HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٣

وحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ ِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نَعَمْ». قَالَ «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا. إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ، كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ، إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ. وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كنا نعبد عزير بن اللَّهِ. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ. فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا. يَا رَبَّنَا! فَاسْقِنَا. فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا. فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نعبد المسيح بن اللَّهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ. مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشْنَا. يَا رَبَّنَا! فَاسْقِنَا. قَالَ فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﷾ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا. قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا! فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ. فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ. فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ. وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً. كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ على قفاه. ثم يرفعون رؤوسهم، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ. وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ. وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ! سَلِّمْ سَلِّمْ«. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ»دَحْضٌ مَزِلَّةٌ. فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكٌ. تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ. فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاود الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ. فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ. وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ. وَمَكْدُوسٌ في نار جهنم. حتى إذا خلص المؤمنين مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا مِنْكُمْ من أحد بأشد منا شدة لِلَّهِ، فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ. يَقُولُونَ: رَبَّنَا! كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ. فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّار. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا! مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا. فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا! لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا. فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنَ خير فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقولون: رَبَّنَا! لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا. فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْر فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا! لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا». وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لدنه أجرا عظيما﴾ [٤/النساء/ الآية-٤] «فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ. وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ. قَدْ عَادُوا حُمَمًا. فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ. فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ أَوْ إِلَى الشَّجَرِ. مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ. وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ. قَالَ «فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ. يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ. هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ. ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ. فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا! أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا. فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا! أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ. فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا». قَالَ مُسْلِم: قَرَأْتُ عَلَى عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ الْمِصْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّفَاعَةِ وَقُلْتُ لَهُ: أُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْكَ؛ أَنَّكَ سَمِعْتَ مِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لِعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ: أَخْبَرَكُمُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ إِذَا كَانَ يَوْمٌ صَحْوٌ؟» قُلْنَا: لَا. وَسُقْتُ الْحَدِيثَ حَتَّى انْقَضَى آخِرُهُ وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا قَدَمٍ قَدَّمُوهُ «فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ «فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَمَا بَعْدَهُ». فَأَقَرَّ بِهِ عيسى بن حماد.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص114
ج ١ ص ١٦٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص١٦٨
أَخَذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك، ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولَذّت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلةً؟ قال: أولئك الذين أردتُّ غَرَسْتُ كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تَرَ عينٌ، ولم تسمع أذنٌ، ولم يَخْطُر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله - ﷿ -: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٨٧/ ٤٦٠]، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٥)، (وأبو عوانة) في «مسنده» (٤٣٦)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٤٥٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦١] (١٨٣) - (وَحَدَّثَني سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَني حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «نَعَمْ، قَالَ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤيةِ الشَّمْس بِالظَّهِيرَةِ صحْوًا، لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟، وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا، لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ »، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَة، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة، أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ، مِنَ الْأَصْنَامِ وَالأنصَاب، إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّار، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَاب، فَيُدْعَى الْيَهُودُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ الله، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، أَلا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّار، كَأنَّهَا سَرَابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّار، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ الله، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، أَلا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، كَأنَّهَا سَرَابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّار، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، أتاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﷾ فِي أَدْنَى صُور مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا، أَفْقَرَ مَا كنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، فَيَقُولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيةٌ، فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِه، إِلَّا أَذِنَ اللهُ لَهُ بالسُّجُود، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِياءً، إِلَّا جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَحْضٌ، مَزِلَّةٌ، فِيهِ خَطَاطِيفُ، وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكٌ، تَكُونُ بِنَجْدٍ، فِيهَا شُوَيْكَةٌ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْن، وَكَالْبَرْق، وَكَالرِّيح، وَكَالطَّيْر، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَاب، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَل، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّار، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً للهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ للهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإخْوَانِهِمِ الَّذِينَ فِي النَّار، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّار، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْه، وَإِلَى رُكْبَتَيْه، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِه، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتتا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيث، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ -: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّار، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أفوَاهِ الْجَنَّة، يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاة، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْل، ألَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَر، أَوْ إِلَى الشَّجَر، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ، وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كأنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ؟