HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٣

حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ. حَدَّثَنَا أبان. حدثنا يحيى؛ أن زيدا حدثه؛ أن أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ. وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ (أَوْ تَمْلَأُ) مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. وَالصَّلَاةُ نُورٌ. وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ. وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ. وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أو عليك. كل الناس يغدو. فبايع نفسه. فمعتقها أو موبقها».
ج ١ ص ٢٠٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن ابن ماجه
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص١٠
(١) - (بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ) [٥٤٠] (٢٢٣) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَنَّ زيدًا حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَان، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَآن، أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبت [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) أبو حَبِيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠١٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢٢. ٣ - (أَبَانُ) بن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة، له أفراد [٧]. رَوَى عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وعمرو بن دينار، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وعاصم بن بَهْدَلة، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، والقطان، ومسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، وأبو الوليد، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال أحمد: ثَبْتٌ في كلّ المشايخ، وقال ابن معين: ثقة، كان القطان يروي عنه، وكان أحب إليه من هَمّام، وهَمّام أحب إليّ، وقال النسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من همام في يحيى بن أبي كثير، وقال أيضًا: هو أحب إليّ من شيبان، وقال ابن المدينيّ: كان عندنا ثقةً، وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وكان يرى القدر، ولا يتكلم فيه، وقال أحمد: هو أثبت من عمران القطان، وذكره ابن عديّ في «الكامل»، وأورد له حديثًا فردًا، ثم قال: له رواياتٌ، وهو حسن الحديث، متماسكٌ، يكتب حديثه، وله أحاديث صالحة عن قتادة وغيره، وعامتها مستقيمةٌ، وأرجو أنه من أهل الصدق، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقد ذكره ابن الجوزيّ في «الضعفاء»، وحَكَى من طريق الْكُديميّ، عن ابن المدينيّ، عن القطان قال: أنا لا أروي عنه، ولم يَذْكُر من وثقه، وهذا - كما قاله الحافظ - ﵀ - من عيوب كتابه، يَذكُر مَن طَعَن الراوي، ولا يذكر من وثقه، والْكُديميّ ليس بمعتمد، وقد تقدّم قول ابن معين: إن القطان كان يروي عنه، فهو المعتمد . [تنبيه]: قال الحافظ - ﵀ -: لَمْ يذكر أبان بن يزيد هذا أحدٌ ممن صَنَّفَ في رجال البخاريّ من القدماء، ولم أر له عنده إلَّا أحاديث معلقةً في «الصحيح»، سوى موضع في «كتاب المزارعة» فقال فيه البخاريّ: قال لنا مسلم بن إبراهيم: ثنا أبان، فذكر حديثًا، فإن كان هذا موصولًا، فكان ينبغي للمزيّ أن يُرَقِّم لحماد بن سلمة رقم البخاريّ في الوصل، لا في التعليق، فإن البخاريّ قال في «كتاب الرقاق»: قال لنا أبو الوليد: ثنا حماد بن سلمة، فذكر حديثًا. انتهى . أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. [تنبيه]: تقدم في أوائل هذا الشرح أنه يجوز صرف «أبان»، وترك صرفه، وأن المختار صرفه، والله تعالى أعلم. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٢٤. ٥ - (زَيْد) بن سلّام بن أبي سلّام الحبشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦]. روى عن جده، وعديّ بن أرطاة، وعبد الله بن فَرّوخ، وعبد الله بن زيد الأزرق. وروى عنه أخوه معاوية، ويحيى بن أبي كثير، والحضرميّ بن لاحق. قال النسائيّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، والدارقطنيّ: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال يحيى بن حَسّان، عن معاوية بن سلام: أخذ مِنّي يحيى بن أبي كثير كُتُب أخي زيد بن سلّام. وقال ابن معين: لَمْ يلقه يحيى بن أبي كثير. وقال الأثرم: قلت لأحمد: يحيى بن أبي كثير سَمِع من زيد؟ قال: ما أشبهه. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال العجليّ: شاميّ، لا بأس به. ووثّقه الذهبيّ. روى له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والباقون، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم (٢٢٣) و(٣١٥) و(٨٠٤) و(٨٦٥) و(٩٣٤) و(١٠٠٧) و(١٨٤٧) و(١٨٧٩). [تنبيه]: رَوَى البخاري في «الصحيح» عن إسحاق، عن يحيى بن صالح، عن معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة: أن ثابت بن الضّحّاك أخبره، أنه بايع النبي - ﷺ - تحت الشجرة، هكذا رواه عامة رُواة البخاريّ، وكذا رواه مسلم وغيره، وقال أبو علي بن السَّكَن - أحد رواة البخاريّ - عن الْفِرَبريّ، عنه في روايته لهذا الحديث: عن معاوية بن سلّام، عن زيد بن سلام، عن أبي قلابة، ولم يُتَابِعه أحد على ذلك، على أن الدارقطني قد ذَكَر زيد بن سلام في رجال البخاري في «الصحيح»، فالله تعالى أعلم . ٦ - (أَبُو سَلَّامٍ) ممطور الأسود الْحَبشيّ الأعرج الدّمَشْقِيّ، ويقال: النَّوْبيّ، وقيل: إن الحبشي نسبة إلى حَيّ من حِمْيَر، ثقة [٣]. رَوَى عن ثوبان، والحارث بن الحارث الأشعريّ، وأبي مالك الأشعريّ، وعَمْرو بن عَبَسَة السُّلَميّ، وعبد الرَّحمن بن غَنْم الأشعريّ، وأبي سُلْمَى راعي رسول الله - ﷺ -، وغيرهم. ورَوى عنه ابنه سلَّام، إن كان محفوظًا، وحفيداه: زيد، ومعاوية، ابنا سلام بن أبي سلام، ومكحول الشاميّ، والأوزاعيّ، وعبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، والعباس بن سالم، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. وقال أبو مسهر: قلت لمعاوية بن سلام: ما اسم جَدِّك؟ قال: ممطور، قلت: فَمَن المولى عليك؟ فغضِبَ، يعني أنه عربيّ. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة. وقال الْبَرْقانيّ: سمعت الدارقطنيّ يقول: زيد بن سلام بن أبي سلام عن جدّه ثقتان. وقال أبو نصر ابن ماكولا: ليس هو من الحبشة، إنما هو منسوب إلى بطن من حِمْيَر، ذكره ابنُ معين، وأبو عبيدة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال ابن معين، وابن المدينيّ: لَمْ يسمع من ثوبان. وقال أحمد: سَمِعَ منه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: رَوَى ممطور عن ثوبان، وعمرو بن عَبَسَة، والنعمان، وأبي أُمامة مرسل، فسألت أبي: هل سمع من ثوبان؟ فقال: لا أدري. وقال الدارقطنيّ: بينه وبين أبي مالك الأشعري عبد الرَّحمن بن غَنْم. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: أخبرني مروان، قال: قلت لمعاوية: سَمِعَ جدُّك مِن كعب؟ قال: لا أدري. روى له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم (٢٢٣) و(٣١٥) و(٨٠٤) و(٨٦٥) و(٩٣٤) و(١٠٠٧) و(١٨٤٧) و(١٨٧٩). [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ - في «شرحه»: وأما أبو سلام: فاسمه مَمْطُور الأعرج الحبشيّ الدمشقيّ، نُسِب إلى حَيّ من حِمْيَر من اليمن، لا إلى الحبشة. انتهى. وقال السمعانيّ في «الأنساب»: أبو سلّام ممطور الْحَبَشيّ، قال عبد الغنيّ بن سعيد: يُنسب إلى الحبش، وقال أبو بكر بن أبي داود: ليس من الحبشة، ولكنهم طائفة من خثعم. انتهى. ونقل أيضًا عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: اسم أبي سلام ممطور الحبشيّ قبيلة من اليمن، وعن ابن معين قال: أبو سلام الحبشيّ حيّ من حِمْير. انتهى . وقال ابن الأثير في «اللباب»: «الْحَبَشيّ» - بفتح الحاء المهملة، والباء الموحّدة -: هذه النسبة إلى الْحَبَشَة، وهي نوع من السودان مشهورون، يُنسب إليهم بلال الحبشيّ مؤذّن رسول الله - ﷺ -، وأما أبو سلّام الحبشيّ، فقيل: من هذا النوع، وقيل: من خَثْعَم، وقيل: من حِمْيَر، ثم قال: والْحُبْشيّ - بضمّ الحاء، وسكون الموحدة -، قيل في أبي سلّام: الْحُبْشيّ بضم الحاء، وسكون الباء، قاله ابن معين، وقيل: بفتحها، وقال بعضهم: يقال: حَبَشٌ، وحُبْشٌ كما يقال: عَجَمٌ وعُجْمٌ، وعَرَبٌ وعُرْبٌ، وعلى الحقيقة فلا تؤخذ هذه الأشياء بالقياس، وإنما تؤخذ نقلًا، فلو أُخذت قياسًا لاضطرب الكلام، وتعذّرت الفائدة، قال: وحُبْشيّ أيضًا جبلٌ بأسفل مكة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر مما سبق أن الأرجح كون أبي سلّام الْحَبَشيّ منسوبًا إلى قبيلة من اليمن، لا إلى الحبشة البلدة المعروفة، والله تعالى أعلم. ٧ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ) الصحابيّ - ﵁ -، قيل: اسمه الحارث بن الحارث، وقيل: عُبيد الله، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عامر بن الحارث بن هانئ بن كلثوم. رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعنه عبد الرَّحمن بن غنم الأشعريّ، وأبو صالح الأشعريّ، ورَبِيعة بن عَمْرو الْجُرَشيّ، وشُريح بن عبيد الحضرميّ، وشَهْر بن حَوْشَب، وأبو سلام الأسود، وغيرهم، ورَوَى أبو سلّام أيضًا عن عبد الرَّحمن بن غَنْم عنه، وقيل: إن الذي رَوَى عنه أبو سلّام آخر. قال شهر بن حوشب عن عبد الرَّحمن بن غنم: طُعِن معاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجراح، وشُرَحبيل ابن حسنة، وأبو مالك الأشعريّ في يوم واحد. وقال ابن سعد، وخليفةُ: تُوفي في خلافة عمر. وقال الحافظ بعدما ذَكر ما تقدّم ما نصّه: أبو مالك الأشعريّ الذي رَوَى عنه أبو سلّام الأسود، وشهر بن حوشب، ومن في طبقتهما هو الحارث بن الحارث الأشعريّ، وقد قَدّمتُ في ترجمته ما يدلُّ على ذلك، وبَيَّنتُ أنه تأخرت وفاته، وأما أبو مالك الأشعريّ هذا فهو آخر، قديم كما تقدم هنا أنه مات في خلافة عمر، هو ومعاذ بن جبل وغيرهما، وقد وقع للمؤلف - يعني المزّيّ - عدمُ تخريجهما في «الأطراف» أيضًا، ونَبَّهْتُ عليه هناك، والفصل بينهما في غاية الإشكال، حتى قال أبو أحمد الحاكم في ترجمته: أبو مالك الأشعريّ أمره مشتبهٌ جدًّا. روى له البخاري في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث (٩٣٤): «أربع في أمتي من أمر الجاهليّة. . .»، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين من زيد فما فوقه، والباقون بصريّون غير شيخه، فمروزيّ، ويحيى يماميّ بصريّ، وقد سكن المدينة عشر سنين في طلب العلم. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن غير تابعيّ، فإن يحيى تابعيّ، فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، وزيدًا ليس تابعيًّا، ورواية الراوي عن جدّه: زيد عن أبي سلّام. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - مشهور بكنيته، وأنه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو ثلاثة عشر حديثًا، انظر ترجمته في «تحفة الأشراف» ٩/ ٢٨٠ - ٢٨٤. