HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٠

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا خَلَفٌ (يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةَ) عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ. عَنْ أَبِي حَازِمٍ؛ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ. فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! مَا هذا الوضوء؟ يا بني فروخ! أنتم ههنا؟ لو علمت أنكم ههنا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ. سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ المؤمن حيث يبلغ الوضوء».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص151
ج ١ ص ٢١٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن النسائي
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٣٥٥
والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ) وفي نسخة: «مثل حديث: إلخ»، يعني أن رواية مالك عن العلاء، مثلُ رواية إسماعيل بن جعفر، عنه. [تنبيه]: رواية مالك هذه التي أحالها المصنّف على رواية إسماعيل بن جعفر، ساقها الحافظ أبو عوانة في «مسنده»، (١/ ١٢٢)، فقال: (٣٦٠) وحدثنا محمد بن يحيى النيسابوريّ، قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع، وحدثنيه مُطَرِّف بن عبد الله، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى المقبرة، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وَدِدتُ أني قد رأيت إخواننا»، قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال: «بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعدُ» قالوا: كيف تَعْرِف مَن لم تَرَ من أمتك؟ قال: «أرأيت لو كانت لرجل خيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلةٌ، في خيل دُهْم بُهْم، ألا يَعْرف خيله؟» قالوا: بلى، قال: «فإنهم يأتون يوم القيامة، غُرًّا مُحَجَّلين من الوضوء، وأنا فَرَطُهم على الحوض، فَلَيُذادَنَّ الرجل عن حوضي، كما يذاد البعير الضالّ، أناديهم ألا هَلُمّ، ألا هلم، فيقال: إنهم قد بَدّلوا، فأقول: فسُحقًا فسُحْقًا فسُحْقًا». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بَابٌ «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ») وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٩٢] (٢٥٠) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا خَلَفٌ - يَعْني ابْنَ خَلِيفَةَ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاة، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُّوخَ، أَنْتُمْ هَا هُنَا، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَا هُنَا، مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي - ﷺ - يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِن، حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ) بن صاعد الأشجعيّ مولاهم، أبو أحمد، كان بالكوفة، ثم انتقل إلى واسط فسكنها مدةً، ثم تحوَّل إلى بغداد، فأقام بها إلى حين وفاته [٨]. رَأَى عَمْرو بن حُرَيث صاحب النبيّ - ﷺ -، وروى عن أبيه، وحفص ابن أخي أنس بن مالك، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي مالك الأشجعيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه سُريج بن النعمان، وسعيد بن منصور، وداود بن رُشيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وقتيبة، وعليّ بن حُجْر، والحسن بن عوف، وهو آخر مَن رَوَى عنه، وقد حدَّث عنه هشيم، ووكيع من القدماء. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد عندنا رجل يقال له: خلف بن خليفة يزعم أنه رأى عمرو بن حريث، فقال: كَذَب لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث، وقال أبو الحسن الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله، يُسأل: هل رأى خلف بن خليفة عمرو بن حريث؟ قال: لا، ولكنه عندي شُبِّه عليه، هذا ابن عيينة، وشعبة، والحجاج، لم يروا عمرو بن حريث، ويراه خلف؟ وقال أحمد أيضًا: قد رأيت خلف بن خليفة، وهو مفلوجٌ سنة سبع وثمانين ومائة، وقد حُمِل، وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح، وقال الأثرم، عن أحمد: أتيته، فلم أفهم عنه، قلت له: في أيّ سنة مات؟ قال: أظنه في سنة ثمانين، أو آخر سنة (٧٩)، وقال زكريا بن يحيى بن حمويه، عن خلف بن خليفة: فَرَض لي عمر بن عبد العزيز، وأنا ابن ثمان سنين، وقال ابن معين، والنسائيّ: ليس به بأس، وكذا قال ابن عمار، وزاد: ولم يكن صاحب حديث، وقال ابن معين أيضًا، وأبو حاتم: صدوق، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، ولا أُبَرِّئه من أن يُخطئ في بعض الأحايين في بعض رواياته، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال عثمان بن أبي شيبة: صدوقٌ ثقةٌ، لكنه خَرِفَ، فاضطرب عليه حديثه، وقال ابن سعد: أصابه الفالج قبل موته، حتى ضَعُف، وتَغَيَّر، واختلط، وحَكَى القرّاب اختلاطه عن إبراهيم بن أبي العباس، وكذا حكاه مَسْلَمة الأندلسيّ، ووَثَّقه، وقال: من سمع منه قبل التغير فروايته صحيحة. وقال أسلم بن سهل في «تاريخ واسط» عن عبد الحميد: توفي سنة (٨٠)، وذكر الحاكم في «المدخل» أن مسلمًا إنما أخرج له في الشواهد. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل هذا الكلام في «التهذيب» عن الحاكم، ولم يتعقّبه، وعندي فيه نظرٌ؛ لأن حديث الباب يردّه؛ لأنه ما أخرج له في الشواهد، وإنما أخرج له في الأصول، فتأمله بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال ابن سعد: كان ثقةً، مات ببغداد سنة (١٨١)، وهو ابن تسعين سنة، أو نحوها، وقال البخاريّ: يقال: مات سنة (١٨١) وهو ابن مائة سنة وسنة، وكذا جزم به ابن حبان. قال الحافظ: وفي هذا المقدار في سِنِّه نظر، فقد تقدم أنه قال: فَرَض لي عمر بن عبد العزيز، وأنا ابن ثمان سنين، فيكون مولده على هذا سنة (٩١) أو اثنتين؛ لأن ولاية عمر كانت سنة (٩٩)، وقد ذكروا أنه تُوُفِّي سنة (٨١) فيكون عمره تسعين سنة، أو تسعين وأشهرًا، وعلى هذا فيبعد إدراكه لعمرو بن حريث بُعْدًا بَيِّنًا. انتهى. أخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٥٠ و(٤٧٥) و(٢٠٣٨) (و٢٨٤٤). والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و«أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ» هو: سعد بن طارق، و«أَبُو حَازِمٍ»: هو سلمان الأشجعيّ. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة، والسماع. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى خلف، فأخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، وأبو مالك أخرج له في التعاليق. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو مالك، عن أبي حازم. ٤ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ ﵀، أنه (قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، أي وراءه (وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من «أبي هريرة» (فَكَانَ) أي أبو هريرة (يَمُدُّ يَدَهُ) أي يُطيل غسله بيده (حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ) «حتى» غاية للمدّ، والفعل مبنيّ للفاعل، يعني أنه يبالغ في إطالة الغسل إلى أن تبلغ يده إلى إبطه. و«الإبط» بكسر، فسكون: ما تحت الْجَنَاح، ويُذكّر ويؤنَّثُ، فيقال: هو الإبط، وهي الإبط، ومن كلامهم: رفع السوط حتى بَرَقَت إبطه، والجمع آباط، مثلُ حِمْل وأحمال، قال الفيّوميّ ﵀: ويزعُمُ بعض المتأخّرين أن كسر الباء لغةٌ، وهو غير ثابت؛ لأن سيبويه قال: لم يجئ على فِعِلٍ بكسر الفاء والعين من الأسماء إلا حرفان: إِبِلٌ، وحِبِرٌ، وهو الْقَلَح ، ومن الصفات إلا حرفٌ واحدٌ، وهي امرأةٌ بِلِزٌ، وهي الضخمة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أنكر الفيّوميّ كسر الباء، لكن في «القاموس» ما يُفيد أنه لغة، والله تعالى أعلم. قال أبو حازم: (فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟) «ما» استفهاميّة، مبتدأ، أو خبر مقدّم، و«هذا» خبره، أو مبتدأ مؤخّر، و«الوضوء» نعتٌ لاسم الإشارة، أو بدلٌ منه، أو عطف بيان، كما قال بعضهم: مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بِـ «أَل» … يُعْرَبُ نَعْتًا أَوْ بَيَانًا أَوْ بَدَلْ يقول: أيُّ شيء هذا الوضوء الذي يُخالف صفة الوضوء التي كنت تتوضّؤها قبل هذا؟ لأن أبا هريرة - ﵁ - كان لا يتوضّأ هذا الوضوء إذا كان بين الناس، كما يدلّ عليه قوله: (فَقَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (يَا بَنِي فَرُّوخَ) بفتح الفاء، وتشديد الراء، قال النوويّ ﵀: قال صاحب «كتاب العين»: «فرُّوخ» بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم ﵇، من ولد كان بعد إسماعيل، وإسحاق، كثُرَ نسله، ونما عدده، فولد العجم الذين هم في وسط البلاد. قال القاضي عياض ﵀: أراد أبو هريرة - ﵁ - هنا الموالي، وكان خطابه لأبي حازم. انتهى . وفي «القاموس»، و«شرحه»: «وفَرُّوخ» كتَنُّور أخو إسماعيل، وإسحاق، أبو العجم الذين هم في وسط البلاد، وهو فارسيّ، ومعناه: السعيد طالعه، وقد تسقط واوه في الاستعمال، وهو غير منصرف؛ للعجمة والعلميّة. انتهى بتغيير يسير . وقال القرطبيّ ﵀: قصد أبو هريرة - ﵁ - بقوله: «أنتم ها هنا» الموالي، وكان خطابه لأبي حازم سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، مولى عَزّة الأشجعيّة، وليس بأبي حازم سلمة بن دينار الفقيه الزاهد المدنيّ، مولى بني مخزوم، وكلاهما خرّج عنه في «الصحيح» . (أَنْتُمْ هَا هُنَا؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أأنتم ها هنا؟، أي حاضرون في هذا الموضع (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَا هُنَا، مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ) أي لئلا يعتقدوا أنه من واجبات الوضوء، قال القاضي عياض ﵀: أراد أبو هريرة - ﵁ - بكلامه هذا أنه ينبغي لمن يُقتدَى به إذا ترخّص في أمر لضرورة، أو تَشَدَّد لوسوسة، أو لاعتقاده في ذلك مذهبًا شذّ به عن الناس أن لا يفعله بحضرة العامّة الْجَهَلَة؛ لئلا يترخّصوا برخصته؛ لغير ضرورة، أو يعتقدوا أن ما تشدّد فيه هو الفرض اللازم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول القاضي: «لوسوسة» فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه ليس التشدّد للوسوسة مشروعًا، بل الذي ينبغي للإنسان إذا ابتُلي بالوسواس أن لا يلتفت إليه، بل يبتعد، ويعرض عنه، ويستعيذ بالله ﷿ منه، فإنه من الشيطان، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: وإنكارهم على أبي هريرة - ﵁ -، واعتذاره عن إظهار ذلك الفعل يدلّ على انفراده بذلك الفعل. انتهى . وفي رواية ابن أبي شيبة في «مصنّفه» (١/ ٥٥) عن عليّ بن مُسهر، عن يحيى بن أيوب البجليّ، عن أبي زُرعة، قال: دخلت على أبي هريرة، فتوضّأ إلى منكبيه، وإلى ركبتيه، فقلت له: ألا تكتفي بما فرض الله عليك من هذا؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مبلغ الحلية مبلغ الوضوء»، فأحببتُ أن يزيدني في حِليتي. وهذا إسناد قويّ، رجاله رجال الشيخين عدا يحيى بن أيوب، وهو ثقةٌ، وقد خالفه عُمارة بن القعقاع، فوقفه على أبي هريرة. ورواه أحمد في «مسنده» (٢/ ٢٣٢)، والبخاريّ في «صحيحه» (٥٩٥٣) من طريقين عن عُمارة، عن أبي زرعة، قال: دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة … ثم دعا بتَوْر من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة أشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -؟ قال: منتهى الحلية. انتهى . ثم قال أبو هريرة - ﵁ - مبيّنًا مُستنده في وضوئه على هذه الكيفيّة (سَمِعْتُ خَلِيلِي - ﷺ -) فَعِيل بمعنى فاعل: هو الصَّدِيق، من الْخَلّة، بالفتح: وهي الصداقة، والضم لغة، كما في «المصباح»، وفي «اللسان»: قال ابن دُريد: الذي سَمِعتُ به أن معنى الخليل: الذي أصفى المودّة، وأصحّها، قال: ولا أزيد فيها شيئًا؛ لأنها في القرآن، يعني قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، والجمع أخلّاء، وخُلّان، والأنثى خَلِيلة، والجمع خليلاتٌ، وقال الزجّاج: الخليل المحبّ الذي ليس في محبّته خَلَلٌ، وقوله ﷿: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾؛ أي أحبّه محبّةً تامّةً، لا خلَل فيها، قال: وجائز أن يكون معناه الفقير: أي اتّخذه مُحتاجًا فقيرًا إلى ربِّه، قال: وقيل للصداقة خُلّةٌ؛ لأن كلّ واحد منهما يَسُدّ خلل صاحبه في المودّة والحاجة إليه. انتهى . يعني أنه سمع النبيّ - ﷺ - (يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ) ولفظ النسائيّ:«تبلُغُ حليةُ المؤمن»، ولفظ ابن حبّان:«تبلغ حِلية أهل الجنّة مبلغ الوضوء». و«الْحِلْية»: - بكسر المهملة، وسكون اللام، وياء مُخفّفة - تُطلَق على السِّيماء، والمراد به هنا التحجيل من أثر الوضوء يوم القيامة، وعلى الزينة، والمراد به ما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف: ٣١] . وقال في«اللسان»:«الْحَلْيُ»- أي بفتح الحاء، وسكون اللام -: ما تُزُيِّن به من مصوغ المعدنيّات، أو الحجارة، والجمع«حُلَى»- أي بالضمّ - وقال الجوهريّ:«الْحَلْيُ» - أي بفتح، فسكون -: حَلْيُ المرأة، وجمعُهُ حُلِيٌّ، مثلُ ثَدْي وثُدِيّ، وهو فُعُول، وقد تُكسر الحاء؛ لمكان الياء، مثلُ عِصِيّ، وقُرئ ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] بالضمّ، والكسر، وحِلْيةُ السيف، جمعها: حِلًى، مثلُ لِحْية ولحًى، وربّما ضُمّ. انتهى . والمعنى المراد هنا: أن زينة المؤمن التي يُزيّنه الله تعالى بها في القيامة تبلغ (حَيْثُ يَبْلُغُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب قَعَدَ، مبنيًّا للفاعل، والفاعل قوله: (الْوَضُوءُ») أي المواضع التي كان يبلغ إليها ماء الوضوء في الدنيا، فـ«حيثُ»ظرف لـ«يَبْلُغُ»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الطهارة»[١٣/ ٥٩٢] (٢٥٠)، و(النسائيّ) في«الطهارة»(١٤٩)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١/ ٥٥) و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٣٧١)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٧)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٠٤٥)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٦٦٦)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٥٨٤)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١/ ٥٦ - ٥٧)، و(البغويّ) في«شرح السنّة» (٢١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان منتهى حلية المؤمن في الآخرة، وهو حيث يبلُغ الوضوء. ٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن لا يفعل عند العوامّ ما لا يعرفون، إذا خاف عليهم أن يفهموا منه غير المراد. ٣ - (ومنها):، بيان شرف هذه الأمّة، حيث أكرمها الله ﷿ بالغرّة والتحجيل، ولم يجعل ذلك لغيرها من الأمم. ٤ - (ومنها): بيان فضل إطالة الغرّة والتحجيل بمجاوزة محلّ الفرض، وقد اختلف العلماء في القدر المستحبّ منه، فقيل: يُستحبّ فوق المرفقين، والكعبين من غير تحديد، وقيل: إلى نصف العضد والساق، وقيل: إلى المنكبين والركبتين، وهو مقتضى ظواهر الأحاديث، كما قال النوويّ ﵀. وقال ابن دقيق العيد ﵀: ليس في الحديث تقييد، ولا تحديد لمقدار ما يُغسل من العضدين والساقين، وقد استَعمل أبو هريرة - ﵁ - الحديث على إطلاقه، وظاهره، من طلب إطالة الغرّة، فغسل إلى قريب المنكبين، ولم يَنقُل
مصادر المؤلف (١٢)

١. هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب «الرجال» بصيغة الجمع؛ لقوله بعده: «أناديهم»، وكذلك قول مسلم: «غير أن حديث مالك: فليُذادنّ رجال» يدلّ على هذا، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٢. «الْقَلَح» - بفتحتين -: صُفْرةٌ تُصيب الأسنان.

٣. راجع «المصباح المنير» ١/ ٢.

٤. «شرح النوويّ» ٣/ ١٤٠.

٥. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٢/ ٢٧٢.

٦. «المفهم» ١/ ٥٠٧.

٧. راجع «شرح النوويّ» ٣/ ١٤٠ - ١٤١.

٨. «المفهم» ١/ ٥٠٧.

٩. قال الإمام البخاريّ ﵀ في «كتاب اللباس» من «صحيحه» (٥٩٥٣): حدثنا موسى، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عُمارة، حدَثنا أبو زرعة، قال: دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة، فرأى أعلاها مُصَوّرًا يُصَوِّر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حَبّةً، وليخلقوا ذَرَّةً»، ثم دعا بتور من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة أشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -؟ قال: منتهى الحلية. انتهى.

١٠. «لسان العرب» ١١/ ٢١٨.

١١. راجع «شرح السنديّ على النسائيّ» ١/ ٩٥.

١٢. «لسان العرب» ١٤/ ١٩٥.