، قَالَ: فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤ، فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّة، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أفضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سَهْل، أبو محمد الْهَرَويّ، ثم الْحَدَثَانيّ، ويقال: الأنباريّ صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قُدماء [١٠]، (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٧. [تنبيه]: تقديم المصنّف - ﵀ - روايته عن سُويد بن سعيد هذه على روايته عن عيسى بن حماد، مع أن سويدًا متكلّم فيه يردّ قول من يزعم أن مسلمًا يقدّم دائمًا الأحاديث التي ليس في أسانيدها طعن، فإن عيسى بن حماد الذي روى عنه المصنّف بعد هذا متابعةً أوثق منه، مجمع على توثيقه، وروايته أخرجها البخاريّ في«الصحيح»، عن يحيى بن بكير، عن الليث، وهذا يقع كثيرًا من المصنّف - ﵀ -، والظاهر أنه يقدّم ما يراه أنسب، إما في سياق المتن، أو غير ذلك، ولا يلتزم الترتيب في الأسانيد، وسأنبّه على مثل هذا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨]. رَوَى عن زيد بن أسلم، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم. ورَوَى عنه عمرو بن أبي سَلِمَة التِّنّيسيُّ، وابن وهب، والهيثم بن خارجة، وآدم بن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وسويد بن سعيد، وغيرهم، ورَوَى عنه الثوري، وهو أكبر منه. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: ليس به بأس، قلت: إنهم يقولون: عَرَضَ على زيد بن أسلم، فقال: ثقة. وقال ابن معين: ثقة إنما يُطعَن عليه أنه عرض. وقال أيضًا: قد رَوَى الثوري عن أبي عمر الصنعاني، وهو حفص بن ميسرة. وقال مرة: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال في موضع آخر: يُكتب حديثه، ومحله الصدق، وفي حديثه بعض الوهم. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به. وقال الآجري عن أبي داود: يُضَعّف في السماع. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال الساجيّ: في حديثه ضعْفٌ. وقال الأزديّ: رَوَى عن العلاء مناكير، يتكلمون فيه، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي: لا يُلتَفت إلى قول الأزديّ. قال أحمد، وابن يونس، وغيرهما: توفي سنة (١٨١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا. [تنبيه]: اختُلف في نسبة حفص بن ميسرة هذا: هل هو إلى صنعاء الشام، أم إلى صنعاء اليمن؟ فقال الأكثرون: إنه من صنعاء الشام، وممن قال بهذا: أحمد، والبخاريّ، والنسائيّ، والفلاس، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم، وقال أبو حاتم: إنه من صنعاء اليمن، وعليه يدلّ صنيع ابن أبي داود، قال أبو القاسم: وهو أشبه . والله تعالى أعلم. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقة فقيه، يُرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الْهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقة فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو وابن ماجه، وحفص، فما أخرج له الترمذيّ، وأخرج له أبو داود في «المراسيل». ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فحدَثَانيّ، وحفص، فعسقلانيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: زيد، عن عطاء. ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد - ﵁ - أحد المكثرين السبعة من الصحابة - ﵁ -، روى (١١٧) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - (أَن نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَعَمْ) أي ترونه (قَالَ) - ﷺ - موضّحًا لهم كيف يرونه (هَلْ تُضَارُّونَ) تقدّم أنه بتشديد الراء مفاعلة من الضرّ، أو بتخفيفها، من الضير، وهو بمعناه (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ) أي وقت انتصاف النهار، قال الفيّوميّ - ﵀ -:»الظهيرة«: الهاجرة، وذلك حين تزول الشمس. انتهى . (صَحْوًا) أي حين لا سحاب، قال المجد:»الصحو«: ذهاب الغيم والسُّكْر. انتهى ، وقال الفيّوميّ: أصحت السماء بالألف، فهي مصحية: انكشف غيمها، وأنكر الكسائيّ استعمال اسم الفاعل من الرباعيّ، فقال: لا يقال: أصحت، فهي مصحيةٌ، وإنما يقال: أصحت، فهي صَحْوٌ، وأصحى اليومُ، فهو مصح، وأصحينا: صِرْنا في صَحْوٍ، قال السجستانيّ: والعامّة تظنّ أن الصَّحْو لا يكون إلا ذهاب الغيم، وليس كذلك، وإنما الصحو تفرّق الغيم مع ذهاب البرد. انتهى ، فقوله: (لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟) تأكيد للصحو (وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا، لَيْسَ فِيهَا) أي في السماء بقرينة المقام، وإن لم يَجر لها ذكرٌ، قاله في«المرقاة»، وفي نسخة:«ليس فيه»بضمير المذكّر، وهو واضح، أي في القمر (سَحَابٌ؟«، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: »مَا) نافية (تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَة، إِلَّا كلمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيةِ أَحَدِهِمَا) معناه: لا تُضَارُّون أصلًا كما لا تضارون في رؤيتهما أصلًا . وقال الطيبيّ - ﵀ -: كان الظاهر أن يقال: لا تضارّون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما، ولكنه أُخرج مخرج قوله [من الطويل]: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ أي لا تشكّون إلا كما تشكّون في رؤية القمرين، وليس في رؤيتهما شكّ، ولا تشكّون فيه البتّة. انتهى . (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) «كان»، هنا تامّة بمعنى جاء ووقع، و«يومُ» مرفوع على الفاعليّة، ويحتمل أن تكون ناقصةً، و«يوم» منصوب على أنه خبرها، واسمها محذوف، أي إذا كان الزمن يومَ القيامة (أَذَنَ مُؤَذِّنٌ) أي نادى منادٍ (لِيَتَّبعْ) بفتح حرف المضارعة، وتشديد التاء، وكسر الموحّدة، مضارع اتّبع، من باب الافتعال، ويحتمل أن يكون بسكون التاء، وفتح الموحّدة مضارع تَبعَ ثلاثيًّا (كلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ، مِنَ الْأَصْنَامِ) بفتح الهمزة جمع صَنَم بفتحتين: هو الوثَنَ المتّخذ من الحجارة، أو الخشب، ويقال: الصنم: المتّخذ من الجواهر المعدنيّة التي تذوب، والوَثَن: هو المتّخذ من حجر، أو خشب، وقال ابن فارس: الصنم: ما يُتّخذ من خشب أو نُحاس، أو فضّة، والجمع أصنام . (وَالْأنصَابِ) بفتح الهمزة أيضًا: جمع نُصُب بضمّتين: حجرٌ نُصِبَ، وعُبد من دون الله، وقيل: النُّصبُ جمع واحدها نِصَابٌ، قيل: هي الأصنام، وقيل: غيرها، فإن الأصنام مصوَّرةٌ منقوشةٌ، والأنصاب بخلافها . (إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ) أي يقعون فيها (حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ) بفتح أوله وثالثه، وسكون الموحّدة: مضارع بَقِيَ (إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ) بفتح الموحّدة، وتشديد الراء، يقال: بَرّ الرجل يَبَرّ بِرًّا، وزانُ عَلِمَ يَعْلَمُ علْمًا، فهو بَرّ بالفتح، وبارّ: أي صادق، أو تقيّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول: أبرار، وجمع الثاني: بَرَرَةُ، مثلُ كافر وكفرة . (وَفَاجِرٍ) أي فاسق، وهو خلاف البرّ (وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ) - بضم الغين المعجمة، وفتح الباء الموحدة المشددة -: جمع غابر، كما قال في «الخلاصة»: وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ ومعناه: بقاياهم (فَيُدْعَى الْيَهُودُ) بالبناء للمفعول، وقدم اليهود بسبب تقدم ملتهم على ملة النصارى (فَيُقَالُ لَهُمْ) قال الحافظ - ﵀ -: لم أقف على تسمية قائل ذلك لهم، والظاهر أنه الملك الموكل بذلك (مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟) «ما» استفهاميّة، أي: أيّ شيء كنتم تعبدون في الدنيا؟ (قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ) قال في «الفتح»: هذا فيه إشكال؛ لأن المتصف بذلك بعض اليهود، وأكثرهم ينكرون ذلك، ويمكن أن يجاب بأن خصوص هذا الخطاب لمن كان مُتَّصِفًا بذلك، ومَن عداهم يكون جوابهم ذِكْرُ مَن كفروا به، كما وقع في النصارى، فإن منهم من أجاب بالمسيح ابن الله مع أن فيهم من كان بزعمه يعبد الله وحده، وهم الاتحادية الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم (فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ) قال الكرمانيّ - ﵀ -: التصديق والتكذيب لا يرجعان إلى الحكم الذي أشار إليه، فإذا قيل: جاء زيد بن عمرو بكذا، فمن كَذَّبه أنكر مجيئه بذلك الشيء، لا أنه ابن عمرو، وهنا لم ينكر عليهم أنهم عَبَدُوا، وإنما أنكر عليهم أن المسيح ابن الله. قال: والجواب عن هذا أن فيه نفي اللازم، وهو كونه ابن الله؛ ليلزم نفي الملزوم وهو عبادة ابن الله. قال: ويجوز أن يكون الأول بحسب الظاهر، وتحصل قرينة بحسب المقام، تقتضي الرجوع إليهما جميعًا، أو إلى المشار إليه فقط. وقال ابن بطال - ﵀ -: في هذا الحديث: أن المنافقين يتأخرون مع المؤمنين، رجاءَ أن ينفعهم ذلك، بناء على ما كانوا يظهرونه في الدنيا، فظنوا أن ذلك يستمرّ لهم، فميّز الله تعالى المؤمنين بالغرّة والتحجيل؛ إذ لا غُرّة للمنافق، ولا تحجيل. قال الحافظ - ﵀ -: قد ثبت أن الغرّة والتحجيل خاصّ بالأمة المحمدية، فالتحقيق أنهم في هذا المقام يتميزون بعدم السجود، وبإطفاء نورهم بعد أن حَصَلَ لهم، وَيحْتَمِل أن يحصل لهم الغرة والتحجيل، ثم يسلبان عند إطفاء النور. وقال القرطبيّ - ﵀ -: ظَنّ المنافقون أن تستُّرهم بالمؤمنين ينفعهم في الآخرة، كما كان ينفعهم في الدنيا؛ جهلًا منهم. وَيَحْتَمِل أن يكونوا حُشِروا معهم؛ لما كانوا يُظهِرونه من الإسلام، فاستمرّ ذلك حتى ميّزهم الله تعالى منهم. قال: ويَحْتَمِل أنهم لَمّا سَمِعوا: «لِتَتَّبعْ كلُّ أمة مَن كانت تعبد»، والمنافق لم يكن يعبد شيئًا بَقِي حائرًا حتى مُيِّز. انتهى . قال الحافظ - ﵀ -: هذا ضعيفٌ؛ لأنه يقتضي تخصيص ذلك بمنافق كان لا يعبد شيئًا، وأكثر المنافقين كانوا يعبدون غير الله من وثن وغيره. انتهى . (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ) هو معنى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠]. (فَمَاذَا تَبْغُونَ؟) أي أيّ شيء تطلبون؟ (قَالُوا: عَطِشْنَا) بكسر الطاء، من باب تَعِبَ (يَا رَبَّنا فَاسْقِنَا) يحتمل أن تكون الهمزة للوصل، مِن سقى ثلاثيًّا، من قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ويحتمل أن تكون للقطع مِن أسقى رباعيًّا، من قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ الآية [الجن: ١٦]. (فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، ألا) هي هنا أداة تحضيض، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [التوبة: ١٣]، والتحضيض: هو طلب الشيء بحثّ وإزعاج، وأما الْعَرض، فهو طلبه بلين ورفق . (تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ) بالبناء للمفعول (إِلَى النَّار، كَأنَّهَا سَرَابٌ) - بفتح السين المهملة، وتخفيف الراء -: قال المجد: هو ما تراه نصف النهار، كأنه ماء. انتهى . وقال النوويّ: «السَّرَابُ»: هو الذي يتراءى للناس في الأرض القفر، والقاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد، لامعًا مثل الماء، يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فالكفار يأتون جهنم - أعاذنا الله الكريم، وسائر المسلمين منها، ومن كل مكروه - وهم عِطاشٌ، فيحسبونها ماءً، فيتساقطون فيها. انتهى . وقال ابن منظور: السّرَابُ: الآلُ، وقيل: السرَابُ: الذي يكون نصف النهار لاطئًا بالأرض، لاصقًا بها، كأنه ماءٌ جارٍ، والآلُ: الذي يكون بالضحى، يَرفع الشُّخُوصَ، وَيزهاها كالملا بين السماء والأرض، وقال ابن السّكّيت: السرابُ: الذي يجري على وجه الأرض كأنه الماء، وهو يكون نصف النهار، وقال الأصمعيّ: الآل والسراب واحدٌ، وخالفه غيره، فقال: الآل من الضحى إلى زوال الشمس، والسراب بعد الزوال إلى صلاة العصر، واحتجّوا بأن الآل يرفَعُ كلَّ شيء حتى يصير آلًا: أي شَخْصًا، وأن السراب يَخفِض كلّ شيء حتى يصير لازقًا بالأرض، لا شخص له، وقال يونس: تقول العرب: الآل من غُدْوة إلى ارتفاع الضحى الأعلى، ثم هو سرابٌ سائرَ اليوم، وقال أبو الهيثم: سُمّي السراب سَرَابًا؛ لأنه يَسْرِبُ سُرُوبًا: أي يجري جَرْيًا. انتهى . (يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا) بكسر الطاء، يقال: حَطِمَ الشيءُ حَطَمًا، من باب تَعِبَ، فهو حَطِمٌ: إذا تكَسّر، ويتعدّى بالحركة، فيقال: حَطَمته حَطْمًا، من باب ضَرَبَ، فانحطم، وحطّمته بالتشديد مبالغةٌ، قاله الفيّوميّ . وقال النوويّ - ﵀ -: «الْحَطْمُ»: الكسر، والإهلاك، و«الْحُطَمة»: اسم من أسماء النار؛ لكونها تَحْطِم ما يُلْقَى فيها . (فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّار، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ الله، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ، وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ، ألا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، كَأنَّهَا سَرَابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّار، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، أتاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﷾ فِي أَدْنَى صُور مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا) قال النوويّ: معنى «رأوه فيها»: عَلِمُوها له، وهي صفته المعلومة للمؤمنين، وهي أنه لا يُشبهُهُ شيء، وقد تقدم الإتيان والصورة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن النوويّ تبعًا للقاضي عياض، وغيره ممن يؤوّلون صفة الإتيان والصورة، وقدّمنا أن هذا مذهب غير صحيح، وأن الحقّ ثبوتهما له - ﷾ - كما أثبتها هذا الحديث الصحيح، على ما يليق بجلاله - ﷾ -، ولا يلزم من ذلك تشبيه، كما زعمت المعطّلة، والمؤوّلة، فنثبتهما ونعتقد أنهما ثابتان له على ما يليق به إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، والله تعالى أعلم. (قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا، أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ) قال النوويّ - ﵀ -: معنى قولهم هذا: التضرّع إلى الله تعالى في كشف هذه الشدّة عنهم، وأنهم لَزِمُوا طاعته - ﷾ -، وفارقوا في الدنيا الناس الذين زاغوا عن طاعته سبحانه، من قراباتهم وغيرهم، ممن كانوا يَحتاجون في معايشهم، ومصالح دنياهم إلى معاشرتهم؛ للارتفاق بهم، وهذا كما جَرَى للصحابة المهاجرين وغيرهم، ومن أشبههم من المؤمنين في جميع الأزمان، فإنهم يُقاطعون مَن حادّ الله تعالى ورسوله - ﷺ - مع حاجتهم في معايشهم إلى الارتفاق بهم، والاعتضاد بمخالطتهم، فآثروا رِضَى الله تعالى على ذلك، وهذا معنًى ظاهرٌ في هذا الحديث، لا شكّ في حسنه، وقد أنكر القاضي عياض - ﵀ - هذا الكلام الواقع في «صحيح مسلم»، وادَّعَى أنه مُغَيَّرٌ، وليس كما قال، بل الصواب ما ذكرناه. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، لَا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ) هكذا هو في الأصول: «ليكاد أن ينقلب» بإثبات «أن»، وإثباتُها مع «كاد» لغة قليلة، كما أن حذفها مع «عسى» لغة قليلة بالعكس، كما قال في «الخلاصة»: وَكَوْنُهُ بِدُونِ «أَنْ» بَعَدَ «عَسَى» … نَزْرٌ وَ«كَادَ» الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا وقوله: «ينقلب» - بياء مثناة من تحتُ، ثم نون، ثم قاف، ثم لام، ثم باء موحدة - ومعناه - والله أعلم - ينقلب عن الصواب، ويرجع عنه للامتحان الشديد الذي جرى، قاله النوويّ . (فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ، فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) قال النوويّ: ضُبط «يكشف» بفتح الياء، وضمّها، وهما صحيحان. وقال في «الفتح»: هذا يحتمل أن الله عَرّفهم على ألسنة الرسل من الملائكة، أو الأنبياء أن الله جَعَل لهم علامة تجليه الساق، وذلك أنه يمتحنهم بإرسال مَن يقول لهم: أنا ربكم، والى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، وهي وإن ورد أنها في عذاب القبر، فلا يبعد أن تتناول يوم الموقف أيضًا. قال: وأما الساق: فجاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: عن شِدّة من الأمر، والعرب تقول: قامت الحرب على ساق: إذا اشتدّت، ومنه: قَدْ سَنَّ أَصْحَابُكَ ضَرْبَ الأَعْنَاقْ … وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقْ وجاء عن أبي موسى الأشعريّ في تفسيرها: «عن نور عظيم»، قال ابن فُورك: معناه ما يتجدد للمؤمنين من الفوائد والألطاف، وقال المهلب: كشف الساق للمؤمنين رحمة، ولغيرهم نقمةٌ، وقال الخطابيّ: تَهِيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق، ومعنى قول ابن عباس: إن الله يكشف عن قُدرته التي تَظهر بها الشدة، وأسند البيهقيّ الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كلُّ منهما حسن، وزاد: «إذا خَفِي عليكم شيء من القرآن فأتبعوه من الشعر»، وذكر الرجز المشار إليه، وأنشد الخطابيّ في إطلاق الساق على الأمر الشديد: فِي سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا وأسند البيهقيّ من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: يريد يوم القيامة، قال الخطابيّ: وقد يُطلَق ويراد النفس. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة الساق قد اختلف فيها السلف هل هي من الصفات أم لا؟، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ - إجماع السلف على عدم تأويل آيات الصفات وأحاديثها، وأنه طالع أكثر من مائة تفسير نُقِلت عن الصحابة، فلم يجد في شيء منها أن أحدًا تأوّل نصوص الصفات، ثم قال: وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، فرُوي عن ابن عبّاس وطائفة: أن المراد به الشدّة، أن الله يكشف عن الشدّة في الآخرة، وعن أبي سعيد، وطائفة أنهم عدّوها من الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في «الصحيحين» - يعني هذا الحديث - قال: ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدلّ على أن هذه من الصفات، فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يُضفها إلى الله، ولم يقل: عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف. انتهى كلام شيخ الإسلام - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: كون الآية من الصفات هو الظاهر، ولذلك أورد الحديث الإمام البخاريّ في «التفسير» عند قوله: «باب يوم يُكْشَف عن ساق» مستدلًّا على أن ما دلّت عليه الآية هو الذي دلّ عليه الحديث، وإذا قلنا: إن الساق من الصفات، فهو كاليد، والأصابع، والوجه، والقدم، وغير ذلك مما أثبته النصّ الصحيح لله - ﷾ - على ما يليق بجلاله، بلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ) أي مختارًا من جهة نفسه، مخلصًا لله تعالى، لا لجهة اتّقاء الخلق، وتعلّق الرجاء بهم (إِلَّا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُود، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً) أي احترازًا من السيف، أو خوفًا من لوم الناس وعتابهم له (وَرِياءً) أي مراءاةً للناس، ومسامعة لهم (إِلَّا جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً) بفتح الطاء والباء، قال الهرويّ وغيره: الطَّبَقُ: فَقَارُ الظهر، أي صار فَقَارةً واحدةً كالصفحة، فلا يقدر على السجود (كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ) أي سقط (عَلَى قَفَاهُ) قال النوويّ - ﵀ -: هذا السجود امتحان من الله تعالى لعباده، وقد استدل بعض العلماء بهذا مع قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] على جواز تكليف ما لا يطاق، وهذا استدلال باطل، فإن الآخرة ليست دار تكليف بالسجود، وإنما المراد امتحانهم. وقال ابن بطال: تَمَسّك به من أجاز تكليف ما لا يطاق من الأشاعرة، واحتجوا أيضًا بقصة أبي لهب، وأن الله كلفه الإيمان به مع إعلامه بأنه يموت على الكفر، ويَصْلَى نارًا ذات لهب، قال: ومنع الفقهاء من ذلك، وتمسّكوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأجابوا عن السجود بأنهم يُدْعَون إليه تبكيتًا؛ إذ أدخلوا أنفسهم في المؤمنين الساجدين في الدنيا، فدُعُوا مع المؤمنين إلى السجود، فتعذر عليهم، فأظهر الله بذلك نفاقهم، وأخزاهم، قال: ومثله من التبكيت ما يقال لهم بعد ذلك: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق، بل إظهار خزيهم، ومثله: «كُلِّفَ أن يَعْقِد شعيرة»، فإنها للزيادة في التوبيخ والعقوبة. انتهى. قال الحافظ: ولم يُجِب عن قصة أبي لهب، وقد ادَّعَى بعضهم أن مسألة تكليف ما لا يطاق لم تقع إلا بالإيمان فقط، وهي مسألة طويلة الذيل، ليس هذا موضع ذكرها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أني استوفيت البحث المتعلّق بتكليف ما لا يُطاق في نظمي «التحفة المرضيّة» وشرحها، فارجع إليهما تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: (اعلم): أن هذا الحديث قد يُتَوَهَّم منه أن المنافقين يرون الله تعالى مع المؤمنين، وقد ذهب إلى ذلك طائفة، حكاه ابن فُورك؛ لقوله - ﷺ -: «وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تعالى …»، قال النوويّ: وهذا الذي قالوه باطل، بل لا يراه المنافقون بإجماع من يُعْتَدّ به من علماء المسلمين، وليس في هذا الحديث تصريح برؤيتهم الله تعالى، وإنما فيه أن الجمع الذي فيه المؤمنون والمنافقون يرون الصورة، ثم بعد ذلك يرون الله تعالى، وهذا لا يقتضي أن يراه جميعهم، وقد قامت دلائل الكتاب والسنة على أن المنافق لا يراه - ﷾ -، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . [تنبيه آخر]: وقع في رواية البخاريّ: «ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعةً، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا»، فذكر العلامة جمال الدين بن هشام في «المغني» أنه وقع في البخاري في هذا الموضع «كَيْ» مجرَّدةً، وليس بعدها لفظ «يسجد»، فقال بعد أن حَكَى عن الكوفيين أنّ «كي» ناصبة دائمًا، قال: ويرُدُّه قولهم: «كيمه» كما يقولون: «لِمَهْ»، وأجابوا: بأن التقدير «كي تفعل ماذا؟»