HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٠

حَدَّثَنَا نَصْر بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وأَبُو غَسَّانَ الْمَسْمَعِيُّ، وإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جميعا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ. وَاللَّفْظُ لِأَبِي غَسَّانَ. قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن النبي ﷺ؛ قال «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ. آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا. وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا. وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ. فِي جَنَّةِ عَدْنٍ».
ج ١ ص ١٦٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد جامع الترمذي
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٩٧
مُوسَى، قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِأَرْبَعٍ: إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَرْفَعُ الْقِسْطَ، وَيَخْفِضُهُ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْل، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ المذكور قبل باب. ٢ - (وَابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد بن بشّار بُنْدار المذكور في الباب الماضي. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ «غُنْدر»، أبو عبد الله الْهُذَليّ البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور المذكور قبل باب. والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٦) - (بَابُ إِثْبَاتِ رُؤْيةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ ﷾ فِي الآخِرَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٥٥] (١٨٠) - (حَدَّثنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَد، وَاللَّفْظُ لِأَبِي غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَد، حَدَّثنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاء، عَلَى وَجْهِه، فِي جَنَّةِ عَدْنٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ بن صُهْبان الأزديّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٧. ٣ - (إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المذكور قبل حديث. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) الْعَمّيّ، أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [٩]. رَوَى عن أبي عمران الْجَوْنيّ، وداود بن أبي هند، ومنصور، وعلي بن زيد بن جُدْعان، ومطر الوراق، وعطاء بن السائب، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ، ويحيى، وأبو موسى، وبُنْدار، والحميدي، وأبو غسان المسمعي، والحسن بن عرفة، وغيرهم. قال أحمد: كان ثقة. وقال ابن معين: لم يكن به بأس. وقال القواريري: كان حافظًا. وقال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال عمرو بن عليّ: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول يوم مات: ما مات لكم منذ ثلاثين سنة شبههُ، أو مثله، أو أوثق منه. وقال العجليّ: ثقة. قال أبو داود: مات سنة (١٨٧)، وقال ابن حبان في «الثقات»: مات سنة (١٨٨)، وقال ابن قانع: مات سنة (١٨٩)، ويقال: سنة (١٩٠)، وحكى الْقَرّاب القولين في «تاريخه». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٨٠)، وحديث (٥٧٢): «إنه لو حَدَثَ في الصلاة شيء …»، و(٢١٠٩): «أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصوّرون»، و(٢٣٠٠): «لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء …»، و(٢٦٢٥): «إذا طبختَ مرقةً، فأكثر ماءها …»، و(٢٨٣٨): «في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوّفة …». ٥ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) هو: عبد الملك بن حبيب الأزديّ، ويقال: الكنديّ البصريّ، أحد العلماء، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار [٤]. رَأَى عمران بن حصين، ورَوى عن جندب بن عبد الله البجلي، وأنس، وأبي فِرَاس، ربيعة بن كعب الأسلمي، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبيد، وسليمان التيمي، وابن عون، وأبو عامر الخزاز، وشعبة، وأبان، وأبو قُدامة الحارث بن عبيد، وهمام بن يحيى، والحمادان، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال عمرو بن علي: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، واسمه عبد الرحمن، كذا قال. وقال غيره: سنة تسع. وقال ابن حبان في «الثقات»: مات سنة ثلاث وعشرين، وقد قيل: سنة ثمانية. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال الحاكم: لم يصح سماعه من عائشة، وصح سماعه من أنس. وفي الطبراني بإسناد صحيح، عن حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجونيّ، قال: بايعت ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام، فاستفتيت جندبًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا. ٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ) الْأَشْعَرِيُّ الكوفيّ، يقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وابن عباس، والأسود بن هلال. وروى عنه أبو جمرة الضُّبَعيّ، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وبدر بن عثمان، وعبد الله بن أبي السَّفَر، والأجلح بن عبد الله الْكِنديّ، وأبو إسحاق السبيعي، ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم. قال الآجريّ: قلت لأبي داود: سمع أبو بكر من أبيه؟ قال: أُراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة، وكان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غادية الجهنيّ، قاتل عَمّار، فأجلسه إلى جانبه، وقال: مرحبًا بأخي. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، وقال: مات في ولاية خالد بن عبد الله. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: اسمه كنيته، مات في ولاية خالد، ومن زَعَم أن اسمه عامر فقد وَهِمَ، عامر اسم أبي بردة. وقال عبد الله بن أحمد في «العلل»: قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: لا. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: أبو بكر بن أبي موسى أفضل من أخيه أبي بردة. وقال العجليّ: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد: اسمه كنيته، وكان قليل الحديث، يُستضعَف، ومات في ولاية خالد، وكان أكبر من أخيه أبي بردة. وقال خليفة: مات سنة ست ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث، هذا (١٨٠)، وحديث (٦١٤): «الوقت بين هذين»، و(٦٣٥): «من صلّى البردين دخل الجنّة»، و(١٩٠٢): «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف …»، و(٢٧١١): «اللهم باسمك أحيا …»، و(٢٨٣٨): «إن للمؤمن في الجنة لخيمة …»، وكرّره ثلاث مرّات. ٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن قيس بن سُليم، أبو موسى الأشعريّ الصحابيّ الشهير - ﵁ - المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة شيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير إسحاق، فمروزيّ، وأبي بكر فكوفيّ، وأما الصحابيّ فقد سكن البصرة والكوفة. ٣ - (ومنها): أنهم رجال الجماعة، غير إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه، وأبي غسّان فتفرّد به المصنّف، وأبو داود. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: «واللفظ لأبي غسّان، قال: حدّثنا أبو عبد الصمد» يعني أن سياق هذا المتن لشيخه أبي غسّان، وأما الآخران فروياه بالمعنى، ثم إن أبا غسّان ذكر شيخه بكنيته، فقال: «حدّثنا أبو عبد الصمد»، وأما الآخران فصرّحا باسمه. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو عمران، عن أبي بكر. ٦ - (ومنها): أن أبا بكر اسمه كنيته على الأصحّ، كأخيه أبي بُردة، ويقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر. ٧ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: أبو بكر، عن أبي موسى - ﵁ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيس - ﵁ - الْأَشْعَرِيّ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «جَنَّتَانِ) خبر لمبتدأ محذوف، أي هما جنتان، ويجوز أن يكون مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة وقوعه موقع التفصيل، على حدّ قول الشاعر [من المتقارب]: فَأَقْبَلْتُ زَحْفًا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ … فَثَوْبٌ لَبسْتُ وَثَوْبٌ أَجُرُّ والشاهد«فثوبٌ لبستُ»، وكذلك«وثوبٌ أجرّ». وفي رواية أبي عوانة في«مسنده:، وابن منده في »الإيمان«، من طريق أبي قُدامة الحارث بن عُبيد الإياديّ، عن أبي عمران الْجَوْنيّ: »جنّاتُ الْفِردوس أربع: ثنتان آنيتهما، وحليّهما، وما فيهما من ذهب، وثنتان من فضّة آنيتهما، وحليّهما، وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن، وهذه الجنات تشخُب من جنات عدن، ثم تصدّع بعدُ أنهارًا«. انتهى . وقوله: (مِنْ فِضَّةٍ) خبر لـ «جنّتان»، على الثاني، أي كائنتان من فضّة، وقوله: (آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا) بدل اشتمال من «جنّتان»، أو من ضمير «كائنتان»، أو «آنيتهما» فاعل بالجارّ والمجرور؛ لاعتماده على مسند إليه، أو «من فضّة» خبر مقدّم، و«آنيتهما» مبتدأ مؤخّر، والجملة خبر «جنّتان»، وكذلك إعراب قوله: (وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا) وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت البنانيّ، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال حماد: لا أعلمه إلا قد رفعه قال: «جنتان من ذهب للمقربين، ومن دونهما جنتان من ورِقٍ لأصحاب اليمين»، أخرجه الطبريّ، وابن أبي حاتم، ورجاله ثقات. قال الحافظ: وفيه رَدّ على ما حكيته عن الترمذي الحكيم أن المراد بقوله تعالى: «ومن دونهما جنتان» الدنوّ، لا أنهما دون الجنتين المذكورتين قبلهما، وصرح جماعة بأن الأوليين أفضل من الأخريين، وعكس بعض المفسرين، والحديث حجة للأولين. قال الطبريّ: اختُلف في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢] فقال بعضهم: معناه في الدرجة، وقال آخرون: معناه في الفضل. وقوله: «جنتان» إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾، وتفسير له. [فإن قلت]: هذا يدلّ على أن الجنتين من ذهب لا فضّة فيهما، وبالعكس، ويعارضه حديث أبي هريرة - ﵁ - قلنا: يا رسول الله حَدِّثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: «لبنة من ذهب، ولبنة من فضة …» الحديث، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه ابن حبان، وله شاهد عن ابن عمر - ﵄ -، أخرجه الطبرانيّ، وسنده حسن، وآخر عن أبي سعيد - ﵁ -، أخرجه البزار، ولفظه: «خَلَقَ الله الجنة لبنةً من ذهب، ولبنة من فضة …» الحديث. [وأجيب]: بأنه يُجمَع بأن الأول صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها، والثاني صفة حوائط الجنان كلها، ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في «البعث» في حديث أبي سعيد - ﵁ -: «إن الله أحاط حائط الجنة لبنةً من ذهب، ولبنة من فضة» ، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَمَا) نافية (بَيْنَ الْقَوْمِ) أي أهل الجنّة (وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) زاد في رواية ابن ماجه: ﵎ (إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ) قال السنديّ ﵀: الظاهر أن المراد برداء الكبرياء نفس صفة الكبرياء على أن الإضافة بيانيّة، وهذا هو الموافق لحديث: «الكبرياء ردائي» ، وحينئذ لا يخفى أن ظاهر هذا الحديث يفيد أنهم لا يرونه تعالى، وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من طريق الأغر أبي مسلم، عن= فإنه إذا كان رداء الكبرياء مانعًا عن نظر أهل جنّة عدن، فكيف غيرهم؟، وصفة الكبرياء من لوازم ذاته تعالى، لا يمكن زوالها عنه، فيدوم المنع بدوامها، إلا أن يقال: هي مانعة عن دوام النظر، لا عن أصل النظر، على أن معنى قوله: «وبين أن ينظروا» أي: وبين أن يُديموا، فلولا هي لدام نظرهم، وذلك لأن المنع من مقتضيات المعاملة بهذه الصفة، وهي غير لازمة، وبهذا صارت صفة الكبرياء مانعةً عن دوام النظر، دون أصله، فليُتأمّل. ويمكن أن يقال: المراد برداء الكبرياء هو المعاملة بمقتضاها، لا نفس صفة الكبرياء، كما هو مقتضى الإضافة؛ إذ الأصل التغاير، لا التباين، وهو المناسب بالتعبير بالرداء، بناءً على أن الرداء عادةً لا يلزم اللابس لزوم الإزار، وحينئذ، فرداء الكبرياء، وإن كان مانعًا من أصل النظر، لكنه غير لازم، فيمكن النظر، وعلى الوجهين فالحديث مسوقٌ لإفادة كمال قرب أهل جنّة عدن منه تعالى. انتهى . وقال المازريّ: كان النبي - ﷺ - يخاطب العرب بما تَفْهَم، ويُخرِج لهم الأشياء المعنوية إلى الحس؛ ليُقَرِّب تناولهم لها، فعبّر عن زوال الموانع ورفعه عن الأبصار بذلك. وقال عياض: كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرًا، وهي أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها، ومنه قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]، فمخاطبة النبي - ﷺ - لهم برداء الكبرياء على وجهه، ونحو ذلك من هذا المعنى، ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره، أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له، وعَلِم أن الله مُنَزَّهٌ عن الذي يقتضيه ظاهرها، إما أن يُكَذِّب نقلَتها، وإما أن يؤوّلها، كأن يقول: استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانعِ إدراكَ أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداءَ الكبرياء، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته، وموانع عظمته. انتهى ملخصًا. = أبي هريرة - ﵁ -، ولفظه: قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله ﷿: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار». قال الجامع عفا الله عنه: دعوى عياض هنا الاستعارة غير صحيحة، فالحقّ إثبات رداء الكبرياء على ما يليق بجلال الله ﷾ كما أثبته هذا النصّ الصحيح المتّفق على صحّته، ولا يلزم منه التشبيه؛ لأنه إنما يلزم لو قلنا: رداء كرداء الخلق، فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال الطيبي: قوله: «على وجهه» حال من «رداء الكبرياء». وقال الكرماني: هذا الحديث من المتشابهات، فإما مُفَوَّضٌ، وإما مُتَأَوَّلٌ بأن المراد بالوجه الذات، والرداء صفة من صفات الذات اللازمة المنزهة عما يشبه المخلوقات. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «متأول بأن المراد بالوجه الذات» هذا التأويل خطأ، والصواب إجراء النصّ على ظاهره على الوجه اللائق بالله ﷾، فمن فعل ذلك فقد سلك جادّة أهل السنة والجماعة، ولا يستلزم ذلك النقص ولا التشبيه، وأيضًا فلو جاء التشبيه من إثبات الوجه، للزم في إثبات الذات التي أُوِّل إليها؛ إذ لا فرق بينهما، فالواجب إثبات الوجه على ما يليق بجلاله ﷾، كثبوت الذات له من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل، فهذا هو الباب المطّرد الواسع في باب الأسماء والصفات، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، ومستمسك العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السييل. ثم استشكل الكرمانيّ ظاهره بأنه يقتضي أن رؤية الله غير واقعة. ثم أجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر؛ إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعًا من الرؤية، فعَبَّر عن زوال المانع عن الإبصار بإزالة المراد. انتهى. وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية، فكأن في الكلام حذفًا تقديره بعد قوله: «إلا رداء الكبرياء»، فإنه يَمُنّ عليهم برفعه، فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه، فكأنّ المراد أن المؤمنين إذا تبوؤوا مقاعدهم من الجنة، لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال، لَمَا حال بينهم وبين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حَفّهم برأفته، وتفضّل عليهم بتقويتهم على النظر إليه ﷾. قال الحافظ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: ثم وجدت في حديث صهيب - ﵁ - في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى - ﵁ - الحجاب المذكور في حديث صهيب - ﵁ - يعني: الحديث الآتي بعد هذا - وأنه ﷾ يكشف لأهل الجنة إكرامًا لهم. وقال القرطبي في «المفهم»: الرداء استعارة كَنَى بها عن العظمة، كما في الحديث الآخر: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري»، وليس المراد الثياب المحسوسة، لكن المناسبة أن الرداء والإزار لمّا كانا متلازمين للمخاطب من العرب، عَبّر عن العظمة والكبرياء بهما. ومعنى حديث الباب: أن مُقْتَضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يُرِيهم وجهه كمالًا للنعمة، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابًا كان يمنعهم. قال الجامع عفا الله عنه: دعوى القرطبيّ الاستعارة غير صحيحة، بل الحديث لا مجاز فيه، بل هو على حقيقته، على ما يليق بجلال الله ﷾، وقد سبق تحقيق هذا غير مرّة، والله تعالى وليّ التوفيق. ونقل الطبري عن علي - ﵁ - وغيره في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قال: هو النظر إلى وجه الله ﷿. (فِي جَنَّةِ عَدْنٍ») راجع إلى القوم، قاله في«الفتح»، فهو متعلِّق بحال من ضمير«ينظرون»، قاله السنديّ، وقال عياض: معناه راجع إلى الناظرين، أي: وهم في جنة عدن، لا إلى الله، فإنه لا تحويه الأمكنة ﷾. وقال القرطبي: يتعلق بمحذوف في موضع الحال من«القوم»، مثل: كائنين«في جنة عدن»، وقال الطيبي: قوله:«في جنة عدن» متعلّق بمعنى الاستقرار في الظرف، فيفيد بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنة، وإليه أشار التوربشتي بقوله: يشير إلى أن المؤمن إذا تبوأ مقعده، والحجب مرتفعة، والموانع التي تحجب عن النظر إلى ربه مُضْمَحِلَّة إلا ما يصدّهم من الهيبة، كما قيل: أَشْتَاقُهُ فَإِذَا بَدَا … أَطْرَقْتُ مِنْ إِجْلَالِهِ فإذا حَفّهم برأفته ورحمته، رفع ذلك عنهم تفضلًا منه عليهم ، والله تعالى أعلم بالصواب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٨٦/ ٤٥٥] (١٨٠)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٨٧٨ و٤٨٨٠)، و«التوحيد» (٧٤٤٤)، و(الترمذيّ) في «صفة الجنّة» (٣٥٢٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٤١٩)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (١٨٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٥٢٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٣/ ١٤٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤١١ و٤١٦)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٥٤٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٨٢)، و(ابن أبي عاصم) في «السنة» رقم (٦١٣)، و(الدولابيّ) في «الكنى» (٢/ ٧١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤١٢ و٤١٣ و٤١٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤٥٢)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٧٨٠ و١٨١)، و(اللالكائي) في «شرح أصول الاعتقاد» (٨٣١)، و(البيهقيّ) في «الاعتقاد» (١٣٠)، وفي «الأسماء والصفات» (٣٠٢)، و(البغويّ) في «شرح السنة» (٤٣٧٩، ٤٣٨٠). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات رؤية المؤمنين ربهم ﷾ في الآخرة. ٢ - (ومنها): إثبات الردّ على الجهميّة في إنكارهم صفات الله تعالى، من صفة رداء الكبرياء، وصفة الوجه على ما يليق بجلاله ﷾، ورؤية المؤمنين في الآخرة. ٣ - (ومنها): إثبات وجود الجنة، وأنها مخلوقة الآن. ٤ - (ومنها): إثبات تفاوت الجنة فيما بين درجاتها؛ إذ بعضها من
مصادر المؤلف (٩)

١. بفتح الجيم، وسكون الهاء، وفتح الضاد.

٢. «غسّان» بفتح الغين المعجمة، يجوز صرفه، وعدمه، و«المسمعيّ» - بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية -: نسبة مِسْمَع بن ربيعة جدّ قبيلة.

٣. راجع: «شرح ابن عقيل على الخلاصة» ١/ ١٣٨.

٤. من باب نصر: أي تدرّ، وتسيل.

٥. «مسند أبي عوانة» ١/ ١٣٧ رقم (٤١٢)، و«الإيمان» لابن منده ٢/ ٧٧٢ رقم (٧٨١).

٦. راجع: «الفتح» ١٣/ ٥٣٣ «كتاب التوحيد» رقم الحديث (٧٤٣٤ - ٧٤٤٧).

٧. أخرجه مسلم (٢٦٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - ﵄ -، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته».

٨. «شرح السنديّ» ١/ ١٢١.

٩. راجع: «الفتح» ١٣/ ٥٣١ - ٥٣٥.