HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٥

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن زيد ابن عَاصِمٍ الأَنْصَارِيِّ (وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ) قَالَ: قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَأَكْفَأَ مِنْهَا عَلَى يَدَيْهِ. فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا. فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ. فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ج ١ ص ٢١٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٢٠٥
«ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم، فيصلي ركعتين، مقبلًا بقلبه ووجهه عليهما، إلا وجبت له الجنة»، قال عقبة: فقلت: ما أجودها! قال: قائل من خلفي: الذي قبلها أجود منها، فالتفتُّ، فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال لي: كأنك جئت آنفًا، فقال عمر بن الخطاب: قال رسول الله - ﷺ -: «من بالغ في الوضوء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فُتحت له ثمانية أبواب من الجنة، يدخل من أيِّها شاء». قال: اللفظ لأبي بكر، وأبي كريب جميعًا، عن زيد بن الحباب. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٧) - (بَاب آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ) قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف - ﵀ - تقديم أحاديث عبد الله بن زيد - ﵁ - الآتية إلى أحاديث عثمان - ﵁ - الماضية، حتى تكون أحاديث صفة الوضوء في محلّ واحد، كما لا يخفى حسنه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦١] (٢٣٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنصَارِيّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَة، قَالَ: قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأْ لنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَدَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَكفَأَ مِنْهَا عَلَى يَدَيْه، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْن، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِه، فَأقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْن، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، البزّاز، مولى مُزَينة، صاحب «السنن»، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقة ثبت [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. ٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ) بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت بعد ١٣٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٨/ ٤٦٤. ٤ - (أَبُوهُ) هو: يحيى بن عُمَارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدني، ثقة [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٨/ ٤٦٤. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الأنصَارِيُّ) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مَبْذُول بن عَمْرو بن غَنْم بن مازن بن النّجّار الأنصاري المازنيّ، أبو محمد، وقيل في نسبه غير ذلك، وأمه أمّ عُمارة نَسِيبة بنت كعب، وهو أخو حَبيب بن زيد الذي قطّعه مُسيلمة الكذّاب، وعمّ عبّاد بن تميم، له ولأبويه، ولأخيه حَبِيب صحبة. وذَكَر الواقديّ أنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب، وقد رُوي أن أمه أم عُمارة قالت: جئتُ أطلبه - تعني مسيلمة - فوجدت ابني عبد الله يمسح سيفه من دمه، وقد قال وحشيّ بن حرب: إنه رماه بحربته، وشدّ عليه رجلٌ من الأنصار بالسيف، فربّك أعلم أيّنا قتله، إلا أني سمعت جاريةً من الحِصْن تقول: قتله العبد الحبشيّ، وقد روي من وجه غريب عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: أنا قتلتُ مسيلمة، فيَحْتَمِل أن يكون شارك فيه. رَوَى عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - حديث الوضوء وغيره، وروى عنه ابن أخيه عَبّاد بن تميم، وسعيد بن المسيِّب، ويحيى بن عُمَارة، وكان صِهْره على ابنته، وواسع بن حَبّان، وأبو سفيان مولى بن أبي أحمد. شهِدَ عبد الله بن زيد، وأمّه أمّ عُمارة أُحدًا مع النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، فرُوي أن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - قال يومئذ: «رحمة الله عليكم أهل البيت» . وقال أبو القاسم البغويّ: قيل: إنه شهد بدرًا، ولا يصحّ، وحكاه أبو نعيم الأصبهانيّ عن البخاريّ، وقال ابن سعد: بلغني أنه قُتِل بالحرّة، وقتل معه ابناه: خلاد، وعلي . وقال في «الإصابة»: واختُلف في شهوده بدرًا، وبه جزم أبو أحمد الحاكم، وابن مندهْ، وأخرجه الحاكم في «المستدرك»، وقال ابن عبد البرّ: شهد أُحُدًا وغيرها، ولم يَشهَد بدرًا، قال: وكان مسيلمة قَتَل أخاه حبيب بن زيد، فلما غزا الناس اليمامة شارك عبد الله بن زيد وَحْشيّ بن حَرْب في قتل مسيلمة. انتهى . قال خليفة وغير واحد: قُتِل بالْحَرّة، وكان في آخر ذي الحجة سنة (٦٣)، زاد الواقديّ: وهو ابن (٧٠) سنة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا ، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديٌّ، وخالد بن عبد الله، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بمحمد بن الصباح في الكتب الستة اثنان: [أحدهما]: شيخ المصنّف هذا، وهو من رجال الجماعة، يروي عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود مباشرة بلا واسطة، ولا يروي عنه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه إلا بواسطة. [والثاني]: محمد بن الصباح بن سفيان الْجَرْجَرائيّ - بجيمين مفتوحتين، بينهما راء ساكنة، ثم راء خفيفة - أبو جعفر التاجر، صدوق [١٠] (ت ٢٤٠) من