HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٩

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ). ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ؛ قَالَ: «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص153
ج ١ ص ٢٢٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٤٦٦
قال: وقد ورد حديث أنس من وجه لا يثبت، ثم ذكر ما تقدّم من رواية ابن عديّ، ثم قال: قال صاحب «الميزان»: هو حديث منكر ، قال: وأصحّ طرقه طريق مسلم على ما فيها من الكلام، وليس فيها تأقيتٌ لما هو أولى، بل ذكر أنه لا يزيد على أربعين. انتهى كلام العراقيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من مجموع ما قالوا أن حديث الباب صحيح، أما المرفوع فلأن جعفر بن سليمان لم ينفرّد به، بل تابعه عليه صدقة بن موسى الدقيقيّ، وهو وإن كان الأكثرون على تضعيفه، إلا أنه يصلح للاعتبار، كما يفيده كلام الأئمة. وأما الموقوف فهو رواية المصنّف - ﵀ -، وحكمه أنه مرفوع؛ لأن قول أنس - ﵁ -: «وُقّت لنا .. إلخ»، كقول الصحابيّ: «أُمرنا بكذا، ونهينا عن كذا»، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٠٦] (٢٥٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ - (ح) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فَرّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٤ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع و١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ الصحابيّ ابن الصحابيّ الشهير - ﵄ -، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وملتقى الإسنادين هو عُبيد الله بن عمر، فكلّ من يحيى بن سعيد، وعبد الله بن نمير يرويان عنه. ٣ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٤ - (ومنها): أن شيخه الأول أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستّة بلا واسطة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبيد الله عن نافع. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، وشدّة اتّباع الآثار، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «أَحْفُوا) بقطع الهمزة، من الإحفاء، كذا للأكثر، وحكى ابن دُريد: حَفَى الرجل شاربه يحفوه حَفْوًا: إذا استأصل أخذ شعره، فعلى هذا تكون همزته همزة وصل. وقال الحافظ - ﵀ -: الإحفاء بالحاء المهملة، والفاء: الاستقصاء، ومنه:»حتى أَحْفَوه بالمسألة«، وقد ورد بلفظ:»أَنْهِكُوا الشوارب«، وبلفظ:»جُزّوا الشوارب«، وكل هذه الألفاظ تدلّ على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الجزّ قصّ الشعر والصوف إلى أن يبلُغ الجلد، والنهك: المبالغة في الإزالة، ومنه قوله - ﷺ - للخافضة:»أَشِمِّي، ولا تُنْهِكِي»: أي لا تُبالغي في ختان المرأة. انتهى . (الشَّوَارِبَ) منصوب على المفعوليّة، وهو: جمع شارب، وهو الشعر الذي يسيل على الفم، قال أبو حاتم: ولا يكاد يُثنّى، وقال أبو عبيدة: قال الكلابيّون: شاربان باعتبار الطرفين؛ قاله الفيّوميّ . وقال الجيّانيّ: وقع في كلامهم: إنه لعظيم الشوارب، وهو من الواحد الذي فرق، وسُمّي كلّ جزء منه باسمه، فقالوا لكلّ جانب منه: شاربًا، ثم جُمع شوارب، وحَكَى ابن سِيده عن بعضهم: من قال: الشاربان أخطأ، وإنما الشاربان ما طال من ناحية السَّبَلَة، قال: وبعضهم يُسمّي السَّبَلَة كلّها شاربًا، ويؤيّده أثر عمر - ﵁ - الذي أخرجه مالك أنه كان إذا غضب فَتَلَ شاربه، والذي يمكن فَتْله من شعر الشارب السِّبَال، وقد سمّاه شاربًا؛ قاله في «الفتح». وقال أيضًا: وأما الشارب فهو الشعر النابت على الشفة العليا، واختُلِفَ في جانبيه، وهما السبالان، فقيل: هما من الشارب، ويشرَع قصّهما معه، وقيل: هما من جملة شعر اللحية. انتهى . (وَأَعْفُوا اللِّحَى) بقطع الهمزة، ووصلها: أي وفّروها، قال ابن الأثير - ﵀ -: إعفاء اللحية: أن يوفّر شعرها، ولا يُقَصّ كالشوارب، مِن عَفَى الشيءُ: إذا كثُر، وزاد، يقال: أعفيته، وعَفَيته. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: عفا الشيءُ: كثُر، وفي التنزيل: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي كثُروا، وعَفَوته: كثّرته، يتعدّى، ولا يتعدّى، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: أعفيته، وقال السَّرَقُسْطيّ: عَفَوتُ الشعرَ أعفوه عَفْوًا، وعفيته أَعفيه عَفْيًا: تركته حتى يكثُر، ويطول، ومنه: «أحفوا الشوارب، وأعفوا اللّحَى»، يجوز استعماله ثلاثيًّا، ورباعيًّا. انتهى . وقال النوويّ في «شرحه»: قوله - ﷺ -: «أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى»، وفي الرواية الأخرى: «وأوفوا اللحى»، هو بقطع الهمزة في «أحفوا، وأعفوا، وأوفوا»، وقال ابن دريد: يقال أيضًا: حَفَا الرجل شاربه يَحفوه حَفْوًا: إذا استأصل أخذ شعره، فعلى هذا تكون همزة «أحفوا» همزة وصل، وقال غيره: عفوت الشعر، وأعفيته لغتان، قال: وأما «أوفوا» فهو بمعنى «أعفوا»: أي اتركوها وافيةً كاملةَ لا تقُصّوها، قال: وأما قوله: «وأرخوا» فهو أيضًا: بقطع الهمزة، وبالخاء المعجمة، ومعناه: اتركوها، ولا تتعرضوا لها بتغيير، وذكر القاضي عياض أنه وقع في رواية الأكثرين كما ذكرنا، وأنه وقع عند ابن ماهان «أرجوا» بالجيم، قيل: هو بمعنى الأول، وأصله أرجؤا بالهمز، فحذفت الهمزة تخفيفًا، أي فهو كقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] ، ومعناه: أَخّروها، واتركوها، وجاء في رواية البخاريّ: «وَفّروا اللّحَى»، فحصل خمس روايات: «أعفوا»، و«أوفوا»، و«أرخوا»، و«أرجوا»، و«وفروا»، ومعناها كلها: تركها على حالها. هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء. انتهى . وقال في «الفتح»: «اللّحَى» - بكسر اللام، وحُكِي ضمّها، والكسر أفصح، وبالقصر والمدّ -: جمع لِحية بالكسر فقط، وهو اسم لِمَا نبت على الخدّين والذَّقَن. انتهى . وقال في «اللسان»: «اللِّحْيَةُ»: اسمٌ يَجمع ما نبت على الخدّين والذّقَن، والجمع لِحّى - أي بالكسر -، ولُحًى - أي بالضمّ - مثلُ ذُرْوَة وذُرًى. انتهى، ونحوه في «القاموس» . وفي «المصباح»: «اللحية»: الشعر النازل على الذقَن، والجمع لِحًى، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَر، وتُضمّ اللام أيضًا، مثلُ حِلْية وحُلًى. انتهى . وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبّب؛ لأن حقيقة الإعفاء: الترك، وترك التعرّض للحية يستلزم تكثيرها، وأغرب ابن السِّيد، فقال: حَمَل بعضهم قوله: «أعفوا اللِّحَى» على الأخذ منها بإصلاح ما شذّ منها طولًا وعرضًا، واستشهد بقول زُهير [من الوافر]: عَلَى آثَارِ مَنْ ذَهَبَ الْعَفَاءُ وذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وَفِّرُوا، أو أكثِرُوا، وهو الصواب. قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدًا فَهِمَ من الأمر في قوله: «وأعفوا اللحَى» تجويز معالجتها بما يُغَزّرها، كما يفعله بعض الناس، قال: وكأن الصارف عن ذلك قرينة السياق في قوله في بقيّة الخبر: «وأحفوا الشوارب». انتهى. قال الحافظ: ويمكن أن يؤخذ من بقيّة ألفاظ الحديث الدالّة على مجرّد الترك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من تفسير صاحب «اللسان»، و«القاموس»، و«الفتح» اللحية بأنه اسم للشعر الذي فبت على الخدّين والذّقَن أنه لا يجوز التعرّض لشيء من ذلك بحلق، ولا تقصير، فما يفعله بعض الناس من حلق ما ينبت على الخدين بدعوى أنه ليس من اللحية خطأ بيّن، نشأ من الجهل باللغة، فليُتفطّن. وقال أبو شامة - ﵀ -: وقد حَدَث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشدّ مما نُقِل عن المجوس أنهم كانوا يَقُصّونها. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: يُستثنَى من الأمر بإعفاء اللحى، ما لو نبتت للمرأة لحية، فإنه يُستحب لها حلقها، وكذا لو نبت لها شارب، أو عَنْفَقَة، قال: هذا مذهبنا، وقال محمد بن جرير: لا يجوز حلق شيء من ذلك، ولا تغيير شيء من خِلقتها بزيادة، ولا نقص. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لم أر لمدّعي الاستحباب، ولا لمدّعي عدم الجواز دليلًا صريحًا، فالأولى أن يقال بالإباحة حتى يوجد نصّ صريح لأحدهما، والله تعالى أعلم بالصواب. [فائدة]: في قوله: «أعفوا»، و«أحفوا» ثلاثة أنواع من البديع: الجِنَاسُ، والمطابقة، والموازنة، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا في «الطهارة» [١٦/ ٦٠٦ و٦٠٧ و٦٠٨] (٢٥٩)، و(البخاريّ) في «اللباس» (٥٨٩٢ و٥٨٩٣)، و(أبو داود) في «الترجّل» (٤١٩٩)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٧٦٤)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١٥) و«الزينة» (٥٢٢٦) و«الكبرى» (١٣)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٥٦٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٦ و٥٢ و١٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٤٧٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٤٩ و١٥٠ و١٥١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣١٩٣ و٣١٩٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٦٥ و٤٦٦ و٤٦٧ و٤٦٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٥٠ و٦٠١ و٦٠٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في إعفاء اللحية: قال النوويّ - ﵀ - بعد ذكر اختلاف الروايات في «أعفوا اللّحَى» ما نصّه: فحصل خمس روايات: «أعفوا»، و«أوفوا»، و«أَرْخُوا»، و«أَرْجُوا»، و«وفِّروا»، ومعناها كلِّها تركُها على حالها، هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء، وقال القاضي عياض - ﵀ -: يكره حَلْقها، وقصُّها، وتحذيفها وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها، كما تكره في قصِّها وجزِّها، قال: وقد اختَلَف السلف هل لذلك حدٌّ، فمنهم من لم يُحَدِّد شيئًا في ذلك، إلا أنه لا يتركها لحدّ الشهرة، ويأخذ منها، وكَرِه مالك طولها جدًّا، ومنهم من حدَّد بما زاد على القبضة، فيُزال، ومنهم من كَرِه الأخذ منها إلا في حجّ أو عمرة. قال: وأما الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه، بظاهر قوله - ﷺ -: «أحفُوا»، و«أَنْهِكوا»، وهو قول الكوفيين. وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، وقاله مالك، وكان يرى حلقه مُثْلَةً، ويأمر بأدب فاعله، وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه، ويَذْهَب هؤلاء إلى أن الإحفاء، والْجَزَّ، والقَصّ بمعنى واحد، وهو الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة. وذهب بعض العلماء إلى التخيير بين الأمرين. انتهى كلام القاضي. قال النوويّ: والمختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يُتَعَرَّض لها بتقصير شيء أصلًا، والمختار في الشارب ترك الاستئصال، والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة. انتهى . وأخرج الإمام البخاريّ - ﵀ -، في «صحيحه»، من طريق عُمر بن محمد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - قال: «خالفوا المشركين، وفِّرُوا اللِّحَى، وأَحْفُوا الشوارب»، وكان ابن عمر إذا حجّ، أو اعتمر قَبَضَ على لحيته، فما فَضَل أخذه. انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «وكان ابن عمر .. إلخ» هو موصول بالسند المذكور إلى نافع، وقد أخرجه مالك في «الموطأ»، عن نافع بلفظ: «كان ابن عمر إذا حَلَق رأسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه»، قال: وفي حديث الباب مقدار المأخوذ. وقال الكرمانيّ: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك، فحَلَق رأسه كلّه، وقصر من لحيته؛ ليدخل في عموم قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]، وخَصَّ ذلك من عموم قوله: «وفِّرُوا اللحَى»، فحمله على حالة النسك. قال الحافظ: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخُصّ هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تَتَشَوَّه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية، أو عرضه، فقد قال الطبريّ: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث، فكرهوا تناول شيء من اللحية، من طولها ومن عرضها، وقال قوم: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنه فَعَل ذلك، وإلى عمر أنه فَعَل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله. وأخرج أبو داود من حديث جابر - ﵁ - بسند حسن قال: «كنا نُعَفِّي السِّبَال، إلا في حجّ أو عمرة»، وقوله: «نُعَفّي» - بضم أوله، وتشديد الفاء -: أي نتركه وافرًا، وهذا يؤيد ما نُقِل عن ابن عمر، فإن السِّبَال - بكسر المهملة، وتخفيف الموحدة - جمع سَبَلَة - بفتحتين - وهي ما طال من شعر اللحية، فأشار جابر إلى أنهم يُقَصِّرون منها في النسك. ثم حكى الطبري اختلافًا فيما يؤخذ من اللحية، هل له حدّ أم لا؟ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكفّ، وعن الحسن البصريّ أنه يؤخذ من طولها وعرضها، ما لم يَفْحُش، وعن عطاء نحوه، قال: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصّها وتخفيفها. قال وكره آخرون التعرُّض لها إلا في حجّ أو عمرة، وأسنده عن جماعة، واختار قول عطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته، لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها، لَعَرَّض نفسه لمن يَسْخَر به، واستَدَلَّ بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبيّ - ﷺ - «كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها»، وهذا أخرجه الترمذيّ، ونَقَل عن البخاريّ أنه قال في رواية عُمَر بن هارون: لا أعلم له حديثًا منكرًا إلا هذا. انتهى. وقد ضَعَّف عُمر بن هارون مطلقًا جماعة. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن حلق اللحية حرام، وهو الذي نصّ عليه الإمام الشافعيّ في «الأمّ» كما قال ابن الرفعة، وقال الأذرعيّ: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علّة بها. انتهى. وأما الأخذ من طولها إذا فحش فلا بأس به؛ كما ثبت ترخيص ذلك عن بعض السلف - رحمهم الله تعالى -. والحاصل أن ترك اللحية على حالها، وعدم التعرّض لها هو الصواب؛ لظواهر النصوص، كقوله - ﷺ -: «أعفوا»، و«أوفوا»، و«وفّروا»، وإن ترخّص أحد في أخذ ما زاد على القبضة اتّباعًا لما ثبت عن بعض السلف، كابن عمر وغيره، فلا بأس به؛ لأن ابن عمر - ﵄ -، مع شدّة اتّباعه للسنّة، وهو الذي رَوَى حديث «أعفوا اللحى» كان يأخذ من لحيته ما زاد على القبضة، فلولا أن عنده حجةً على هذا لَمَا فعله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: نقل النوويّ عن الغزاليّ، وهو في ذلك تابع لأبي طالب المكيّ في «القوت» قال: يكره في اللحية عشر خصال: خَضبها بالسواد لغير الجهاد، وبغير السواد؛ إيهامًا للصلاح، لا لقصد الاتّباع، وتبييضها؛ استعجالًا للشيخوخة؛ لقصد التعاظم على الأقران، ونتفها؛ إبقاء للمرودة، وكذا تحذيفها، ونتف الشيب، ورجّح النوويّ تحريمه؛ لثبوت الزجر عنه، وتصفيفها طاقةً طاقةً تصنعًا ومخيلةً، وكذا ترجيلها، والتعرض لها طولًا وعرضًا على ما فيه من الاختلاف، وتركها شَعِثَةً؛ إيهامًا للزهد، والنظرُ إليها إعجابًا، وزاد النوويّ: وعقدُها؛ لحديث رُوَيفع رفعه: «مَن عَقَد لحيته، فإن محمدًا - ﷺ - منه بريء …» الحديث ، أخرجه أبو داود . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أطلق الكراهة في هذه الأشياء، وفي بعضها نظر لا يخفى؛ لأن أدلّة التحريم واضحة عليه، كعقد اللحية، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر بعض شُبَهِ من يُخادعون أنفسهم بحلق لحيتهم، ودحضها: (منها): قول بعضهم: إن رسول الله - ﷺ - إنما أعفى لحيته، وأمر به لأن قومه العرب كانوا يُعَفّون لحاهم، فاتبع - ﷺ - ما راج في بيئته، ولم يُخالفهم، بل بعض الضلّال يزيد على هذا، فيقول: لو كان النبيّ - ﷺ - في هذا العصر لحلق لحيته - والعياذ بالله -. وهذا كله من دعاوي الجاهليّة، أوحاها إليهم الشيطان، لمجادلة أهل الحقّ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. فالله - ﷾ - أمر نبيّه - ﷺ - باتّباع ملّة إبراهيم حنيفًا، وكذا أمر أمته بذلك، فالخصال التي كانت باقيةً في بني إسماعيل - ﵇ - وهم العرب من أبيهم إبراهيم - ﵇ - أخذها النبيّ - ﷺ -، وعمل بها؛ لأنها من ملّة إبراهيم، لا لأجل اتّباع عادات العرب المجرّدة، وإلا فكم من عادات العرب كانت سائدة حينما بُعث النبيّ - ﷺ -، فأبطلها، ولن يتّبعهم عليها، كالوشم، ووصل الشعر، وكقتل الأولاد، ووأد البنات، وعدم التستّر عند البول والغائط حتى عابه بعضهم، فقال: إنه يبول كما تبول المرأة، وكالربا، والنسيء في أشهر الحرم، وكالجناية على الوالد بجناية ولده، وبالعكس، والطواف عريانًا، والرجوع من مزدلفة في الحجّ، والمشي عريانًا، وبيع الملامسة، والمنابذة، وغير ذلك مما يُحصى من عادات العرب، جاء - ﷺ - بإبطالها، ولم يقلّدهم فيها، بل إنما فعل - مما كانت