HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٤

وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا عَبَّادٌ (وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ) حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فكان قاب قوسين أو أدني﴾ [٥٣/النجم/ الآية-٩] قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ؛ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جبريل له ستمائة جناح.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص109
ج ١ ص ١٥٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٥
(٨٣) - (بَابُ قَوْلِهِ ﷿: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، وهل رأى النبيّ - ﷺ - رَبّهُ لَيْلَةَ الإسْرَاءِ؟) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٩] (١٧٤) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثنا عَبَّاد، وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّام، حَدَّثنا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَألتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللهِ ﷿: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٩]، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى جِبْرِيلَ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠]، (ت ٢٣٤)، (خ م دس) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بن عمر بن عبد الله بن المنذر بن مُصْعَب بن جَنْدَل الْكِلابيّ مولاهم، أبو سَهْل الواسطيّ، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن حميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وسعيد الْجُرَيريّ، وأبي مسلمة، سعيد بن يزيد، وابن عَون، وعوف الأعرابيّ، وحُصين بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي عروبة، وأبي مالك الأشجعيّ، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وغيرهم. ورَوى عنه أحمد بن حنبل، وابنا أبي شيبة، وسعيد بن سليمان الواسطيّ، وأبو الربيع الزَّهْرانيّ، وعليّ بن مسلم، وعمران بن ميسرة، ومحمد بن عيسى بن الطّبّاع، ومحمود بن خِدَاش، ومحمد بن الصبّاح الدُّولابيّ، وحَدَّث عنه إسماعيل ابن عُلَيَّة، وهو من أقرانه، وأحمد بن مَنِيع، وعَبّاد بن يعقوب، وغيرهم. قال الحسن بن عَرَفة: سألني وكيع عنه أتُحَدِّث عنه؟ فقلت: نعم، قال: ليس عندكم أحد يُشبهه، وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: كان يُشْبه أصحاب الحديث، وقال الأثرم، عن أحمد: مُضْطَرب الحديث، عن سعيد بن أبي عروبة، وقال ابن معين، والعجليّ، وأبو داود، والنسائيّ، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وقال ابن سعد: كان يَتَشيَّع، فأخذه هارون، فحَبَسه، ثم خَلَّى عنه، فأقام ببغداد، ومات سنة خمس وثمانين ومائة، وكذا أَرَّخَه غير واحد، وقال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة ثلاث، وقال حاتم بن الليث، عن سعيد بن سليمان: حدّثنا عبّاد بن العوّام، وكان من نُبَلاء الرجال في كل أمره، ومات سنة سِتّ، وكذا أَرَّخه أبو موسى الْعَنَزيّ، وأبو أمية، وقال أسلم الواسطيّ: مات سنة (٨٧). وقال ابن سعد: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وَوَثَّقَه البزار، وقال الْقَرَّابُ: وُلد سنة (١١٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا (١٧٤) و(٥١٣): «يصلي، وأنا حذاءه …»، وأعاده، و(٥٥٥): «يصلي في النعلين؟ قال: نعم»، و(١٠٠٥): «كلُّ معروف صدقة»، و(١١٠١): «إذا رأيتم الليل قد أقبل …»، و(١٥٩٠): «نَهَى رسولُ الله - ﷺ - عن الفضّة بالفضّة …»، و(١٦٢٣): «أفعَلْتَ هذا بولدك كلّهم …؛». ٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان فَيْرُوز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت في حدود ١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٩. ٤ - (زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ) بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرم [٢] (ت ١ أو ٢ أَو ٨٣) وهو (١٢٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٧. والصحابيّ تقدّم في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، فبصريّ، ثم بغداديّ، وعبّاد، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن عبّاد بن العوّام هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد مرّ آنفًا عدد ما له فيه من الأحاديث. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخَضْرَم، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أبي إسحاق الشَّيْبَانِيِّ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ) بكسر الزاي، وتشديد الراء (بْنَ حُبَيْشٍ) بضمّ الحاء المهملة، آخره شين معجمة، مصغّرًا (عَنْ قَوْلِ اللهِ ﷿) أي عن المعنى المراد به (﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾)، قال الحافظ ابن كثير ﵀: أي فاقترب جبريل إلى محمد - ﷺ - لَمّا هَبَط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد - ﷺ - قابُ قوسين، أي بقدرهما إذا مُدّا، قاله مجاهد، وقتادة، وقد قيل: إن المراد بذلك بُعْدُ ما بين وتد القوس إلى كَبِدِها، وقوله: (﴿أَوْ أَدْنَى﴾)، هذه الصيغة تُستعمل في اللغة لإثبات المخبَر عنه، ونفي ما زاد عليه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ الآية [البقرة: ٧٤]: أي ما هي بألين من الحجارة، بل هي مثلها، أو تزيد عليها في الشدّة والقَسْوة، وكذا قوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ الآية [النساء: ٧٧]، وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧]: أي ليسوا بأقلّ منها، بل هم مائة ألف حقيقةً، أو يزيدون عليها، فهذا تحقيقٌ للمُخْبَر به، لا شكّ ولا تردّد، فإن هذا ممتنع ها هنا، وهكذا هو في الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾. انتهى كلام ابن كثير ﵀ . وقال في «الفتح»: «القاب»: ما بين القبضة والسِّيَة من القوس، قال الواحديّ: هذا قول جمهور المفسرين إن المراد: القوس التي يُرْمَى بها، قال: وقيل: المراد بها الذراع؛ لأنه يقاس بها الشيء. قال الحافظ: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح، عن ابن عباس - ﵄ - قال: «القاب»: القَدْرُ، والقوسين: الذراعان، ويؤيده أنه لو كان المراد به القوس التي يُرْمَى بها لم يُمَثّل بذلك ليحتاج إلى التثنية، فكان يقال مثلًا: قابَ رُمْح، أو نحو ذلك، وقد قيل: إنه على القلب، والمراد: قابَ قَوْسٍ؛ لأن القاب ما بين الْمَقْبِض إلى السِّيَة، فلكل قوس قابان بالنسبة إلى خالفته. وقوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ أي أقرب، قال الزجاج: خاطب الله العرب بما أَلِفُوا، والمعنى: فيما تقدرون أنتم عليه، والله تعالى عالم بالأشياء على ما هي عليه، لا تَرَدُّد عنده، وقيل: «أَوْ» بمعنى «بَلْ» والتقدير: بل هو أقرب من القدر المذكور. وقال الألوسيّ ﵀: ﴿فَكَانَ﴾ أي جبريل؛ من النبيّ - ﷺ - ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ أي قَوْسَي العرب؛ لأن الإطلاق ينصرف إلى متعارفهم، و«القاب»، وكذا «القِيب»، و«القَاد»، و«القِيد»، و«القِيس»: المقدار، وقرأ زيد بن عليّ: «قاد»، وقُرئ: «قِيد»، و«قدر»، وقد جاء التقدير بالقوس، كالرمح، والذراع، وغيرهما، ويقال على ما بين مَقبِض القوس وسيتها، وهي ما عُطف من طرفيها، فلكلّ قوس قابان، وفُسّر به هنا، قيل: وفي الكلام عليه قلبٌ، أي فكان قابي قوس. وفي «الكشف»: لك أن تقول: قابا قوس، وقاب قوسين واحد دون قلب، وعن مجاهد، والحسن: أن قاب القوس ما بين وترها ومقبضها، ولا حاجة إلى القلب عليه أيضًا، فإن هذا على ما قال الخفاجيّ إشارة إلى ما كانت العرب في الجاهليّة تفعله إذا تحالفوا، فإنهم كانوا يُخرجون قوسين، ويُلصقون إحداهما بالأخرى، فيكون القاب ملاصقًا للآخر حتى كأنهما ذا قاب واحد، ثم يَنزعهما معًا، ويرمون بهما سهمًا واحدًا، فيكون ذلك إشارة إلى أن رضا أحدهم رضا الآخر، وسخطه سخطه، لا يُمكن خلافه. وعن ابن عبّاس: القوس هنا ذراع يقاس به الأطوال، وإليه ذهب أبو رزين، وذكر الثعلبيّ أنه من لغة الحجاز، وأيًّا ما كان فالمعنى على حذف مضاف: أي فكان ذا قاب قوسين، فكأنه قيل: فكان قريبًا منه. وقوله: ﴿فَأَوْحَى﴾ أي جبريل؛ ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ أي عبد الله، وهو النبيّ - ﷺ -، وإنما أتى بالضمير، وإن لم يَجْرِ له تعالى ذكر؛ لكونه في غاية الظهور، ومثله كثير في الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الآية [فاطر: ٤٥]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١] ﴿مَا أَوْحَى﴾ أي الذي أوحاه، والضمير المستتر لجبريل؛ أيضًا، وإبهام الموحَى به؛ للتفخيم، فهذا نظير قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ الآية [طه: ٧٨]، وقال أبو زيد: الضمير المستتر لله ﷿، أي أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحاه الله إلى جبريل، والأول مرويّ عن الحسن، وهو الأحسن، وقيل: ضمير ﴿أَوْحَى﴾ هو الأول والثاني لله تعالى، والمراد بالعبد جبريل ﵇. انتهى كلام الآلوسيّ ﵀ . (قَالَ) زِرّ (أَخْبَرَنِي) عبد الله (بْنُ مَسْعُودٍ) - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى جِبْرِيلَ) ﵇، وهذا ظاهره أنه موقوف على ابن مسعود - ﵁ -، لكن مثل هذا لا يُقال بالرأي، فله حكم الرفع، على أنه جاء التصريح برفعه فيما أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم ﵀ في «مستخرجيهما»، ولفظ أبي عوانة من طريق النُّفيليّ، عن زهير، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، قال: أتيت زِرّ بن حبيش، وعليّ درّتان، فسألته عن ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، فقال: حدّثنا عبد الله بن مسعود، عن رسول الله - ﷺ - «أنه رأى جبريل، له ستمائة جناح» . ولفظ أبي نعيم من طريق سليمان بن داود الهاشميّ، عن عبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ، قال: سألت زِرّ بن حُبَيش عن قول الله ﷿: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾، فقال: قال عبد الله: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت جبريل، له ستمائة جناح» . وقوله: (لهُ سِتُّمِائةِ جَنَاحٍ) جملة في محل نصب علي الحال من جبريل ﵇. و«الْجَناح - بفتح الجيم، وتخفيف النون، آخره حاء مهملة -: يُطلق على معان، قال الفيّوميّ ﵀: جَناح الطائر: بمنزلة اليد من الإنسان، والجمع: أَجْنحة. انتهى . وقال المجد ﵀:»الْجَناح»: اليد، جمعه: أجنحة، وأَجْنُحٌ، والْعَضُدُ، والإِبْطُ، والجانبُ، ونفسُ الشيء، ومن الدّرّ: نظمٌ يُعَرَّضُ، أو كلُّ ما جعلته في نظام، والْكَنَفُ، والناحيةُ، والطائفةُ من الشيء، ويُضمّ، والرَّوْشَنُ، والْمَنْظَرُ، وفَرَسٌ للْحَوْفَزَانِ بن شَرِيك، وآخر لبني سُليم، وآخر لمحمد بن مَسْلَمَةَ الأنصاريّ، وآخرُ لعُقبة بن أبي مُعيط، واسمٌ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: المناسب من هذه المعاني لما هنا: الكَنَفُ، والله تعالى أعلم. وهذا الذي قاله ابن مسعود - ﵁ - في حمله الآية على أن المراد أنه - ﷺ - رأى جبريل ﵇، وأنه هو الداني المقترب من محمد - ﷺ - هو الذي ذهب إليه الكثيرون، منهم: أم المؤمنين عائشة، وأبو ذرّ، وأبو هريرة - ﵁ -، وهو المذهب الراجح؛ لثبوت التصريح به عن النبيّ - ﷺ -، فلا كلام مع ما ثبتٌ عنه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا في «الإيمان» [٨٣/ ٤٣٩ و٤٤٠ و٤٤١] (١٧٤)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢٣٢)، و«التفسير» (٤٨٥٦ و٤٨٥٧)، و(الترمذي) في «التفسير» (٣٢٧٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٣٥٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٤٢٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٩٠٥٥)، و(ابن خزيمة) في «التوحيد» (ص ٢٠٣)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (٢/ ٣٧١)، و(البغويّ) في «تفسيره» (٤/ ٢٤٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥٣٣٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٠٢ و٤٠٣ و٤٠٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤٣٥ و٤٣٦ و٤٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في رؤية النبي - ﷺ - ربّه ليلة الإسراء: قال العلامة ابن القيّم ﵀ في «زاد المعاد»: اختلف الصحابة هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ربه، وصحّ عنه أنه قال: رآه بفؤاده، وصحّ عن عائشة، وابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ [النجم: ١٣، ١٤] إنما هو جبريل، وصحّ عن أبي ذرّ أنه سأله: هل رأيت ربك؟ فقال - ﷺ -: «نور أنّى أراه؟»