سَبِطَ الرَّأْس، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى رَجُلَيْن، يَسْكُبُ رَأْسُهُ، أَوْ يَقْطُرُ رَأسُهُ فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَوِ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، لَا نَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْمَرَ، جَعْدَ الرَّأْس، أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَنٍ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٥. ٣ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان، اسم أبيه الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن أميّة الجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجةٌ [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في«الإيمان»٥/ ١٢٣. ٤ - (سَالِم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القُرشيّ العَدويّ، أبو عمر، أو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان يُشبّه بأبيه في الهدي والسَّصْت، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في«الإيمان»١٤/ ١٦٢. وقوله: (سَبِطَ الرَّأْسِ) بفتح الباء، وكسرها، ويجوز إسكانها مع كسر السين وفتحها تخفيفًا: وهو الشعر المسترسل، ليس فيه تكسّر، وتقدّم الكلام فيه مستوفًى. وقوله: (يَسْكُبُ رَأْسُهُ) بضم الكاف، يقال: سَكَبَ الماءُ سَكْبًا، وسُكُوبًا: انصبّ، وسكبه غيرُه، يتعدّى ولا يتعدّى، قاله الفيّوميّ . وقوله: (أَوْ يَقْطُرُ رَأْسُهُ)«أو»فيه للشكّ من الراوي، و«يقطر» من باب نصر، بمعنى يسكب. وقوله: (وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا) استُشْكِل كونُ الدجال يطوف بالبيت، وكونه يتلو عيسى ابن مريم ﵇، وقد ثبت أنه إذا رآه يَذُوب. وأُجيب عن ذلك بأن الرؤيا المذكورة كانت في المنام، ورؤيا الأنبياء وإن كانت وحيًا لكن فيها ما يقبل التعبير. وقال عياض: لا إشكال في طواف عيسى بالبيت، وأما الدجال فلم يَقَع في رواية مالك أنه طاف، وهي أثبت ممن روى طوافه. وتُعُقِّب بأن الترجيح مع إمكان الجمع مردود؛ لأن سكوت مالك عن نافع، عن ذكر الطواف لا يَرُدّ رواية الزهريّ عن سالم، وسواء ثبت أنه طاف أم لم يطف، فرؤيته إياه بمكة مشكلة، مع ثبوت أنه لا يدخل مكة ولا المدينة، وقد انفصل عنه القاضي عياض بأن منعه من دخولها إنما هو عند خروجه في آخر الزمان. قال الحافظ ﵀: ويؤيّده ما دار بين أبي سعيد، وبين ابن صيّاد فيما أخرجه مسلم، وأن ابن صيّاد قال له: ألم يقل النبيّ - ﷺ -: «إنه لا يدخل مكة ولا المدينة»؟ وقد خرجت من المدينة أريد مكة، فتأوّله من جزم بأن ابن صيّاد هو الدجّال على أن المنع إنما هو حيث يخرج، وكذا الجواب عن مشيه وراء عيسى ﵇. انتهى .
مصادر المؤلف (٣٣)

١. وفي نسخة:«فإذا أنا».

٢. راجع:«الفتح»١/ ١٨٠«كتاب العلم»، و«فتح المغيث»للسخاويّ ٢/ ١٦٩ - ١٧٠.

٣. «الفتح»٦/ ٥٦٠.

٤. يقال: كَعَبت المرأةُ تكعُبُ من باب قتل كِعَابةً: نتأ ثديها، فهى كاعبٌ. اهـ. «المصباح» ٢/ ٥٣٥.

٥. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٣٣، و«القاموس المحيط» ص ١٢١.

٦. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٣٣.

٧. «الفتح» ٦/ ٥٦٠.

٨. «إكمال المعلم» ٢/ ٧٢٢.

٩. «الفتح» ٦/ ٥٧٦٠.

١٠. «إكمال المعلم» ٢/ ٧٢٦ - ٧٢٧.

١١. «الفتح» ١٠/ ٣٧٠ «كتاب اللباس» رقم (٥٩٠٣).

١٢. وفي نسخة: «فإذا أنا».

١٣. بفتحتين.

١٤. هو أبو العباس القرطبيّ، صاحب «المفهم».

١٥. هو أبو عبد الله القرطبيّ، صاحب «جامع الأحكام» في التفسير، وهو تلميذ للأول.

١٦. في «القاموس»: الظُفْرة - أي بالضمّ -: جُلَيدة تُغَشِّي العين، كالظَّفَرة محركة. اهـ.

١٧. «إكمال المعلم» ٢/ ٧٢٠.

١٨. «إكمال المعلم»٢/ ٧٢٨ - ٧٢٩.

١٩. وفي نسخة:«كأحسن يُرَى».

٢٠. بفتح الياء منسوب إلى جدّه.

٢١. وفي«الزهرة»: رَوَى عنه مسلم ثمانية أحاديث. انتهى.«تهذيب التهذيب»٣/ ٥٠٣.

٢٢. راجع: «تهذيب الكمال» ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٣، و«تهذيب التهذيب» ١/ ١٩٠.

٢٣. «الفتح» ٦/ ٥٦٠ «كتاب الأنبياء» رقم (٣٤٤٧).

٢٤. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٣٦.

٢٥. «المفهم» ١/ ٣٩٩.

٢٦. «المفهم» ١/ ٤٠٠.

٢٧. «الفتح» ٦/ ٥٦٠.

٢٨. «المصباح المنير» ١/ ١٠٢.

٢٩. «الفتح»٦/ ٥٦٣.

٣٠. «الفتح»٦/ ٥٦٣.

٣١. وفي نسخة:«قال: ورأيتُ».

٣٢. «المصباح» ١/ ٢٨١.

٣٣. «الفتح» ١٣/ ١٠٦ «كتاب الفتن» رقم (٧١٣٠ - ٧١٣١).