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ) - ﵁ -، هكذا رواية المصنّف ﵀، ليس بين أبي سلّام وبين أبي مالك الأشعريّ واسطة، وخالفه النسائيّ، وابن ماجه، فأدخلا بينهما عبد الرحمن بن غَنْم ، وقد انتقد على مسلم هذا الإسنادَ الدارقطنيُّ وغيره، فقالوا: سقط فيه رجل بين أبي سلّام وأبي مالك، والساقط عبد الرحمن بن غَنْم، قالوا: والدليل على سقوطه أن معاوية بن سلام رواه عن أخيه، زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك الأشعريّ، وهكذا أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وغيرهما. فقال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: يمكن أن يجاب لمسلم عن هذا، بأن الظاهر من حال مسلم أنه عَلِمَ سماع أبي سلام لهذا الحديث من أبي مالك، فيكون أبو سلام سمعه من أبي مالك، وسمعه أيضًا من عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك، فرواه مرَةً عنه، ومرّةً عن عبد الرحمن، وكيف كان فالمتن صحيحٌ، لا مطعن فيه. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى . وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد اختُلِف في سماع يحيى بن أبي كثير، من زيد بن سلام، فأنكره يحيى بن معين، وأثبته الإمام أحمد، وفي هذه الرواية التصريح بسماعه منه، وأخرج هذا الحديث النسائي، وابن ماجه، من رواية معاوية بن سلّام، عن أخيه زيد بن سلّام، عن جدّه أبي سلّام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك، فزاد في إسناده عبدَ الرحمن بن غَنْم، ورَجَّح هذه الرواية بعض الحفاظ، وقال: معاوية بن سلّام أعلم بحديث أخيه زيد من يحيى بن أبي كثير، ويُقَوّي ذلك أنه قد رُوي عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك من وجه آخر، وحينئذ فتكون هذه الرواية منقطعة. انتهى كلام ابن رجب ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ترجيح رواية معاوية بن سلّام بإدخال عبد الرحمن بن غَنْم هو الأقرب؛ كما مال إليه ابن رجب. وأما محاولة النوويّ في تصحيحه، فمحلّ نظر، وقد تقدّم في المسألة التاسعة عشرة، حيث ذكرتُ رسالة الحافظ أبي الفضل بن عمّار الشهيد ﵀، فقد أعلّ هذا الحديث، ورجّح زيادة عبد الرحمن في المسند، وقال: ومعاوية أعلم عندنا بحديث أخيه زيد بن سلّام من يحيى بن أبي كثير. انتهى . والحاصل أن الأرجح رواية معاوية بن سلام، لكن الحديث وإن أُعلّ سند المصنّف، إلا أن المتن صحيح، برواية معاوية المذكورة، وقد أخرجها النسائيّ، وابن ماجه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «الطُّهُورُ» بضمّ الطاء على المختار، وقول الأكثرين، ويجوز فتحها كما تقدم تحقيقه، والمراد به الفعل، وهو مبتدأ خبره (شَطْرُ الْإِيمَانِ) أصل الشطر: النصف، وقد اختلف فيه هنا، فقيل: معناه أن الأجر فيه يَنتهِي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: معناه أن الإيمان يَجُبُّ ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء؛ لأن الوضوء لا يصحّ إلا مع الإيمان، فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر، وقيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والطهارة شرط في صحة الصلاة، فصارت كالشطر، وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفًا حقيقيًّا. قال النوويّ ﵀: وهذا القول أقرب الأقوال، ويحتمل أن يكون معناه: أن الإيمان تصديق بالقلب، وانقياد بالظاهر، وهما شطران للإيمان، والطهارة متضمنة الصلاة، فهي انقياد في الظاهر، والله تعالى أعلم. انتهى . ووقع في رواية ابن ماجه بلفظ: «إِسْبَاغُ الْوُضوءِ شَطْرُ الْإِيمَانِ». قال السنديّ ﵀ في «شرحه»: ذكروا في توجيهه وجوهًا لا تناسب رواية الكتاب، منها: أن الإيمان يُطهّر نجاسة الباطن، والوضوء نجاسة الظاهر، وهذا إن تمّ يفيد أن الوضوء شطر الإيمان، كرواية مسلم؛ لا أنّ إسباغه شطر الإيمان، كرواية الكتاب، مع أنه لا يتمّ؛ لأنه يقتضي أن يُجعل الوضوء مثل الإيمان وعَديله، لا نصفه، أو شطره، وكذا غالب ما ذكروا، والأظهر الأنسب لما في الكتاب أن يُقال: أراد بالإيمان الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والكلام على تقدير مضاف؛ أي إكمال الوضوء شطر كمال الصلاة. وتوضيحه: أن إكمال الصلاة بإكمال شروطها الخارجة عنها، وأركانها الداخلة فيها، وأعظم الشرائط الوضوء، فجُعل كماله نصفَ إكمال الصلاة. ويحتمل أن المراد: الترغيب في إكمال الوضوء، وتعظيم ثوابه، حتى بلغ إلى نصف ثواب الإيمان. انتهى كلام السنديّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن المراد بالإيمان هنا الصلاة هو الأرجح، وذلك أنه لما كان الوضوء من شرط صحّتها صار نصفًا لها بهذا الاعتبار، وسيأتي مزيد بسط في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ) ولفظ ابن ماجه: «مِلْءُ الْمِيزَانِ»، فيحتمل أن يكون بصيغة المصدر، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل، بمعنى مالئ الميزان، أو بصيغة الماضي، عبّر به لتحقّق وقوعه، كقوله ﷿: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾. ثم ما دلّ عليه ظاهر الحديث من أن «الحمد لله» نفسها تملأ الميزان، من غير تأويل بثوابها هو الحقّ؛ لعدم ما يمنع من ذلك. قال السنديّ ﵀: قوله: «تملأ الميزان» بصيغة الماضي، كأنه وقع وتحقّق، وظاهره أن الأعمال تُجسّد عند الوزن، أو بصيغة المصدر. انتهى. وقال النوويّ ﵀: أما قوله - ﷺ -: «والحمد لله تملأ الميزان»: فمعناه عِظَمُ أجرها، وأنه يملأ الميزان، وقد تظاهرت نصوص القرآن، والسنة على وزن الأعمال، وثقل الموازين، وخفّتها. انتهى . فقال الجامع عفا الله عنه: قوله: «عِظَم أجرها»، فيه نظرٌ؛ إذ هو حمل للوزن على وزن الثواب، وهو خلاف ظاهر النصّ، ومما يردّه قوله في آخر كلامه: «على وزن الأعمال»، فالأولى إبقاء النصّ على ظاهره، كما أسلفناه آنفًا، فتبصّر، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الخامسة، والحادية عشرة - إن شاء الله تعالى -. (وَسُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَآن، أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بالتاء المثنّاة من فوقُ في «تملآن»، و«تملأ»، وهو صحيح، فالأول ضمير مؤنثتين غائبتين، والثاني ضمير هذه الجملة من الكلام، وقال صاحب «التحرير»: يجوز «تملآن» بالتأنيث والتذكير جميعًا، فالتأنيث على ما ذكرناه، والتذكير على إرادة النوعين من الكلام، أو الذكرين، قال: وأما «تملأ» فمذكر على إرادة الذكر. وأما معناه: فيحتمل أن يقال: لو قُدِّر ثوابهما جسمًا لملأ ما بين السموات والأرض. قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق لك أن الأولى إبقاء النصّ على ظاهره؛ أي فتوزن «سبحان الله»، و«الحمد لله» نفسها، ولا داعي للتأويل المذكور، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وسبب عِظَم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى بقوله: «سبحان الله»، والتفويض، والافتقار إلى الله تعالى بقوله: «الحمد لله»، والله أعلم. انتهى. وقال القرطبيّ ما حاصله: أن الحمد راجع إلى الثناء على الله تعالى بأوصاف كماله، فإذا حَمِدَ الله تعالى حامدٌ مستحضرًا معنى الحمد في قلبه امتلأ ميزانه من الحسنات، فإذا أضاف إلى ذلك «سبحان الله» الذي معناه تبرئة الله، وتنزيهه عن كلّ ما لا يليق به من النقائص ملأت حسناته، وثوابها زيادة على ذلك ما بين السموات والأرض؛ إذ الميزان مملوء بثواب التحميد، وذكر السموات والأرض على جهة الإغياء على العادة العربية، والمراد أن الثواب على ذلك كثير جدًّا، بحيث لو كان أجسامًا لملأ ما بين السموات والأرض. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «لو كان أجسامًا. . إلخ» فيه نظر لا يخفى، والصحيح حمل الحديث على ظاهره، فتوزن الأذكار نفسها، فإنه لا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم. ووقع في رواية ابن ماجه: «وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، فيحتمل أن يكون بصيغة الماضي، والمصدر كسابقه، وإفراد الضمير على الأول بتأويل كلّ منهما، أو بمجموعهما، وقد سبق آنفًا أن الوزن للتسبيح والتكبير نفسهما على الصواب. وقال السنديّ ﵀: والظاهر أن هذا يكون عند الوزن كما في عَديله، ولعلّ الأعمال تصير أجسامًا لطيفةً نورانيّةً، لا تُزاحم بعضها، ولا يزاحم غيرها أيضًا، كما هو المشاهد في الأنوار؛ إذ يمكن أن يُسرَج ألف سراج في بيت واحد، مع أنه يمتلئ نورًا من واحد من تلك السُّرُج، لكن لكونه لا يزاحم يجتمع معه نور الثاني ونور الثالث، ثم لا يمنع امتلاء البيت من النور جلوسَ القاعدين فيه؛ لعدم التزاحم، فلا يرد أنه كيف يتصوّر ذلك مع كثرة التسبيحات والتقديسات؟ مع أنه يلزم من وجوده أن لا يبقى مكان لشخص من أهل المحشر، ولا لعمل آخر متجسّد مثل تجسّد التسبيح وغيره. انتهى كلام السنديّ ﵀ . وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. (وَالصَّلَاةُ نُورٌ) أي منوّرة للقلوب، وشارحة للصدور، وقال أبو العباس القرطبيّ ﵀: معناه: أن الصلاة إذا فُعلت بشروطها المصحّحة، والمكمّلة نوّرت القلب؛ بحيث تشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف، حتى ينتهي أمر مَن يراعيها حقّ رعايتها أن يقول: «وجُعلت قرّة عيني في الصلاة» ، وأيضًا فإنها تنوّر بين يدي مُراعيها يوم القيامة في تلك الظُّلَم، وأيضًا تنوّر وجه المصلّي يوم القيامة، فيكون ذا غرّة وتحجيل، كما ورد في حديث عبد الله بن بُسْر - ﵁ -، مرفوعًا: «أمتي يوم القيامة غُرٌّ من السجود، محجّلون من الوضوء» . انتهى كلام القرطبيّ . وقال النوويّ ﵀: معناه: أنها تمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتَهْدي إلى الصواب، كما أن النور يُستضاء به، وقيل: معناه أنه يكون أجرها نورًا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق؛ لفراغ القلب فيها، وإقباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]، وقيل: معناه أنها تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضًا على وجهه البهاءُ، بخلاف من لم يُصَلّ، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه المعاني كلّها لا تنافي بينها، وليس الخلاف فيها خلاف تناقض وتضادّ، فالأولى أن يحمل الحديث على جميع هذه المعاني، فتنبّه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. (وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ) ولفظ ابن ماجه: «وَالزَّكَاةُ بُرْهَانٌ»: أي دليلٌ على صدق صاحبها في دعوى الإيمان؛ إذ الإقدام على بذل المال خالصًا لله تعالى لا يكون إلا من صادق في إيمانه. قال القرطبيّ ﵀: أي برهان على صحّة إيمان المتصدّق، أو على أنه ليس من المنافقين الذين يَلْمِزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات، أو على صحّة محبّة المتصدّق لله تعالى، ولمَا لديه من الثواب؛ إذ قد آثر محبّة الله تعالى، وابتغاء ثوابه على ما جُبل عليه من حبّ الذهب والفضّة حتى أخرجه لله تعالى. انتهى كلامه . وقال النوويّ ﵀: قال صاحب «التحرير»: معنى قوله: «برهان» يُفزَع إليها كما يُفْزَع إلى البراهين، كأن العبد إذا سُئل يوم القيامة عن مَصْرِف ماله، كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول: تصدقت به، قال: ويجوز أن يُوسَم المتصدق بسيماء يُعْرَف بها، فيكون برهانًا له على حاله، ولا يُسأل عن مَصرِف ماله. وقال غير صاحب «التحرير»: معناه: الصدقة حجةٌ على إيمان فاعلها، فإن المنافق يَمتنع منها؛ لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استُدِلّ بصدقته على صدق إيمانه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٥]. والله تعالى أعلم ، وسيأتي تمام البحث في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) أي نُورٌ قويّ، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ الآية [يونس: ٥]. وقال أبو العباس القرطبيّ ﵀: قوله: «وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» كذا صحّت