أفراد أبي داود، وابن ماجه. ٦ - (ومنها): أن عبد الله بن زيد بن عاصم هذا غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه، صاحب الأذان، كذا قاله الْحُفّاظ من المتقدمين والمتأخرين، وغَلَّطوا سفيان بن عيينة في قوله: هو هو، وممن نَصّ على غلطه في ذلك البخاريّ في «كتاب الاستسقاء» من «صحيحه»، وقد قيل: إن صاحب الأذان لا يُعْرَف له إلا حديث الأذان؛ قاله النوويّ - ﵀ - . وقال في «الإصابة»: قال الترمذيّ: لا نعرف له عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - شيئًا يصحّ إلا هذا الحديث الواحد، وقال ابن عديّ: لا نعرف له شيئًا يصحّ غيره، وأطلق غير واحد أنه ليس له غيره. قال الحافظ: وهو خطأ، فقد جاءت عنه عدّة أحاديث ستة أو سبعة جمعتها في «جزء مفرد». انتهى . وقال العلامة ابن الملقّن - ﵀ -: إنهما يتّفقان في الاسم، واسم الأب، والقبيلة، ويفترقان في الجدّ، والبطن من القبيلة، فالأول مازنيّ، والثاني حارثيّ، وكلاهما أنصاريّان، خزرجيّان، فيدخلان في المتّفق والمفترق من علوم الحديث، قال: وعبد الله رائي الأذان لم يُخرج له الشيخان شيئًا، كما نصّ على ذلك الحافظ أبو الحسن بن المفضّل المقدسيّ، وأما صاحب الوضوء، فأخرج له الستة، وجملة أحاديثه ثمانية وأربعون حديثًا، اتّفقا على ثمانية، قال: ووَهِمَ أبو القاسم البغويّ، فجعلهم ثلاثةً. انتهى ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة بن أبي حسن، واسمه تميم بن عبد عمرو بن قيس، ولجده أبي حسن صحبة، وكذا لعُمارة فيما جزم به ابن عبد البرّ، وقال أبو نعيم: فيه نظر، وقال الذهبيّ: عُمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ له صحبة، وقيل: أبوه بَدْريّ، وعَقَبيّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأنصَارِيِّ) - ﵁ - (وَكَانَتْ لَهُ صحْبَةٌ) يعني أن عبد الله بن زيد - ﵁ - صحابيّ (قَالَ) أي عبد الله بن زيد (قِيلَ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أن قائلًا قال له: توضّأ لنا .. إلخ، والقائل هو عمرو بن أبي حسن، كما بُيّن في رواية البخاريّ وغيره. ووقع في رواية البخاريّ من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى: أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد - وهو جدّ عمرو بن يحيى -: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضّأ؟. قال في «الفتح»: قوله: «أن رجلًا» هو عمرو بن أبي حسن، كما سماه البخاري في الحديث الذي بعد هذا، من طريق وُهيب، عن عمرو بن يحيى، وعلى هذا فقوله هنا: «وهو جدّ عمرو بن يحيى» فيه تجوُّز؛ لأنه عم أبيه، وسماه جدًّا؛ لكونه في منزلته، ووَهِمَ مَن زَعَم أن المراد بقوله: «وهو» عبد الله بن زيد؛ لأنه ليس جدًّا لعمرو بن يحيى، لا حقيقةً ولا مجازًا، وأما قول صاحب «الكمال»، ومن تبعه في ترجمة عمرو بن يحيى أنه ابن بنت عبد الله بن زيد فغلطٌ، تَوَهَّمه من هذه الرواية، وقد ذكر ابن سعد أن أم عمرو بن يحيى هي حُمَيدةُ بنت محمد بن إياس بن الكبير، وقال غيره: هي أم النعمان بنت أبي حية، فالله أعلم. وقد اختَلَف رواة «الموطأ» في تعيين هذا السائل، وأما أكثرهم فأبهمه. قال مَعْن بن عيسى في روايته، عن عمرو، عن أبيه يحيى، أنه سمع أبا حسن، وهو جدّ عمرو بن يحيى، قال لعبد الله بن زيد، وكان من الصحابة، فذكر الحديث. وقال محمد بن الحسن الشيبانيّ، عن مالك: حدثنا عمرو، عن أبيه يحيى، أنه سمع جدّه أبا حسن، يسأل عبد الله بن زيد. وكذا ساقه سحنون في «المدونة». وقال الشافعيّ في «الأم»: عن مالك، عن عمرو، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد. ومثله رواية الإسماعيلي، عن أبي خليفة، عن مالك، عن عمرو، عن أبيه قال. قال الحافظ: والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاريّ، وابنه عمرو، وابن ابنه يحيى بن عُمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة وضوء النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وتَوَلَّى السؤال منهم له عمرُو بن أبي حسن، فحيث نُسِبَ إليه السؤال كان على الحقيقة، ويؤيده رواية سليمان بن بلال عند البخاريّ في «باب الوضوء من التَّوْر» قال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عَمِّي - يعني عمرو بن أبي حسن - يُكْثِر الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني، فذكره، وحيث نُسِب السؤال إلى أبي حسن، فعلى المجاز؛ لكونه كان الأكبر، وكان حاضرًا، وحيث نُسِب السؤال ليحيى بن عُمارة فعلى المجاز أيضًا؛ لكونه ناقل الحديث، وقد حَضَر السؤال. ووقع في رواية مسلم عن محمد بن الصبّاح، عن خالد الواسطيّ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: قيل له: توضأ لنا، فذكره مبهمًا. وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق وهب بن بَقِيَّة، عن خالد المذكور بلفظ: قلنا له، وهذا يؤيد الجمع المتقدم من كونهم اتَّفَقُوا على سؤاله، لكن مُتَوَلِّي السؤال منهم عمرو بن أبي حسن، ويزيد ذلك وضوحًا رواية الدّرَاوَرْديّ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن، قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد ..، فذكر الحديث. أخرجه أبو نعيم في «المستخرج»، والله تعالى أعلم. انتهى . وقوله: (تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) مقولُ «قيل» (فَدَعَا بِإِنَاءٍ) وفي رواية للبخاريّ: «فدعا بماء»، وفي رواية له: «فدعا بِتَوْر من ماء»، و«التَّوْرُ» - بمثناة مفتوحة - قال الداوديّ: قَدَحٌ، وقال الجوهريّ: إناء يُشْرَب منه، وقيل: هو الطَّسْتُ، وقيل: يُشْبِه الطست، وقيل: هو مِثْلُ الْقِدْر، يكون من صُفْرٍ، أو حجارةٍ، وفي رواية البخاريّ في «باب الغسل في الْمِخْضَب» في أول هذا الحديث: «أتانا رسول الله - ﷺ -، فأخرجنا له ماء في تَوْرٍ من صُفْرٍ»، و«الصُّفْرُ» - بضم المهملة، وإسكان الفاء، وقد تُكْسر الصاد - صِنْفٌ من حديد النُّحَاس، قيل: سُمِّي بذلك؛ لكونه يُشبه الذهب، ويسَمَّى أيضًا الشَّبَهَ - بفتح المعجمة، والموحدة - والتورُ المذكور يَحْتَمِل أن يكون هو الذي توضأ منه عبد الله بن زيد، إذ سئل عن صفة الوضوء، فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها. انتهى . (فَأَكفَأَ) - بهمزتين - أي أمال، وصبّ، وفي رواية للبخاريّ: «فكفأ» - بفتح الكاف - وهما لغتان بمعنىً، يقال: كفأ الإناء، وأكفأه: إذا أماله، وقال الكسائيّ: كفأت الإناء: كببته، وأكفأته: أملته، والمراد في الموضعين إفراغ الماء من الإناء على اليد، كما صرح به في رواية مالك عند البخاريّ. (مِئْهَا) أي من الإناء، وأنّثه بتأويله بالإداوة، أو المطهرة، وفي نسخة: «منه»، وهو واضح، وقال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في الأصول بلفظ: «منها»، وهو صحيح؛ أي من الْمِطْهَرة، أو الإداوة. انتهى . (عَلَى يَدَيْهِ) ووقع في رواية البخاريّ: «فغسل يده» بالإفراد، فيُحمل على الجنس، فيكون المراد اليدين (فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا) كذا في رواية خالد الطحّان هذه، ورواية وهيب وسليمان بن بلال عند البخاريّ، والدراورديّ عند أبي نعيم في «المستخرج»، فكلّهم ذكر «ثلاثًا»، ووقع في رواية مالك عند البخاريّ: «فغسل يده مرتين»، قال في «الفتح»: وهؤلاء حُفّاظ، وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمةٌ على الحافظ الواحد - يعني مالكًا - وسيأتي لمسلم من طريق بهز، عن وُهيب أنه سمع هذا الحديث مرتين من عمرو بن يحيى إملاءً، فتأكَّد ترجيح روايته، ولا يقال: يُحْمَل على واقعتين؛ لأنا نقول: المخرج مُتَّحِد، والأصل عدم التعدد. وفيه من الأحكام غسل اليد قبل إدخالها الإناء، ولو كان من غير نوم، كما تقدَّم مثله في حديث عثمان - ﵁ -، والمراد باليدين هنا الكفّان. انتهى . (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) أي في ذلك الإناء (فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ) هكذا بالتأنيث؛ لأن الكفّ مؤنّثة، ووقع في بعض النسخ بلفظ «واحد» بالتذكير، وهو على تأويل الكفّ بالساعد، قال الفيّوميّ - ﵀ -: «الكفّ» من الإنسان وغيره أُنثى، قال ابن الأنباريّ: وزعم من لا يوثق به أن الكفّ مذكّرٌ، ولا يَعرِف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كفٌّ مُخَضَّبٌ، فعلى معنى ساعدٍ مُخضّب، قال: و«الكفّ»: الراحة مع الأصابع، سُمّيت بذلك؛ لأنها تكُفّ الأذى عن البدن. انتهى . (فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا) هذا صريح في الجمع كلَّ مرّةٍ، بخلاف رواية وُهيب الآتية، بلفظ: «فمضمض، واستنشق، واستنثر من ثلاث غرفات»، فإنها يتطرقها احتمال التوزيع بلا تسوية، كما نَبّهَ عليه ابن دقيق العيد، ووقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاريّ: «فمضمض، واستنثَرَ ثلاث مرّات من غرفة واحدة»، واستُدِلّ بها على الجمع بغرفة واحدة، قال الحافظ: وفيه نظرٌ؛ لما أشرنا إليه من اتحاد المخرج، فتقدم الزيادةُ. انتهى . وفي رواية مالك التالية: «فمضمض، واستنثر ثلاثًا»، والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس . (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا وقع في صحيح مسلم: «أدخل يده» بلفظ الإفراد، وكذا في أكثر روايات البخاريّ، ووقع في رواية للبخاريّ في حديث عبد الله بن زيد هذا: «ثم أدخل يديه، فاغترف بهما، فغسل وجهه ثلاثًا»، وفي «صحيح البخاري» أيضًا من رواية ابن عباس: «ثم أخذ غرفة، فجَعَل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بهما وجهه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ»، وفي «سنن أبي داود» والبيهقيّ من رواية عليّ - ﵁ - في صفة وضوء رسول الله - ﷺ -: «ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا، فأخذ بهما حَفْنةً من ماء، فضرب بها على وجهه». فهذه أحاديثُ في بعضها «يده»، وفي بعضها «يديه»، وفي بعضها «يده، وضمّ إليها الأخرى» فهي دالّة على جواز الأمور الثلاثة، وأن الجميع سنةٌ، ويُجْمَع بين الأحاديث بأنه - ﷺ - فَعَلَ ذلك في مرّات، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا - يعني الشافعيّةَ - ولكن الصحيح منها والمشهور الذي قَطَع به الجمهور، ونَصّ عليه الشافعيّ - ﵀ - في الْبُوَيْطِيّ، والمزنيّ أن المستحبّ أخذ الماء للوجه باليدين جميعًا؛ لكونه أسهل، وأقرب إلى الإسباغ، والله تعالى أعلم. قال أصحابنا: ويستحب أن يبدأ في غسل وجهه بأعلاه؛ لكونه أشرف، ولأنه أقرب إلى الاستيعاب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال في «الفتح»: لم تختلف الروايات في ذلك - أي في غسل وجهه ثلاثًا - ويلزم مَن استَدَلّ بهذا الحديث على وجوب تعميم الرأس بالمسح أن يَسْتَدِلّ به على وجوب الترتيب؛ للإتيان بقوله: «ثم» في الجميع، لأن كلًّا من الحُكمين مُجْمَل في الآية بيّنته السنّة بالفعل. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وجوب الترتيب هو الحقّ، كما أسلفنا بحثه مستوفًى في شرح حديث عثمان - ﵁ -، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) تثنية مِرْفق - بكسر الميم، وفتح الفاء - وهو العظم الناتئ في آخر الذراع، سُمّي بذلك؛ لأنه يُرْتَفَق به في الاتكاء ونحوه. قال في «الفتح»: قد اختَلَف العلماء: هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا؟ فقال المعظم: نعم، عدا زُفَر، وحكاه بعضهم عن مالك، واحتَجّ بعضهم للجمهور بأن «إلى» في الآية بمعنى «مع»، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. وتُعُقِّب بأنه خلاف الظاهر. وأجيب بأن القرينة دَلّت عليه، وهي كون ما بعد «إلى» من جنس ما قبلها، وقال ابن القصار: اليد يتناولها الاسم إلى الإبط، لحديث عمار - ﵁ - أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، فلما جاء قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وبقي الْمِرْفَق مغسولًا مع الذراعين بحقّ الاسم. انتهى. فعلى هذا فـ «إلى» هنا حَدّ للمتروك من غسل اليدين، لا للمغسول، وفي كون ذلك ظاهرًا من السياق نظرٌ، والله أعلم. وقال الزمخشريّ: لفظ «إلى» يفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ دليلُ عدم الدخول النهيُ عن الوصال، وقول القائل: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، دليلُ الدخول كون الكلام مسوقًا لحفظ جميع القرآن، وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين. قال: فأخذ العلماء بالاحتياط، ووَقَف زفر مع المتيقن. انتهى. قال الحافظ: ويمكن أن يُسْتَدَلّ لدخولهما بفعله - ﷺ -، ففي رواية الدارقطني بإسناد حسن، من حديث عثمان زجه في صفة الوضوء: «فغَسَل يديه إلى المرفقين، حتى مس أطراف العضدين»، وفيه عن جابر - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه»، لكن إسناده ضعيف، وفي البزار، والطبرانيّ من حديث وائل بن حجر - ﵁ - في صفة الوضوء: «وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق»، وفي رواية الطحاويّ، والطبرانيّ من حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه، مرفوعًا: «ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه». فهذه الأحاديث يُقوِّي بعضُها بعضًا. قال إسحاق بن راهويه: «إلى» في الآية يَحْتَمِل أن تكون بمعنى الغاية، وأن تكون بمعنى «مع»، فَبَيَّنت السنة أنها بمعنى «مع». انتهى. قال: وقد قال الشافعيّ - ﵁ - في «الأم»: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا فزفر محجوجٌ بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحًا، وإنما حَكَى عنه أشهب كلامًا محتملًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الإمامان: إسحاق والشافعيّ رحمهما الله تعالى أن الحقّ وجوب دخول المرفقين في الغسل. وحاصله أن الآية مجملة، وقد بيّنت السنة - كما قال إسحاق، والإجماع كما قال الشافعيّ - معناها المراد منها، وهو كون «إلى» بمعنى «مع»، فوجب القول بدخول المرفق في المغسول، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى في شرح حديث عثمان - ﵁ -، فارجع إليه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كذا بتكرار «مرتين»، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين، لكن في رواية المصنّف الآتية من طريق حَبّان بن واسع، عن عبد الله بن زيد - ﵁ - أنه رأى النبيّ - ﷺ - توضأ، وفيه: «ويده اليمنى ثلاثًا، ثم الأخرى ثلاثًا»، فيُحْمَل على أنه وضوء آخر؛ لكون مخرج الحديثين غير مُتَّحِدٍ، قاله في «الفتح» . (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ) وفي رواية البخاريّ: «ثم مسح رأسه» بدون الباء. قال القرطبيّ - ﵀ -: الباء للتعدية، يجوز حذفها وإثباتها، كقولك: مسحت برأس اليتيم، ومسحت رأسه، وسَمَّيتُ ابني بمحمّد، ومحمدًا، ولا يصحّ أن تكون للتبعيض، خلافًا للشافعيّ؛ لأن المحقّقين من أئمة النحويين البصريين، وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك، ولأنها لو كانت للتبعيض لكان قولك: مصحتُ برأسه كقولك: مسحت ببعض رأسه، ولو كان كذلك لَمَا حَسُنَ أن تقول: مسحت ببعض رأسه، ولا برأسه بعضه؛ لأنه يكون تكريرًا، ولا مسحتُ برأسه كلّه؛ لأنه يكون مناقضًا له، ولو كانت للتبعيض لما جاز إسقاطها هنا، فإنه يقال: مسحت برأسه، ومسحتُ رأسه بمعنًى واحد، وأيضًا فلو كانت مبعّضةً في مسح الرأس في الوضوء لكانت مبعّضةً في مسح الوجه في التيمّم؛ لتساوي اللفظين في المحلَّين، ولمّا لم تكن كذلك فيه فلا ، ومذهب مالك - ﵀ - وجوب تعميم مسح الرأس؛ تمسّكًا باسم الرأس، فإنه للعضو بجملته كالوجه، وتمسّكًا بهذه الأحاديث، ثم نقول: نحن وإن تنزّلنا على أن الباء تكون مبعّضةً، وغير مبعّضة، فذلك يوجب فيها إجمالًا، أزاله النبيّ - ﷺ - بفعله، فكان فعله بيانًا لمجملٍ واجبٍ، فكان مسحه كلّه واجبًا، وسيأتي القول في حديث المغيرة - ﵁ - الذي ذَكَرَ فيه أنه - ﷺ - «مسح مقدَّمَ رأسه، وعلى عمامته». انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام القرطبيّ ﵀ هذا الذي حقّق، وبيّن فيه وجوب استيعاب الرأس بالمسح، كما هو مذهب الإمام مالك - ﵀ -، تحقيقٌ نفيسٌ جدّا، وتقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث عثمان - ﵁ -، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَأقبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ) معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار رجوعه إلى حيث بدأ، كما فسّره حيث قال: «فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه»، وقيل: المراد: أدبر، وأقبل؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وفي البخاريّ: «فأدبر بهما، وأقبل»، وهذا أولى لهذا النصّ، وقيل: معنى أقبل: دخل في قبل الرأس، كما يقال: أنجد، وأتهم: إذا دخل نجدًا، وتهامة، وقيل: معناه أنه ابتدأ من الناصية مقبلًا إلى الوجه، ثم ردّهما إلى القفا، ثم رجع إلى الناصية، وهذا ظاهر اللفظ، والإقبال والإدبار مسحةٌ واحدةٌ؛ لأنهما بماء واحد، والمقصود بالرَّدّة على الرأس: المبالغة في استيعابه. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قد اختُلف في كيفيّة الإقبال والإدبار على ثلاثة أقوال، قد استوفيت بيانها في «شرح النسائيّ»، وبيّنت أن الظاهر أن هذا من العمل المخيّر فيه، وأن المقصود منه تعميم الرأس بالمسح، فراجعه تستفد ، وبالله تعالى التوفيق. (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) البحث فيه كالبحث في قوله: «إلى المرفقين»، وأن الأرجح دخول الكعبين في الغسل، والمشهور أن الكعب هو العظم الناشز عند مُلْتَقَى الساق والقدم، وحَكَى محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند مَعْقِد الشراك، ورُوي عن ابن القاسم، عن مالك مثله، والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة، وقد أكثر المتقدمون من الردّ على من زَعَم ذلك، ومن أوضح الأدلة فيه حديث النعمان بن بشير - ﵁ - الصحيح في صفة الصفّ في الصلاة: «فرأيت الرجل مِنّا يُلْزِق كعبه بكعب صاحبه». وقيل: إن محمدًا إنما رأى ذلك في حديث قطع المحرم الخفين إلى الكعبين إذا لم يجد النعلين؛ قاله في «الفتح» . وقد ردّ العينيّ ما قاله في «الفتح» بأن هذه الحكاية لم تُنقَل عن أبي حنيفة أصلًا، بل نُقلت عن محمد نفسِه، وهو أيضًا نقل غلطٌ؛ لأنه فسَّر به حديث المحرم: «إذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفّين، وليقطعهما حتى أسفل الكعبين»، لا أنه فسَّر به آية الوضوء. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) عبد الله بن زيد - ﵁ - (هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) هذا يدلّ على أنه - ﷺ - كان يداوم الوضوء على هذه الكيفيّة، ولا ينافي هذا ما تقدّم في حديث عثمان - ﵁ - أنه - ﷺ - توضّأ ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنه يُحمل على أن الكيفيّة المذكورة في هذا الحديث هي الغالبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [٧/ ٥٦١ و٥٦٢ و٥٦٣ و٥٦٤] (٢٣٥)، و[٧/ ٥٦٥] (٢٣٦)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٨٥ و١٨٦ و١٩١ و١٩٢ و١٩٧ و١٩٩)، و(أبو داود) في «الطهارة» (١١٩)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (٤٧)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (٨٠ و٨٢)، وفي «الكبرى» (١٠٣)، و(ابن ماجه) في ٤٣٤)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٥١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٩ و٤٥ و٤٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ١٧٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٥٦ و١٧٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٠٧٧ و١٠٨٤ و١٠٩٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٥٠ و٦٣ و٨٠)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٨١ و٨٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٢٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٦٥٨ و٦٥٩ ٦٦٠ و٦٦١ و٦٦٢ و٦٦٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٥٥٦ و٥٥٧ و٥٥٨ و٥٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صفة الوضوء المسنون. ٢ - (ومنها): بيان استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما في الإناء، وإن لم يكن بعد الاستيقاظ من النوم. ٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله في رواية وُهيب الآتية: «فمضمض، واستنشق واستنثر، من ثلاث غرفات» على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غَرْفَةٍ. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: «ثم أدخل يده، فاستخرجها، فمضمض»، على تقديم المضمضة على الاستنشاق؛ لكونه عُطِفَ بالفاء التعقيبية، قال في «الفتح»: وفيه بحث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وجوب الترتيب هو الحقّ، كما سبق بيانه بدلائله في المسائل الماضية في شرح حديث عثمان - ﵁ -، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: فيه دلالةٌ ظاهرةٌ للمذهب الصحيح المختار أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات، يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها، وقد قدمنا إيضاح هذه المسألة، والخلاف فيها في الباب الأول. انتهى . ٦ - (ومنها): أن قوله: «فغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين» فيه دلالةٌ على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شكّ، ولكن الأكمل غسل الأعضاء كلّها ثلاثًا ثلاثًا، كما تقدّم في حديث عثمان - ﵀ -. قال النوويّ - ﵀ -: وإنما كانت مخالفتها من النبيّ - ﷺ - في بعض الأوقات بيانًا للجواز، كما توضأ - ﷺ - مرّة مرّة في بعض الأوقات؛ بيانًا للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه - ﷺ -؛ لأن البيان واجبٌ عليه - ﷺ -. [فإن قيل]: إن البيان يحصل بالقول. [فالجواب]: أنه أوقع بالفعل في النفوس، وأبعد من التأويل. انتهى . ٧ - (ومنها): أن قوله في الرواية الثانية: «فمضمض، واستنشق، واستنثر» فيه حجة للمذهب المختار الذي عليه الجماهير من أهل اللغة وغيرهم، أن الاستنثار غير الاستنشاق، خلافًا لما قاله ابن الأعرابيّ، وابن قُتيبة: إنهما بمعنى واحد، وقد تقدم في الباب الأول إيضاحه. ٨ - (ومنها): جواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة. ٩ - (ومنها): أن الاغتراف من الماء القليل لا يصيّره مستعملًا. ١ - (ومنها): الاقتصار في مسح الرأس على مرّة واحدة؛ لأن في رواية وُهيب الآتية: «مرّةً واحدةً»، فلا يُستحبّ التثليث فيه، خلافًا للشافعيّ، وقد تقدّم أن رواية التثليث، وإن صحّحها بعضهم إلا أن الصواب أنها رواية شاذّة، لا تعارض ما في «الصحيحين» من التصريح بمرّة واحدة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٢] (…) - (وَحَدَّثَني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ - هُوَ ابْنُ بِلَالٍ -، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القُرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربّما نُسِب لجدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الْهَيْثَم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٧. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي بإسناد عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد - ﵁ -. وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث خالد بن عبد الله الطّحّان الماضي (وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ) أي لم يذكر سليمان بن بلال في حديثه قوله: «إلى الكعبين». [تنبيه]: رواية سليمان بن بلال هذه التي أحالها المصنّف على رواية خالد الطحّان، أخرجها الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (١٩٩) حدَثنا خالد بن مَخْلَد، قال: حدّثنا سليمان بن بلال، قال: حدّثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمي يُكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبيّ - ﷺ - يتوضأ، فدعا بتَوْر من ماء، فكفأ على يديه، فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التَّوْر، فمضمض، واستنثر ثلاث مرّات من غرفة واحدة، ثم أدخل يده، فاغترف بها، فغسل وجهه ثلاث مرّات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أخذ بيده ماء، فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل، ثم غَسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النبيّ - ﷺ - يتوضأ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٣] (…) - (وَحَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأنصَارِيُّ، حَدَّثنَا مَعْنٌ، حَدَّثنَا مَالِكُ بْنُ أنسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإسْنَاد، وَقَالَ: «مَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا»، وَلَمْ يَقُلْ: «مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ» ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «فَأقبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأ بِمُقَدَّمِ رَأسِه، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنصَارِيُّ) هو: إسحاق بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن يزيد الْخَطْميّ الأنصاريّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ مُتْقِنٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٢. ٢ - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى بن دينار الأسجعيّ مولاهم الْقَزّاز، أبو يحيى المدنيّ، أحد أئمة الحديث، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن إبراهيم بن طَهْمان، ومعاوية بن صالح، ومالك بن أنس، وخارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، وعبد العزيز بن المطلب، وابن أبي ذئب، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وهشام بن سعد، وموسى بن يعقوب الزَّمعيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، ويحيى بن معين، وعليّ بن المدينيّ، والحميديّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وإسحاق بن موسى الأنصاريّ، وأبو خيثمة، وقتيبة، ونصر بن عليّ، وهارون بن عبد الله الحمّال، وغيرهم. قال الميمونيّ، عن أحمد: ما كتبت عنه شيئًا، وقال إسحاق بن موسى: سمعته يقول: كان مالك لا يجيب العراقيين في شيء من الحديث حتى أكون أنا أسأله، وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، وأتقنهم: مَعْن بن عيسى، وهو أحب إليّ من ابن وهب، وقال ابن سعد: كان يعالج القزّ ويشتريه، مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان ثقةً كثير الحديث، ثبتًا مأمونًا، وقال إبراهيم بن الجنيد: قلت ليحيى بن معين: كان عند معن «الموطأ»؟ قال: قليل، قال يحيى: وإنما قصدنا إليه في حديث مالك، قلت: فكيف هو في حديث مالك؟ قال: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان هو الذي يتولى القراءة على مالك، وقال الخليليّ: قديمٌ متفقٌ عليه، رضي الشافعي بروايته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أنَس) بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس الْمُتقنين، وكبير الْمُتَثَبِّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي بإسناد عمرو بن يحيى السابق. وقوله: (وَقَالَ: مَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا) فاعل «قال» ضمير مالك بن أنس - ﵀ -؛ أي: قال مالك في روايته: «مضمض، واستنثر» بدل قول خالد الطّحّان: «فمضمض، واستنشق». وقوله: (بَدَأ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ) قال في «الفتح»: الظاهر أنه من الحديث، وليس مُدْرجًا من كلام مالك، ففيه حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه؛ لظاهر قوله: «أقبل، وأدبر»، وَيرُدّ عليه أن الواو لا تقتضي الترتيب، وقد ثبت عند البخاريّ من رواية سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى بلفظ: «فأدبر بيديه، وأقبل»، فلم يكن في ظاهره حجةٌ؛ لأن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، ولم يُعَيِّن ما أقبل إليه، ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطريقين مُتَّحِدٌ، فهما بمعنى واحد، وعَيَّنَت رواية مالك البداءة بالمقدَّم، فَيُحْمَل قوله: «أقبل» على أنه من تسمية الفعل بابتدائه؛ أي بدأ بقُبُل الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك. والحكمةُ في هذا الإقبال والإدبار استيعاب جهتي الرأس بالمسح، فعلى هذا يَختصّ ذلك بمن له شَعْرٌ، والمشهور عمن أوجب التعميم أن الأُولى واجبة، والثانية سنة، ومن هنا يتبين ضعف الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التعميم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله في «الفتح» من ضعف الاستدلال على وجوب التعميم فيه نظرٌ لا يخفى، فالحقّ أنه يفيد وجوب التعميم؛ لأنه بيان لمجمل الآية كما بيّنه الإمام مالك - ﵀ -، وكذا قوله: «يختصّ بمن له شعر» فيه نظرٌ؛ لأن النصّ ما خصّ رأسًا دون رأس، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية مالك - ﵀ - التي أحالها المصنّف - ﵀ - هنا على رواية خالد الطحّان - ﵀ -، ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - أيضًا في «صحيحه»، فقال: (١٨٥) حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازنيّ، عن أبيه، أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد - وهو جد عمرو بن يحيى -: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بِمُقَدَّم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. وقوله: «ثم غسل يديه مرّتين» هكذا في رواية مالك «مرّتين»، وفي رواية خالد الطحّان الماضية، وكذا في رواية وُهيب، وسليمان بن بلال عند البخاريّ، والدَّرَاوَرْديّ عند أبي نعيم - كما قال في «الفتح» - أنه غسل ثلاثًا، وقال الحافظ: وهؤلاء حفّاظ، وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدّمة على الحافظ الواحد، يعني مالكًا، وقد ذكر مسلم في الحديث التالي أن وُهيبًا سمع هذا الحديث من عمرو بن يحيى مرّتين إملاءً، فتأكّد ترجيح روايته ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٤] (…) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، بِمِثْلِ إِسْنَادِهِمْ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: «فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ»، وَقَالَ أَيْضًا: «فَمَسَحَ بِرَأْسِه، فَأقبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، مَرَّةً وَاحِدَةً»، قَالَ بَهْزٌ : أَمْلَى عَلَيَّ وُهَيْبٌ هَذَا الْحَدِيثَ، وقَالَ وُهَيْبٌ: أَمْلَى عَلَيَّ عَمْرُو بْنُ يَحْيىَ هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) وقيل: بعدها (خ م د ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٩. ٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عَجلان الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. وقوله: (بِمِثْلِ إِسْنَادِهِمْ) أي بمثل إسناد خالد الطحّان، وسليمان بن بلال، ومالك، يعني أن وُهيبًا روى هذا الحديث بإسنادهم المتقدّم، وهو: عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد - ﵁ -. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير وُهيب، أي ساق وُهيبٌ الحديث المذكور. وقوله: (وَقَالَ فِيهِ) أي قال وُهيب في الحديث الذي ساقه: («فَمَضْمَضَ، وَاستَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ»)، يعني أنه جمع بين الثلاثة: المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، بخلافهم، فإن خالدًا وسليمان ذكرا المضمضة، والاستنشاق من كفّ واحدة، ومالكًا ذكر المضمضة، والاستنثار ثلاثًا. وقوله: (وَقَالَ أَيْضًا: «فَمَسَحَ بِرَأْسِه، فَأقبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، مَرَّةً وَاحِدَةً») يعني أن وُهيبًا صرّح أيضًا في روايته أن مسح الرأس مرّةً واحدةً، وقد سبق أن السنة كون مسح الرأس مرّة واحدةً، وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح، ولا يُستحبّ تثليثه، كما يقول به الشافعيّ - ﵀ -؛ لعدم ثبوته عن النبيّ - ﷺ -، وما ورد من التثليث، وإن صححه بعضهم، فإنه شاذّ، لا يُلتفت إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ بَهْزٌ : أَمْلَى عَلَيَّ وُهَيْبٌ هَذَا الْحَدِيثَ، وقَالَ وُهَيْبٌ. أَمْلَى عَلَيَّ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ) المعنى أن بهزًا أخذ هذا الحديث من شيخه وُهيب بالإملاء، كما أنه أخذه من شيخه عمرو بن يحيى إملاء، أملاه عليه مرّتين، وهذا يدلّ على قوّة حفظه له. و«الإملاء» لغة في الإملال، يقال: أمللت الكتاب على الكاتب إملالًا: ألقيته عليه، وأمليته إملاء بمعناه، والأولى لغة أهل الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما، قال الله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] . و«الإملاء» أعلى أنواع التحمّل؛ لما فيه من تَحَرِّي الشيخ والطالب؛ إذ الشيخ مشتغلٌ بالتحديث، والطالب مشتغلٌ بالكتابة عنه، فهما لذلك أبعد عن الغفلة، وأقرب إلى التحقيق، وتبيين الألفاظ مع جريان العادة بالمقابلة بعده. وهو أيضًا أغلب أحوال النبيّ - ﷺ - في تبليغه للصحابة؛ لأن الغالب أنه - ﷺ - أخبر الناس ابتداءً، وأسمعهم ما جاءه من عند الله تعالى، وأما سؤال الصحابة - ﵃ -، وكذا تقريره لما جَرَى في حضرته، فمرتبة ثانية، وراجع في تمام هذا البحث ما كتبته في «شرح» ألفيّة السيوطيّ - ﵀ - في الحديث . [تنبيه]: رواية وُهيب هذه التي أحالها المصنّف على رواية الرواة الثلاثة المتقدّمين، ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - أيضًا في «صحيحه»، فقال: (١٨٦) حدّثنا موسى ، قال: حدّثنا وُهيب عن عمرو، عن أبيه: شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبيّ - ﷺ -، فدعا بِتَوْر من ماء، فتوضأ لهم وضوء النبيّ - ﷺ -، فأكفأ على يده من التَّوْر، فغسل يديه ثلاثًا، ثم أدخل يده في التور، فمضمض، واستنشق، واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده، فغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده، فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرةً واحدةً، ثم غسل رجليه إلى الكعبين. انتهى. وقوله: «ثم أدخل يده، فغسل وجهه» بَيَّن في هذه الرواية تجديد الاغتراف لكل عضو، وأنه اغترف بإحدى يديه، وكذا هو في باقي الروايات عند الشيخين وغيرهما، لكن وقع في رواية ابن عساكر، وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال عند البخاريّ: «ثم أدخل يديه بالتثنية»، وليس ذلك في رواية أبي ذرّ، ولا الأصيليّ، ولا في شيء من الروايات خارج «الصحيح»؛ قاله النوويّ.
مصادر المؤلف (٤٠)