، ويلزمهم كثرة الحذف، وإخراج «ما» الاستفهامية عن الصدر، وحذف ألفها في غير الجرّ، وحذف الفعل المنصوب مع بقاء عامل النصب، وكل ذلك لم يَثْبُت. نعم، وقع في «صحيح البخاري» في تفسير ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢]: «فيذهب كيما، فيعود ظهره طبقًا واحدًا»، أي كيما يسجد، وهو غريب جدًّا، لا يحتمل القياس عليه. انتهى كلامه. قال الحافظ بعد نقل كلام ابن هشام هذا ما نصّه: وكأنه وقعت له نسخة، سَقَطت منها هذه اللفظة، لكنها ثابتة في جميع النسخ التي وَقَفتُ عليها، حتى إن ابن بطال ذكرها بلفظ «كي يسجدَ» بحذف «ما»، وكلام ابن هشام يوهم أن البخاريّ أورده في «التفسير»، وليس كذلك، بل ذكرها في «التوحيد» فقط. انتهى كلام الحافظ . (ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) قال النوويّ: هكذا ضبطناه «صورته» بالهاء في آخرها، ووقع في أكثر الأصول، أو كثير منها في «صورة» بغير هاء، وكذا هو في «الجمع بين الصحيحين» للحميديّ، والأول أظهر، وهو الموجود في «الجمع بين الصحيحين» للحافظ عبد الحقّ، ومعناه: وقد أزال المانع لهم من رؤيته، وتجلى لهم. انتهى . (فَقَالَ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أنتَ رَبُّنَا، ثُمَّ يُضْرَبُ) أي يُجعَلُ ويُمَدّ (الْجِسْرُ) بفتح الجيم وكسرها، لغتان مشهورتان، وهو الصراط (عَلَى جَهَنَّمَ) أي على متنها وظهرها (وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ) بكسر الحاء، وقيل: بضمّها، ومعناها: أنها تَقَعُ، ويؤذن فيها (ويَقُولُونَ) أي الرسل؛ لأنه لا يتكلّم في ذلك الوقت غيرهم، كما سبق قوله - ﷺ -: «ولا يتكلّم يومئذ إلا الرسل» (اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) أي سلّمنا، وسلّم أممنا من ضرر الصراط، وتكراره مرتين المراد به الكثرة، أو باعتبار كلّ واحد من أهل الشفاعة، أو للإلحاح في الدعاء كما هو من آدابه . (قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَحْضٌ) بفتح الدال، وسكون الحاء المهملة، وتنوينه، هو من دَحَضَ بمعنى: زَلّ، ومنه: دَحَضَت الشمس: أي مالت، وحُجَّة داحضةٌ: أي لا ثَبَات لها، ووقع في «صحيح البخاريّ» في رواية أبي ذر عن الكشميهنيّ: «الدَّحْضُ: الزَّلَقُ ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ لِيَزلِقُوا، ﴿زَلَقًا﴾: لا يثبت فيه قدم». انتهى. فقوله: (مَزِلَّةٌ) تأكيد لـ«دَحْضٌ»، وهو بفتح الميم، وفتح الزاي، وكسرها، وتشديد اللام، لغتان مشهورتان: هو الموضع الذي تزلّ فيه الأقدام، ولا تستقرّ فيه، ويقال: بالكسر في المكان، وبالفتح في المقال . (فِيهِ خَطَاطِيفُ) بالفتح: جمع خُطّاف، بضم الخاء في المفرد، وقوله: (وَكَلَالِيبُ) بالفتح أيضًا: جمع كَلّوب، وهو بمعنى: الخَطاطيف، وهي الحديدة المعوجّة، يُختطَف بها الشيءُ: أي يُستلَبُ، ويؤخذُ بسرعة (وَحَسَكٌ) - بفتح الحاء والسين المهملتين -: هو شَوْكٌ صَلْبٌ من حديد ، وقال صاحب «التهذيب» وغيره: «الْحَسَكُ»: نبات له ثَمَرٌ خَشِنٌ، يتعلق بأصواف الغنم، ورُبّما اتُّخِذ مثله من حديد، وهو من آلات الحرب. انتهى . (تَكُونُ بِنَجْدٍ) أي توجد بالبلد المعروف بهذا الاسم، وهو بفتح النون، وسكون الجيم: هو في الأصل ما ارتفع من الأرض، والجمع نُجُود، مثلُ فَلْس وفُلُوس، والمراد هنا البلد المعروف، وهو من ديار العرب مما يلي العراق، وليس من الحجاز، وإن كان من جزيرة العرب، قال في «التهذيب»: كلُّ ما وراء الْخَنْدق الذي خَنْدقه كسرى على سواد العراق، فهو نَجْدٌ إلى أن تميل إلى الحرّة، فإذا مِلْتَ إليها، فأنت في الحجاز، وقال الصغانيّ: كلُّ ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. انتهى . (فِيهَا شُوَيْكَةٌ) تصغير شوكة (يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ) تقدّم ضبطها ومعناها في الحديث الماضي. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ: «وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ، لها شوكةٌ عُقيفاء، تكون بنجد». قال في «الفتح»: قوله: «مُفَلْطَحَةٌ» بضم الميم، وفتح الفاء، وسكون اللام، بعدها طاء، ثم حاء مهملتان، كذا وقع عند الأكثر، وفي رواية الكشميهنيّ: «مُطَلْفَحَةٌ» بتقديم الطاء، وتأخير الفاء واللام قبلها، ولبعضهم كالأول، لكن بتقديم الحاء على الطاء، والأول هو المعروف في اللغة، وهو الذي فيه اتّساع، وهو عَرِيض، يقال: فَلْطَحَ الْقُرْصَ: بَسَطَهَ، وعَرَضَهُ. وقوله: «شَوْكَةٌ عَقِيفَةٌ» بالقاف، ثم الفاء، بوزن عَظِيمة، ولبعضهم عُقَيْفَاء بصيغة التصغير ممدود. انتهى. (فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ) أي على الصراط (كَطَرْفِ الْعَيْنِ) أي مثل إطباق جَفْن العين، قال في «اللسان»: الطَّرْفُ: إطباقُ العين على الْجَفْن، طَرَفَ يَطْرِف طَرْفًا: لَحَظَ، قال: والطَّرْف: تحريك الْجُفُون في النظر. انتهى . (وَكَالْبَرْقِ) بفتح، فسكون (وَكَالرِّيح، وَكَالطَّيْر، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ) من إضافة الصفة للموصوف، قال في «النهاية»: «الأجاويد»: جمع أجواد، وهو جمع جواد، وهو الفرس السابق الجيّد . (وَالرِّكَابِ) بالراء، وتخفيف الكاف: أي الإبل، واحدتها راحلة من غير لفظها، فهو عطفٌ على الخيل، والخيل جمع الفرس من غير لفظه. والمعنى: أنهم في مرورهم على الصراط متفاوتون على حسب أعمالهم، فمن بلغ من العمل، والإخلاص الدرجة القصوى، كان مروره كطرف العين، والذي يليه كالبرق، وهكذا، والله تعالى أعلم. (فَنَاجٍ) الفاء للتفريع، أو للتفصيل، وقد قسم المارّة على الصراط بطريق الإجمال على ثلاث فِرَق، بحسب مراتبهم في العقيدة والعمل والمعرفة، والمعنى: فمنهم ناجٍ (مُسَلَّمٌ) بفتح اللام المشدّدة: أي ينجو من العذاب، ولا يثاله مكروه من ذلك (وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ) أي ومنهم مجروح مخلَّص، يعني: أنه يُخدَش بالْكَلُّوب، ثم يُرسل: أي يُطلق من ذلك الكلّوب، ويتجاوزه، وقيل: معنى «مخدوش»: أي الذي يُخدّش بالكلّوب، فيُرسل إلى النار من عصاة أهل الإيمان، و«مرسل»: أي مطلق من القيد والْغُلّ بعد أن عُذّب مدّة. انتهى، والمعنى الأول أقرب وأوضح، والله تعالى أعلم. (وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي: ومنهم مدفوع في نار جهنّم، قال في «النهاية»: وتكدّس الإنسانُ: إذا دُفع من ورائه، فسَقَطَ، ويُروى بالشين المعجمة من الْكَدْش، وهو السوق الشديد، والْكَدْش: الطرد، والْجَرْح أيضًا. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: معناه: أنهم ثلاثة أقسام: قسمٌ يَسْلَم، فلا يناله شيء أصلًا، وقسم يُخْدَش، ثم يُرْسَل، فيَخْلُص، وقسمٌ يُكَرْدس، ويُلْقَى، فيسقط في جهنم. وأما مَكْدُوسٌ: فهو بالسين المهملة، هكذا هو في الأصول، وكذا نقله القاضي عياض - ﵀ - عن أكثر الرواة، قال: ورواه الْعُذريّ بالشين المعجمة، ومعناه بالمعجمة: السَّوْق، وبالمهملة: كون الأشياء بعضها على بعض، ومنه: تَكَدَّست الدواب في سيرها: إذا رَكِبَ بعضُها بعضًا . (حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ) بفتح الخاء المعجمة، واللام: أي نجوا، يقال: خَلَصَ الشيءُ من التَّلَفِ خُلُوصًا من باب قَعَدَ، وخَلاصًا، ومَخْلَصًا: سَلِمَ ونَجَا، وخَلَصَ الماءُ من الْكَدَر: صَفَا، وخَلّصته بالتثقيل: مَيّزته من غيره . قال القاريّ - ﵀ -: «حتى» غاية لمرور البعض على الصراط، وسقوط البعض في النار، وقال الطيبيّ - ﵀ -: «حتى» غاية قوله: «مكدوس في نار جهنّم»، أي: يبقى المكدوس في النار حتى يخلُص بعد العذاب بمقدار ذنبه، أو بشفاعة الرسول - ﷺ -، أو بفضل الله تعالى، ووُضع «المؤمنون» في موضع الراجع إلى المكدوس؛ إشعارًا بالعليّة، وأن صفة الإيمان منافية للخلود في النار. انتهى . وقوله: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) جواب «إذا» (مَا مِنْكُمْ) خطاب للمؤمنين (مِنْ أَحَدٍ) «من» زائدة، «وأحد» اسم «ما» الحجازيّة، أو هو مبتدأ على أنها تميميّة (بِأَشَدَّ) خبر «ما» (مُنَاشَدَةً) منصوب على التمييز (للهِ) متعلّق بـ «مناشدة» (فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ) متعلّق بـ «مناشدةً» أيضًا، ومعنى الاستقصاء: المبالغة في المطالبة، قال المجد - ﵀ -: واستقصى في المسألة، وتَقَصى: بلغ الغاية. انتهى . (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) متعلّق بـ «أشدّ»، أي بأشدّ مناشدةً منكم، فوُضع المظهر موضع المضمر (للهِ) متعلّق بـ «مناشدة» (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لـ «أشدّ» (لإخْوَانِهِمِ) أي لأجل إخراج إخوانهم (الَّذِينَ فِي النَّارِ) قال النوويّ - ﵀ -: اعلم: أن هذه اللفظة - يعني «استقصاء الحقّ» - ضُبِطَت على أوجه: [أحدها]: «استيضاء» بتاء مثناة من فوقُ ثم ياء مثناة من تحتُ، ثم ضاد معجمة. [والثاني]: «استضاء» بحذف المثنّاة من تحتُ. [والثالث]: «استيفاء» بإثبات المثنّاة من تحتُ، وبالفاء بدل الضاد. [والرابع]: «استقصاء» بمثناة من فوقُ، ثم قاف، ثم صاد مهملة. فالأول موجود في كثير من الأصول ببلادنا، والثاني: هو الموجود في أكثرها، وهو الموجود في «الجمع بين الصحيحين» للحميديّ، والثالث: في بعضها، وهو الموجود في «الجمع بين الصحيحين» لعبد الحقّ الحافظ، والرابع: في بعضها، ولم يذكر القاضي عياض غيره، وادَّعَى اتفاق النُّسَخِ عليه، وادَّعَى أنه تصحيف، وَوَهَمٌ، وفيه تغيير، وأن صوابه ما وقع في كتاب البخاري من رواية ابن بُكير: «بأشدّ مناشدَةً في استقصاء الحقّ - يعني: في الدنيا - من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم»، وبه يتم الكلام، ويتوجه، هذا آخر كلام القاضي - ﵀ -. قال النوويّ: وليس الأمر على ما قاله، بل جميع الروايات التي ذَكَرناها صحيحة، لكل منها مَعنًى حَسَنٌ، وقد