روايتنا فيه، وقد رواه بعض المشايخ: «والصوم ضياء» بالميم، ولم تقع لنا تلك الرواية. قال الجامع عفا الله عنه: الرواية بلفظ: «والصوم ضياء» وقدت عند أبي نعيم في «مستخرجه على صحيح مسلم» من طريق بشر بن موسى، عن يحيى بن إسحاق السيلحينيّ، عن أبان العطار . قال القرطبيّ: على أنه يصحّ أن يعبّر بالصبر عن الصوم، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]. وإن نَزّلناه على ذلك، فيقال في كون الصبر ضياء؛ كما قيل في كون الصلاة نورًا، وحينئذ لا يكون بين النور والضياء فرقٌ معنويٌّ، بل لفظيٌّ. والأَوْلَى أن يقال: إن الصبر في هذا الحديث غير الصوم، بل هو الصبرُ على العبادات، والمشاقّ، والمصائب، والصبرُ عن المخالفات، والمنهيّات؛ كاتباع هوى النفس، والشهوات، وغير ذلك، فمن كان صابرًا في تلك الأحوال متثبّتًا فيها؛ مقابلًا لكلّ حال بما يليق به ضاءت له عواقب أحواله، ووضَحَت له مصالح أعماله، فظَفِرَ بمطلوبه، وحَصَل من الثواب على مرغوبه، كما قيل [من البسيط]: فَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ تَطَلَّبَهُ … وَاسْتَعْمَلَ الصَّبْرَ إِلا فَازَ بِالظَّفَرِ انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀: معناه: الصبر المحبوب في الشرع، وهو الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر أيضًا على النائبات، وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه، مستضيئًا، مهتديًا، مُستَمِرًّا على الصواب. قال إبراهيم الخوّاص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنّة. وقال ابن عطاء: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. وقال الأستاذ أبو علي الدّقّاق: حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور، فأما إظهار البلاء، لا على وجه الشكوى، فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ الآية [ص: ٤٤]. مع أنه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٣]. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -. (وَالْقُرْآنُ حُجّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ) أي تنتفع به إن تلوته، وعَمِلتَ به، وإلا فهو حجة عليك . وقال القرطبيّ ﵀: يعني أنك إذا امتثلت أوامره؛ واجتنبت نواهيه، كان حجة لك في المواقف التي تُسأل فيها عنه، كمسألة الملكين في القبر، والمسألة عند الميزان، وفي عقبات الصراط، وإن لم تمتثل ذلك احتُجّ به عليك. ويحتمل أن يُراد به أن القرآن هو الذي يُنتهَى إليه عند التنازع في المباحث الشرعية، والوقائع الْحُكْميّة، فبه تَستَدلّ على صحّة دعواك، وبه يَستَدلّ عليك خصمك. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعنى الأول هو الذي يدلّ عليه السياق، فتأمّله. وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة التاسعة - إن شاء الله تعالى -. (كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا) يعني أن كل إنسان يَسعَى بنفسه، فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته، فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعهما، فيوبقها؛ أي يهلكها؛ قاله النوويّ . وقال في «المفاتيح»: البيع المبادلة، والمعنى به ها هنا صرف النفس واستعمالها في عِوَض ما يتوخّاه، ويتوجّه نحوه، فإن كان خيرًا يرضاه الله تعالى، فقد أعتق نفسه من النار، وإن كان شرًّا، فقد أوبقها؛ أي أهلكها. انتهى . وقال القرطبيّ: قوله: «يغدو»: بمعنى يُبكّر، يقال: الناس فريقان: غَدَا: إذا خرج صباحًا في مصالحه يغدو، وراح: إذا رجع بعسيّ، ومعنى ذلك أن كلّ إنسان يُصبح ساعيًا في أموره، متصرّفًا في أغراضه، ثم إما أن تكون تصرّفاته بحسب دواعي الشرع والحقّ، فهو الذي يبيع نفسه من الله، وهو بيع آئل إلى عتق وحرّيّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١] ومنه قول ابن مسعود - ﵁ -: «الناس غاديان، فبائع نفسه، فموبقها، أو مُفاديها، فمعتقها» . انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وفي «الكاشف»: الغدوّ: سير أول النهار، وهو ضدّ الرواح، وقد غدا يغدو غُدُوًّا، مأخوذ من الغدوة، بالضمّ، وهي ما بين الصبح وطلوع الشمس، والبيع والشراء يطلق أحدهما على الآخر؛ لارتباط كلّ منهما بالآخر، ولَمّا كان كلُّ واحد من المتعاقدين من عادته اختيار ما في يد صاحبه على ما في يده، وإيثاره عليه بالمبادلة معه، وُضِعَ لفظ البيع والشراء مكان ترك حالة، وكسب أخرى، والمراد ها هنا صرف النفس في الأغراض التي توخّتها النفس، وتوجّهت نحوها، واستعمالها فيها، فإن آثر آخرته على دنياه، واشتراها بالدنيا، فقد أعتق نفسه عن أليم العقاب، وإن آثر دنياه على آخرته، واشتراها بالآخرة، فقد أوبق نفسه؛ أي أهلكها بأن جعلها عُرضةً لعظيم العذاب. فقوله: «فبائع نفسه» خبر؛ أي هو مشتر نفسه بدليل قوله: «فمعتقها»؛ إذ الإعتاق إنما يصحّ من المشتري، وهو محذوف المبتدأ، فإنه يحذف كثيرًا بعد الفاء الجزائيّة. وقوله: «فمعتقها» خبر بعد الخبر، ويجوز أن يكون بدل بعض من قوله: «فبائع نفسه». قال الطيبيّ بعد ذكر ما تقدّم: أقول - وبالله التوفيق -: لعلّ المعنى بالإيمان ها هنا شُعبه، كما في قوله - ﷺ -: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، والطُّهُور، والحمد لله، وسبحان الله، والصلاة، والصدقة، والصبر، والقرآن العظيم أعظم شعبه التي لا تنحصر، وتخصيص ذكرها لبيان فائدتها، وفخامة شأنها، فبدأ بالطهور، وجعله شطر الإيمان؛ أي شُعبةً منه، ومجازه كمجازه في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ أي نحوه. وتقرير كون الطهور شعبة من الإيمان بوجوه: [أحدها]: أنه - ﷺ - جعل نقصان الدين في قوله للنساء: «أليست إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصُم؟» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها»، متّفقٌ عليه، فكلّ مانع يمنع المكلّف من الطاعة هو موجب نقصان دينه، وما يرفع المانع لا يبعد أن يُعدّ من الدين. [وثانيها]: أن طهارة الظاهر أمارة لطهارة الباطن؛ لأن الظاهر عُنوان الباطن، كما أن طهارة الظاهر ترفع الخبث والحدث من الظاهر؛ ليستعدّ للشروع في العبادات، كذلك طهارة الباطن، وهي التوبة تفتح باب السلوك للسائرين إلى الله تعالى، ومن ثمّ جمعهما في قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقيّد كلّ واحد منهما بمحبّة مستقلّة. [وثالثها]: أنه قد اشتهر أن من أراد الوفود إلى العظماء يتحرّى بتطهير ظاهره من الدنس والأَوْضَار، ولُبس الثياب النقيّة الفاخرة، فوافد مالك الملوك، ذي العزّة والجبروت أولى وأحرى بذلك، ومن ثَمَّ شُرعت نظافة البدن والثوب، والتطيّبُ في أيّام الأعياد والجمعات، قال الله ﷿ لحبيبه - ﷺ -: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٣ - ٥]، وإنما قُدّم ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ عن تالييه؛ لكونه هو المقصود، وإن كان مؤخّرًا في الوجود؛ لأن الغايات والكمالات سابقة في الإرادة، لاحقةٌ في الوجود، وعليه قوله ﷿: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ عن تالييه؛ لكونه هو المقصود، وإن كان مؤخّرًا في الوجود؛ وعليه قوله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ [الرحمن: ١ - ٣]، ولَمّا أراد الله تعالى أن يُسري بحبيبه - ﷺ -، ويقرّبه إليه شرح صدره ، وأخرج منه قلبه، فطهّره، على ما رويناه في الصحيحين من قوله - ﷺ -: «فأُتيت بطست من ذهب، فيها من ماء زمزم، فشُرِح صدري إلى كذا وكذا - يعني إلى أسفل بطنه - فاستُخرِج قلبي، فغسل بماء زمزم، ثم أُعيد مكانه، ثم حُشِي إيمانًا وحكمةً. . .» الحديث. [فإن قلت]: هل في تخصيص الصلاة بالنور، والصبر بالضياء فائدة؟. [قلت]: أجل؛ لأن الضياء فرطُ الإنارة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]. ولعمر الله إن الصبر بُنيت عليه أركان الإسلام، وبه أُحكمت قواعد الإيمان؛ لأنه تعالى لَمّا مَدَح عباده المخلصين بقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ - إلى قوله -: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٧٥] عقّبه بقوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾، فوَضَع الصبر موضع تلك الأعمال الفاضلة، والأخلاق المرضيّة؛ لأنه مِلاكها، وعليه يدور قُطبها. قال الراغب الأصفهانيّ ﵀: «الصبر»: حبسُ النفس عما يقتضيه الهوى، وتختلف مواقعه، وربّما يخالَف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان في معصية، فيقال: صَبَرَ لا غيرُ، وضدّه الْجَزَع، وإن كان في محاربة سُمّي شجاعةً، وضدّها الْجُبْنُ، وإن كان في نائبة مُضْجِرَة سُمّي صاحبه رَحِيب الصدر، وضدّه ضيّق النفس، وإن كان إمساك النفس من الفُضُولات سُمّي قَناعة، وضدّها الحرص والشّرّه، وإن كان في إمساك كلام في الضمير يُسمى كتمانًا، وضدّه الإفشاء، وإن كان في بذل مال سُمّي صاحبه جوادًا، وضدّه البخيل، وعلى هذا تُقاس جميع الفضائل. وقوله: «والقرآن حجة لك»: ختم الشُّعَب به، وسَلك به مسلكًا غير مسلكها؛ دلالةً على كونه سلطانًا قاهرًا، وحاكمًا فيصلًا، يفرّق بين الحقّ والباطل، حجةُ الله في الخلق، به السعادة والشقاوة. وقوله: «كلُّ الناس يغدو»: مجمل، والفاء في قوله: «فبائعٌ» تفصيليّة، وفي قوله: «فمعتقها» سببيّةٌ، والمعنى: كلُّ الناس يسعى في الأمور، فمنهم من يبيعها من الله تعالى، فيُعتقها من النار، أو يبيعها من الشيطان، فيوبقها. [فإن قلت]: ما وجه صلة هذه الجملة بما قبلها؟. [قلت]: هي استئنافيّة على تقدير سؤال سائل، قال: قد تبيّن من هذا التقرير الرشدُ من الغيّ، فما حال الناس بعد ذلك؟ فاجيب: كلُّ الناس يغدو. . . إلى آخره، وموقع هذا السؤال موقع الفاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٦] بعد قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ . وهو تحقيق نفيسٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي مالك الأشعريّ - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [١/ ٥٤٠] (٢٢٣)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٥١٧)، و(النسائيّ) (٢٤٣٧)، وفي «الكبرى» (٢٢١٧) وفي (١٦٧ و١٦٩)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٢٨٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٤٢، ٣٤٣) (٢٢٣٩٥ و٢٢٤٠١)، و(الدارميّ) في «سننه» (٦٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٨٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٦٠٠ و٦٠١)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٥٣٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٢)، وفي «الاعتقاد» (ص ١٧٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣٤٢٣ و٣٤٢٤)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٢١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الوضوء حيث كان شطر الإيمان. ٢ - (ومنها): فضل إسباغ الوضوء، حيث جُعِل شطر الإيمان. ٣ - (ومنها): بيان فضل «الحمد، والتسبيح، والتكبير»، وأنها توزن، كالأجسام، فتملأ الميزان، والسموات والأرض. ٤ - (ومنها): بيان فضل الصلاة، والمحافظة عليها، والاستكثار من التنفّل منها، حيث إنها تكون نورًا للمصلي، فتنوّر قلبه، وقبره، وموقفه في المحشر. ٥ - (ومنها): الترغيب في الصدقة، والإكثار منها، حيث إنها برهان لصاحبها، تُثْبِت له صدق إيمانه. ٦ - (ومنها): بيان فضل الصبر، وأنه ضياء يستضيء به العبد في ظلمة المصائب، والمشاقّ، وفيه المثوبة العظيمة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ٧ - (ومنها): بيان قراءة القرآن، والإكثار