، أي حال بيني وبين رؤيته النور، كما قال في لفظ آخر: «رأيت نورًا»، وقد حَكَى عثمان بن سعيد الدارميّ اتفاق الصحابة على أنه لم يره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وليس قول ابن عباس: إنه رآه مناقضًا لهذا، ولا قوله: رآه بفؤاده، وقد صحَّ عنه أنه - ﷺ - قال: «رأيت ربي - ﵎ -»، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لَمَّا احتَبَسَ عنهم في صلاة المحمبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه ﵎ تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بَنَى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال: نعم، رآه حقًّا، فإن رؤيا الأنبياء حقّ، ولا بدّ، ولكن لم يقل أحمد رحمه الله تعالى: إنه رآه بعيني رأسه يقظةً، ومَن حَكَى عنه ذلك فقد وَهِمَ عليه، ولكن قال مرةً: رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحُكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة مِن تصرف بعض أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك. وأما قول ابن عباس: إنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]، والظاهر أنه مُستنَدُهُ، فقد صَحَّ عنه أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خُلِق عليها، وقول ابن عباس هذا هو مُستند الإمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ . وقال القاضي عياض ﵀: رؤية الله ﷾ جائزة عقلًا، وثبتت الأخبار الصحيحة المشهورة بوقوعها للمؤمنين في الآخرة، وأما في الدنيا، فقال مالك: إنما لم يُرَ ﷾ في الدنيا؛ لأنه باق، والباقي لا يُرَى بالفاني، فماذا كان في الآخرة، ورُزِقوا أبصارا باقيةً، رأوا الباقي بالباقي، قال عياض: وليس في هذا الكلام استحالة الرؤية، إلا من حيث القدرة، فإذا أقْدَر الله مَن شاء من عباده عليها لم يمتنع. وقال الحافظ: وقع في «صحيح مسلم» ما يؤيد هذه التفرقة، في حديث مرفوع فيه: «واعلموا أنكم لن تَرَوا ربكم حتى تموتوا»، وأخرجه ابن خزيمة أيضًا من حديث أبي أُمامة، ومن حديث عبادة بن الصامت - ﵄ -، فإن جازت الرؤية في الدنيا عقلا، فقد امتنعت سَمْعًا، لكن من أثبتها للنبي - ﷺ - له أن يقول: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من الحافظ، كيف يحتجّ بقول مُختلَف فيه بين الأصوليين، ويترك النصوص التي جاءت بنفي رؤيته - ﷺ - ربّه، كقول عائشة - ﵂ -: «أنا أوّل من سأل رسول الله - ﷺ - عن هذا، فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربّك؟ فقال: لا، إنما رأيت جبريل منهبطًا»، وكحديث أبي ذرّ - ﵁ -: هل رأيت ربّك؟ قال: «لا، نورٌ أنّى أراه؟»، فهل بعد هذا النصّ يمكن الاستدلال بما قاله بعض الأصوليين؟؛ إن هذا لشيء عُجَاب. قال: وقد اختَلَفَ السلف في رؤية النبيّ - ﷺ - ربه، فذهبت عائشة، وابن مسعود إلى إنكارها، واختُلِف عن أبي ذرّ، وذهب جماعة إلى إثباتها، وحَكَى عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، أنه حَلَفَ أن محمدًا - ﷺ - رأى ربه، وأخرج ابن خزيمة، عن عروة بن الزبير إثباتها، وكان يشتد عليه إذا ذُكِر له إنكار عائشة، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وجَزَم به كعب الأحبار، والزهريّ، وصا حبه معمر، وآخرون، وهو قول الأشعريّ، وغالب أتباعه. ثم اختلفوا هل رآه بعينه، أو بقلبه؟ وعن أحمد كالقولين. قال الحافظ ﵀: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقةٌ، وأخرى مقيدةٌ، فيجب حمل مطلقها على مقيدها. (فمن ذلك): ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح، وصححه الحاكم أيضًا، من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: «أتعجبون أن تكون الْخُلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟»، وأخرجه ابن خزيمة بلفظ: «إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة …» الحديث، وأخرج ابن إسحاق، من طريق عبد الله بن أبي سلمة، أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس، هل رأى محمد ربه؟ فأرسل إليه: أن نعم. (ومنها): ما أخرجه مسلم من طريق أبي العالية، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رأى ربه بفؤاده مرتين. وله من طريق عطاء، عن ابن عباس قال: رآه بقلبه. وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضًا عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله - ﷺ - بعينه، إنما رآه بقلبه. وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس، ونفي عائشة بأن يُحْمَل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ ﵀ في هذا الكلام في أمرين: (الأول): أنه حقّق أن الذي ثبتٌ عن ابن عبّاس - ﵄ - في إثباته الرؤية إنما هو رؤية القلب، لا رؤية البصر، فإنه لم يثبت عنه ذلك. (الثاني): أنه يُجمع بين إثباته، وبين نفي عائشة - ﵃ - بأنه أثبت الرؤية القلبيّة، وهي نفت الرؤية البصريّة، فلا تعارض بين مذهبيهما، ويؤيّد هذا ظاهر استدلالها في نفيها الرؤية بآية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] الآية؛ لأنها ظاهرة في نفي إدراك البصر، ولا ينفي ذلك رؤية القلب، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم؛ لأنه - ﷺ - كان عالِمًا بالله تعالى على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما تُخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يُشترط لها شيء مخصوص عقلًا، ولو جرت العادة بخلقها في العين. وروى ابن خزيمة بإسناد قويّ عن أنس - ﵁ - قال: رأى محمد ربه. وعند مسلم من حديث أبي ذرّ أنه سأل النبيّ - ﷺ - عن ذلك، فقال: «نور أنَّى أراه؟»، وفي رواية قال: «رأيت نورًا»، ولابن خزيمة عنه قال: «رآه بقلبه، ولم يره بعينه». وبهذا يتبين مراد أبي ذرّ بذكره النورَ، أي: النورُ حال بين رؤيته له ببصره. وقد رجح القرطبي في «المفهم» قول الوقف في هذه المسألة، وعزاه لجماعة من المحققين، وقوّاه بأنه ليس في الباب دليلٌ قاطعٌ، وغاية ما استُدِلّ به للطائفتين ظواهر متعارضة، قابلة للتأويل، قال: وليست المسألة من العمليات، فيُكْتَفَى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هي من المعتقدات، فلا يكتَفَى فيها إلا بالدليل القطعيّ . وجَنَحَ ابن خزيمة في «كتاب التوحيد» إلى ترجيح الإثبات، وأطنب في الاستدلال له بما يطول ذكره، وحَمَلَ ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا وقعت مرتين: مرة بعينه، ومرة بقلبه. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يثبُت عن ابن عبّاس - ﵁ - أنه قال: إنه - ﷺ - رأى ربّه بعينه، إنما ورد ذلك من تفسير بعض الرواة عنه لكلامه، والذي ثبتٌ عنه - ﵁ - في هذا أحاديث جزم فيها بمطلق الرؤية، وأخرى قيّد فيها الرؤية بأنها بالفؤاد، وقد سبق أن المطلق يُحمل على المقيّد«للأدلّة الأخرى. والحاصل أن رؤية النبيّ - ﷺ - لربه بعينه في الدنيا ليس مما يمتنع عقلًا؛ إذ لو كان ممتنعًا لَمَا سألها موسى ﵇، لكن لم يَرِد نصّ صريح بأنه رآه بعين رأسه، بل وردت نصوص دالّة على نفيها، كحديث أبي ذرّ - ﵁ -:»نورٌ أنّى أراه؟ «، وحديث بعض أصحاب النبيّ - ﷺ - أنه النبي - ﷺ - قال:»تَعَلَّمُوا أنه لن يَرَى أحد ربّه حتى يموت«رواه مسلم، وحديث عائشة - ﵄ -: هل رأيت ربّك؟ قال:»لا، إنما رأيت جبريل منهبطًا»، رواه ابن مردويه، وأصله في مسلم. وخلاصة المسألة أنه قد تبيّن من مجموع ما سبق من الأدلة أن المذهب الصحيح عدم ثبوت رؤية النبيّ - ﷺ - ربّه بعينه ليلة الإسراء، وأن ما نُقل عن بعض السلف في ذلك محمول على الرؤية القلبيّة، كما صرّح به ابن عبّاس - ﵄ -، وغيره، أنه قال: رآه بفؤاده، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٤٠] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيّ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١]، قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ ﵇، لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاث) - بكسر الغين المعجمة، وتخفيف التحتانيّة - ابن طَلْق بن معاوية النَّخَعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. والباقون تقدّموا قبله، و«الشيبانيّ»: هو سليمان بن فَيْروز. وقوله: (﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾)، قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀: أي لم يَكْذب قلب محمد - ﷺ - ليلة المعراج، وذلك أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده حتى رأى ربه تعالى، وجعل الله تلك رؤيةً، وقيل: كانت رؤية حقيقة بالصبر، والأول: مرويّ عن ابن عبّاس - ﵄ -، وفي «صحيح مسلم» أنه رآه بقلبه، وهو قول أبي ذرّ، وجماعة من الصحاب - ﵃ -، والثانى: قول أنس، وجماعة. انتهى . و«ما» في قوله: ﴿مَا كَذَبَ﴾ نافية، وفي قوله: ﴿مَا رَأَى﴾ هو موصولة بمعنى «الذي» مفعول به لـ ﴿كَذَبَ﴾؛ على قراءة التشديد