عليه - ما كان موروثًا عن دين إبراهيم - ﵇ - فقط، ومن جملته إعفاء اللحية، فظهر بهذا ما موّهوا به من هذه الشبهة الباطلة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ومنها): قول الآخرين: إن إعفاء اللحية كان واجبًا لمخالفة المجوس والمشركين، واليوم نرى اليهود يُعفون لحاهم، فوجب أن نخالفهم بحلق اللحية. وهذه حجة داحضة، لا يقولها إلا أحمق جاهل، فإن إعفاء اللحية وحلقها كانا موجودين في زمنه - ﷺ -، فاختار - ﷺ - ما كان موافقًا لملّة إبراهيم - ﵇ -، وهو الإعفاء، وأمر به، وردّ ما كان مخالفًا ذلك، وهو الحلق، وأنكره بألفاظ، وأساليب مختلفة، فكذلك في هذا العصر يوجد من يُعفي لحيته، ومن يحلقها، ونحن مأمورون بمخالفة الحالقين، لا المعفين. قال بعض المحقّقين: لو كانت القاعدة أن ما يفعله اليهود هو الواجب التحرّز لوجب علينا ترك الاختتان؛ لأن اليهود يختتنون. وبالجملة فليست هذه الشبهة صادرة إلا من ذي هوى النفس، لا ممن له صلة بالدين، وغيرة عليه، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم. (ومنها): أن بعضهم يقول: إن أصحاب اللحى يَخدعون الناس بلحاهم، فجعلوا اللحى حبائل ووسائل لتحصيل متاع الدنيا؛ ليغترّ عامّة الناس بهم، ويظنّوا بهم أنهم أهل صلاح وخير، وهذا نوع من النفاق المنهيّ عنه في الإسلام. قلنا: المكر والخديعة لا يختصّ بأصحاب اللحى، بل كثير ممن يخدعون الناس يَتظاهرون بمظاهر الإسلام، ككثرة الصلاة، والذكر، ونحو ذلك؛ للغرض المذكور، فهل هذا يبرر لنا أن نترك أفعال الخير كلّها من أجل أن بعض الأشرار يخدعون بها الناس؟ فهذا هو الانسلاخ من الدين بالكليّة. وبالجملة فليس تظاهر بعض الناس المخادعين ببعض خصال الإسلام مبرّرًا لتركها، فلو كان فيهم من أعفى لحيته ليغترّ بها الناس، فلا يحلّ لنا أن نحلق لحانا، ونترك ما أمرنا به نبيّنا - ﷺ - لأجل هؤلاء المجرمين، بل يجب علينا أن نمتثل بأمره - ﷺ -، ونقوم بإصلاح حالنا، وننصح المخادعين، لعل الله يهديهم على أيدينا، اللهم اهدنا فيمن هديت. (ومنها): قول بعضهم: إني أحلق مقلّدًا لبعض العلماء. نقول: هذا الذي يحلق لحيته دون ضرورة ليس من أهل العلم المهديين، بل هو من علماء السوء الضالّين المضلّين، ومما يجب التنبّه له أن الإنسان إذا مات مات شرّه معه غالبًا إلا علماء السوء، فإنهم إذا ماتوا لم تمت سنتهم السيئة، بل يبقى في الأمة شرّها، وينتشر في الأرض شررها، وقد قال - ﷺ -: «من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فعُمِل بها بعده، كُتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عَمِل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء»، رواه مسلم. فهذا العالم السوء الذي يسنّ للناس المنكرات يلحقه بعد موته إثم كلّ من عَمِل بما سنّه لهم من هذه السنّة السيّئة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. (ومنها): أن بعضهم يقول: إن إعفاء اللحية سنّة، وليس بواجب. نقول: كونه سنةً حقّ لا يُنكر؛ لأنه - ﷺ - شرعه، وأمر به، فهو سنّته، وأما دعوى عدم الوجوب فباطلٌ، فقد تقدّم أن الحقّ أنه واجب، وأن حلقها حرام، فكيف يدّعي عدم الوجوب من يسمع قوله - ﷺ -: «خالفوا المشركين، وَفِّرُوا اللِّحَى، وأَحْفُوا الشوارب»، متّفق عليه، وأمره - ﷺ - للوجوب، فمخالفة المشركين، وتوفير اللحية، وإحفاء الشوارب واجبة. وبالجملة فقد كان النبيّ - ﷺ - يوفّر لحيته، ويأمر بها، والغريب أن من ادّعى السنيّة يعلم أن النبيّ - ﷺ - إنما سنّها لنعمل بها، لا لنتركها. وأغرب من ذلك أن الذين يحلقون لحاهم يدّعون أنهم يُحبّون الرسول - ﷺ -، بل يزعمون أنه أحبّ إليهم من أهلهم وأموالهم، ثم لا يُحبّون صورته - ﷺ - التي يعلمون أنه كان ملتحيًا، ويحبّون صورة أعدائه الكفرة الحالقين لحاهم، ومن المعلوم لدى العامّ والخاصّ أن المحبّ يُحبّ كلّ ما كان منسوبًا إلى محبوبه، من الصورة، والسيرة، واللباس، والهيئة، حتى يحب داره وجداره وكساءه ورداءه، وكلّ ما يُنسب إليه. فالذي يؤمن بالله - ﷾ - ورسوله - ﷺ - يكون الله ورسوله - ﷺ - أحبّ إليه مما سواهما، وهذه المحبّة لا محالة تضطرّ صاحبها إلى اتّباع الرسول - ﷺ - في شؤونه كلّها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فإن لم تدع