جاء في رواية يحيى بن بكير، عن الليث: «فما أنتم بأشدّ مناشدة في الحقّ، قد تبيّن لكم من المؤمنين يومئذ للجبّار تعالى وتقدس، إذا رأوا أنهم قد نَجَوْا في إخوانهم»، وهذه الرواية التي ذكرها الليث، توضح المعنى، فمعنى الرواية الأولى والثانية: إنكم إذا عَرَضَ لكم في الدنيا أمرٌ مُهِمٌّ، والتبس الحال فيه، وسألتم الله تعالى بيانه، وناشدتموه في استيضائه، وبالغتم فيها، لا تكون مناشدة أحدكم مناشدةً بأشدّ من مناشدة المؤمنين لله تعالى في الشفاعة لإخوانهم، وأما الرواية الثالثة والرابعة: فمعناهما أيضًا: ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقّه، أو استقصائه، وتحصيله من خَصمه والْمُعْتَدِي عليه بأشدّ من مناشدة المؤمنين الله تعالى في الشفاعة لإخوانهم يوم القيامة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، وهو توجيهٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (يَقُولُونَ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأن سائلًا قال: فماذا يقولون في هذه المناشدة؛ فأجاب بأنهم يقولون (رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ) ولفظ البخاريّ: «إخواننا الذين كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا» (فَيُقَالُ لَهُمْ) لفظ البخاريّ: «فيقول الله تعالى: اذهبوا …» (أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ) أي بالصفة الآتية (فَتُحَرَّمُ) بالبناء للمفعول، أي تُمنَع (صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ) أي بأن تأكلها، أو تسوّدها (فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْه، وَإِلَى رُكبَتَيْه، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ) أي بإخراجه (فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ) أي مقداره (مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْر، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا) قال القاضي عياض - ﵀ -: قيل: معنى الخير هنا اليقين، قال: والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان؛ لأن الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ، وإنما يكون هذا التجزؤ لشيء زائد عليه، من عمل صالح، أو ذِكْرٍ خَفِيٍّ، أو عمل من أعمال القلب، من شفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، ونيّة صادقة، ويدل عليه قوله في الرواية الأُخرى في الكتاب: «يَخْرُج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ كذا»، ومثله الرواية الأخرى: «يقول الله تعالى: شَفَعَت الملائكة، وشَفَع النبيون، وشَفَع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيَقْبض قبضة من النار، فيُخْرِج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط»، وفي الحديث الآخر: «لأخْرِجنّ من قال: لا إله إلا الله»، قال القاضي - ﵀ -: فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان، وهم الذين لم يُؤذَن في الشفاعة فيهم، وإنما دَلَّت الآثار على أنه أُذِن من عنده شيء زائد على مجرد الإيمان، وجُعِل للشافعين من الملائكة والنبيين - صلوات الله وسلامه عليهم - دليلًا عليه، وتفرّد الله - ﷿ - بعلم ما تُكِنّه القلوب، والرحمة من ليس عنده إلا مجرد الإيمان، وضَرَبَ بمثقال الذرة المثل لأقل الخير، فإنها أقل المقادير، قال القاضي: وقوله تعالى: من كان في قلبه ذَرّةٌ، وكذا، دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حَضَر له القلب، وصحبته نية، وفيه دليل على زيادة الإيمان ونقصانه، وهو مذهب أهل السنة، هذا آخر كلام القاضي - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نقل النوويّ كلام عياض، ولم يتعقّبه في قوله: «لأن الإيمان هو التصديق، لا يتجزّأ … إلخ»، وهذا جار على اعتبار أن الأعمال من ثمرات الإيمان، ومكمّلاته، كما هو واضحّ من هذا الكلام، والحقّ أن الإيمان قول، وعمل، واعتقاد، يزيد وينقص، فالعمل داخلٌ في مسمّى الإيمان، وجزء منه، وقد سبق في أوائل هذا الشرح في مباحث الإيمان أن الحقّ كون العمل داخلًا في مسمّى الإيمان لغة، كما حقّقه شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ -، وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، بل هو على ظاهره، فالإيمان درجات من حيث الاعتقادُ، ومن حيث العملُ، قابل للتجزئة، فليس يقين الأنبياء كيقين سائر الناس، ولا يقين الصحابة كيقين من بعدهم، ولا يقين أبي بكر كيقين بقية الصحابة - ﵃ -، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا) هكذا هو «خيرًا» بإسكان الياء: أي صاحب خير. (وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) - ﵁ - (يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيث، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠] أي لأن الآية لا يشكّ فيها المؤمن، وهي نصّ على أن من عنده شيء قليل من الحسنات، فإن الله - ﷾ - لا يُضيعها، بل يثيبه عليها. (فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ -: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ) قال النوويّ - ﵀ -: بفتح الفاء، وإنما ذكرته وإن كان ظاهرًا؛ لأني رأيت مُنْ يُصَحِّفه، ولا خلاف فيه، يقال: شَفَعَ يَشْفَع شفاعة، فهو شافع، وشفيع، والْمُشَفِّع بكسر الفاء الذي يَقْبَل الشفاعة، والْمُشَفَّع بفتحها الذي تُقْبَل شفاعته. انتهى. (وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ) أي ممن يرحم (إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أي الذي وسِعَت رحمته كلَّ شيءٍ، والذي رحمة كلّ أحد في جنب رحمته كلا شيء (فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ) معناه: يجمع جماعة (فَيُخْرِجُ) الله تعالى (مِنْهَا) أي من النار (قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ) أي ليس له خير زائد على مجرّد الإيمان (قَدْ عَادُوا) أي صاروا، والجملة صفة بعد صفة لـ «قوم»، أو حال منه (حُمَمًا) قال النوويّ - ﵀ -: معنى «عادوا»: صاروا، وليس بلازم في «عاد» أن يصير إلى حالة كان عليها قبل ذلك، بل معناه صار. و«الْحُمَمُ» بضم الحاء، وفتح الميم الأولى المخففة، وهو الْفَحْم، الواحدة حُمَمَة. (فَيُلْقِيهِمْ) أي يطرحهم الله تعالى (فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ) أي أوائلها (يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ) قال النوويّ - ﵀ -: أما «النهر» ففيه لغتان معروفتان: فتح الهاء وإسكانها، والفتح أجود، وبه جاء القرآن العزيز، و«الأفواه» فجمع فُوَّهَة، بضم الفاء، وتشديد الواو المفتوحة، وهو جَمْغ سُمِعَ من العرب على غير قياس، وأَفْوَاهُ الأَزِقَّة والأنهار: أوائلها، قال صاحب «المطالع»: كأن المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها. انتهى . وقال القاري - ﵀ -: ويُمكن أن يكون الأفواه كناية عن أبواب الجنّة، وهو الملائم لدخولهم إياها على أحسن الهيئة. انتهى . (فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ) ببناء الفعلين للفاعل، و«الْحِبّة» بكسر الحاء المهملة: اسم جامع لبذور الصحراء مما ليس بقوت (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم: ما يحمله السيل من غُثاء وطين، ونحو ذلك، وشبّههم بها؛ لسرعة نباتها، وحسنها، وطراوتها (أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَر، أَوْ إِلَى الشَّجَر، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ) بتصغيرهما، وفي نسخة بتكبيرهما (وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ) مكبّرًا، وفي نسخة: «أُبَيِّض» بتشديد الياء المكسورة مصغّرًا، وقال النوويّ - ﵀ -: «يكون» في الموضعين الأولين تامّة، ليس لها خبر، معناها ما يقع، و«أُصيفر»، و«اخيضر» مرفوعان، وأما قوله: «يكون أبيض» فـ «يكون» فيه ناقصة، و«أبيض» منصوب على أنه خبرها. انتهى. (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ؟) أي حيث عرفت كيف تنبت الحبّة، ودقّقت في وصف ذلك (قَالَ) - ﷺ - (فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ) قال النوويّ - ﵀ -: «اللؤلؤ»: معروف، وفيه أربع قراءات في السبع: بهمزتين في أوله وآخره، وبحذفهما، وبإثبات الهمزة في أوله دون آخره، وعكسه. انتهى. (فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ) - بفتح التاء وكسرها - ويقال أيضًا: خَيْتَام وخاتام، قال صاحب «التحرير»: المراد بالخواتم هنا أشياء من ذهب، أو غير ذلك، تُعَلَّق في أعناقهم؛ علامة يُعْرَفون بها، قال: معناه: تشبيه صفائهم وتلألئهم باللؤلؤ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: «الخاتم» فيه عشر لغات، نظمها الحافظ العراقيّ - ﵀ -، فقال [من البسيط]: خُذْ عَدَّ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ … ثَمَانِيًا مَا حَوَاهَا قَبْلُ نِظَامُ خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ خَاتِمٌ وَخِتَا … مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيْتَمٌ وَخَيْتَامُ وَهَمْزُ مَفْتُوحٍ تَاءٍ تَاسِعٌ وَإِذَا … سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَاتَامُ (يَعْرِفُهُمْ أَهْل الْجَنَّة، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ) أي يقولون: هؤلاء عتقاء الله (الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أفضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا»). [تنبيه]: قال الحافظ - ﵀ -: قرأت في«تنقيح الزركشيّ»: وقع هنا في حديث أبي سعيد - ﵁ - بعد شفاعة الأنبياء:«فيقول الله: بقيت شفاعتي، فيُخْرِج من النار مَن لم يعمل خيرًا»، وتمسك به بعضهم في تجويز إخراج غير المؤمنين من النار، ورُدَّ بوجهين: [أحدهما]: أن هذه الزيادة ضعيفةٌ؛ لأنها غير متّصلة، كما قال عبد الحق في«الجمع». [والثاني]: أن المراد بالخير المنفيّ ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث، هكذا قال، والوجه الأول غلط منه، فإن الرواية متصلةٌ هنا، وأما نسبة ذلك لعبد الحقّ فغلطٌ على غلط؛ لأنه لم يقله إلا في طريق أخرى، وقع فيها:«أَخْرِجُوا من كان في قلبه مثقال حبة خَرْدل من خير»، قال: هذه الرواية غير مُتَّصِلة، ولما ساق حديث أبي سعيد الذي في هذا الباب ساقه بلفظ البخاريّ، ولم يتعقبه بأنه غير مُتَّصِل، ولو قال ذلك لتعقبناه عليه، فإنه لا انقطاع في السند أصلًا، ثم إن لفظ حديث أبي سعيد هنا، ليس كما ساقه الزركشيّ، وإنما فيه:«فيقول الجبّار بقيت شفاعتي، فيخرج أقوامًا، قَدِ امْتَحَشُوا»، ثم قال في آخره:«فيقول أهل الجنة: هؤلاء عُتَقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قَذَموه»، فيجوز أن يكون الزركشيّ ذكره بالمعنى. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الْخُدريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[٨٧/ ٤٦١ و٤٦٢ و٤٦٣] (١٨٣)، و(البخاريّ) في«التفسير»(٤٥٨١ و٤٩١٩)، و« التوحيد»(٧٤٣٩)، و(الترمذيّ) في«التفسير»(٢٥٩٨)، و(أحمد) في«مسنده»(١٠٧٤٣ و١٠٨١٦ و١١٤٨٨)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤٣٠ و٤٣١ و٤٣٢ و٤٣٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٤٥٨ و٤٥٩ و٤٦٠ و٤٦١ و٤٦٢)، و(ابن منده) في«الإيمان» (٨١٦ و٨١٧ و٨١٨ و٨١٩). وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب: [٤٦٢] (…) - (قَالَ مسْلِم) - ﵀ - (قَرَأْتُ عَلَى عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ الْمِصْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّفَاعَة، وَقُلْتُ لَهُ: أُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْكَ، أَنَّكَ سَمِعْتَ مِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ لِعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ: أَخْبَرَكُمُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَنَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤيةِ الشَّمْس، إِذَا كَانَ يَوْمٌ صَحْوٌ؟» قُلْنَا: لَا، وَسُقْتُ الْحَدِيثَ حَتَّى انْقَضَى آخِرُهُ، وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا قَدَمٍ قَدَّمُوهُ، فَئقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَة، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْف، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَمَا بَعْدَهُ، فَأَقَرَّ بِهِ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ الْمِصْرِيُّ) هو: عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله التُّجِيبيّ، أبو موسى، لقبه زُغْبَة - بضم الزاي، وسكون الغين المعجمة، بعدها موحّدة - وهو لقب له، ولأبيه أيضًا، ثقة [١٠]. رَوَى عن الليث بن سعد، وهو آخر من حَدّث عنه من الثقات، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورِشْدين بن سعد، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعة ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازي، وأبو زرعة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة رَضِيّ، وقال أبو داود: لا بأس به. وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن يونس: جاوز في سنه التسعين، تُوفي في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائتين. وقال ابن حبان: مات سنة (٩). وقال أبو عَمْرو الْكِنْديّ في «الموالي»: زُغْبَة لقب أبيه حماد، وزعم الشيرازي أنه لقب عيسى، والصواب الأول، ويؤيده أن الطبراني لَمّا رَوَى عن أخيه أحمد، قال: ثنا أحمد بن حماد زُغْبة، وقال ابن قانع: عيسى زُغبة. وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط ، هذا الحديث (١٨٣)، و(٤٨٠): «نهاني حبّي أن أقرأ راكعًا …»، و(٥١٧): «يصلي في ثوب واحد ملتحفًا …»، و(٧٠٠): «يوتر على راحلته»، و(١٤٩٧): «اللهم بَيّن، فوضعت شبيهًا بالرجل …»، و(١٧٠٣): «إذا زنت أمة أحدكم، فتبيّن زناها …»، و(٢٧٠٩): «لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله …». ٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة»جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمَحيّ، ويقال: السَّكْسَكِيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، مولى ابن الصَّبِيغ، ثقةٌ فقيهٌ [٦]. رَوَى عن سعيد بن أبي هلال، وعطاء بن أبي رباح، والزهريّ، وأبي الزبير، والْمُثَنَّى بن الصبّاح، وغيرهم. ورَوَى عنه سعيد بن أبي أيوب، ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب، والليث، وحَيْوَة بن شُرَيح، وبكر بن مُضَر، وابن لَهِيعة، والمفضل بن فَضَالة، وهو آخر مَن حَدَّث عنه بمصر، وجماعة. قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن يونس: كان فقيهًا مُفتيًا، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: مصريّ ثقةٌ، وقال البخاريّ: قال زيد بن الْحُبَاب: هو السَّكْسَكيّ. قال ابن يونس: تُوُفّي سنة (١٣٩) فيما ذكر حرملة. وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا (١٨٣)، وحديث (١٤٠٩): «لا ينكح المحرم …»، و(١٥٩٩): «إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن …»، و(١٩٤٦): «لا ولكنه لم يكن بأرض قومي …»، و(١٩٧٧): «ومن كان له ذبح، فليذبحه …»، و(٢٤٩٠): «اهجوا قريشًا، فإنه …»، و(٢٧٩٢): «تكون الأرض يوم القيامة خبزة …». ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: هو مدنيّ الأصل، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن جابر، وأنس مرسلًا، وزيد بن أسلم، وأبي الرجال، محمد بن عبد الرحمن، وربيعة، وأبي الزناد، وأبي حازم بن دينار، وعُمارة بن غَزِيَّة، وعمرو بن مسلم، وعون بن عبد الله، وقتادة، وغيرهم. ورَوَى عنه سعيد المقبريّ، وهو أكبر منه، وخالد بن يزيد المصريّ، وعمرو بن الحارث، وهشام بن سعد، والليث، ويحيى بن أيوب، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به، وحديثه عن جابر أورده البخاريّ مُعَلَّقًا متابعةً، ووصله الترمذيّ، وقال: هذا مرسل، سعيد بن أبي هلال لم يُدرك جابرًا، وقال خَلَفٌ في «الأطراف»: لم يسمع من جابر، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله -، وقال الساجيّ: صدوقٌ، كان أحمد يقول: ما أدري أيّ شيء يَخْلِط في الأحاديث، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، ووثقه ابن خزيمة، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، والخطيب، وابن عبد البرّ، وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لم يسمع سعيد من أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقال ابن حزم: ليس بالقويّ، ولعله اعتمد على قول الإمام أحمد فيه، قال الحافظ: وقرأت بخط السبكيّ الكبير: أفادنا مسعود الحارثيّ أنّ اسم أبي هلال والد سعيد هذا مرزوق، وكان مسعود يقول: هو من خَبَايا الزَّوَايَا. وقال ابن يونس: وُلد بمصر سنة (١٧)، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، قال: ويقال: تُوُفّي سنة خمس وثلاثين ومائة، وقال غيره: مات سنة (١٣٣)، وقال ابن حبان في «الثقات»: مات سنة (١٤٩). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (قَالَ مسْلِم) هو ابن الحجّاج، صاحب الكتاب. وقوله: (وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا قَدَمٍ قَدَّمُوهُ») فاعل «زاد» ضمير اللّيث بن سعد: أي زاد الليث على رواية حفص قوله: «فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَة، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ». وقال النوويّ في «شرحه»: قوله: «وزاد بعد قوله: بغير عمل عملوه، ولا قَدَم قَدَّموه» هذا مما قد يُسْأَل عنه، فيقال: لم يتقدم في الرواية الأولى ذكره القَدَمَ، وإنما تقدّم «ولا خير قدّموه»، وإذا كان كذلك، لم يكن لمسلم أن يقول: زاد بعد قوله: «ولا قَدَم»؛ إذ لم يَجْر للقَدَم ذكر. وجوابه أنّ هذه الرواية التي فيها الزيادة وقع فيها: «ولا قَدَمٍ» بدل قوله في الأولى: «خير»، ووقع فيها الزيادة، فأراد مسلم - ﵀ - بيان الزيادة، ولم يمكنه أن يقول: زاد بعد قوله: «ولا خير قدّموه»؛ إذ لم يَجْر له ذِكْرٌ في هذه الرواية، فقال: زاد بعد قوله: «ولا قَدَم قذَموه»: أي زاد بعد قوله في روايته: «ولا قَدَمٍ قَدَّموه»، واعلم أيها المخاطب أن هذا لفظه في روايته، وأن زيادته بعد هذا، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو بحثٌ مفيدٌ. و«الْقَدَم» هنا بفتح القاف والدال، ومعناه: الخير، كما في الرواية الأخرى، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقوله: (قال أبو سعيد: بلغني … إلخ)، هكذا في رواية المصنّف، وليست هذه الزيادة في رواية البخاريّ الآتية، وهي عند ابن منده في «كتاب الإيمان» أخرجه من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ، ولكن قال: «قال سعيد بن أبي هلال : بلغني أن الجسر … إلخ»، فجعل الكلام لسعيد بن أبي هلال، لا لأبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: «بلغني … إلخ» يحتمل أن يكون مرفوعًا إلى النبيّ - ﷺ -، لكن لم يذكر الواسطة إليه، ويحتمل أن يكون مما نُقل من أخبار أهل الكتاب، والله تعالى أعلم. (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: فَيَقُولُونَ … إلغ) يعني أن قوله: «ربنا أعطيتنا … إلخ» في رواية حفص، وليس في رواية الليث. قال النوويّ - ﵀ -: قوله: «وما بعده» مطوف على: «فيقولون: ربنا»، أي ليس فيه: «فيقولون: ربنا، ولا ما بعده». انتهى. وقوله: (فأقر به عيسى) معناه: أقرَّ بقوله له أَوَّلًا: أخبركم الليث بن سعد إلى آخره. [تنبيه]: رواية الليث التي أحالها المصنّف هنا على رواية حفص بن ميسرة أخرجها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٧٤٣٩) حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر، إذا كانت صحوًا؟» قلنا: لا، قال: «فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما» - ثم قال -: «ينادي منادٍ ليذهب كلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بَرّ أو فاجر، وغُبَّراتٍ من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تُعْرَض كأنها سرابٌ، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولدٌ، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى مَن كان يعبد الله من بَرّ أو فاجر، فيقال لهم: ما يَحْبِسُكم، وقد ذهب النّاس؟ فيقولون: فارقناهم، ونحن أحوج منّا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي: لِيَلْحَقْ كلُّ قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أوّلَ مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كلُّ مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا، ثم يُؤتى بالجسر، فيُجْعَل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ، عليه خَطاطيف، وكَلاليب، وحَسَكَةٌ، مُفَلْطَحَةٌ، لها شوكة عُقَيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السَّعْدان، المؤمنُ عليها كالطَّرْف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فنَاجٍ مُسَلَّمٌ، ونَاج مَخْدُوشٌ، ومَكْدُوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يُسْحَبُ سَحْبًا، فما أنتم بأشدّ لي مناشدةً في الحقّ قد تبيّن لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نَجَوْا في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويُحَرّم الله صورهم على النار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون مَن عَرَفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عَرَفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون مَن عَرَفوا. قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقوامًا قد امْتَحَشُوا، فيُلْقَون في نهر بأفواه الجنة، يقال له ماء الحياة، فَيَنْبُتون في حافتيه، كما تنبت الْحِبَّة في حَمِيل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيُجعَل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدّموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله معه». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٣] (…) - وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، بِإِسْنَادِهِمَا نَحْوَ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ إِلَى آخِرِه، وَقَدْ زَادَ، وَنَقَصَ شَيْئًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريبًا. ٢ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت ٦ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٥. ٣ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) المدنيّ، أبو عبّاد، ويقال: أبو سَعْد القرشيّ مولاهم، صدوقٌ، له أوهامٌ، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧]. رَوَى عن زيد بن أسلم، ونافع مولى ابن عمر، وعمرو بن شعيب، وأبي الزبير، وسعيد المقبريّ، وأبي حازم بن دينار، ونعيم المجمر، وغيرهم. ورَوَى عنه الليث، والثوريّ، ووكيع، وابن أبي فُديك، وابن وهب، وابن مهديّ، وأبو عامر العَقَديّ، ومعاوية بن هشام، وجعفر بن عون، وأبو نعيم، والقعنبيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم، عن أحمد: لم يكن هشام بالحافظ، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: هشام بن سعد كذا وكذا، كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وقال أبو طالب، عن أحمد: ليس هو مُحْكَم الحديث، وقال حرب: لم يَرْضَه أحمد، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ضعيف، وداود بن قيس أحبّ إليّ منه، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ، وليس بمتروك الحديث، وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس بذاك القويّ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ليس بشيء، كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وقال العجليّ: جائز الحديث، حسن الحديث، وقال أبو زرعة: محله الصدق، وهو أحب إليّ من ابن إسحاق، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه، ولا يحتجّ به، هو ومحمد بن إسحاق عندي واحد، وقال الآجريّ، عن أبي داود: هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال مرّة: ليس بالقويّ، ورَوَى ابن عديّ أحاديث، منها حديثه عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، وقد أفطر في رمضان، فقال له: «أعتق رقبة …» الحديث، وقال مرة: عن الزهري، عن أنس، قال: والروايتان جميعًا خطأ، وإنما رواه الثقات عن الزهريّ، عن حميد، عن أبي هريرة، وهشام خالف فيه الناس، وله غير ما ذكرتُ، ومع ضعفه يُكْتَب حديثه، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يُسْتضعَف، وكان مُتَشَيِّعًا، وقال ابن أبي شيبة، عن عليّ بن المدينيّ: صالح، وليس بالقويّ، وقال الساجيّ: صدوق، وذكره ابن الْبَرْقِيّ في «باب من نُسِبَ إلى الضعف، ممن يُكْتَب حديثه»، قال: وقال لي ابن معين: ضعيف، حديثه مختلطٌ، وقال الخليليّ: أنكر الحفاظ حديثه في الْمُوَاقِع في رمضان، من حديث الزهريّ، عن أبي سلمة، قالوا: وإنما رواه الزهريّ عن حميد، قال: ورواه وكيع عن هشام بن سعد، عن الزهريّ، عن أبي هريرة منقطعًا، قال أبو زرعة الرازيّ: أراد وكيع الستر على هشام بإسقاط أبي سلمة، وذكره يعقوب بن سفيان في «الضعفاء»، وقال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد. انتهى. قيل: مات في أول خلافة المهديّ، وقيل: مات سنة ستين ومائة . أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٤ - (زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ المذكور في السند الماضي. وقوله: (بِإِسْنَادِهِمَا) يعني بإسناد حفص بن ميسرة، وإسناد سعيد بن أبي هلال الراويين في الطريقين المتقدمين عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، ومراد المصنّف - ﵀ - بهذا أن زيد بن أسلم رواه عن عطاء، عن أبي سعيد الخدريّ، ورواه عن زيد بهذا الإسناد ثلاثة من أصحابه: حفص بن ميسرة، وسعيد بن أبي هلال، وهشام بن سعد، فأما روايتا حفص وسعيد فتقدمتا مبيّنتين في الكتاب، وأما رواية هشام فهي من حيث الإسناد بإسنادهما، ومن حيث المتن نحو حديث حفص، والله - ﷿ - أعلم، قاله النوويّ - ﵀ - . [تنبيه]: رواية هشام بن سعد التي أحالها المصنّف هنا، أخرجها أبو نعيم في «المستخرج» (١/ ٢٤٨)، فقال: (٤٥٨) حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا جعفر بن عون، ثنا هشام بن سعد، ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نَرَى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا، ليس فيها سحاب؟»، قال: قلنا: لا يا رسول الله، قال: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا، ليس فيها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «ما تضارون في رؤيته يوم القيامة، إلا كما لا تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يومُ القيامة نادى مناد: ألا يَلْحَقُ كلُّ أمة بما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد صنمًا، ولا وثنًا، ولا صورةً إلا ذهبوا، حتى يتساقطوا في النار، ويبقى من كان يعبد الله وحده، من بَرّ وفاجر، وغُبَّرات أهل الكتاب، ثم تُعْرَض جهنم، كأنها سراب يَحْطِم بعضُها بعضًا، ثم يُدْعَى اليهود، فيقول: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: عزيرًا ابن الله، فيقول: كذبتم، ما اتخذ الله صاحبةً ولا ولدًا، فماذا تريدون؟ قال: فيقولون: أي ربنا ظَمِئنا، فيقول: ألا تَرِدون؟ فيذهبون حتى يتساقطوا في النار، قال: ثم يُدْعَى النصارى، فيقول: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيح ابن الله، فيقول: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ فيقولون: ربنا ظَمِئنا، فاسْقنا، فيقول: أفلا تَرِدون؟ فيذهبون حتى يتساقطوا في النار، فيبقى مَن كان يعبد الله من بَرّ وفاجر، ثم يَتَبَدَّى الله في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أوّل مرة، فيقول: يا أيها الناس، لَحِقَت كلُّ أمة بما كانت تعبد، وبقيتم، فلا يُكَلِّمه يومئذ إلا الأنبياء، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا، وكنا إلى صحبتهم أحوج، لَحِقَت كلُّ أمة بما كانت تعبد، ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نَعْبُد، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيقول: هل بينكم وبين الله من آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم، فيَكْشِف عن ساق، فنخرّ سُجَّدًا أجمعون، ولا يبقى أحدٌ كان يسجد في الدنيا سمعةً ولا رياءً، ولا نفاقًا إلا على ظهره طبقًا واحدًا، كلما أراد أن يسجد خَرّ على قفاه، ثم يَرْفَعُ بَرَّنَا ومُسِيئنا، وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أوّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعم، أنت ربنا، ثلاث مرات، ثم يُضْرَب الجسر على جهنم، قال: قلنا: وما الجسر؟ يا رسول الله، بأَبِينا أنت وأُمِّنا، قال: دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، له كَلاليب وخَطاطيف، وحَسَد، يكون بنجد عُقَيفَاء ، يقال له: السَّعْدان، فيَمُرُّ المؤمنون كلمح البرق، وكالطَّرْف، وكالريح، وكالطير، وكأجود الخيل والراكب، فناجٍ مرسل، ومخدوشٌ مرسلٌ، ومكدوس في نار جهنم، والذي نفسي بيده، ما أحدكم بأشدّ مناشدةً في الحق يراه مسألة المؤمنين في إخوانهم، إذا رأوا أن قد خَلَصوا من النار، يقولون: أي ربنا إخواننا إخواننا كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويحجّون معنا، ويُجاهدون معنا، قد أخذتهم النار، فيقول: اذهبوا، فمن عَرَفتم صورته، فأخرجوه، وتُحَرَّم صورهم على النار، فيجدون الرجلَ قد أخذته النار إلى قدميه، وإلى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه، وإلى حِقْويه، فيُخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون، فيتكلمون، فيقول: اذهبوا فما وجدتم في قلبه مثقال قِيراط خير، فأخرجوه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون، يتكلمون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه نصف قيراط خير، فأخرجوه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون، فيتكلمون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة، فأخرجوه، قال: وكان أبو سعيد إذا حَدّث بهذا الحديث قال: إن لم تُصَدّقوني، فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، فيقولون: ربنا لم نَذَر فيها خيرًا، فيقول: هل بقي إلا أرحم الراحمين؟ فيقول: قد شفعت الملائكة، والأنبياء، وشفع المؤمنون، فهل بقي إلا أرحم الراحمين؟ قال: فيأخذ قبضة من النار، فيَخْرُجُ قومًا قد عادوا حُمَمَةً، لم يعملوا خيرًا قط، فيُطرحون في نهر الجنة، يقال له: نهر الحياة، فينبتون فيه - والذي نفسي بيده - كما تنبت الحبة في حَمِيل السيل، ألم تروها وما يليها من الظل أُصَيفر، وما يليها من الشمس أُخيضر؟ قال: قلنا: يا رسول الله كأنك كنت في الماشية، قال: فينبتون كذلك، قال: فيخرجون أمثال اللؤلؤ، فيُجْعَل في رقابهم الخواتيمُ، ثم يرسلون في الجنة، فهؤلاء الجهنميون، هؤلاء الذين أخرجهم الله من النار بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقول الله - ﷿ -: من وجدتم؟ ، فيأخذون حتى ينتهون ، ثم يقولون: لو يعطينا الله ما أخذنا، فيقول الله - ﷿ -: فأنا أعطيكم أفضل ما أخذتموه، فيقولون: يا ربنا، وما أفضل ما أخذنا؟ فيقول: رضواني، فلا أسخط«. وقوله: (وَقَدْ زَادَ، وَنَقَصَ شَيْئًا) يعني أن هشام بن سعد زاد في روايته على رواية حفص وسعيد بن أبي هلال بعض الزيادات، ونقص منها بعضًا. فمما زاده قوله:«ثم تُعرَض جهنم كأنها سَرابٌ يَحطِم بعضُها بعضًا»بعد قوله:«وغُبّرات أهل الكتاب». وقوله:«فنَخِرّ سُجّدًا أجمعون»بعد قوله:«فيكشف عن ساق».
مصادر المؤلف (٦٤)