لأنه يتعدّى بنفسه، والعائد محذوف، أي الذي رآه، ويجوز أن تكون «ما» مصدريّة، أي رؤيته. وأما على قراءة التخفيف، فـ ﴿مَا﴾ فهو على تقدير «في» الجارّة؛ لأنه يتعدّى بها، أي فيما رآه. وقال الأَلُوسِيُّ ﵀: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ أي ما كذب فؤاد محمد - ﷺ - ما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇، أي ما قال فؤاده - ﷺ - لَمّا رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبًا؛ لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره، فهو من قولهم: كَذَب: إذا قال كَذِبًا، فما كذب بمعنى: ما قال الكذب. وقيل: أي ما كَذَب الفؤاد البصر فيما حكاه له من صورة جبريل ﵇، وما في عالم الملكوت تُدرك أوّلًا بالقلب، ثم تنتقل منه إلى البصر. قرأ أبو رجاء، وأبو جعفر، وقتادة، والْجَحْدريّ، وخالد بن إلياس، وهشام عن ابن عامر ﴿مَا كَذَبَ﴾ مشدّدًا، أي صدّقه، ولم يشكّ أنه جبريل ﵇ بصورته، وفي الآيات من تحقيق أمر الوحي ما فيها. وقال في «الكشف»: إنه لَمّا قال ﷾: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ﴾ أي من عند الله تعالى ﴿يُوحَى﴾ ذكر جلّ وعلا ما يُصوّر هذا المعنى، ويُفصّله ليتأكّد أنه وحي، وأنه ليس من الشعر، وحديثِ الكُهّان في شيء، فقال: عَلَّمَ صاحبكم هذا الوحي من هو على هذه الصفات، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى﴾، وحديث قيامه بصورته الحقيقيّة؛ ليؤكّد أن ما يأتيه في صورة دحية هو هو، فقد رآه بصورة نفسه، وعَرَفه حقَّ معرفته، فلا يشتبه عليه بوجهٍ، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ تتميم لحديث نزوله إليه - ﷺ -، وإتيانه بالمنزَّل، وقوله ﷾: ﴿فَأَوْحَى﴾ أي جبريل ذلك الوحي الذي مرّ أنه من عند الله تعالى إلى عبد الله، وإنما قال ﷾: ﴿مَا أَوْحَى﴾، ولم يأت بالضمير؛ تفخيمًا لشأن المنزَّل، وأنه شيء يَجِلّ عن الوصف، فأنَّى يستجيز أحد من نفسه أن يقول: إنه شعر، أو حديث كاهن، وإيثار «عبده» بدل «إليه»: أي إلى صاحبكم لإفادة الاختصاص، وإيثار الضمير على الاسم الْعَلَم في هذا المقام؛ لترشيحه، وأنه ليس عبدًا إلا له ﷿، فلا لبس؛ لشهرته بأنه عبد الله لا غير. وجاز أن يكون التقدير: فأوحى الله تعالى بسببه، أي بسبب هذا الْمُعَلِّم إلى عبده، ففي الفاء دلالة على المعنى، وهذا وجه أيضًا سديد، ثم قال ﷾: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾، على معنى: أنه لَمّا عرفه، وحقّقه لم يكذبه فؤاده بعد ذلك، ولو تَصَوَّر بغيو تلك الصورة أنه جبريل، فهذا نظم سِرّيٌّ مَرْعيّ فيه النُّكَت حقَّ الرعاية، مطابق للوجود، لم يُعدل به عن واجب الوفاق بين البداية والنهاية انتهى. وهو كلام نفيسٌ، يُرجّح به ما رُوي عن عائشة - ﵄ -، الآتي - إن شاء الله تعالى - . والمسائل المتعلّقة بالحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٤١] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِه، لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠]، (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الْوَرد الإمام الثبت الحجة الجِهبذ، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾) اللام في جواب قسم محذوف، و﴿آيَاتِ رَبِّهِ﴾ مفعول ﴿رَأَى﴾، و﴿مِنْ﴾ اسم بمعنى «بعض»، ﴿الْكُبْرَى﴾ صفة لـ ﴿آيَاتِ رَبِّهِ﴾، ويجوز نعت الجماعة بنعت الواحد، كقوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، والتقدير - والله أعلم -: والله لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى، والمراد ببعض الآيات هو: جبريل ﵇ في صورته الأصليّة التي خلقه الله عليها، وله ستمائة جناح. ويحتمل أن تكون ﴿مِنْ﴾ زائدة، والمراد بالآيات حينئذ: جميع ما رآه النبيّ - ﷺ - ليلة الإسراء، ومنه جبريل ﵇ في صورته الأصلية. قيل: ويحتمل أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ صفةً لموصوف محذوف، وقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ﴾ متعلّقٌ بمحذوف، حالٌ مقدّم من مؤخّر، والتقدير: والله لقد رأى الآية مندرجة في آيات ربّه، وواحدة منها، والمراد بالآية الكبرى: جبريل ﵇ في صورته الأصليّة، والوجه الأول أولى، والله تعالى أعلم. وتمام شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (١٤)

١. وفي نسخة: «حدّثنا أبو الربيع».

٢. وفي نسخة: «أخبرنا».

٣. «تفسير ابن كثير» ١٣/ ٢٥٤.

٤. «روح المعاني» ٢٧/ ٤٨ - ٤٩.

٥. «مسند أبي عوانة» ١/ ١٣٤ رقم الحديث (٤٠٣).

٦. «مستخرج أبي نعيم» ١/ ٢٤٠ رقم الحديث (٤٣٥).

٧. «المصباح المنير» ١/ ١١١.

٨. «القاموس المحيط» ١٩٦.

٩. «زاد المعاد» ٣/ ٣٦ - ٣٨.

١٠. هذا الذي قاله القرطبيّ من أن المعتقدات لا تثبت بالظنيّات، وسكت عليه الحافظ فيه نظر لا يخفى؛ لأنه مذهب المعتزلة ومن تابعهم حيث يقولون: إن العقائد لا تثبت بأخبار الآحاد، إذ لا تفيد إلا الظنّ، وهو مذهب باطل، مخالف لمذهب السلف، وقد أشبعت الكلام في هذا في «التحفة المرضيّة» و«شرحها»، فراجعه تستفد علمًا، والله تعالى أعلم.

١١. «الفتح» ٨/ ٤٧٤ - ٤٧٥ «كتاب التفسير» رقم (٤٨٥٥).

١٢. قوله: «تَعَلَّمُوا» معناه: اعْلَمُوا.

١٣. «تفسير القرطبيّ» ١٧/ ٩٢.

١٤. «روح المعاني» ٢٧/ ٤٩.