HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨١

حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ. قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ. قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ. فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص112
ج ١ ص ١٦٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص١٠٧
الذهب، وبعضها من الفضّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٥٦] (١٨١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبِيِّضْ وُجُوهَنَا؟، أَلمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ) الْقَوَاريريّ، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ وله (٨٥) سنة (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) - بضمّ الموحّدة، ونونين مخفّفين - هو: ثابت بن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت بضع ١٢٠) وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٨٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٦ - (صُهَيْبٌ) بن سِنَان بن مالك، ويقال: خالد بن عبد عمرو بن عُقيل، ويقال: طُفيل بن عامر بن جَنْدَلة بن سعد بن خُزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النَّمِر بن قاسط، أبو يحيى، وقيل: أبو غَسّان النَّمَريُّ المعروف بالرُّوميّ، أصله من النَّمِر بن قاسط سَبَتْهُ الروم من نِينَوَى، وزعم عُمارة بن وَثِيمة أن اسمه عبد الملك، وقال ابن سعد: كان أبوه أو عمه عاملًا لكسرى على الأُبُلَّة، فسَبَت الروم صُهيبًا، وهو غلام، فنشأ بينهم فابتاعه كلب منهم، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التيمي منهم، فأعتقه، ويقال: بل هَرَب صُهيب من الروم إلى مكة، فحالف عبد الله بن جُدعان، وأسلم قديمًا، وهاجر، فأدرك النبي - ﷺ - بقباء، وشَهِد بدرًا والمشاهد بعدها، وروى عن النبي - ﷺ -، وعن عمر وعلي - ﵃ -، وعنه بنوه: حبيب، وحمزة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد، وابن عمر، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وأسلم مولى عمر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكعب الأحبار، وسعيد بن المسيب، وشعيب بن عمرو بن سليم، وابن ابنه زياد بن صيفي بن صهيب، وغيرهم. قال ابن سعد: مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين، وقيل: بلغ (٧٣) سنة، وقال يعقوب بن سفيان: وهو ابن (٨٤) سنة، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص، وقال أبو زكريا الْمَوْصِليّ في «الطبقات»: كان من المستضعفين بمكة، والمعذَّبين في الله، أسلم بعد بضعة وثلاثين رجلًا، وقال أنس: قال النبي - ﷺ -: «صهيب سبق الروم»، وقيل: فيه نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وإليه أوصى عمر أن يصلي بالنالس، حتى يجتمع أهل الشورى على رجل . رَوَى له الجماعة، وله أحاديث، له عند البخاريّ حديث، وعند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٨١)، و(٢٩٩٩): «عَجَبًا لأمر المؤمن إن أمره كلّه خير …»، و(٣٠٠٥): «كان ملِكٌ فيمن كان قبلكم …»، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وحماد بن سلمة أخرج له البخاريّ حديثًا وحدًا في «الرِّقاق». ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى عبد الرحمن، فمدنيّ، ثم كوفيّ، وصهيب - ﵁ - فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن حماد بن سلمة أثبت من روى عن ثابت. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. ٦ - (ومنها): أن صهيبًا هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت أن له فيه ثلاثة أحاديث فقط، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ صُهَيْبٍ) بن سِنَان الرُّوميّ - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةً) وفي رواية ابن ماجه:»إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ«(قَالَ) - ﷺ - (يَقُولُ الله ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟) وفي رواية ابن ماجه:»نَادَى مُنَادٍ، يَا أَهْلَ الْجَنَّة، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ مَوْعِدًا، يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ«(فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ) من التبييض (وُجُوهَنَا؟) وفي رواية ابن ماجه:»فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّل اللهُ مَوَازِينَنَا؟ «. قال القرطبيّ ﵀: قوله:»أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ « هذا لا يليق بمن مات على كمال المعرفة والمحبّة والشوق، وإنما يَليق ذلك بمن مات بين الخوف والرجاء، فلما حصل على الأمن من المخوف، والظفَر بالمرجوّ الذي كان تشوّق إليه قَنِعَ به، ولَهَا عن غيره، وأما من مات محبًّا لله، مشتاقًا لرؤيته، فلا يكون همّه إلا طلب النظر لوجهه الكريم لا غيرُ، ويدلّ على صحّة ما قلته أن المرْء يُحشر على ما يموت عليه، كما عُلم من الشريعة، بل أقول: إن من مات مشتاقًا لرؤية الله تعالى لا يُنبَّه بالسؤال، بل يُعطيه أمنيّته ذو الفضل والإفضال، ومذهب أهل السنة بأجمعهم أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم، كما نطق بذلك الكتاب، وأجمع عليه سلف الأمة، ورواه بضعة عشر من الصحابة - ﵃ - عن النبيّ - ﷺ -، ومنع ذلك فِرَقٌ من المبتدعة، منهم المعتزلة، والخوارج، وبعض المرجئة؛ بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقليّة، كاشتراط البنية المخصوصة والمقابلة، واتّصال الأشعّة، وزوال المانع من القرب المفرط، والْبُعد المفرط، والْحُجُب الحائلة، في خَبْط لهم وتحكّم، وأهلُ الحقّ لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلًا سوى وجود المرئيّ، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئيّ، لكن يقترن بالرؤية بحكم العادة أحوال يجوز في العقل شرعًا تبدّلها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «لا يليق بمن مات … إلخ» فيه نظر لا يخفى؛ لأن نصّ الحديث مطلق، لم يفرّق بين طائفة، وطائفة، وأيضًا استدلاله على ذلك بأن من مات يُحشر … إلخ محلّ نظر أيضًا؛ لأن الكلام ليس في الحشر، وإنما هو بعد دخول الجنة، والاستقرار فيها، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. (أَلَمْ تُدْخِلْنَا) بضمّ أوله، من الإدخال (الْجَنَّةَ؟، وَتُنَجِّنَا) بضمّ أوله، وتشديد الجيم، من التنجية، ويَحْتَمل أن يكون بتخفيف الجيم، من الإنجاء (مِنَ النَّارِ؟ قَالَ) - ﷺ - (فَيَكْشِفُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من الكشف (الْحِجَابَ) أي يزيله، ويرفعه، والظاهر أنه رداء الكبرياء الذي تقدم في حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، وقال السنديّ: لا تعارض بين الأحاديث التي وردت في الرؤية مختلفةً في الكيفيّة؛ لكونها تكون مرارًا متعدّدةً. انتهى. (فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا) وفي رواية ابن ماجه: «فَيَنْظُرُونَ إِلَيْه، فَوَاللهِ مَا أَعَطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا (أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿») زاد في رواية ابن ماجه: «وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ»، و«أَقَرّ» من قرّت عينه تَقِرّ - بفتح القاف، وكسرها، من بابي عَلِمَ، وتَعِبَ -. قال في «القاموس»: وقرّت عينه تَقِرُّ بالكسر والفتح قَرَّةً - بالفتح - وتُضمّ، وقُرُورًا: بَرَدَت، وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوّفةً إليه. انتهى . وقال في «اللسان»: واختلفوا في اشتقاق ذلك، فقال بعضهم: معناه بَرَدَت، وانقطع بكاؤها، واستحرارها بالدمع، فإن للسرور دَمْعَةً باردةً، وللحزن دَمعةً حارّة، وقيل: من الْقَرَار، أي رأت ما كانت متشوّفةً إليه، فقرّت ونامت، وأقرّ الله عينه وبعينه، وقيل: أعطاه حتى تقرّ، فلا تطمح إلى من هو فوقه. وقيل: أَقرّ الله عينه مشتقّ من الْقَرُور، وهو الماء البارد، وقيل: أقرّ الله عينك، أي صادفت ما يُرضيك، فتقرّ عينك من النظر إلى غيره، وقيل: أقرّ الله عينه: أنام الله عينه، والمعنى: صادف سُرورًا، يُذهب سَهَره، فينام. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث صهيب - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في الكلام على هذا الحديث: هذا الحديث هكذا رواه المصنّف، والترمذي في «جامعه»، وابن ماجه في «سننه»، وغيرهم من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى، عن صهيب - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال أبو عيسى الترمذيّ، وأبو مسعود الدمشقيّ، وغيرهما: لم يروه هكذا مرفوعًا عن ثابت غير حماد بن سلمة، ورواه سليمان بن المغيرة، وحماد بن زيد، وحماد بن واقد، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى من قوله، ليس فيه ذكرُ النبيّ - ﷺ -، ولا ذكرُ صهيب - ﵁ -. قال النوويّ ﵀ في «شرح مسلم»: وهذا الذي قاله هؤلاء ليس بقادح في صحّة الحديث، فقد قدّمنا في الفصول أن المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء، وأصحاب الأصول، والمحقّقون من المحدّثين، وصححه الخطيب البغداديّ أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متّصلًا، وبعضهم مرسلًا، أو بعضهم مرفوعًا، وبعضهم موقوفًا حُكم بالمتّصل وبالمرفوع؛ لأنهما زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير من كلّ الطوائف. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ من إطلاقه القول: بقبول زيادة الثقة مطلقًا، وكذا الحكم للموصول والمرفوع على الإطلاق، ليس هو المختارَ عند المحدّثين، بل المختار عندهم أن القبول يدور مع القرائن، فإن قامت قرينة لترجيح الوصل والرفع على ضدّهما حُكِم به، وإلا فلا، وكذا القول في زيادة الثقة، وقد استوفيت تحقيق هذا البحث في «شرح المقدمة»، فراجعه تستفد. ثم إن ما قاله النووي من الترجيح هنا مقبول؛ لأن الذي وصله هو حماد بن سَلَمة، وهو مُقَدَّم في ثابت على غيره، فترجّح روايته. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «شرح علل الترمذيّ» في ذكر طبقات أصحاب ثابت البنانيّ: الطبقة الأولى الثقات، كشعبة، وحماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة، ومعمر، وأثبت هؤلاء كلهم في ثابت حمادُ بن سلمة، كذا قال أحمد في رواية ابن هانئ: ما أحدٌ روى عن ثابت أثبتُ من حماد بن سلمة. وقال ابن معين: حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البنانيّ، وقال أيضًا: حماد بن سلمة أعلم الناس بثابت، ومن خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد. وقال ابن المدينيّ: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم مِن بعده سليمان بن المغيرة، ثم من بعده حماد بن زيد، وهي صحاح، يعني: أن أحاديث هؤلاء الثلاثة عن ثابت. وقال أبو حاتم الرازيّ: حماد بن سلمة في ثابت وعليّ بن زيد أحبّ إليّ من همّام، وهو أحفظ الناس، وأعلم الناس بحديثهما، بَيّن خطأ الناس، يعني: أن من خالف حمادًا في حديث ثابت وعليّ بن زبد قُدِّم قول حماد عليه، وحُكم بالخطأ على مخالفه. وحَكَى مسلم في «كتاب التمييز» إجماعَ أهل المعرفة على أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وحَكى ذلك عن يحيى القطان، وابن معين، وأحمد، وغيرهم من أهل المعرفة. وقال الدارقطنيّ: حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت. انتهى ما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى . قلت: فتبيّن بهذا أن رواية حماد بن سلمة بالوصل والرفع هي الراجحة، ولذلك أودعها الإمام مسلم ﵀ في «صحيحه»، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثالثة): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٨٦/ ٤٥٦ و٤٥٧] (١٨١)، و(الترمذيّ) في «صفة الجنّة» (٢٥٥٢)، و«التفسير» (٣١٠٥)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (١٨٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١٣١٥)، و(أحمد) في «مسنده» ٤/ ٣٣٢ و٦/ ١٥، و(هناد بن السريّ) في «الزهد» (١٧١)، و(ابن أبي عاصم) في «السنة» (٤٧٢)، و(عبد الله بن أحمد) في «السنّة» (٢٧١)، و(الطبريّ) في «التفسير» (١٧٦٢٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤١١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤٥٣، ٤٥٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٧٣١٤ و٧٣١٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٤٤١)، و(ابن خزيمة) في «التوحيد» (ص ١٨٠ - ١٨١)، و(الآجريّ) في «التصديق بالنظر» (٣٤ و٣٥ و٣٦)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٧٨٢ و٧٨٤ و٧٨٦ و٨٧٥)، و(اللالكائيّ) في «شرح أصول الاعتقاد» (٧٧٨ و٨٣٣)، و(البيهقيّ) في «البعث والنشور» (٤٤٦)، و«الاعتقاد» (١٢٤)، وفي «الأسماء والصفات» (٣٠٧)، و(البغويّ) في «شرح السنة» (٤٣٩٣). والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، وهي مجمع عليها عند أهل السنّة والجماعة، وإنما خالفت فيها الفرق الضالّة، كالجهميّة، والمعتزلة. ٢ - (ومنها): الردّ على الفرق الضالّة التي أنكرت الصفات، ورؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، وخالفت نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة. ٣ - (ومنها): بيان المراد من ﴿الْحُسْنَى﴾ في قوله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٦]، وهو أولى التفاسير، وأصوبها للآية الكريمة؛ لأن أولى ما فُسّر به النصّ ما جاء في النصّ. ٤ - (ومنها): إكرام الله ﷾ عباده المؤمنين بندائهم لإنجاز موعده لهم. ٥ - (ومنها): أن النظر إلى وجهه الكريم أعظم ما يُعطاه العبد من نعيم الجنة، فكلّ نعيم الجنة دونه، اللهم اجعلنا ممن تُعطيه النظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٥٧] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَزَادَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب (٩٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥، وحمّاد ذُكر في السند الماضي. وقوله: (وَزَادَ) الضمير ليزيد بن هارون. وقوله: (ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) ظاهر هذه الرواية أنه قرأ الآية بعد ما تقدّم من الحديث، ويخالفه ما في «سنن ابن ماجه»، ولفظه: عن صُهيب، قال: تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله مَوْعِدًا يريد أن يُنْجِزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يُثَقِّل الله موازيننا، ويُبَيِّض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر، يعني: إليه، ولا أقرّ لأعينهم». فظاهر هذا أنه بدأ بتلاوة الآية قبل الحديث. ويجاب: بأنه لا تعارض بينهما؛ لأن الواو في رواية ابن ماجه لا ترتّب، فتُحمل على رواية مسلم بـ «ثُمّ»، فتأمل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية يزيد بن هارون التي أحالها المصنّف ﵀ هنا على رواية عبد الرحمن بن مهديّ أخرجها الحافظ أبو نُعيم ﵀ في «مستخرجه» (١/ ٢٤٥)، فقال: (٤٥٣) حدثنا أبو بكر، عبد الله بن يحيى الطَّلْحيّ، ثنا عبد الله بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيب، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، نودوا: يا أهل الجنة إنّ لكم عند الله مَوْعِدًا لم تروه، قالوا: ما هو؟ ألم يُبَيِّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويُدَحْرِجنا عن النار؟، قال: فيَكْشِف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم منه»، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. [تنبيه آخر]: (اعلم): أن تفسير هذه الآية الكريمة، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] بهذا الحديث هو أصحّ ما جاء في تفسيرها، وقد فُسّرت بما هو أعمّ من ذلك. قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ في «تفسيره»: يُخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وزيادةً على ذلك أيضًا، ويَشْمَل ما يُعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قُرَّة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقُّونها بعملهم، بل بفضله ورحمته. وقد رُوي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسُّدّيّ، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم
مصادر المؤلف (٦)

١. «الإصابة» ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٦، و«تهذيب الكمال» ١٣/ ٢٣٧ - ٢٤٠، و«تهذيب التهذيب» ٢/ ٢١٨.

٢. «المفهم» ١/ ٤١٣ - ٤١٤.

٣. «القاموس المحيط» ص ٤١٥.

٤. «لسان العرب» ٥/ ٨٦.

٥. «شرح صحيح مسلم» للنووي ٣/ ١٧.

٦. راجع: «شرح علل الترمذيّ» لابن رجب ٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠.