HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وقتيبة بن سعيد وعلي بن حُجْرٍ. جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حدثنا إِسْمَاعِيل. أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِكُمْ لَاحِقُونَ. وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «أَنْتُمْ أَصْحَابِي. وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ». فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ. بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ. أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ. وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ. أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ. أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ! فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سحقا سحقا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص150
ج ١ ص ٢١٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٣٣٢
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٩٠] (٢٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَى الْمَقْبُرَةَ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا»، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ»، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَن رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ، مُحَجَّلَةٌ، بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوء، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْض، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي، كمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: ألَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) عن (٧٧) سنة (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤)، وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٦ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وهم [٥] (ت بضع و١٣٠) (ز م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٧ - (أَبُوهُ) هو: عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ، مولى الْحُرَقة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في الإيمان ٨/ ١٣٥. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدّمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ، قَرَن بينهم. ٢ - (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، كما سبق آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: العلاء، عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ مَن رَوَى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَى الْمَقْبُرَةَ) بتثليث الباء، والكسر أقلّها، وهي مواضع دفن الموتى ، والمراد بالمقبرة هنا مقبرة البقيع؛ لما أخرجه المصنّف من حديث عائشة - ﵂ -، أنها قالت: «كان رسول الله - ﷺ - كلّما كانت ليلتها من رسول الله - ﷺ - يخرُج إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين …» الحديث. (فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وفي رواية أحمد:»سلام عليكم«، وفيه دلالة على أن السلام على الموتى يُقدَّم فيه المبتدأ على الخبر، كالسلام على الأحياء، ويُقدَّم الدعاء على المدعوّ له، فإن السلام متضمّنٌ للدعاء، ونظيره قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الآية [هود: ٧٣]، ولا ينافيه ما أخرجه أبو داود في»باب كراهية أن يقول: عليك السلام«من»كتاب الأدب«عن أبي جُرَيّ الْهُجَيميّ - بالتصغير فيهما - قال:»أتيت رسول الله - ﷺ -، فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحيّة الموتى»؛ لأن معناه أن هذه الصيغة تختصّ بالموتى، وأما«السلام عليكم» فمُشترك. وأما ما قاله بعضهم من لزوم تقديم المبتدأ على الخبر في السلام على الأحياء والأموات، وإجابته عن حديث أبي جُرَيّ بأنه إخبار عن عادة أهل الجاهليّة من تقديم الخبر على المبتدأ في تحيّة الموتى، كما قال شاعرهم [الطويل]: عَلَيْكَ سَلَامُ الله قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ … وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا فبعيدٌ؛ لأنه - ﷺ - ما كان يُقِرّ أحدًا على ما يُخالف الشريعة. فتبيّن بهذا أن السنّة في السلام على الأحياء والأموات تقديم المبتدأ على الخبر، وأنه يجوز في تحيّة الموتى تقديم الخبر ، والله تعالى أعلم. (دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) بنصب «دار» على الاختصاص، أو النداء المضاف، والأول أظهر، ويصحّ جرّه على البدل من الضمير المجرور في «عليكم»، والمراد بالدار على هذين الوجهين الأخيرين: الجماعة، أو الأهل، وعلى الأول مثله، أو أهل المنزل، قال الأبيّ: يعني الاختصاص اللغويّ، لا الصناعيّ؛ لفقد شرطه، وهو تقديم ضمير المتكلّم، أو المخاطب. انتهى. وسُمّيت القبور دارًا؛ تشبيهًا لها بمساكن الأحياء؛ لأنهم يجتمعون في القبور . (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) قال الحافظ أبو عمر ﵀: في معناه قولان: [أحدهما]: أن الاستثناء مردود على معنى قوله: «دار قوم مؤمنين»: أي وإنا بكم لاحقون مؤمنين - إن شاء الله - يريد في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها مؤمنٌ، ألا ترى إلى قول إبراهيم؛ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. [والوجه الثاني]: أنه قد يكون الاستثناء في الواجبات التي لا بُدّ من وقوعها، كالموت، والكونُ في القبر، ولا بُدّ منه ليس على سبيل الشكّ، ولكنها لغة العرب، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، والشكُّ لا سبيل إلى إضافته إلى الله ﷿، تعالى عن ذلك علام الغيوب. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: هذا الاستثناء يحتمل أوجهًا: [أحدها]: أَنه امتثال لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، فكان يُكثر من ذلك حتى أدخله فيما لا بدّ منه، وهو الموت. [وثانيها]: أنه أراد إنا بكم لاحقون في الإيمان، ويكون هذا قبل أن يعلم بما آل أمره، كما قال: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]. [وثالثها]: أن يكون استثناءً في الواجب، كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وتكون فائدته التفويض المطلق. [ورابعها]: أن يكون أراد: لاحقون في هذه البقعة الخاصّة، فإنه وإن كان قد علم أنه يموت بالمدينة، ويُدفن بها، فإنه قد قال للأنصار: «المحيا محياكم، والممات مماتكم»، رواه مسلم، لكن لم تُعيّن له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك، وهذا الوجه أولى من كل ما ذُكر، وكلّها أقوال لعلمائنا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀ بعد ذكره نحو ما تقدّم: وقيل: معناه إذ شاء الله، وقيل أقوال أُخَرُ ضعيفةٌ جدًّا تركتها؛ لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها: قولُ من قال: الاستثناء منقطعٌ، راجع إلى استصحاب الإيمان، وقولُ مَن قال: كان معه - ﷺ - مؤمنون حقيقة، وآخرون يُظَنُّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان، وإن كانا مشهورين فهما خطأٌ ظاهرٌ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي ما رجحه القرطبيّ ﵀، وهو أن الاستثناء للبقعة التي يُدفن فيها؛ لأنها ليست معيّنة، فيحتمل أن يدفن في البقيع الذي زار أهله، ويحتمل أن يكون في محلّ آخر، كما هو الواقع بعد ذلك، فالاستثناء راجع إلى هذا المبهم، والله تعالى أعلم. (وَدِدْتُ) بكسر الدال: أي تمنّيتُ وأحبيتُ، ووجه اتّصال وُدّه برؤية أصحاب القبور أنه جاء تصوّر اللاحقين بتصوّر السابقين، وقيل: كُشف له - ﷺ - عالم الأرواح كلّها (أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا») معناه: تمنّيتُ رؤيتنا إخواننا في الحياة الدنيا، قال القاضي عياض ﵀: وقيل: المراد تمني لقائهم بعد الموت، وقال بعضهم: أراد - ﷺ - أن ينقُل أصحابه من علم اليقين إلى عين اليقين، فيراهم هو ومن معه. وقال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على جواز تمنّي لقاء الفضلاء والعلماء، وهذه الأخوّة هي أخوّة الإيمان اليقينيّ، والحبّ الصحيح للرسول - ﷺ -. انتهى . (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لديه - ﷺ - (أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) - ﷺ - («أَنْتُمْ أَصْحَابِي) قال الباجيّ ﵀: لم يَنفِ بذلك أُخوّتهم، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، واختصاصهم بها، وإنما مَنَع أن يُسمَّوا بذلك؛ لأن التسمية والوصف على سبيل الثناء والمدح للمسمَّى يجب أن يكون بأرفع حالاته، وأفضل صفاته، وللصحابة - ﵃ - بالصحبة درجة رفيعةٌ، لا يَلحَقهم فيها أحدٌ، فيجب أن يوصفوا بها. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قال الإمام الباجيّ ﵀: ليس نفيًا لأُخُوَّتهم، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، فهؤلاء إخوةٌ صحابةٌ، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. (وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ»)«إخواننا»مبتدأ خبره الموصول، قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: ظاهر هذا الكلام أن إخوانه - ﷺ - غير أصحابه، فأصحابه هم الذين رأوه، وصحبوه مؤمنين، وإخوانه هم الذين آمنُوا به، ولم يروه، وقد جاء منصوصًا عنه - ﷺ -، والإخوان والإخوة هنا معناهما سواءٌ، وقد قُرِئت: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، و«بين إخوتكم»، و«بين إخوانكم»، وقد رُوي عن الحسن البصريّ أنه قرأ بهذه الثلاث ، قرأ ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، و«إخوتكم»، و«إخوانكم»، قال أبو حاتم: والمعنى واحد، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٦١]، إلا أن العامة أُولعَت بأن تقول: إخوتي في النسب، وإخواني في الصداقة. وممن قرأ:«فأصلحوا بين إخوانكم»ثابت البنانيّ، وعاصم الجحدريّ، ورُوي ذلك عن زيد بن ثابت، وابن مسعود، ويعقوب:«إخوتكم»، وقراءة العامّة: ﴿أَخَوَيْكُمْ﴾ على اثنين في اللفظ. وأما الأصحاب: فمن صَحِبَك وصحبته، وجائز أن يُسَمَّى الشيخُ صاحبًا للتلميذ، والتلميذ صاحبًا للشيخ، والصاحب: القرين المماشي المصاحب، فهؤلاء كلهم أصحابٌ، وصحابة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ . وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي: بعد هذا الوقت، يعني أنهم لم يوجدوا معه«الآن»، وكلمة«بَعْدُ»قد يراد بها الآن، كما في قول بعضهم [من الطويل]: كَمَا قَدْ دَعَانِي فِي ابْنِ مَنْصُورَ قَبْلَهَا … وَمَاتَ فَمَا حَانَتْ مَنِيَّتُهُ بَعْدُ أي الآن: قاله المرتضى في«شرح القاموس». وَيَحتمل أن تكون على معناها، ويكون الظرف حالًا، أي: حال كون وقتهم بعد وقتنا هذا. وأُورد: كيف يتمنّى رؤيتهم، وهو حيّ، وهم حينئذ في علم الله تعالى، لا وجود لهم في الخارج، والمعدوم لا يُرى، وأيضًا هو من تمنّي ما لا يكون؛ لأن عمره لا يمتدّ حتى يرى آخرهم؟. وأُجيب: بأن الرؤية بمعنى العلم، وهو يتعلّق بالمعدوم، أو رؤية تمثيل، بمعنى أن يُمثّلوا له كما مُثّلت له الجنّة في عُرْض الحائط، أو أن هذا من رؤية الكون كما زُويت له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها؛ كرامةً من الله له. وأُورد أيضًا على أن المراد بعد الموت: أنه يلزم منه تمنّي الموت، وقد قال - ﷺ -: «لا يتمنّيَنّ أحدكم الموت». وأُجيب: بمنع الملزوميّة، وإن سُلّمت فالمنع لِمَا قال: «لِضُرّ نزل به». قال الأبيّ ﵀: وهذا كلّه على أنه تَمَنٍّ حقيقيّ، وقد لا يكون حقيقةً، وإنما هو تشريفٌ لقدر أولئك الإخوان. انتهى . (فَقَالُوا) أي الصحابة الحاضرون المخاطبون بهذا الكلام (كَيْفَ تَعْرِفُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ - ﷺ -، أي كيف تعرف يوم القيامة (مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ) «من» موصولة مفعول «تَعرِف»، و«بعدُ» مبنيّ على الضمّ كسابقه، أي من يولد بعد وفاتك، أو وُلد ولكن لم تره في الدنيا، قال السنديّ ﵀: كأنهم فَهِموا من تمنّي الرؤية، وتسميتهم باسم الأخوّة دون الصحبة أنه لا يراهم في الدنيا، فإن ما يُتمنَّى عادةً لا يمكن حصوله، ولو حصل اللقاء في الدنيا لكانوا صحابةً، وفَهِموا من قوله: «وأنا فَرَطهم» أنه يَعرِفهم في الآخرة، فسألوه عن كيفيّة ذلك. انتهى . (مِنْ أمّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) - ﷺ - مجيبًا عن سؤالهم هذا («أَرَأَيْتَ) أي أخبرني، والخطاب مع كلّ من يصلح له من الحاضرين، أو السائلين، وقد تقدّم تحقيق البحث في هذه الكلمة (لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ)»الخيل«أُنثى، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُول، وسُمّيت بذلك؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا؛ قاله الفيّومي . (غُرٌّ) بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الراء: جمع أَغَرّ، وهو الأبيض الوجه. وقال في«اللسان»:«الغُرّة»- بالضم - بياض في الجبهة، وفي«الصحاح»: في جبهة الفرس، فَرَسٌ أغَرُّ، وغَرّاء، وقيل: الأغرّ من الخيل: الذي غُرّته أكبر من الدرهم، قد وَسَطت جبهته، ولم تُصِب واحدةً من العينين، ولم تَمِل على واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفْلًا، وهي أفشى من الْقُرْحة، والقُرْحَة قدر الدرهم فما دونه، وقال بعضهم: بل يقال للأغَرّ: أغرُّ أقرح؛ لأنك إذا قلت: أغر، فلا بدّ من أن تصف الغُرّة بالطول والعرض، والصغر والعِظَم، والدِّقّة، وكلُّهُنّ غُرَرٌ، فالغُرّة جامعة لهنّ؛ لأنه يقال: أغرّ أقرح، وأغرّ مُشَمْرَخُ الغُرَّة، وأغرُّ شادخُ الغرّة، فالأغر ليس بضرب واحد، بل هو جنس جامع لأنواع، من قُرْحة، وشِمْراخ ونحوهما، وغُرّة الفرس: البياض الذي يكون في وجهه، فإن كانت مُدَوَّرةً فهي وَتِيرَةٌ، وإن كانت طويلةً فهي شادِخَةٌ، قال ابن سيده: وعندي أن الغرة نفسُ القدر الذي يَشْغَلُه البياض من الوجه، لا أنه البياض. انتهى ما في «اللسان» باختصار . (مُحَجَّلَةٌ) اسم مفعول من التحجيل، وهو الذي ابيضّت قوائمه، وجاوز البياض الأرساغ إلى نصف الوظيف، أو نحو ذلك، ذلك موضع التحجيل فيه؛ قاله الفيّوميّ . وقال الجوهريّ ﵀: التحجيل: بياض في قوائم الفرس، أو في ثلاثٍ منها، أو في رجليه، قَلَّ أو كَثُرَ بعد أن يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين؛ لأنها مواضع الأَحْجال، وهي الخلاخيل والقيود، يقال: فَرَسٌ مُحَجَّلٌ، وقد حُجِّلت قوائمه تحجيلًا، وإنها لذاتُ أَحْجال، فإن كان في الرجلين فهو مُحَجَّل الرجلين، وإن كان بإحدى رجليه، وجاوز الأرساغ فهو محجل الرجل اليمنى، أو اليسرى، فإن كان مُحَجّل يَدٍ ورجلٍ من شِقّ، فهو مُمْسَكُ الأيامن، مُطْلَق الأياسر، أو مُمْسَك الأياسر، مطلق الأيامن، وإن كان من خلاف قَلّ أو كثر، فهو مشكول، قال الأزهريّ: وأَخْذُ تحجيل الخيل من الْحِجْل، وهي حَلْقَةُ الْقَيد، جُعِل ذلك البياض في قوائمها بمنزلة القيود. وقال أبو عبيدة: «الْمُحَجَّل»: من الخيل أن تكون قوائمه الأربع بِيضًا، يبلغ البياض منها ثُلُث الوظيف، أو نصفه، أو ثلثيه بعد أن يتجاوز الأرساغ، ولا يبلغ الركبتين والعُرْقوبين، فيقال: مُحَجَّل القوائم، فإذا بلغ البياض من التحجيل ركبة اليد، وعُرقوب الرجل، فهو فَرَسٌ مُجَبَّبٌ، فإن كان البياض برجليه دون اليد، فهو محجل إن جاوز الأرساغ، وإن كان البياض بيديه دون رجليه، فهو أعصم، فإن كان في ثلاث قوائم دون رجل، أو دون يد، فهو محجل الثلاث، مطلق اليد أو الرجل، ولا يكون التحجيل واقعًا بيد ولا يدين، إلا أن يكون معها أو معهما رجل أو رجلان. انتهى . (بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ) تثنية «ظهر»، أي بينهم، يقال: فلانٌ نازلٌ بين ظهريهم، وبين أَظْهُرِهم، وبين ظَهْرانيهم، بزيادة الألف والنون للتأكيد، كلّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله «ظهر» في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظَهْرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كثر استعماله في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف . (دُهْمٍ) بالجرّ صفة لـ«خيل»، وهو بضمّ، فسكون: جمع أدهم، وهو الأسود، وَالدُّهْمة: السواد؛ قاله النوويّ . وقال في «المصباح»: «الدُّهْمَةُ»: السواد، يقال: فرَسٌ أدهم، وبعيرٌ أدهم، وناقةٌ دَهْماءُ: إذا اشتدّت وُرْقَتُهُ حتى ذهب بياضه، وشاةٌ دَهْماءُ: خالصة الْحُمْرة. انتهى . وفي «اللسان» بعد ذكر نحو عبارة «المصباح»: فإن زاد على ذلك حتى اشتدّ السواد، فهو جَوْنٌ، وقيل: الأدهم من الإبل: نحو الأصفر، إلا أنه أقلّ سوادًا. انتهى . (بُهْمٍ) بالجرّ أيضًا صفة لـ«خيلٍ» بعد صفة، وهو بضمّتين، أو بضمّ، فسكون، وهو الأشهر للازدواج، وهو جمع بَهِيم، وهو في الأصل الذي لا يُخالط لونه لونٌ سواه؛ قاله ابن الأثير . وقال النوويّ: «الْبُهم»: قيل: السُّودُ، وقيل: البُهم الذي لا يُخالط لونه لونٌ سواه، سواء كان أسود، أو أبيض، أو أحمر، بل يكون لونه خالصًا، وهذا قول ابن السّكّيت، وأبي حاتم السجستانيّ، وغيرهما. انتهى . وقال في «اللسان»: لونٌ بَهِيمٌ: لا يُخالطه غيره، وقيل: البهيم: الأسود، والبهيم من الخيل: الذي لا شِيَةَ فيه، الذكرُ والأُنثى في ذلك سواءٌ، والجمعُ: بُهُمٌ، مثل رَغِيف ورُغُف، ويقال: هذا فرسٌ جوادٌ وبهيمٌ، وهذه فرسٌ جوادٌ وبهيمٌ بغير هاء، وهو الذي لا يُخالط لونه شيءٌ سوى مُعظم لونه. انتهى . (أَلَا يَعْرِفُ) ذلك الرجل (خَيْلَهُ؟ «) الغُرّ المحجّلة، فالهمزة للتقرير، ولذا (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أي يعرف خيله، فإن»بلى« حرف إيجاب، لا تقع إلا بعد نفي، فترفع حكم النفي، وتوجب نقيضه، وهو الإثبات، فإذا قيل: ما قام زيدٌ، وقلتَ: بلى، فمعناه إثبات القيام له، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت: بلى، فمعناه التقرير والإثبات، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، فلا تكن من الغافلين. (قَالَ) - ﷺ - (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ) تقدّم البحث فيهما مستوفًى قريبًا (مِنَ الْوُضُوءِ) أي من أثر الوضوء، وهو بضمّ الواو، وفتحها، كما تقدّم بيانه قريبًا. (وَأَنَا فَرَطُهُمْ) - بفتحتين - أي أنا فَرَطُ أولئك الإخوان، أي متقدّمهم، قال الفيّوميّ ﵀: «الْفَرَطُ» - بفتحتين -: المتقدّم في طلب الماء، يُهيّئ الدِّلاء والأَرْشَاءَ، يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطًا، من باب قَعَدَ: إذا تقدّم لذلك، يستوي فيه الواحد والجمع، يقال: رجلٌ فَرَطٌ، وقومٌ فَرَطٌ، ومنه يقال للطفل الميتِ: «اللهم اجعله فَرَطًا»: أي أجرًا متقدّمًا. انتهى . وقال ابن منظور ﵀: «الْفَارطُ»، و«الْفَرَط» بالتحريك: المتقدّم إلى الماء، يتقدّم الواردة، فيُهَيِّيءُ لهم الأَرْسَانَ، والدِّلاء، ويملأُ الْحِيَاض، ويَستقي لهم، وهو فَعَلٌ بمعنى فاعلٍ، مثلُ تَبَعٍ بمعنى تابع، ورجلٌ فَرَطٌ، وقومٌ فَرَطٌ، ورجلٌ فارطٌ، وقومٌ فُرّاط. انتهى باختصار . وقال الحافظ أبو عمر ﵀: قوله: «وأنا فرطكم على الحوض» فالفَرَط والمتفارط: هو الماشي المتقدم أمامَ القوم إلى الماء، هذا قول أبي عبيدة وغيره، وقال ابن وهب: «أنا فَرَطكم» يقول: أنا أمامكم، وأنتم ورائي، تتبعوني، واستشهد أبو عبيدة وغيره على قوله: الفارط المتقدم إلى الماء بقول الشاعر [من الكامل]: فَأَثَارَ فَارِطُهُم غَطَاطًا جُثَّمًا … أَصْوَاتُهُ كَتَرَاطُنِ الْفُرْسِ وقال القطاميّ [من البسيط]: فَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا … كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ وقال لبيد [من الرمل]: فَوَرَدْنَا قَبْلَ فُرَّاطِ الْقَطَا … إِنَّ مِنْ وِرْدِيَ تَغْلِيسُ النَّهَلْ الفارط: السائر إلى الماء، أي أغلس، ومَشَى بليل، والنَّهَل: الشربة الأولى. وقال آخر [من الرجز]: وَمَنْهَلٍ وَرَدتُهُ الْتِقَاطَا … لمَ أَلْقَ إِذْ وَرَدتُهُ فُرَّاطَا إِلَّا الْقَطَا أَوَابِدًا غِطَاطَا وقال ابن هرمة [من الكامل]: ذَهَبَ الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ فَرَطًا … وَبَقِيتُ كَالْمَغْمُورِ فِي خَلَفِ وقال رسول الله - ﷺ - حين مات ابنه إبراهيم: «لولا أنه وَعْدٌ صادق، وأن الماضي فَرَطٌ للباقي»، وقال له أيضًا: «الْحَقْ بِفَرَطنا عثمان بن مظعون». [تنبيه]: رَوَى حديث: «أنا فرطكم على الحوض» عن النبيّ - ﷺ - جماعة من أصحابه، منهم ابن مسعود، وجابر بن سمرة، والصُّنابح بن الأعسر، وجندب، وسهل بن سعد، وغيرهم؛ قاله ابن عبد البرّ ﵀ . وقوله: (عَلَى الْحَوْضِ) أي إليه، فـ«على» بمعنى «إلى»، ويَحْتَمل أن يُقدَّر هنا فعل يدلّ عليه سياق الكلام، تقديره: فيجدوني على الحوض؛ قاله القرطبيّ . (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (لَيُذَادَنَّ) اللام هي اللام الموطّئة للقسم، والفعل مبنيّ للمفعول، مؤكّد بالنون المشدّدة، أي لَيُمنعنّ، ولَيُطْرَدَنّ (رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي) أي عن وروده. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «الا لَيُذادنّ» كذا روايته هنا من غير خلاف، واختُلف فيه في «الموطّأ»: فرُوي «فَلَيُذادنّ» بلام القسم، ورُوي: «فلا يُذادنّ» بـ «لا» النافية، وكلاهما صحيح، فاللام على قَسَمٍ محذوف، تقديره: فوالله لَيُذادنّ، وبـ «لا» يكون من باب لا أرينّك ها هنا، أي لا يتعاطى أسباب الذَّوْد عن حَوْضي، ومعنى «لَيُذادنّ» لَيُدْفعنّ، والذَّودُ: الدفع. انتهى كلام القرطبيّ . وقال ابن الأثير ﵀: معنى: «فلا يذادنّ رجلٌ»، على النهي، أي لا يفعل أحد فعلًا يُطْرَد به عن حوضي ، قال: والأول أشبه. انتهى . وقال ابن عبد البرّ ﵀: قوله: «فليُذادنّ»: أي فليُبعدنّ، ولَيُطردنّ، قال زهير [من الطويل]: وَمَنْ لَا يَذُدْ عَنْ حَوْضهِ بِسِلَاحِهِ … يُهَدَّمْ وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ وقال الراجز: يَا أَخَوَيَّ نَهْنِهَا وذُودَا … إِنِّي أَرَى حَوْضَكُمَا مَوْرُودَا (كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ) أي الغريب، فهو كقوله في الحديث الماضي: «إني لأذود عنه الرجال، كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه». وقال القرطبيّ ﵀: وجه التشبيه أن أصحاب الإبل إذا وردوا المياه بإبلهم ازدحمت الإبل عند الورود، فيكون فيها الضالّ والغريب، وكلُّ واحد من أصحاب الإبل يدفعه عن إبله حتى تشرب إبله، فيكثر ضاربوه، ودافعوه، حتى لقد صار هذا مثلًا شائعًا. انتهى . (أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ) معناه: تَعَالَوْا، قال أهل اللغة: في «هَلُمَّ» لغتان: أفصحهما: هَلُمّ للرجل والرجلين والمرأة والجماعة من الصنفين، بصيغة واحدة، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾، ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، واللغة الثانية: هَلُمَّ يا رجل، وهلمّا يا رجلان، وهَلُمُّوا يا رجال، وللمرأة هلمّي، وللمرأتان هَلُمّتا، وللنسوة هَلْمُمْنَ، قال ابن السِّكِّيت وغيره: الأولى أفصح كما قدمناه، ذكره النوويّ . وقال الفيّوميّ ﵀: «هَلُمّ» كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَالَ، قال الخليل: أصله لُمَّ من الضمِّ والجمع، ومنه: لَمَّ اللهُ شَعَثَهُ، وكأن المنادي أراد: لُمَّ نفسَكَ إلينا، و«ها» للتنبيه، وحُذِفت الألف؛ تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعِلا اسمًا واحدًا، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ: أي قُصِدَ، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعِلا كلمةً واحدةً للدعاء، وأهل الحجاز يُنادون بها بلفظ واحد للمذكّر والمؤنّث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، وفي لغة نجد تَلحَقها الضمائر، وتُطابِقُ، فيقال: هَلُمي، وهَلُمّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يَجعلونها فعلًا، فيُلحقونها الضمائر، كما يُلحقونها قُمْ، وقُومَا، وقوموا، وقُمْنَ، وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجمع من لغة عُقيل، وعليه قَيْسٌ، وإلحاق الضمائر من لغة تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمةً، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾؛ أي أَقْبِلْ، ومُتعَدِّيةً، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾: أي أحضِرُوهم. انتهى . (فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا) أي غيّروا دينهم (بَعْدَكَ) أي بعد مفارقتك لهم بالموت، وفي رواية: «وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟»، وفي رواية البخاريّ: «لا تدري ما أحدثوا بعدك»، وفي رواية له: «إنك لا عِلْمَ لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى». (فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا«) أي بعدًا بعدًا، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الروايات»سُحْقًا سُحْقًا«، مرتين، ومعناه: بُعْدًا بُعْدًا، وكرّره للتأكيد، والمكان السَّحِيق: البعيد، وفي»سُحْقًا«لغتان، قُرِئ بهما في السبع: إسكان الحاء، وضمها، قرأ الكسائيّ بالضمّ، والباقون بالإسكان، ونُصِب على تقدير: أَلْزَمَهُم الله سُحْقًا، أو سَحَقَهُم سُحْقًا. انتهى . وقال الحافظ أبو عمر ﵀: معنى«سُحْقًا»: بُعْدًا، والسُّحْقُ والْبُعْد، والإسحاق، والإبعاد سواء، بمعنى واحد، وكذلك النَّأْيُ، والبُعْدُ لفظتان بمعنى واحد، إلا أن سُحقًا وبُعْدًا هكذا إنما تجيء بمعنى الدعاء على الإنسان، كما يقال: أبعده الله، وقاتله الله، وسَحَقه الله، ومَحَقَه، وأسحقه أيضًا، ومن هذا قول الله ﷿: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ يعني: بعيد، وكلُّ مَن أحدث في الدين ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، والله أعلم. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [١٢/ ٥٩٠ و٥٩١] (٢٤٩)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١٥٠)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤٣٠٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٠٠ و٤٠٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٠٤٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٦٠ و٣٦١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٥٨٢ و٥٨٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٨٢ - ٨٣)، و(البغويّ) في «شرح السنة» (١٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل إطالة الغرّة والتحجيل في الوضوء. ٢ - (ومنها): إثبات حوض النبيّ - ﷺ -، وقد اختلف العلماء في وقت وروده ومكانه، فقال بعضهم: الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط، والمرور عليه، واحتجّوا بما أخرجه أحمد، والترمذيّ عن أنس - ﵁ -، قال: «سألت رسول الله - ﷺ - أن يَشفع لي، فقال: أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أوّلّ ما تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض» . وقد استُشكِلَ كون الحوض بعد الصراط بما جاء في أحاديث الباب من أن جماعةً يُدفعون عن الحوض بعد أن يكادوا يَرِدونه، ويُذهب بهم إلى النار، ووجه الاستشكال أن الذي يمرّ على الصراط إلى أن يَصِل إلى الحوض يكون قد نجا من النار، فكيف يُردّ إليها؟. ويمكن أن يُجاب بأنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه، ويرون النار، ويراهم النبيّ - ﷺ -، فيُناديهم، فيُدفَعُون إلى النار. وسيأتي تحقيق المسألة، واستيفاء مباحثها بذكر أدلّتها في موضعها المناسب لها إن شاء الله تعالى. [تنبيه]: اشتهر اختصاص نبيّنا - ﷺ - بالحوض، لكن أخرج الترمذيّ من حديث سمرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن لكل نبيّ حوضًا، وإنهم يَتَباهون أيُّهم أكثر واردةً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردةً» . قال الحافظ ﵀: فإن ثبت أن لكلّ نبيّ حوضًا فالمختصّ بنبيّنا - ﷺ - الكوثر، أي النهر الذي يصبّ من مائه في حوضه، فإنه لم يُنقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في سورة الكوثر، والله تعالى أعلم . ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀ في «المفهم» تبعًا للقاضي عياض: مما يجب على كلّ مكلّف أن يَعلمه، ويُصدّق به أن الله ﷿ قد خصّ نبيّه محمدًا - ﷺ - بالحوض المصرّح باسمه، وصفته، وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعيّ؛ إذ رَوَى ذلك عن النبيّ - ﷺ - من الصحابة - ﵃ - نيّف وثلاثون، منهم في «الصحيحين» ما يَنيف على العشرين، وفي غيرهما بقيّة ذلك مما صحّ نقله، واشتهر رواته، ثم رواته عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهَلُمّ جرًّا، وأجمع على إثباته السلف، وأهل السنّة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة ، وأحالوه على ظاهره، وغَلَوا في تأويله من غير استحالة عقليّة، ولا عاديّة تَلْزِم من حمله على ظاهره، وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخَرَقَ من حرّفه إجماع السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف. انتهى. ٤ - (ومنها): استحباب الخروج إلى المقابر، وزيارة القبور، وهذا أمر مجمع عليه للرجال، ومختلف فيه للنساء، وقد ثبت عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا هُجْرًا، فإنها تُذَكِّر الآخرة»، أخرجه النسائيّ بإسناد صحيح، والصحيح أنه جائز للنساء أيضًا على الوجه المشروع، وهو السلام على المقبور، والدعاء له، وتذكّر الآخرة، ولا يطلب منه قضاء حاجته، ولا يناديه لذلك، ولا يستغيث به، وهذا من الْهُجْر أي الْفُحش الذي نهى عنه النبيّ - ﷺ - في الحديث المذكور، وسأستوفي البحث في هذا بذكر الأدلة الشاملة للرجال والنساء في موضعه من «كتاب الجنائز» - إن شاء الله تعالى. ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: في تسليمه - ﷺ - على أهل القبور بيان مشروعيّة ذلك، وفيه معنى الدعاء لهم، ويدلّ أيضًا على حُسن التعاهد، وكرَم العهد، وعلى دوام الحرمة، ويحتمل أن يردّ الله تعالى أرواحهم، فيسمعون، ويردّون، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «ما من مسلم يمرّ بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا، فيُسلّم عليه، إلا ردّ ﵇ من قبره». انتهى . ٦ - (ومنها): أن فيه بِشارةً عظيمةً لهذه الأمة - زادها الله تعالى شَرَفًا - حيث كان النبيّ - ﷺ - فَرَطها على الحوض، فهنيئًا لَمن كان رسول الله - ﷺ - فَرَطَه، فما أكبر الفوز العظيم. ٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر ﵀: قد احتج به مَن ذَهَب إلى أن أرواح الموتى على أفنية القبور، والله أعلم بما أراد رسوله - ﷺ - بسلامه عليهم، وقد نادى أهلَ القليب ببدر، وقال: «ما أنتم بأسمع منهم، إلا أنهم لا يستطيعون أن يُجيبوا»، قيل: إن هذا خصوص، وقيل: إنهم لم يكونوا مقبورين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وما أدري ما هذا؟ وقد رَوَى قتادة، عن أنس - ﵁ - في الميت حين يُقْبَر أنه يسمع خَفْقَ نِعَالهم إذا وَلَّوا عنه مدبرين، وهذه أمور لا يُستطاع على تكييفها، وإنما فيها الاتباع والتسليم. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق هذه المسألة بأدلّتها في موضعها من «كتاب الجنائز» - إن شاء الله تعالى. ٨ - (ومنها): أن فيه جواز تمنِّي الخير، ولقاءِ الفضلاء، وأهلِ الصلاح. ٩ - (ومنها): ما قاله الزرقانيّ ﵀: دلّ بإثبات الأخوّة لهؤلاء على علوّ مرتبتهم، وأنهم حازوا فضيلة الآخريّة، كما حاز - ﷺ -، وأصحابه فضيلة الأوليّة، وهم الغرباء المشار إليهم بقوله - ﷺ -: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء»، وهم الخلفاء الذين أفادهم بقوله: «رَحِمَ الله خلفائي» ، وهم القابضون على دينهم عند الفتن المشار إليهم بقوله: «القابض على دينه كالقابض على الجمر» ، وهم المؤمنون بالغيب إلى غير ذلك مما لا يعسر على الفَطِن استخراجه من الأحاديث. ١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر ﵀: هذا الحديث فيه دلالة على أن كلَّ مَن أحدث في الدين ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض الْمُبْعَدِين عنه، وأشدُّهم طردًا مَن خالف جماعةَ المسلمين، وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فِرَقِها، والروافض على تبايُن ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم يبدِّلون، وكذلك الظّلَمَةُ المسرِفُون في الجور والظلم، وتطميس الحقّ، وقتل أهله، وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستَخِفُّون بالمعاصي، وجميعُ أهل الزيغ والأهواء والبِدَع، كلُّ هؤلاء يُخَاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بهذا الخبر، ولا يُخَلَّد في النار إلا كافرٌ جاحدٌ، ليس في قلبه مثقالُ حبة خردل من إيمان، وقد قال ابن القاسم ﵀: قد يكون من غير أهل الأهواء مَن هو شَرٌّ من أهل الأهواء، وكان يقال: تمامُ الإخلاص تَجَنُّب المعاصي. انتهى . ١١ - (ومنها): ما قاله أبو عمر ﵀ أيضًا: وأما قوله: «فإنهم يأتون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلِين من الوضوء»، ففيه دليلٌ على أن الأمم أتباعَ الأنبياء، لا يتوضؤون مثل وضوئنا على الوجه، فاليدين، فالرجلين؛ لأن الغرة في الوجه، والتحجيل في اليدين والرجلين، هذا ما لا مَدْفَع فيه على هذا الحديث، إلا أن يَتَأَوَّل مُتَأَوِّلٌ هذا الحديث أن وضوء سائر الأمم لا يُكْسِبها غُرَّةً، ولا تحجيلًا، وأن هذه الأمة بُورك لها في وضوئها بما أُعطيت من ذلك شرفًا دائمًا، ولنبيها - ﷺ -، كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فُضِّل نبيها - ﷺ - بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء، والله أعلم. وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضؤون، فيَكسِبون بذلك الغُرَّة والتحجيل، ولا يتوضأ أتباعهم ذلك الوضوء، كما خُصَّ نبيّنا - ﷺ - بأشياء دون أمته، منها نكاح ما فوق الأربع، والموهوبة بغير صداق، والوصالُ، وغيرُ ذلك، فيكون ذلك من فضائل هذه الأمة، أن تُشبِه كلُّها الأنبياءَ. انتهى كلام أبي عمر ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أن يقال: إن الوضوء ليس خاصًّا بهذه الأمة، وإنما خُصّت هي بالغرّة والتحجيل، كما هو صريح قوله - ﷺ -: «لكم سيما ليست لأحد من الأمم»، فإنه صريح في اختصاصها بهذه السيما، مع أنه أثبت الوضوء في الأمم السابقة، كما في قصّة سارة، وجُريج الراهب، كما تقدّم بيان ذلك. ١١ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الرسول - ﷺ - لا يدري ما أحدثته أمته بعد موته. [فإن قيل]: إن هذا يعارضه ما روي من قوله - ﷺ -: «حياتي خير لكم، تُحْدِثون، ويُحْدَث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرًا لكم، تُعْرَض عليّ أعمالكم، فإن رأيت خيرًا حَمِدت الله، وإن رأيت شرًّا استغفرت لكم» . [أجيب]: بأن هذا الحديث مرسلٌ، فلا يعارض ما في «الصحيحين»، وعلى تقدير صحّته، كما هو رأي بعضهم، يمكن أن يُجمع بأن الأعمال تُعرض عليه عرضًا مجملًا، دون تعيين فاعلي الخير والشر، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أنه - ﷺ - يذود غير المسلمين، ويُبعدهم عن حوضه. [فإن قيل]: كيف يطرد الناس عنه، وهو - ﷺ - أكرم الناس؟. [أجيب]: بأن هذا الذود ليس بخلًا، وإنما القصد منه إرشاد كلّ أحد إلى حوض نبيّه، كما سبق أن لكلّ نبيّ حوضًا، وأنهم يتباهون بكثرة من يرده من أتباعهم، فيكون ذلك الذود منه - ﷺ - من إنصافه، ورعاية جانب إخوانه النبيين ﵈. ويَحْتمل أن يطرُد من لا يستحقّ الشرب من الحوض، والعلم عند الله تعالى . ١٣ - (ومنها): أن فيه بيان ما أطلع الله ﷿ نبيّه - ﷺ -، وأعلمه من الأمور الغيبيّات المستقبلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال القاضي عياض ﵀: ذهب أبو عُمَر بن عبد البر ﵀ في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر الزمان إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة مَن هو أفضل ممن كان من جملة الصحابة، وأن قوله - ﷺ -: «خيركم قرني» على الخصوص، وإن كان مخرجه العموم، أو معناه: خير الناس في قرني، يعني السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن سلك مسلكهم، فهؤلاء أفضل الأمة، وهم المرادون بالحديث، وأما مَن خَلّط في زمنه - ﷺ -، وإن رآه، وصَحِبه، ولم يكن له سابقة، ولا أثرٌ في الدين، فقد يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول مَن يَفْضلُهم، على ما دلت عليه الآثار. قال القاضي: وقد ذهب إلى هذا أيضًا غيره من المتكلمين على المعاني، قال: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن مَن صَحِب النبيّ - ﷺ -، ورآه مرّةً من عمره، وحَصَلت له مزية الصحبة أفضل من كل من يأتي بعدُ، فإن فضيلة الصحبة لا يَعْدِلها عمل، قالوا: وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واحتجُّوا بقوله - ﷺ -: «لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نَصِيفه» متّفقٌ عليه، قال: وحجة الآخر عن هذا أن النبيّ - ﷺ - قال ذلك لبعضهم عن بعض، فدلّ أن ذلك للخصوص، لا للعموم. انتهى كلام القاضي ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكره أن ابن عبد البرّ ﵀ قال: إنه يكون فيمن بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صَحِب النبيّ - ﷺ -، ورآه ولو مرّةً من عمره أفضل من كلّ من يأتي بعدُ، وأن فضيلة الصحبة لا يَعْدلها عملٌ، وهذا هو الحقّ الذي لا ينبغي أن يُصار إلى خلافه؛ لأمور: [أولها]: مزيّة الصحبة، ومشاهدة رسول الله - ﷺ -. [وثانيها]: فضيلة السبق للإسلام. [وثالثها]: خُصوصيّة الذبّ عن حضرة رسول الله - ﷺ -. [ورابعها]: فضيلة الهجرة والنُّصرة. [وخامسها]: ضبطهم للشريعة، وحفظها عن رسول الله - ﷺ -. [وسادسها]: تبليغها لمن بعدهم. [وسابعها]: السبق في النفقة في أول الإسلام. [وثامنها]: أن كلّ خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف في الشريعة إلى يوم القيامة، فحظّهم منه أكمل حظّ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سَنُّوا سُنَن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال - ﷺ -: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنةً كان له أجرها، وأجر مَن عَمِل بها إلى يوم القيامة»، رواه مسلم، ولا شكّ في أنهم الذين سَنُّوا جميع السنن، وسابقوا إلى المكارم، ولو عُدّدت مكارمهم، وفُسّرت خواصّهم، وحُصِرت لملأت أسفارًا، ولكلّت الأعين بمطالعتها حَيَارى. وعلى هذه الجملة قال - ﷺ - فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله - ﵄ - مرفوعًا: «إن الله اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعةً - يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا - فجعلهم أصحابي» وقال: «في أصحابي كلّهم خير» . وكذلك قال - ﷺ -: «اتقوا الله في أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم، ولا نصيفه»، متّفق عليه. وكفى من ذلك كلّه ثناء الله تعالى عليهم جملةً، وتفصيلًا، وتعيينًا وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم. فأما استدلال المخالف بقوله - ﷺ -: «إخواننا»، فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه الأخوّة الحظّ الأوفر؛ لأن لهم الأخوّة اليقينيّة العامّة، وانفردت الصحابة بخصوصيّة الصحبة. وأما قوله - ﷺ -: «للعامل منهم أجر خمسين منكم»، فلا حجة فيه؛ لأن ذلك إن صحّ إنما هو في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال - ﷺ - في آخره: «لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، ولا يجدون»، ولا بُعْد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد القرطبيّ ﵀ في هذا البحث، وأفاد، وخلاصته ترجيح مذهب الجمهور أن مَن بعد الصحابة - ﵃ - لا يساويهم في الفضل، وإن عَمِل ما عَمِل؛ لأن رتبة الصحبة، لا يعادلها شيء من الفضائل، على اختلاف أنواعها، وأشكالها. والحاصل أن الصحابة - ﵃ - كلّهم، السابقون واللاحقون أفضل من جميع من جاء بعدهم إلى يوم القيامة، وإن بلغ في العبادة ما يبلغ، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تأويل قوله - ﷺ -: «إنهم قد بدّلوا بعدك»: قال القرطبيّ ﵀: اختلفوا في ذلك، فالذي صار إليه الباجيّ وغيره - وهو الأشبه بمساق الأحاديث - أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناسٌ نافقوا، وارتدّوا من الصحابة وغيرهم، فيُحشرون في أمّة النبيّ - ﷺ - كما تقدّم في قوله - ﷺ -: «وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها»، وعليهم سيماء هذه الأمة، من الغرّة والتحجيل، فإذا رآهم النبيّ - ﷺ - عرفهم بالسيماء، ومن كان من أصحابه بأعيانهم، فيناديهم: «ألا هلُمّ»، فإذا انطلقوا نحوه حِيلَ بينهم وبينه، وأُخذ بهم ذات الشمال، فيقول النبيّ - ﷺ -: «يا ربّ أمتي أمتي»، وفي لفظ آخر: «أصحابي»، فيقال له إذ ذاك: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدّين منذ فارقتهم»، فعند ذاك تذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويُطفأ نورهم، فيبقَون في الظلمات، فيُقتطع بهم عن الورود، وعن جواز الصراط، فحينئذ يقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فيقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] مكرًا وتنكيلًا؛ ليتحقّقوا مقدار ما فاتهم، فيَعْظُم أَسَفهم وحَسْرتهم - أعاذنا الله من أحوال المنافقين، وألحقنا بالصالحين. وقال الداوديّ وغيره: يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر، والبدع الذين لم يَخرُجوا عن الإيمان ببدعتهم، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته، ويشفع لهم النبيّ - ﷺ -، قال القاضي عياض ﵀: والأول أظهر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الباجيّ ومن معه هو الأرجح، وحاصله أن المراد بهم الذين كانوا يتظاهرون في زمنه - ﷺ - أو بعده بالإسلام، وهم منافقون، يُجْعَل لهم سيما كسيما المؤمنين المخلصين، فيعرفهم النبيّ - ﷺ - بما ظهر من السيما، فيناديهم، فيقال له: «إنهم قد بدلوا بعدك»، فيقول: «سُحقًا سُحقًا»، وما ذكره بعض الشراح من أن هذا بعيد، وفيه تكلّف ، ليس كما قال، بل هو واضح، لا بُعْد فيه، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٩١] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، جَمِيعًا عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَة، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ: «فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْديّ المدنيّ، صدوقٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ)، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٢. ٣ - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ ثبت، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) (خ م) تقدم في «الطهارة» ٧/ ٥٦٣. ٤ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة المذكور في الباب الماضي.
مصادر المؤلف (٥٤)