منها، وملازمة العمل بما فيه، والعكوف على التدبّر في آياته. ٨ - (ومنها): بيان أن القرآن إما أن ينتفع به صاحبه، فيكون حجة له، وذلك إذا قام به حقّ القيام، وإما أن لا ينتفع به، فيكون حجة عليه، وذلك إذا لم يقم بحقه، وهذا بمعنى الحديثِ الصحيح: «القرآنُ شافع مُشَفَّع، ومَاحِلٌ مُصَدّق، مَن جعله أمامه، قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار»، أخرجه ابن حبّان في «صحيحه» والبيهقيّ من حديث جابر - ﵁ -، والطبرانيّ، والبيهقيّ من حديث ابن مسعود - ﵁ - . وفي معنى هذا الوعيد الذي ذُكر هنا من أن القرآن حجة على العبد إذا لم يعمل به، ما جاء في الحديث الطويل الذي أخرجه المصنّف ﵀ من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن أول الناس يُقْضَى يوم القيامة عليه: رجل استُشهِد، فأُتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك، حتى استُشهدتُ، قال: كذبتَ، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: تعلمت العلم، وعلّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وَسَّعَ الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كُلِّه، فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل، تُحِبّ أن يُنفَقَ فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أُمر به، فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار». اللهم انفعنا بما علّمتنا، وعلّمنا ما ينفعنا، وزدنا علمًا، إنك رؤوفٌ رحيم. ٩ - (ومنها): بيان أن الناس صنفان: صنف يسعى فيما فيه نجاته وصلاحه في الدنيا والآخرة، وصنفٌ يسعى فيما فيه هلاكه، وخسرانه في الدنيا والآخرة. ١٠ - (ومنها): الحثّ على سعي الإنسان للخيرات؛ لأن الدنيا مزرعة الآخرة، والكيّس من أخذ بوصيّة رسول الله - ﷺ - التي أوصى بها عبد الله بن عمر - ﵄ -، فقد أخرج الإمام البخاريّ ﵀ في«صحيحه»، فقال: عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بمنكبي، فقال:«كن في الدنيا كأنك غريبٌ، أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر يقول:«إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك». وبوصيّة رسول الله - ﷺ - الأخرى حيث قال لرجل، وهو يعظه:«اغتنم خمسًا قبل خمس»: حياتك قبل موتك، وصحّتك قبل سَقَمك، وفراغك قبل شُغلك، وشبابك قبل هَرَمك، وغناك قبل فقرك« . ورُوي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «الكيّس مَن دان نفسه، وعَمِل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله»، أخرجه الترمذيّ، وحسّنه، وفيه نظر؛ لأن سنده ضعيف. قال: ومعنى قوله: «من دان نفسه» يقول: حاسَبَ نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة. ويروى عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يَخِفّ الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا». ويُرْوَى عن ميمون بن مِهْرَان قال: لا يكون العبد تَقِيًّا حتى يُحاسب نفسه كما يحاسب شريكه، من أين مطعمه وملبسه. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد الكلام في هذا الحديث، واستوفى مباحثه الحافظ ابن رجب الله ﵀ في «جامع العلوم والحكم»، أحببت إيراده، وإن كان بعضه تقدّم، إلا أن أبحاثه متميّزةٌ كما لا يخفى على بصير، فأورده بمسائل حتى يسهل فهمه، فأقول: (المسألة الرابعة): في قوله - ﷺ -: «الطهور شطر الإيمان» فسّر بعضهم الطهور ها هنا بترك الذنوب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال: الإيمان نوعان: فعلٌ، وتركٌ، فنصفه فعل المأمورات، ونصفه ترك المحظورات، وهو تطهير النفس بترك المعاصي، وهذا القول مُحْتَمِلٌ لولا أن رواية «الوضوءُ شطر الإيمان» تَرُدّه، وكذلك رواية «إسباغُ الوضوء»، وأيضًا ففيه نظر من جهة المعنى، فإن كثيرًا من الأعمال تُطَهِّر النفس من الذنوب السابقة، كالصلاة، فكيف لا تدخل في اسم الطهور؟ ومتى دخلت الأعمال، أو بعضها في اسم الطهور، لم يتحقق كون ترك الذنوب شطر الإيمان. والصحيح الذي عليه الأكثرون، أن المراد بالطهور ها هنا التطهير بالماء من الأحداث، ولذلك بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء، وكذلك أخرجه النسائيّ، وابن ماجه وغيرهما، وعلى هذا فاختَلَفَ الناس في معنى كون الطهور بالماء شطر الإيمان، فمنهم من قال: المراد بالشطر الجزء، لا أنه النصف بعينه، فيكون الطهور جزءًا من الإيمان، وهذا فيه ضعف؛ لأن الشطر إنما يُعْرَف استعماله لغةً في النصف، ولأن في حديث الرجل من بني سُليم: «الطهور نصف الإيمان» . ومنهم من قال: المعنى أنه يُضاعَف ثواب الوضوء إلى نصف ثواب الإيمان، لكن من غير تضعيف وفي هذا نظرٌ، وبُعْدٌ. ومنهم من قال: الإيمان يُكَفِّر الكبائر كلَّها، والوضوء يُكَفِّر الصغائر، فهو شطر الإيمان بهذا الاعتبار، وهذا يَرُدُّه حديث: «مَن أساء في الإسلام أُخِذ بما عَمِل في الجاهلية» . ومنهم من قال: الوضوء يُكَفِّر الذنوب مع الإيمان، فصار نصف الإيمان، وهذا ضعيف. ومنهم من قال: المراد بالإيمان ها هنا الصلاة، كما في قوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]، والمراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فإذا كان المراد بالإيمان الصلاة، فالصلاة لا تُقْبَل إلا بطهور، فصار الطهور شطر الإيمان بهذا الاعتبار، حَكَى هذا التفسير محمد بن نصر المروزي في «كتاب الصلاة» عن إسحاق بن راهويه، عن يحيى بن آدم، وأنه قال في معنى قولهم: «لا أدري نصف العلم»: إن العلم إنما هو: أدري، ولا أدري، فأحدهما نصف الآخر. قال ابن رجب: كلُّ شيء كان تحته نوعان، فأحدهما نصف له، وسواء كان عدد النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الآخر، ويدل على هذا حديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» والمراد قراءة الصلاة، ولهذا فسرها بالفاتحة، والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسألة، فالعبادة حقّ الربّ، والمسألة حقّ العبد، وليس المراد قسمة كلماتها على السواء، وقد ذكر هذا الخطابيّ، واستَشْهَد بقول العرب: نصفُ السنة سفرٌ، ونصفها حضرٌ، قال: وليس على تساوي الزمانين فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما، وإن تفاوتت مُدّتاهما، وبقول شريح، وقد قيل: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت، ونصف الناس عليّ غضبان، يريد أن الناس بين محكوم له، ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان عليه، والمحكوم له راض عنه، فهما حزبان مختلفان، وبقول الشاعر [من الطويل]: إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَيْنِ شَامِتٌ … بِمَوْتِي وَمُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ ومراده أنهم ينقسمون قسمين. ومن هذا المعنى حديث أبي هريرة - ﵁ - المرفوع في الفرائض: «أنها نصف العلم»، أخرجه ابن ماجه ، فإن أحكام المكلفين نوعان: نوع يتعلق بالحياة، ونوع يتعلق بما بعد الموت، وهذا هو الفرائض. وقال ابن مسعود - ﵁ -: الفرائض ثلث العلم، ووجه ذلك: الحديثُ الذي أخرجه أبو داود، وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - مرفوعًا: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة» . ورُوي عن مجاهد أنه قال: المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء، ولعله أراد أن الوضوء قسمان: أحدهما: مذكور في القرآن، والثاني: مأخوذ من السنة، وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أن المضمضة والاستنشاق يُطهران باطنَ الجسد، وغسل سائر الأعضاء يُطَهِّر ظاهره، فهما نصفان بهذا الاعتبار، ومنه قول ابن مسعود - ﵁ -: «الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله» ، وجاء من رواية يزيد الرَّقَاشيّ، عن أنس، مرفوعًا: «الإيمان نصفان: نصف في الصبر، ونصف في الشكر» . فلما كان الإيمان يشمل فعل الواجبات، وترك المحرمات، ولا يُنال ذلك كلُّه إلا بالصبر، كان الصبر نصف الإيمان، فهكذا يقال في الوضوء: إنه نصف الصلاة. وأيضًا، فالصلاة تكفّر الذنوب والخطايا، بشرط إسباغ الوضوء، وإحسانه، فصار شطر الصلاة بهذا الاعتبار أيضًا كما في «صحيح مسلم» عن عثمان - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «ما من مسلم يتطهر، فيتم الطهور الذي كتب عليه، فيصلي هذه الصلوات الخمس، إلا كانت كفارةً لما بينهن»، وفي رواية له: «من أتم الوضوء كما أمره الله، فالصلوات المكتوبة كفاراتٌ لما بينهن». وأيضًا فالصلاة مفتاح الجنة، والوضوء مفتاح الصلاة، كما أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا، وكلٌّ من الصلاة والوضوء موجب لفتح أبواب الجنة، كما في «صحيح مسلم» عن عقبة بن عامر - ﵁ - أنه سمع النبيّ - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم، فيصلي ركعتين، يُقْبِل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وَجَبت له الجنة»، وعن عقبة، عن عمر - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «ما منكم من أحد يتوضأ، فيَبْلُغ، أو يُسْبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أَيِّها شاء»، وفي «الصحيحين» عن عبادة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حقّ، والنار حقّ أدخله الله من أيّ أبواب الجنة الثمانية شاء». فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجبًا لفتح أبواب الجنة، صار الوضوء نصف الإيمان بالله ورسوله، بهذا الاعتبار. وأيضًا فالوضوء من خصال الإيمان الخفية التي لا يُحافِظ عليها إلا مؤمن، كما في حديث ثوبان وغيره، عن النبيّ - ﷺ -: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» . والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة، كما أخرجه الْعُقيليّ من حديث أبي الدرداء - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «خمسٌ مَن جاء بهن مع الإيمان، دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس، على وضوئهنّ، وركوعهنّ، وسجودهنّ، ومواقيتهنّ، وأعطى الزكاة من ماله، طَيِّب النفس بها - قال: وكان يقول -: وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمنٌ، وصام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا، وأدى الأمانة، قالوا: يا أبا ذرّ، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها» . لكن الذي يظهر أن تفرّده لا يضرّ؛ لأنه روى عنه جماعة، وأخرج له الشيخان، ووثقه العجليّ، والدارقطنيّ، وابن قانع، وابن حبان، وقال الذهبيّ في «الميزان» = وأخرج ابن ماجه من حديث أبي أيوب - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة كفّارة لما بينهنّ، قيل: وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة» . وحديث أبي الدرداء الذي قبله جَعَل فيه الوضوء من أجزاء الصلاة، وجاء في حديث أخرجه البزار من رواية شَبَابة بن سَوّار، حدثنا مغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «الصلاة ثلاثة أثلاث: الطهور ثلث، والركوع ثلث، والسجود ثلث، فمن أدّاها بحقّها قُبِلت منه، وقُبل منه سائر عمله، ومن رُدّت عليه صلاته، رُدّ عليه سائر عمله»، وقال: تفرد به المغيرة، والمحفوظ عن أبي صالح، عن كعب، من قوله. فعلى هذا القسم الوضوء ثلث الصلاة، إلا أن يُجعل الركوع والسجود كالشيء الواحد؛ لتقاربهما في الصورة، فيكون الوضوء نصف الصلاة أيضًا. ويَحْتَمِل أن يقال: خصال الإيمان من الأعمال والأقوال كلِّها تُطَهِّر القلب وتزكيه، وأما الطهارة بالماء فهي تختص بتطهير الجسد وتنظيفه، فصارت خصال الإيمان قسمين: أحدهما يُطَهِّر الظاهر، والآخر يطهر الباطن، فهما نصفان بهذا الاعتبار، والله تعالى أعلم بمراده، ومراد رسوله - ﷺ - في ذلك كله. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأجوبة كلّها عندي قول من قال: إن المراد بالإيمان ها هنا الصلاة، والصلاة شرط صحّتها الطهارة، فمن هذه الحيثيّة صار الطهور نصفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في قوله - ﷺ -: «والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو تملأ ما بين السموات والأرض». = ٣/ ١٣: ذكره العقيليّ في كتابه، وساق له حديثًا لا أرى به بأسًا. انتهى، وقال في «التقريب»: صدوق، لم يثبت أن يحيى بن معين ضعّفه. انتهى. فـ «أو» هنا للشك من الراوي في لفظه، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه: «والتسبيح، والتكبير ملء السماء والأرض»، وفي حديث الرجل من بني سُلَيم: «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض»، وخرّج الترمذيّ من حديث الإفريقيّ ، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب، حتى تَصِلَ إليه»، وقال: ليس إسناده بالقويّ. قال ابن رجبّ ﵀: اختُلِف في إسناده على الإفريقيّ، فرُوي عنه، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، وفيه زيادة: «والله أكبر ملء السموات والأرض»، ورَوَى جعفرٌ الْفِريابيّ في «كتاب الذكر»، وغيرُه من حديث عليّ - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «الحمد لله ملء الميزان، وسبحان الله نصف الميزان، ولا إله إلا الله، والله أكبر ملء السموات والأرض وما بينهنّ»، وخَرَّج الفريابيّ أيضًا، من حديث معاذ - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «كلمتان إحداهما مَن قالها لم يكن له ناهية دون العرش، والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض: لا إله إلا الله، والله أكبر» . فقد تضمنت هذه الأحاديث فضل هذه الكلمات الأربع، التي هي أفضل الكلام، وهي: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». فأما الحمد لله، فاتفقت الأحاديث كلُّها على أنه يملأ الميزان، وقد قيل: إنه ضَرْبُ مَثَلٍ، وأن المعنى: لو كان الحمد جسمًا لملأ الميزان، وقيل: بل الله ﷿ يُمَثِّل أعمال بني آدم، وأقوالهم صورا تُرَى يومَ القيامة، وتوزن، كما قال النبيّ - ﷺ -: «يأتي القرآن يوم القيامة تَقْدُمُه البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان، أو غيابتان، أو فِرْقان من طَيْرٍ صَوَافّ» ، وقال: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» ، وقال: «أثقل ما يوضع في الميزان الْخُلُق الْحَسَن» . وكذلك المؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره، في أحسن صورة، والكافر يأتيه عمله في أقبح صورة. ورُوي أن الصلاة، والزكاة، والصيام، وأعمال البر تكون حول الميت في قبره، تدافع عنه، وأن القرآن يَصْعَد فيشفع له. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذه النصوص الواضحة أن الأعمال نفسها توزن، وهذا هو الصواب من أقوال أهل العلم في ذلك، ولا مانع مع ذلك أن يوزن صاحبها، ويوزن الثواب أيضًا، كما تدلّ عليه بعض النصوص، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة العاشرة - إن شاء الله تعالى -. وأما «سبحان الله» ففي رواية مسلم: «سبحان الله، والحمد لله تملأ، أو تملآن ما بين السماء والأرض»، فشَكّ الراوي في الذي يملأ ما بين السماء والأرض، هل هو الكلمتان، أو إحداهما؟، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه: «التسبيح، والتكبير ملء السماء والأرض»، قال الحافظ ابن رجب ﵀: وهذه الرواية أسنَدُ . وهل المراد أنهما معًا يملآن ما بين السماء والأرض، أو أن كلا منهما يملأ ذلك؟ هذا محتمل. وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -، والرجل الآخر: أن التكبير وحده يملأ ما بين السماء والأرض، وبكل حال فالتسبيح دون التحميد في الفضل، كما جاء صريحًا في حديث عليّ، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، والرجل من بني سليم - ﵃ - أن التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه. وسبب ذلك أن التحميد إثبات المحامد كلّها لله ﷿، فدخل في ذلك إثبات صفات الكمال، ونعوت الجلال كلِّها، والتسبيح هو تنزيه الله ﷿ عن النقائص، والعيوب، والآفات، والإثباتُ أكمل من السلب، ولهذا لم يَرِد التسبيح مجردًا، لكن مقرونًا بما يدلّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقْرَن بالحمد، كقوله: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله، والحمد لله»، وتارةً باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال، كقوله: «سبحان الله العظيم». فإن كان حديث أبي مالك يدلّ على أن الذي يملأ ما بين السماء والأرض هو مجموع التسبيح والتكبير، فالأمر ظاهر، وإن كان المراد أن كُلًّا منهما يملأ ذلك، فإن الميزان أوسع مما بين السماء والأرض، فما يملأ الميزان فهو أكثر مما يملأ ما بين السماء والأرض، ويدل عليه أنه صَحّ عن سلمان - ﵁ - أنه قال: يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وُزِن فيه السموات والأرض لوسعهما، فتقول الملائكة: يا رب لِمَن تَزِن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئتُ من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك، وخَرَّجه الحاكم مرفوعًا، وصححه، ولكن الموقوف هو المشهور . وأما التكبير: ففي حديث أبي هريرة - ﵁ -، والرجل من بني سليم، أنه وحده يملأ السموات والأرض، وما بينهما، وفي حديث عليّ - ﵁ - أن التكبير مع التهليل يملأ ما بين السماء والأرض، وما بينهنّ. وأما التهليل وحده: فإنه يَصِلُ إلى الله تعالى لا حجاب بينه وبينه، وخَرّج الترمذيّ من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «ما قال عبد: لا إله إلا الله، مخلصًا إلا فُتحت له أبواب السماء، حتى يُفضي إلى العرش، ما اجتُنِبت الكبائر». وقال أبو أمامة: ما من عبد يُهَلِّل تهليلةً، فيُنَهْنِهُها شيء دون العرش، وورد أنه لا يَعْدِلها شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور، وقد أخرجه أحمد، والنسائيّ، وفي آخره عند الإمام أحمد: «ولا يَثْقُل شيء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . وفي «المسند» عن عبد الله بن عمر - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال «إن نوحًا؛ لَمّا حضرته الوفاة، قال لابنه: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبع، والأرضين السبع، لو وُضِعت في كِفّة، ووُضعت لا إله إلا الله في كِفّة، رَجَحَت بهنّ لا إله إلا الله» . وأخرج ابن حبّان، والحاكم من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - ، عن قال الشيخ الألبانيّ فيما كتبه على«شرح الطحاويّة»ص ٤١٨: رواية أحمد بهذا اللفظ:«ولا يثقل شيء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»شاذّة، والمحفوظ ما في رواية الترمذيّ والحاكم بلفظ:«فلا يثقل مع اسم الله شيء». انتهى. وقوله:«فيُبهت»: أي ينقطع، ويسكت متحيّرًا. النبيّ - ﷺ - قال:«إن موسى؛ قال: يا رب عَلّمني شيئًا أذكرك به، وأدعوك به، قال: يا موسى قل: لا إله إلا الله، قال: كلُّ عبادك يقول هذا، إنما أريد شيئًا تَخُصّني به، قال: يا موسى لو أن السموات السبع، وعامرهنّ غيري، والأرضين السبع في كِفّة، ولا إله إلا الله في كِفّة، مالت بهنّ لا إله إلا الله». وقد اختُلِف أيُّ الكلمتين أفضل: أكلمة الحمد، أم كلمة التهليل؟ وقد حَكَى هذا الاختلاف ابنُ عبد البر وغيره، وقال النخعيّ: إن الحمد أكثر الكلام تضعيفًا، وقال الثوريّ: ليس يُضاعف من الكلام مثل الحمد، والحمد يتضمن إثبات جميع أنواع الكمال لله، فيدخل فيه التوحيد. وفي«مسند الإمام أحمد»، عن أبي سعيد، وأبي هريرة - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال:«إن الله اصطفى من الكلام أربعًا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله، كُتبت له عشرون حسنة، وحُطّت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر مثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين، من قِبَل نفسه، كتبت له ثلاثون حسنة، وحُطّت عنه ثلاثون سيئة»، وقد رُوي هذا عن كعب من قوله، وقيل: إنه أصح من المرفوع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في قوله - ﷺ -:«والصلاة نور، والصدقة برهان، = أبي سعيد عند النسائيّ في «عمل اليوم والليلة» (٨٣٤)، وأبي يعلى في «مسنده» (١٣٩٣)، والطبرانيّ في «الدعاء» (١٤٨٠)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص ٢١٠٢ - ١٠٣، وابن حبان في «صحيحه» (٦٢١٨)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٢٨)، وهو كما قال، فليُتنته. والصبر ضياء»، وفي بعض نسخ«صحيح مسلم»:«والصيام ضياء». فهذه الأنواع الثلاثة من الأعمال أنوار كلُّها، لكن منها ما يَختَصّ بنوع من أنواع النور، فالصلاة نور مطلقٌ، ورُوي بإسنادين فيهما نظر، عن أنس - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال:«الصلاة نور المؤمن»، فهي للمؤمنين في الدنيا نور في قلوبهم وبصائرهم، تُشرق بها قلوبهم، وتستنير بصائرهم، ولهذا كانت قُرّةَ عين المتقين، كما كان النبيّ - ﷺ - يقول:«جُعِلت قرةُ عيني في الصلاة»، أخرجه أحمد، والنسائيّ . وفي رواية:«الجائعُ يَشْبَع، والظمآن يَرْوَى، وأنا لا أشبع من حب الصلاة». وفي«المسند» عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال جبريل للنبيّ - ﷺ -:«إن الله قد حَبَّب إليك الصلاة، فخذ منها ما شئت». وأخرج أبو داود، من حديث رجل من خُزاعة: أن النبيّ - ﷺ - قال:«يا بلال أقم الصلاة، وأرحنا بها». قال مالك بن دينار: قرأت في«التوراة»: يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يديّ في صلاتك باكيًا، أنا الذي اقتربت بقلبك، وبالغيب رأيتَ نوري، يعني ما يُفتح للمصلي في الصلاة، من الرقة والبكاء. وأخرج الطبرانيّ، من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - مرفوعًا:«إذا حافظ العبد على صلاته، فأقام وضوءها، وركوعها، وسجودها، والقراءة فيها، قالت له: حَفِظَك الله كما حفظتني، وصُعِدَ بها إلى السماء، ولها نور تنتهي إلى الله ﷿، فتشفع لصاحبها». وهي نور للمؤمنين، ولاسيما صلاة الليل، كما قال أبو الدرداء - ﵁ -:«صَلُّوا ركعتين في ظُلَم الليل لظلمة القبور»، وكانت رابعة قد فَتَرَت عن وردها بالليل مُدّةً، فأتاها آتٍ في منامها، فأنشدها: صَلَاتُكِ نُورٌ وَالْعِبَادُ رُقُودُ … وَنَوْمُكِ ضِدٌّ لِلصلَاةِ عَنِيدُ وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإن الأنوار تُقْسَم لهم على حسب أعمالهم. وفي«المسند»، و«صحيح ابن حبان» عن عبد الله بن عَمرو - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه ذكر الصلاة، فقال:«من حافظ عليها كانت له نورًا، وبرهانًا، ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا، ولا برهانًا، ولا نجاةً». وأخرج الطبراني بإسناد فيه نظرٌ، من حديث ابن عباس، وأبي هريرة - ﵃ -، عن النبيّ - ﷺ -:«من صلى الصلوات الخمس في جماعة، جاز على الصراط كالبرق اللامع، في أول زمرة من السابقين، وجاء يوم القيامة، ووجهه كالقمر ليلة البدر». (المسألة السابعة): في قوله - ﷺ -:«والصدقة برهان»، و«البرهان»: هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس، ومنه حديث أبي موسى - ﵁ -:«أن روح المؤمن تخرج من جسده لها برهان، كبرهان الشمس»، ومنه سُمِّيت الحجة القاطعة برهانًا، لوضوح دلالتها على ما دَلَّت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيبُ النفس بها علامةٌ على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما في حديث عبد الله بن معاوية العامريّ - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -:«ثلاثٌ من فَعَلهنّ، فقد طَعِم طَعْمَ الإيمان: مَن عَبَد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأَدَّى زكاةَ = «الكبير»، والبزار بنحوه، وفيه الأحوص بن حكيم، وثّقه ابن المدينيّ، والعجليّ، وضعّفه جماعة، وبقيّة رجاله موثّقون. انتهى. ماله، طيبةً بها نفسه، رافدةً عليه في كل عام»، وذكر الحديث، أخرجه أبو داود . وقد تقدّم قريبًا حديث أبي الدرداء - ﵁ - فيمن أَدَّى زكاة ماله طَيِّبَةً بها نفسه، قال: وكان يقول: لا يفعل ذلك إلا مؤمنٌ. وسبب هذا أن المال تُحِته النفوس، وتَبْخَل به، فإذا سَمَحَت بإخراجه لله ﷿ دَلَّ ذلك على صحة إيمانها بالله، ووعده ووعيده، ولهذا مَنَعَت العربُ الزكاةَ بعد النبيّ - ﷺ -، وقاتلهم الصديق - ﵁ - على منعها، والصلاة أيضًا برهان على صحة الإسلام. وأخرج الإمام أحمد ، والترمذيّ من حديث كعب بن عُجْرَة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «الصلاة برهان» . وقد تقدّم في شرح حديث: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» متّفق عليه، أن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإسلام والإيمان، وهي أيضًا أولُ ما يُحاسب به المرء يوم القيامة، فإن تمّت صلاته فقد أفلح وأنجح، وقد سبق حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - فيمن حافظ عليها أنها تكون له نورًا، وبرهانًا، ونجاةً يوم القيامة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في قوله - ﷺ -: «والصبر ضياء»، والضياء هو النور الذي يَحصل فيه نوع حرارة وإحراق، كضياء الشمس، بخلاف القمر، فإنه نورٌ محضٌ، فيه إشراق بغير إحراق، قال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]، ومن هنا وَصَف الله شريعة موسى؛ بأنها ضياء، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ [الأنبياء: ٤٨]، وإن كان قد ذَكَر أن في التوراة نورًا، كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، لكن الغالب على شريعتهم الضياء؛ لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال. ووَصَفَ شريعة محمد - ﷺ - بأنها نورٌ؛ لما فيها من الحنيفية السمحة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس يَحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها، وكفّها عما تهواه، كان ضياءً، فإن معنى الصبر في اللغة الحبس، ومنه قتل الصبر، وهو أن يُحْبَس الرجل حتى يُقْتَل، والصبر المحمود أنواع: منه صبر على طاعة الله ﷿، ومنه صبر عن معاصي الله ﷿، ومنه صبر على أقدار الله ﷿، والصبر على الطاعات، وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة، صَرَّح بذلك السلف، منهم سعيد بن جبير، وميمون بن مِهْران، وغيرهما، وقد رُوي بإسناد ضعيف من حديث عليّ - ﵁ - مرفوعًا: «إن الصبر على المعصية يُكتب به للعبد ثلاثُمائة درجة، وإن الصبر على الطاعة يُكتب به ستمائة درجة، وإن الصبر عن المعاصي يُكتب له به تسعمائة درجة»، وقد أخرجه ابن أبي الدنيا، وابن جرير الطبريّ . وأفضل أنواع الصبر الصيامُ، فإنه يَجمَع الصبر على الأنواع الثلاثة؛ لأنه صبر على طاعة الله ﷿، وصبر عن معاصي الله؛ لأن العبد يترك شهواته لله، ونفسه قد تنازعه إليها، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إن الله ﷿ يقول: كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» ، وفيه أيضًا صبر على الأقدار المؤلمة، بما قد يَحصُل للصائم من الجوع والعطش، وكان النبيّ - ﷺ - يُسَمِّي شهر الصيام شهر الصبر، وقد جاء في حديث الرجل من بني سُليم، عن النبيّ - ﷺ - أن الصوم نصف الصبر، وربما عَسُر الوقوف على سِرّ كونه نصف الصبر أكثر من عُسْر الوقوف على سرّ كون الطهور شطر الإيمان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في قوله - ﷺ -: «والقرآن حجةٌ لك، أو عليك»، قال الله ﷿: (﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]، قال بعض السلف: ما جالس أحدٌ القرآن، فقام عنه سالِمًا، بل إما أن يَرْبَح، أو أن يَخسر، ثم تلا هذه الآية. ورُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ - ﷺ - قال: «يُمَثَّل القرآن يوم القيامة رجلًا، فيؤتى بالرجل، قد حمله، فخالف أمره، فيتمثل له خصمًا، فيقول: يا رب حَمّلته إياي، فشرّ حامل، تعدَّى حدودي، وضَيّع فرائضي، ورَكِب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يَقْذِف عليه بالحجج، حتى يقال: شأنَكَ به، فيأخذه بيده فما يرسله حتى يَكُبّه على مَنخِره في النار، ويؤتى بالرجل الصالح، كان قد حَمَله، فيَتَمَثّل خصمًا دونه، فيقول: يا رب حَمّلته إياي، فخير حامل، حَفِظَ حدودي، واجتنب معصيتي، واتَّبَع طاعتي، فما يزال يَقْذِف له بالحجج، حتى يقال: شأنَك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يُلْبِسه حُلَّة الإستبرق، ويَعْقِد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر». وقال ابن مسعود - ﵁ -:«القرآن شافع مشفَّع، وماحلٌ مُصَدَّق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره قاده إلى النار». وعنه - ﵁ - قال:«يجيء القرآن يوم القيامة، فيَشْفَع لصاحبه، فيكون قائدًا إلى الجنة، أو يشهد عليه، فيكون سائقًا إلى النار». وقال أبو موسى الأشعريّ - ﵁ -:«إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن عليكم وزرًا، فاتبعوا القرآن، ولا يتبعكم القرآن، فإنه من اتَّبَع القرآن هَبَط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زَخّ في قفاه، فقذفه في النار»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في قوله - ﷺ -:«كلُّ الناس يَغْدُو، فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها». وأخرج الإمام أحمد، وابن حبان من حديث كعب بن عجرة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال:«الناس غاديان: فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها»، وفي رواية أخرى، أخرجها الطبرانيّ:«الناس غاديان: فبائع نفسه فموبقها، وقائد نفسه فمعتقها»، وقال الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. والمعنى قد أفلح من زَكَّى نفسه بطاعة الله، وخاب من دسّاها بالمعاصي، فالطاعة تُزكي النفس، وتطهرها، فترتفع بها، والمعاصي تُدَسِّي النفس، وتقمعها، فتنخفض، وتصير كالذي يُدَسّ في التراب. ودَلّ الحديث على أن كل إنسان إما ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فَكاكها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله تعالى، فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه، قال الله تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]، وفي «الصحيحين»، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - حين أنزل الله عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئًا»، وفي رواية البخاريّ: «يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، يابني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئًا»، وفي رواية لمسلم: أنه دعا قريشًا فاجتمعوا، فعَمّ وخَصّ، فقال: «يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا». وأخرج الطبرانيّ، والخرائطيّ، من حديث ابن عباس - ﵁ - مرفوعًا: «مَن قال إذا أصبح: سبحان الله وبحمده، ألف مرة، فقد اشترى نفسه من الله، وكان من آخر يومه عتيقًا من النار» . وقد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله ﷿ بأموالهم، فمنهم من تصدّق بماله كله، كحبيب بن أبي محمد، ومنهم من تصدق بوزنه فضةً ثلاث مرات، أو أربعًا، كخالد الطحان، ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة، ويقول: إنما أنا أسير، أسعى في فَكاك رقبتي، منهم عمرو بن عُتبة، وكان بعضهم يسبّح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة بقدر ديته، كأنه قد قَتَل نفسه، فهو يفتكّها بديتها. قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله ﷿، وقال: ابنَ آدم، إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح، فليكن همك نفسك، فإنك لن تربح مثلها أبدًا. قال أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرةً، وأنا شابّ: خَلِّص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدًا، قال: فوالله ما نسيتها بعدُ. وكان بعض السلف يبكي، ويقول: ليس لي نفسان، إنما لي نفس واحدة، إذا ذهبت لم أجد أخرى. وقال محمد ابن الحنفية: إن الله ﷿ جعل الجنة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعوها بغيرها، وقال أيضًا: من كَرُمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر، وقيل له: من أعظم الناس قدرًا؟ قال: من لم ير الدنيا كلها لنفسه خطرًا. وأنشد بعض المتقدمين [من الطويل]: أُثَامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّهَا … وَلَيْسَ لَهَا فِي الْخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنْ بِهَا تُمْلَكُ الأُخْرَى فَإِنْ أَنَا بِعْتُهَا … بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَذَاكَ هُوَ الْغَبَنْ لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنْيَا أُصِيبُهَا … لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنْ انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب ﵀ ببعض تصرّف . وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحث أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم: هل توزن الأعمال، أم ثوابها؟: ذكر الإمام ابن كثير ﵀ في «تفسيره» ٢/ ٢٠٣ اختلافهم في ذلك، فقال ﵀ عند قوله ﷿: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ الآية [الأعراف: ٨] ما نصّه: والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال، وإن كانت أعراضًا، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجسامًا، قال البغوي: يُرْوَى نحو هذا عن ابن عباس - ﵄ -، كما جاء في «الصحيح» من «أن البقرة، وآل عمران، يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف». ومن ذلك في «الصحيح» قصة القرآن، وأنه «يأتي على صاحبه في صورة شابّ شاحبِ اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك، وأظمأت نهارك». وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر: «فيأتي المؤمن شابٌّ، حسنُ اللون طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح»، وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق. وقيل: يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به، ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سِجِلًّا، كل سِجِلّ مدّ البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله، فيقول: يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان، قال رسول الله - ﷺ -: «فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة»، رواه الترمذي بنحو من هذا، وصححه. وقيل: يوزن صاحب العمل، كما في الحديث: «يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين، فلا يَزِن عند الله جناح بعوضة، ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، وفي مناقب عبد الله بن مسعود - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال:»أتعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أُحد«. وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارةً توزن الأعمال، وتارةً توزن مَحَالّها، وتارة يوزن فاعلها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.
مصادر المؤلف (٨١)