١. وفي نسخة: «منه».

٢. وفي نسخة: «واحد».

٣. وفي نسخة: «ثم أدخل يديه، فاستخرجهما».

٤. «طبقات ابن سعد» ٨/ ٤١٥.

٥. «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥٣٨ - ٥٤٠، و«تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٣٩.

٦. «الإصابة» ٤/ ٨٥ - ٨٦.

٧. وله عند البخاريّ (٢٩) حديثًا، هكذا في برنامج الحديث (صخر)، وقال العلامة ابن الملقِّن - ﵀ - في «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٧٠: جملة أحاديثه ثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا على ثمانية منها. انتهى.

٨. «شرح النوويّ» ٣/ ١٢١ - ١٢٢.

٩. «الإصابة» ٤/ ٨٤ - ٨٥.

١٠. راجع «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٧٠ - ٣٧١.

١١. «عمدة القاري» ٣/ ١٠١.

١٢. «الفتح» ١/ ٣٤٨.

١٣. المصدر السابق.

١٤. «شرح النوويّ» ٣/ ١٢٢.

١٥. «الفتح» ١/ ٣٤٩.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦.

١٧. «الفتح» ١/ ٣٤٩.

١٨. «الفتح» ١/ ٣٤٩.

١٩. «شرح النوويّ» ٣/ ١٢٢ - ١٢٣.

٢٠. «الفتح» ١/ ٣٥٠.

٢١. «الفتح» ١/ ٣٥٠.

٢٢. أي لَمّا لم تكن كذلك في مسح الوجه في التيمّم، فلا تكون كذلك في مسح الرأس في الوضوء.

٢٣. «المفهم» ١/ ٤٨٧ - ٤٨٨.

٢٤. «المفهم»١/ ٤٨٨.

٢٥. راجع«ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»٢/ ٣٤٠ - ٣٤٢.

٢٦. «الفتح» ١/ ٣٥١.

٢٧. «عمدة القاري» ٣/ ١٠٨.

٢٨. «الفتح» ١/ ٣٤٩.

٢٩. «شرح النوويّ» ٣/ ١٢٢.

٣٠. «شرح النوويّ» ٣/ ١٢٣.

٣١. وفي نسخة: «واحد».

٣٢. وفي نسخة: «وبدأ».

٣٣. وفي نسخة: «وبدأ».

٣٤. «الفتح» ١/ ٣٥١.

٣٥. راجع «الفتح» ١/ ٣٤٩.

٣٦. وفي نسخة: «وقال بهزٌ».

٣٧. وفي نسخة: «وقال بهزٌ».

٣٨. راجع «المصباح المنير» ٢/ ٥٨٠.

٣٩. ١/ ٤٤٥ - ٤٤٧.

٤٠. هو ابن إسماعيل التبوذكيّ - ﵀ -.