١. راجع «لسان العرب» ٥/ ٦٩.

٢. راجع «المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود» ٥/ ١٠٤.

٣. المصدر السابق.

٤. «التمهيد» ٢٠/ ٢٤٩.

٥. «المفهم» ١/ ٥٠٠ - ٥٠١.

٦. «شرح النوويّ» ٣/ ١٣٨.

٧. «المفهم»١/ ٥٠١.

٨. راجع«شرح الزرقانيّ على الموطّأ»١/ ٦٣.

٩. هكذا عند ابن عبد البرّ ﵀، والذي في تفسير القرطبيّ ﵀: أن الحسن قرأ«إخوانكم»بالنون، وأن ابن سيرين، ونصر بن عاصم، وأبا العالية، والجحدريّ قرأوا«بين إخوتكم»، بالتاء على الجمع، والباقون ﴿أَخَوَيْكُمْ﴾ على التثنية، وحكى أبو حيان في«البحر»الخلاف عن الحسن، قال: وقرأ أبو عمرو بالثلاث.

١٠. «التمهيد»٢٠/ ٢٤٣ - ٢٤٤.

١١. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٢/ ٣٠٤.

١٢. «شرح الأبيّ»٢/ ٢٨.

١٣. «شرح السنديّ على النسائيّ»١/ ٩٤ - ٩٥.

١٤. «المصباح المنير»١/ ١٨٦.

١٥. «لسان العرب» ٥/ ١٤.

١٦. «المصباح المنير» ١/ ١٢٢.

١٧. راجع «لسان العرب» ٥/ ١٤٣ - ١٤٦.

١٨. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨٧.

١٩. «شرح النوويّ» ٣/ ١٣٩.

٢٠. «المصباح» ١/ ٢٠٢.

٢١. «لسان العرب» ١٢/ ٢١٠.

٢٢. «النهاية» ١/ ١٦٧.

٢٣. «شرح النوويّ» ٣/ ١٣٩.

٢٤. «لسان العرب» ١٢/ ٥٩.

٢٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٩.

٢٦. «لسان العرب» ٧/ ٣٦٦.

٢٧. «الأوابد»: الطير التي لا تبرح من بلدانها، و«الغِطاط»: طير يُشبه القَطَا.

٢٨. «التمهيد» ٢٠/ ٢٥٦.

٢٩. «المفهم» ١/ ٥٠٤.

٣٠. «المفهم» ١/ ٥٠٤.

٣١. راجع «التمهيد» ٢٠/ ٢٥٧.

٣٢. راجع «النهاية» ٢/ ١٧٢.

٣٣. يقال: نهنهه عن الشيء: كفه، وزجره.

٣٤. «المفهم»١/ ٥٠٦.

٣٥. «شرح النوويّ»٣/ ١٣٩.

٣٦. «المصباح المنير»٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠.

٣٧. «شرح النوويّ» ٣/ ١٣٩ - ١٤٠.

٣٨. راجع «التمهيد» ٢٠/ ٢٦٢.

٣٩. حديث صحيح، أخرجه أحمد في «مسنده» (١٢٣٦٠)، والترمذيّ في «جامعه» (٢٣٥٧).

٤٠. أخرجه الترمذيّ ٤/ ٦٢٨، وصححه الشيخ الألبانيّ، ووري من مرسل الحسن البصريّ، وقال الترمذيّ: المرسل أصحّ.

٤١. قد صحّ ذلك، كما مرّ آنفًا.

٤٢. هم المعتزلة وبعض الخوارج.

٤٣. «المفهم» ١/ ٥٠٠.

٤٤. أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» بلفظ: «اللهم ارحم خلفائي الذين يأتون من بعدي الذين يروون أحاديثي، وسنتي، ويعلمونها الناس»، وهو حديث موضوع، انظر «الضعيفة» للشيخ الألبانيّ ٢/ ٢٤٧.

٤٥. أخرجه الترمذيّ من حديث أنس - ﵁ - مرفوعًا: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر»، وصحّحه الشيخ الألبانيّ بشواهد، راجع «الصحيحة» ٢/ ٦٤٥.

٤٦. «التمهيد» ٢٠/ ٢٦٢ - ٢٦٣.

٤٧. أخرجه (ابن سعد) عن بكر بن عبد الله مرسلًا، وضعّفه الشيخ الألباني ﵀، انظر حديث رقم: ٢٧٤٦ في «ضعيف الجامع».

٤٨. راجع «فتح المنعم» ٢/ ١٥٤.

٤٩. «إكمال المعلم» ٢/ ٤٨ - ٤٩.

٥٠. رواه البزّار كما في «كشف الأستار» (٢٧٦٣) وقال الهيثميّ: ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف. انتهى. «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٦).

٥١. «المفهم» ١/ ٥٠١ - ٥٠٣.

٥٢. «المفهم» ١/ ٥٠٤ - ٥٠٥.

٥٣. انظر ما قاله صاحب «فتح المنعم» ٢/ ١٥٤.

٥٤. وفي نسخة: «مثل حديث».