١. بفتح الحاء، وبالباء الموحدة المشدّدة.

٢. «تهذيب التهذيب» ١/ ٥٦ - ٥٧.

٣. «تهذيب التهذيب» ١/ ٥٧.

٤. راجع «تهذيب الكمال» ١٠/ ٧٩.

٥. «الأنساب» ٢/ ٢٠٣.

٦. «اللباب» ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧.

٧. بفتح الغين المعجمة، وسكون النون.

٨. «شرح النوويّ» ٣/ ٩٩ - ١٠٠.

٩. راجع «قرة عين المحتاج» ١/ ١٤٣.

١٠. «شرح النوويّ» ٣/ ١٠٠.

١١. «شرح السنديّ» ١/ ١٨٠.

١٢. «شرح النوويّ» ٣/ ١٠١.

١٣. «الإغياء»: بلوغ الغاية، يقال: أغيا الرجل: بلغ الغاية.

١٤. المفهم ١/ ٤٧٥ - ٤٧٦.

١٥. «شرح السنديّ» ١/ ١٨٠ - ١٨١.

١٦. حديث صحيح، رواه أحمد ٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥.

١٧. حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ في «جامعه» برقم (٥٠٥) وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه، من حديث عبد الله بن بسر.

١٨. «المفهم» ١/ ٤٧٦.

١٩. «شرح النوويّ» ٣/ ١٠١.

٢٠. «المفهم» ١/ ٤٧٦.

٢١. «شرح النوويّ» ٣/ ٩٧.

٢٢. «المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم» ١/ ٢٨٩.

٢٣. وقع في نسخة «المفهم»: «فإن تنزّلنا على ذلك»، والظاهر أنه مصحّف، والله أعلم.

٢٤. «المفهم» ١/ ٤٧٧.

٢٥. «شرح مسلم» ٣/ ٩٧.