١. وفي نسخة: «نعم، هل تضارّون؟» بحذف «قال»، وفي أخرى: «نعم، فهل تضارُّون؟».

٢. وفي نسخة: «ليس فيه سحاب».

٣. وفي نسخة: «فماذا تنتظرون؟».

٤. وفي نسخة: «فيقول: أنا ربكم».

٥. وفي نسخة: «فيقولون».

٦. وفي نسخة: «ومكدوش».

٧. وفي نسخة: «في استيفاء الحقّ».

٨. وفي نسخة: «فيُخْرَجُون» بالبناء للمفعول.

٩. وفي نسخة: «الخواتيم».

١٠. راجع: «تهذيب التهذيب» ١/ ٤٦٠.

١١. «المصباح»٢/ ٣٨٧.

١٢. «القاموس»ص ١١٧٢.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ٣٣٤.

١٤. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٦.

١٥. يعني: أنه من باب المدح بما يُشبه الذّمّ للتأكيد.

١٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٠٩.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٩.

١٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٧.

١٩. المصدر السابق ١/ ٤٣.

٢٠. «المفهم» ١/ ٤١٦.

٢١. «الفتح» ١١/ ٤٥٨.

٢٢. راجع: «مغني اللبيب» ١/ ٦٩ - ٧٠.

٢٣. «القاموس المحيط» ص ٩٠.

٢٤. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٦.

٢٥. «لسان العرب» ١/ ٤٦٥.

٢٦. «المصباح المنير» ١/ ١٤١.

٢٧. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٦.

٢٨. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٧.

٢٩. أي الخبر.

٣٠. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٧.

٣١. «مجموع الفتاوى» ٦/ ٣٩٤ - ٣٩٥.

٣٢. «الفتح» ١٣/ ٤٣٨ «كتاب التوحيد» رقم (٧٤٤٠ - ٧٤٤٧).

٣٣. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٩.

٣٤. «الفتح» ١٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨.

٣٥. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٩.

٣٦. راجع: «المرقاة» ٩/ ٥٣٥.

٣٧. «فتح» ١٣/ ٤٣٨.

٣٨. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٩.

٣٩. «الفتح» ١٣/ ٤٣٨.

٤٠. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٣.

٤١. «لسان العرب» ٩/ ٢١٣.

٤٢. «النهاية» ١/ ٣١٢.

٤٣. «النهاية» ٤/ ١٥٥.

٤٤. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٩ - ٣٠.

٤٥. «المصباح المنير» ١/ ١٧٧.

٤٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٣٠.

٤٧. «القاموس المحيط» ص ١١٩٢.

٤٨. «شرح النوويّ» ٣/ ٣٠ - ٣١.

٤٩. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٢٥ - ٨٢٩.

٥٠. «شرح النوويّ» ٣/ ٣٢.

٥١. «المرقاة» ٩/ ٥٣٩.

٥٢. «تاج العروس»٨/ ٢٦٦.

٥٣. وفي «الزهرة»: رَوَى عنه مسلم تسعة أحاديث. انتهى، ولعله تصحّف على الناسخ سبعة إلى تسعة، فليُحرّر.

٥٤. «شرح النوويّ» ٣/ ٣٤.

٥٥. وقع في النسخة: «سعيد بن أبي بلال» بالباء بدل الهاء، وهو تصحيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٥٦. قال الحافظ - ﵀ -: المهديّ وَليَ في أواخر سنة تسع وخمسين، فالقولان بمعنى واحد، في سنة تسع، ذكره ابن قانع. انتهى. «تهذيب التهذيب» ٤/ ٢٧١.

٥٧. «شرح النوويّ» ٣/ ٣٤ - ٣٥.

٥٨. هكذا النسخة، والذي في «الإيمان» لابن منده: «إلا عاد ظهره طبقًا واحدًا»، والظاهر أن «على» هنا مصحّفة من «عاد»، والله أعلم.

٥٩. وقع في النسخة: «عقيقًا» بقافين، والظاهر أنه غلطٌ فليُتنبّه.

٦٠. هكذا النسخة، والذي في «الإيمان» لابن منده: «في الحقّ يراه مضيئًا له من المؤمنين في إخوانهم»، والظاهر أن ما هنا فيه تصحيف، والله تعالى أعلم.

٦١. كان في النسخة:«فيخرجوا قوم»، وهو تصحيف بلا شكّ، والإصلاح من«الإيمان»لابن منده ٢/ ٨٠٠:«فيُخرِجُ قومًا»، وهو وليّ التوفيق.

٦٢. هكذا النسخة، والصواب ما في«الإيمان»لابن منده (٢/ ٨٠٠)،«فيقول الله لهم: خذوا، فلكم ما أخذتم»، فتأمل.

٦٣. ولفظ ابن منده:«حتى ينتهوا»، وهو واضح.

٦٤. «المستخرج على صحيح مسلم» لأبي نعيم ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩ رقم (٤٥٨).