المحبّة صاحبها إلى الاتّباع فهي مجرّد دعوى لا حقيقة لها، ولا بيّنة عليها. والدَّعَاوِي مَا لَمْ تُقِيمُوا عَلَيْهَا … بَيِّنَاتٍ أَبْنَاؤُهَا أَدْعِيَاءُ ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال: تَعْصِي الإِلَهَ وَأَنْتُ تُظْهِرُ حُبَّهُ … هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ … إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ (ومنها): قول بعضهم: إن إصلاح القلب وتزكية النفس، وتزكية الباطن هو الأصل في الدين، فإذا صفا قلبك، وطهُر باطنك فلا حاجة إلى إعفاء اللحية، والتقيّد بزيّ من الأزياء. قلنا: هذا أيضًا من أبطل الشُّبَه، يناقض بعضه بعضًا، فإن القلب إذا صلح صلح الجسد معه، والباطن إذا زكا زكا الظاهر معه، كما شهد بذلك الحديث الصحيح: «ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب»، متّفق عليه. ففساد الباطن يدعو إلى فساد الظاهر، فمن صلح قلبه، وزكى باطنه لا محالة يضطرّ إلى السلوك وفق سنّة النبيّ - ﷺ -، ولا يمكن ادّعاء صفاء الباطن، وصلاح القلب مع هذا الإجرام، والإصرار عليه. فأنصف من نفسك أيها الأخ المسلم، ولا تخدعها بما لا ينفعها يوم الحساب، من مثل هذه الشُّبه الباطلة، والحجج العاطلة، وهل تتوهّم أن تنجو يوم لقاء ربّك بمثل هذه الحيل؟ كلّا ثم كلّا. (ومنها): أن بعضهم يقول: إن الإسلام ليس بمنحصر في اللحية، ولا يكفَّر الرجل بحلق لحيته، فلماذا هذا التشدّد؟. قلنا: حلق اللحية والإصرار عليه عنادًا من الذنوب التي لا يختلف فيها أهل العلم، فهو كسائر المعاصي التي لا يخرج الإنسان بها من الإيمان إلا إذا استحلّها، كما هو شأن سائر المعاصي، إلا أننا نسألكم لو كان الإيمان وحده كافيًا لكون الرجل مقبولًا عند الله تعالى لَمَا كانت الحاجة ماسّةً إلى بيان الأوامر والنواهي، ولَمَا كان الكتاب والسنّة مملوءين من الترغيب في الخير، والترهيب من الشرّ، ولَمَا أوعد الله تعالى أهل المعاصي بعذاب القبر، وعذاب جهنّم. ثم إن العلماء لا يهتمّون بإبلاغ أمره - ﷺ - بإعفاء اللحى فقط، بل إنهم يبلّغون جميع الأحكام الشرعيّة، أوامرها ونواهيها ليلًا ونهارًا، غير أن حالقي اللحى لمّا لم يخضعوا لأمره - ﷺ -، بل يتّبعون أهواءهم، ويطيعون شياطينهم، ويقلّدون أعداءهم، ويستهزئون بما أمر به النبيّ - ﷺ -، كان الاهتمام بإرشادهم أشدّ من هذه الناحية، لا من حيث كونه أشدّ المعاصي، فتنبّه. وقال الشيخ التهانويّ - ﵀ -: من أصرّ على حلق اللحية، واستحسنه، وظنّ أن إعفاء اللحية عارٌ ومذلّةٌ، وسَخِرَ بأصحاب اللحى، أو استهزأ بهم - أي مع أنه يعلم أن النبيّ - ﷺ - أمر بإعفائها، وأنه كانت له لحية كثّة - فلا يمكن أن يكون إيمانه سالِمًا، بل يجب عليه قطعًا أن يتوب إلى الله تعالى، ويُجدّد الإيمان، وعليه أن يُحبّ صورة نبيّه - ﷺ -، ويختارها لنفسه ولجميع المسلمين. انتهى. وقال أيضًا: لو كان إعفاء اللحية سببًا للعار عند بعض الحمقى، فإنه لا يجوز للمسلم أن يترك ما وجب عليه لأجل أهل الحماقة والسفاهة، ولو ذهبنا نتأثّر بما يقول الناس لا نكاد نستقيم على إيماننا، فإن الكفّار والمشركين يعُدّون الإسلام والإيمان عارًا، أفنترك الإيمان والإسلام - والعياذ بالله - لإجل إرضاء الكفرة؟ كلّا. فلما آمنا واعتصمنا بدين الإسلام، ورضيناه دينًا في كلّ حال، ولو كره الكافرون، كذلك يجب علينا أن نرضى بهيئة الإسلام، ونتأسّى بنبيّنا نبيّ الرحمة - ﷺ -، رغم أنوف الفاسقين الذين يختارون لأنفسهم صور الكافرين والمشركين، فإن الاهتمام بإرضاء الأعداء تلبيس من الشيطان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]. وقال أيضًا: ويشتدّ الأسف عندما نرى طلبة العلوم الدينيّة مبتلين بهذه المعصية، فمثلهم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وجريمتهم هذه أشدّ من جريمة غيرهم؛ لأنهم يعلمون ما في الكتاب والسنّة، ثم يختارون العمل السيّئ المعارض لكتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه - ﷺ - لأنفسهم، فيستحقّون بذلك الوعيد الذي ورد في علماء السوء الذي لا يعملون بعلومهم، وجريمتهم تتعدّى إلى غيرهم؛ لأن الجهّال يقتدون بهم، فهم يتسبّبون في إشاعة هذا المنكر. قال: ويجب على القائمين بأمور المدارس الإسلاميّة أن يُخرجوا من المدرسة من ارتكب هذه المعصية، واختار لنفسه هيئة غير إسلاميّة، إلا أن يتوب إلى الله - ﷿ -، وذلك لأنه إذا تخرّج يقتدي به الناس، فيكون مهلكة للأمة. انتهى بتصرّف . (ومنها): أن بعضهم يقول: إن النظافة مما أمر به الإسلام، وأنا أحلق لحيتي للنظافة. قلنا: هذه أيضًا كلمة صدرت من سفاهة وحماقة؛ إذ فيها استهزاء بأمر النبيّ - ﷺ -، وسخريّةٌ بفعله، فإنه كان كثّ اللحية، وكان أنظف الناس، فهذا القائل اتّبع أعداء الإسلام، فحلق لحيته، ثم جاء بحجة باطلة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم. وخلاصة القول أن الواجب على المسلم أن يكون همّه كلّه الآخرةَ، ولا يغترّ بأهل الدنيا، وزُخرُفها، بل يكون ديدنه دائمًا طلب رضا الله - ﷿ -، لا طلب رضا أحد سواه، فقد أخرج الترمذيّ عن عائشة رمنها أنها قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مُؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وَكَلَهُ الله إلى الناس». ورضا الله تعالى محصور في اتّباع حبيبه محمد - ﷺ -، كما قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]. وليحذر كلّ الحذر من أن يصيبه الوعيد الشديد الذي بيّنه الله تعالى في قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وبالجملة فمسألة اللحية مما ينبغي الاهتمام به؛ لأنه مما انتشر مخالفته بين كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، بل بين كثير ممن يدّعي العلم هداهم الله تعالى، وقد ألّف الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي رسالة بعنوان «وجوب إعفاء اللحية»، قد أجاد فيها وأفاد، وقد قدّم لها العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ -، وأثنى عليها، فعليك بالاستفادة منها ، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: ومما أفاده في تلك الرسالة قوله: ومما لا بدّ من التنبيه عليه أنه كما لا يحلّ للرجل أن يحلق لحيته كذلك يحرم على الحلاق أن يحلق لحية أحد، أو يقصّرها خلاف حكم الشريعة، وكذلك يحرم على الحلاق قصّ شعر رؤوس المسلمين على طريق الإفرنج؛ لأن ذلك كلّه تعاون على الإثم والعدوان، وهو محرّم. انتهى، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِب، وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبل حديث. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة الفقيه الحافظ الحجة المتقن [٧] (١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) الْعَدويّ المدنيّ، مولى ابن عمر، صدوقٌ، يقال: اسمه عمر، من كبار [٧]. رَوَى عن أبيه، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وصفية بنت أبي عبيد، يقال: مرسل. وروى عنه يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر، وجرير بن حازم، ومالك، والدّراوَرْديّ، وعباد بن صُهيب، وسُليم بن مسلم المكيّ. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: هو أوثق ولد نافع، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرّةً: ليس بشيء، وقال الآجريّ، عن أبي داود: من ثقات الناس، وقال ابن عديّ: لولا أنه لا بأس به ما رَوَى عنه مالك، وقد روى غير مالك عنه أشياء غير محفوظة، وأرجو أنه صدوق، لا بأس به، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وأخرج حديثه في «صحيحه»، وسماه عُمَر، وقال الحاكم، أبو أحمد: لم أقف على اسمه، ويقال: هو ثقة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ في «مسند مالك»، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٠٨] (…) - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريع، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُو الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا للِّحَى»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنديّ، أبو مسعود الْعَسْكَريّ، نزيل الريّ، أحد الحفّاظ، صدوفما، له غرائب [١٠] (ت ٢٣٥) من أفراد المصنّف تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٦] (ت قبل ١٥٠) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٣١/ ٢٣٣. والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به.
مصادر المؤلف (٢٤)

١. راجع «ميزان الاعتدال» ١/ ٣٣.

٢. راجع «طرح التثريب» ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨.

٣. راجع «شرح النوويّ» ٣/ ١٥١، و«الفتح» ١٠/ ٣٦٢.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٣٠٨.

٥. «السَّبَلَة» محرّكةً: الدائرة في وسط الشفة العليا، أو ما على الشارب من الشعر، أو طرفه، أو مُجتَمَع الشاربين، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية كلّها، أو مقدّمها خاصّةً، جمعه: سِبَالٌ؛ قاله في «القاموس» ص ٩١١.

٦. ١٠/ ٣٦٢.

٧. «النهاية» ٣/ ١١٨.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٩.

٩. راجع «طرح التثريب» ١/ ٢٤٨.

١٠. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥١.

١١. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥١، و«الفتح» ١٠/ ٣٦٢.

١٢. «الذروة» بالكسر والضمّ: أعلى الشيء.

١٣. «لسان العرب» ١٥/ ٢٤٣، و«القاموس المحيط» ص ١١٩٧.

١٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥١.

١٥. «الفتح» ١٠/ ٣٦٣ - ٣٦٤.

١٦. راجع «شرح مسلم» ٣/ ١٤٩.

١٧. ١٠/ ٣٦٤.

١٨. أي تقصير بعضها، قال في «المصباح»: حذَفَ من شعره: إذا قصّر منه، وحذّف بالتثقيل مبالغة، وكلُّ شيء أخذت من نواحيه حتى سوّيته، فقد حذّفته تحذيفًا. انتهى.

١٩. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥١.

٢٠. قوله: «فما فَضَلَ» بفتح الفاء والضاد المعجمة، ويجوز كسر الضاد، كعِلم، والأشهر الفتح، ذكره في «الفتح» ١٠/ ٣٦٢.

٢١. راجع «الفتح» ١٠/ ٣٦٣.

٢٢. حديث صحيح. أخرجه أحمد (١٦٥٤٧)، وأبو داود برقم (٣٦)، والنسائيّ (٥٠٦٧)، بإسناد صحيح.

٢٣. «رسالة وجوب إعفاء اللحية» (ص ٧٦ - ٧٨).

٢٤. الرسالة مطبوعة بتحقيق أحمد يوسف الدقاق.