٢٦. «شرح النووي» ٣/ ١٠١.

٢٧. «المفهم» ١/ ٤٧٧.

٢٨. «شرح النوويّ» ٣/ ١٠٢.

٢٩. «شرح السنديّ» ١/ ١٨١.

٣٠. قال الهيثميّ في «مجمع الزوائد» ١٠/ ٢٣٦: رواه الطبرانيّ، وإسناده جيّد.

٣١. «المفهم» ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨.

٣٢. وقد شُقّ صدره - ﷺ - قبل النبوّة أيضًا، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» من حديث أنس بن مالك - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقَةً، فقال: هذا حظّ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب، بماء زمزم، ثم لَأَمَهُ، ثم أعاده في مكانه. . .» الحديث.

٣٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٧٣٩ - ٧٤٣.

٣٤. حديث صحيح.

٣٥. سيأتي للمصنف في«صحيحه»برقم (١٩٠٥).

٣٦. حديث صحيح، أخرجه الحاكم، والبيهقيّ، عن ابن عبّاس، قال الحاكم: صحيح على شرطهما.

٣٧. «جامع الترمذيّ» في «صفة القيامة» برقم (٢٣٨٣).

٣٨. هو ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، من حديث رجل من بني سليم قال: عدّهن رسول الله - ﷺ - في يدي أو في يده: «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير تملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان»، وحسّنه الترمذيّ، وفيه نظر؛ لأن فيه جُريّ بن كُليب النهديّ، مجهول.

٣٩. تقدّم للمصنّف ﵀ برقم (١٢٠) من حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: قلنا: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أُخِذ بالأول والآخر».

٤٠. سيأتي للمصنّف ﵀ مطوّلًا برقم (٣٩٥).

٤١. أخرجه ابن ماجه برقم (٢٧١٩) وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده حفص بن عمر بن أبي العطّاف، وهو ضعيف.

٤٢. أخرجه أبو داود (٢٨٨٥)، وابن ماجه (٥٤)، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيّ، وعبد الرحمن بن رافع التنُوخيّ، وهما ضعيفان.

٤٣. أثر صحيح أخرجه الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٤٦ وصححه، ووافقه الذهبيّ.

٤٤. أخرجه الخرائطيّ في «فضيلة الشكر» (١٨)، والقضاعيّ في «مسند الشهاب» (١٥٩)، وهو ضعيف؛ لأن في سنده يزيد الرقاشيّ، وهو ضعيف.

٤٥. رواه أحمد ٥/ ٢٨٠، والدارميّ ١/ ١٩٨، وابن ماجه (٢٧٧)، والحاكم ١/ ١٣٠، وصححه ابن حبّان (١٠٣٧).

٤٦. رواه العقيليّ في «الضعفاء» من رواية عبيد الله بن عبد المجيد الحنفيّ، وقال: لا يُتابع عليه.

٤٧. أخرجه ابن ماجه (٥٩٨)، وضعّفه الشيخ الألبانيّ في «الضعيفة» (٨) لكن فيه نظر، والله أعلم.

٤٨. رقم (٣٤٩). وأورده الهيثميّ في «مجمع الزوائد» (٢/ ١٤٧) وقال: المغيرة ثقةٌ، وإسناده حسن. انتهى.

٤٩. الإفريقيّ اسمه عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، قاضي إفريقية، ضعيف في حفظه.

٥٠. رواه الطبرانيّ في«الكبير»٢٠/ ٣٣٤ وفي سنده ابن لهيعة، ضعيف، ومعاذ بن عبد الله بن رافع قال الهيثميّ ﵀: لم أعرفه.

٥١. سيأتي للمصنّف: برقم (٨٠٤ و٨٠٥).

٥٢. متّفقٌ عليه.

٥٣. حديث صحيحٌ، أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» (٢٧٠)، وأبو داود (٤٧٩٩)، والترمذيّ (٢٠٠٣)، وصححه ابن حبّان.

٥٤. قال الجامع عفا الله عنه: إنما قال ابن رجب ﵀: «أسند» أي أصحّ سندًا مما في «صحيح مسلم»؛ لما أسلفناه أنه اختُلف في إدخال عبد الرحمن بن غَنْم بين أبي سلّام وأبي مالك الأشعري، فأدخله معاوية بن سلّام، عن أخيه زيد، ولم يُدخله يحيى بن أبي كثير عن زيد، وقال الحفّاظ: معاوية أحفظ لحديث أخيه من يحيى بن أبي كثير، فتُرجّح روايته على روايته، فرواية النسائيّ، وابن ماجه من طريق معاوية بإدخاله، أصحّ من رواية مسلم من طريق يحيى بعدمه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٥٥. أخرجه الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٥٨٦، وصحّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ.

٥٦. أي يكفّها، ويمنعها.

٥٧. أخرجه أحمد في «المسند» ٢/ ٢١٣، والترمذيّ (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٥٢٩، وابن حبّان في «صحيحه» (٢٢٥) بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ﷿ يستخلص رجلًا من أمتي على رُؤوس الخلائق يوم القيامة، فيَنْشُر عليه تسعة وتسعين سجلًّا، كل سجلّ مَدَّ البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا، يا رب، فيقول: ألك عذر، أو حسنة؟ فيُبْهَت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنةً واحدةً، لا ظلم اليوم عليك، فَتَخْرُج له بطاقة، فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظْلَم، قال: فتوضع السجلات في كِفّة، قال: فطاشت السجلات، وثَقُلت البطاقة، ولا يثقل شيء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».

٥٨. رواه في«المسند»٢/ ١٧٠ - ٢٢٥ ورجاله ثقات.

٥٩. عزا ابن رجب هذا الحديث إلى«مسند أحمد»، وجعله من حديث عبد الله بن عمرو، ولم أجده فيه، وقد نبّه محقق الكتاب أنه من وهمه، وإنما هو من حديث=

٦٠. أخرجه ابن حبّان في «صحيحه» (٦٢١٨)، والحاكم في «مستدركه» ١/ ٥٢٨ وصححه، ووافقه الذهبيّ، مع أن في سنده دَرّاجًا أبا السمح، وهو ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، وهذا منها، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.

٦١. أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٠٢ و٣١٠ و٣/ ٣٥ و٣٧، وصححه الحاكم ١/ ٥١٢، ووافقه الذهبيّ، وذكره الهيثميّ في «المجمع» ١٠/ ٨٧ - ٨٨ ونسبه لأحمد، والبزار، وقال: ورجالهما رجال الصحيح. انتهى.

٦٢. أخرجه أبو يعلى (٣٦٥٥)، والمروزيّ في«تعظيم قدر الصلاة»(١٧٦ و١٧٧)، والقضاعيّ (١٤٤) وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن ماجه مطوّلًا (٤٢١٠) وإسناده ضعيف أيضًا.

٦٣. صححه الحاكم ٢/ ١٦٠ ووافقه الذهبيّ.

٦٤. لا يصحّ، فقد أورده الديلميّ في«مسند الفردوس»(٢٦٢٢) بلا سند.

٦٥. ١/ ٢٤٥ و٢٥٥ و٢٥٦ وفيه علي بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف.

٦٦. حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (٤٩٨٥ و٤٩٨٦).

٦٧. أورده الحافظ أبو بكر الهيثميّ في«المجمع»٢/ ١٢٢ وقال: رواه الطبرانيّ في=

٦٨. ٢/ ١٦٩.

٦٩. رقم (١٤٦٧).

٧٠. رواه الطبرانيّ في «الأوسط». قال الهيثميّ في «المجمع» ٢/ ٣٩: وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلّسٌ، وقد عنعنه. انتهى.

٧١. رجاله ثقاتٌ، ولكن في سنده انقطاع بين يحيى بن جابر، وبين جُبير بن نُفير، ورواه موصولًا بسند صحيح الطبرانيّ في «الصغير» (٥٥٥)، والفسويّ في «المعرفة والتاريخ»١/ ٢٦٩، ومن طريقه البيهقيّ ٤/ ٩٥ - ٩٦.

٧٢. ليس عند أحمد من حديث كعب بن عجرة، وإنما هو من حديث جابر - ﵁ - بسند صحيح، (١٤٠٣٢) وهو حديث طويل، وفيه أنه - ﷺ - قال: «يا كعب بن عجرة الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان».

٧٣. أخرجه الترمذيّ (٦١٤) وقال: حسنٌ غريب.

٧٤. وأورده ابن الجوزيّ في «الموضوعات» ٣/ ١٨٤ وقال: هذا حديث موضوع، والمتّهم فيه عبد الله بن زياد، وهو ابن سمعان، قال مالك، ويحيى: كان كذّابًا، وقال النسائيّ، والدارقطنيّ: متروك الحديث.

٧٥. متّفقٌ عليه.

٧٦. رواه ابن أبي شيبة في«مصنّفه»١٠/ ٤٩١ - ٤٩٢، والبزار في«مسنده»(٢٣٣٧). قال الهيثميّ في«المجمع»٧/ ١٦١: وفيه ابن إسحاق، وهو ثقةٌ، ولكنه مدلس، وبقية رجاله ثقات.

٧٧. رواه الطبرانيّ في«الكبير»(٨٦٥٥) ورجاله رجال الصحيح.

٧٨. رواه أبو نعيم في«الحلية»١/ ٢٥٧.

٧٩. أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -، ونصّه: (١٤٨٦٠) حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله، قال: حدثنا أن رسول الله - ﷺ - قال:«يا كعب بن عجرة، أعيذك بالله من إمارة السفهاء»، قال: وما ذاك يا رسول الله؟ قال:«أمراء سيكونون من بعدي، مَن دخل عليهم فصدقهم بحديثهم، وأعانهم على ظلمهم، فليسوا مني، ولست منهم، ولم يردوا علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم، ولم يصدقهم بحديثهم، ولم يُعنهم على ظلمهم، فأولئك مني، وأنا منهم، وأولئك يردون علي الحوض، يا كعب بن عجرة، الصلاة قُربان، والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب بن عجرة، لا يدخل الجنة من نبت لحمه من سُحْت، النار أولى به، يا كعب بن عجرة، الناس غاديان، فغادٍ بائع نفسه، وموبق رقبته، وغادٍ مبتاع نفسه، ومعتق رقبته». وهذا إسناد صحيح.

٨٠. أورده الهيثميّ في «المجمع» ١٠/ ١١٣ - ١١٤ وقال: رواه الطبرانيّ في «الأوسط»، وفيه من لم أعرفه. انتهى.

٨١. راجع «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٥ - ٣١.