HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٠

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ دَخَلَ حَائِطًا. وَتَبِعَهُ غُلَامٌ مَعَهُ مِيضَأَةٌ. هُوَ أَصْغَرُنَا. فَوَضَعَهَا عِنْدَ سِدْرَةٍ. فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ. فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدِ اسْتَنْجَى بِالْمَاء.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص156
ج ١ ص ٢٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٢٤
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْ … رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْ … نِ فَلَمْ تُخْطِئْ فُؤَادَهْ ولا يبول في مُسْتَحَمِّه - أي محلّ اغتساله - لأن عبد الله بن المغفل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبولنّ أحدكم في مُسْتَحَمِّه، فإن عامة الوسواس منه»، حديث صحيحٌ، رواه أبو داود، وابن ماجه ، وقال ابن ماجه: سمعت علي بن محمد الطنافسي يقول: إنما هذا في الْحَفِيرة، فأما اليوم فمُغْتسلاتهم الْجَصّ والصاروج ، والْقِير، فإذا بال، وأرسل عليه الماء فلا بأس به. قال: وقد قيل: إن البصاق على البول يورث الوسواس، وإن البول على النار يورث السّقَم، وتوقي ذلك كله أولى، ويكره أن يتوضأ على موضع بوله، أو يستنجي عليه؛ لئلا يتنجس به. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ، إلا أن قوله: «إن البصاق» إلى قوله: «يورث السقم» يحتاج إلى دليل صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢١) - (بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٢٥] (٢٧٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ حَائِطًا، وَتَبِعَهُ غُلَامٌ مَعَهُ مِيضَأَةٌ ، هُوَ أَصْغَرُنَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ سِدْرَةٍ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَاجَتَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، وَقَدِ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الحافظ المذكور قبل باب. ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطّحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٠٧. ٣ - (خَالِد) بن مِهْرَان، أبو الْمُنَازل - بفتح الميم، وضمّها - الْحَذّاء البصريّ، ثقةٌ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) اسم أبيه منيع، أبو معاذ البصريّ، مولى أنس، ويقال: مولى عمران بن حصين، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٤]. رَوَى عن أنس، وعمران، وجابر بن سَمُرة، وأبي بُردة بن أبي موسى، والحسن، ووهب بن عمير، وأبي رافع الصائغ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. ورَوَى عنه ابناه: إبراهيم، ورَوْح، وخالد الحذاء، وشعبة، وعبد الله بن بكر بن عبد الله المزنيّ، ورَوْح بن القاسم، وحماد بن سلمة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، لا يُحتَجّ بحديثه، وكان قدريًّا، وقال ابن عديّ: يُكنى أبا معاذ، وفي أحاديثه بعض ما يُنكَر عليه. قال البخاريّ: قال يحيى القطان: مات بعد الطاعون بالبصرة، سنة إحدى وثلاثين ومائة، وهو قول ابن سعد، وابن حبان في «الثقات» في ترجمته، ووثقه يعقوب بن سفيان، وقال البزار: بصريّ مشهور، وقال حماد بن زيد، والبخاريّ، وابن سعد، والْجُوزَجانيّ: كان يرى القدر، وأنكر الذهبي قول الْجُوزَجانيّ: إنه كان رأسًا في القدر، فقال: بل هو قدريّ صغير. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٧٠) و(٢٧١) وأعاده بعده، و(٥٧٨) و(٢١٤١). ٥ - (أنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الصحابيّ الشهير - ﵁ -، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وغير عطاء، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من خالد الحذاء. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: خالد، عن عطاء. ٥ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ حَائِطًا) أي بستانًا، قال الفيّوميّ ﵀: حاطه يحوطه حَوْطًا: إذا رعاه، وحوّط عليه تحويطًا: إذا أدار عليه نحو التراب حتى جعله محيطًا به، وأحاط القوم بالبلد إحاطةً: استداروا بجوانبه، وحاطوا به، من باب قال، لغةٌ في الرباعيّ، ومنه قيل للبناء: حائطٌ، اسم فاعل من الثلاثيّ، والجمع حِيطان، والحائط البستان، وجمعه حوائط، انتهى . (وَتَبِعَهُ) بكسر الموحّدة، من باب تَعِبَ (غُلَامٌ) هو المترعرع، قاله أبو عُبيد، وقال في «المحكم»: من لدن الفطام إلى سبع سنين، وحكى الزمخشريّ في «أساس البلاغة» أن الغلام هو الصغير إلى حدّ الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء: غلامٌ، فهو مجاز، ذكره في «الفتح» . وقال في «العمدة»: الغلام: هو الذي طرّ شاربه، وقيل: من حين يولد إلى أن يشيب ، وزعم الزمخشريّ أن الغلام هو الصغير إلى حدّ الالتحاء، فإن أُجري بعدما صار ملتحيًا اسم الغلام فهو مجازٌ، ويُروى عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - في بعض أراجيزه: أَنَا الْغُلَامُ الْهَاشِمِيُّ الْمَكِّي وقالت ليلى الأخيليّة في الحجّاج [من الطويل]: غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ تَبَاهِيَا قال: وقال بعضهم: يستحقّ هذا الاسم إذا ترعرع، وبلغ حدّ الاحتلام بشهوة النكاح، كأنه يشتهي النكاح ذلك الوقت، ويُسمّى قبل ذلك تفاؤلًا، وبعد ذلك مجازًا، وفي «المخصّص»: هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين، وعن أبي عبيدة: هو المترعرع المتحرّك، والجمع أغلمة، وغِلْمة، وغلمان، والأنثى غلامة، انتهى . [تنبيه]: قيل: الغلام المذكور يحتمل أن يكون ابن مسعود - ﵁ -، وقوّاه الحافظ في «الفتح»، لكن يُبعده قول أنس - ﵁ - عند البخاريّ: «منّا»، وعند الإسماعيليّ: «من الأنصار»، وما أجاب به الحافظ تكلّف ظاهر. ويحتمل أن يكون أبا هريرة - ﵁ -؛ لما في رواية أبي داود، من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان النبيّ - ﷺ - إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة، فاستنجى»، ونحوه للبخاريّ في «ذكر الجنّ»، وفيه ما في الذي قبله. ويحتمل أن يكون جابرًا - ﵁ -؛ لما في حديث جابر - ﵁ - الطويل عند مسلم أن النبيّ - ﷺ - انطلق لحاجته، فاتّبعه جابر بإداوة، ولا سيّما، وهو أنصاري، وفيه ما سبق. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر هذه الاحتمالات في «الفتح»، وعندي أنه لا داعي إلى هذه التكلّفات التي لا يقبلها الذوق السليم، وأيُّ مانع من أن نقول: إنه غلام أنصاريّ من أقران أنس - ﵁ -، من المراهقين، وما الذي اضطرّنا إلى معرفة عينه، حتى نتكلّف هذه التكلّفات الباردة؟. ومما يوهن هذه الاحتمالات قول أنس - ﵁ - هنا: «هو أصغرنا»، فهل ابن مسعود، أو أبو هريرة، أو جابر أصغر من أنس؟ سبحان الله!!، إن هذا لشيء عجيب!!!، والله تعالى المستعان. وقوله: (مَعَهُ) بفتح العين المهملة، وتُسكّن، قال في «المحكم»: «مع» اسم معناه الصحبة، متحرّكة، وساكنة، غير أن المتحرّكة العين تكون اسمًا وحرفًا، والساكنة العين تكون حرفًا لا غير، ويجوز هنا تسكين العين، وعند اجتماعها بالألف واللام تُفتح العين، وتكسر، فيقال: معَ القوم، فتحًا وكسرًا، وقال الجوهريّ: «مع» للمصاحبة، وقد تسكّن، وتنوّن، فيقال: جاؤوا معًا. انتهى . وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» حيث قال: وَ«مَعَ» «مَعْ» فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ … فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ (مِيضَأَةٌ) وفي نسخة: «ومعه ميضأة»، والجملة في محلّ رفع صفة لـ«غلام». و«الْمِيضأة»: - بكسر الميم، وبهمزة، بعد الضاد المعجمة، ويمدّ، ويُقصَر -: هي الإناء الذي يُتوضّأ به كالركوة، والإبريق، وشبههما . وأصله: مِوْضأة - بكسر الميم، وسكون الواو -؛ لأنه من وَضُؤَ، فقُلبت الواو ياء؛ لوقوعها ساكنة بعد كسرة. (هُوَ أَصْغَرُنَا) هذا يردّ قول مَن قال: إن الغلام هو ابن مسعود، أو أبو هريرة، أو جابر، كما مرّ آنفًا (فَوَضَعَهَا) أي الميضأة (عِنْدَ سِدْرَةٍ) بكسر، فسكون: شجرة النَّبِق، والجمع سِدَرٌ، ثم يُجمع على سِدَرَات، فهو جمع الجمع، وتُجمع السِّدْرة أيضًا على سِدْرَان بالسكون؛ حملًا على لفظ الواحد، قال ابن السّرّاج: وقد يقولون: سِدْرٌ، ويريدون الأقلّ؛ لقلّة استعمالهم التاء في هذا الباب، وإذا أُطلق السِّدْر في الغسل، فالمراد الْوَرَقُ المطحون، والسِّدْر نوعان: أحدهما: ينبُتُ في الأَرْيَاف، فيُنتفَعُ بوَرَقه في الغسل، وثمرته طيِّبةٌ، والآخر ينبُتُ في البرّ، ولا يُنتفع بوَرَقه في الغسل، وثمرته عَفِصَةٌ ، أفاده الفيّوميّ ﵀ . (فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَاجَتَهُ) أراد بها هنا الغائط، أو البول (فَخَرَجَ عَلَيْنَا) أي على أنس، وعلى الصحابة الذين معه، وقوله: (وَقَدِ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وهو من قول أنس، وليس مدرجًا كما زعمه بعضهم. قاله في «الفتح» بعد ذكر اختلاف الروايات ما نصّه: وقد بان بهذه الروايات أن حكاية الاستنجاء من قول أنس، راوي الحديث، ففيه الردّ على الأصيليّ حيث تعقب على البخاريّ استدلاله بهذا الحديث على الاستنجاء بالماء، قال: لأن قوله: «يستنجي به» ليس هو من قول أنس، إنما هو من قول أبي الوليد، أي أحد الرواة عن شعبة، قال: وقد رواه سليمان بن حرب، عن شعبة، فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه. انتهى. وقد انتفى هذا الاحتمال بالروايات التي ذكرناها، وكذا فيه الردّ على من زعم أن قوله: «يستنجي بالماء» مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس، فيكون مرسلًا، فلا حجة فيه، كما حكاه ابن التين، عن أبي عبد الملك البونيّ، فإن رواية خالد التي ذكرناها - يعني رواية مسلم هذه - تدل على أنه قول أنس، حيث قال: «فخرَجَ علينا». ووقع هنا في «نُكَت البدر الزركشيّ» تصحيف، فإنه نسب التعقب المذكور إلى الإسماعيليّ، وإنما هو للأصيليّ، وأقرّه، فكأنه ارتضاه، وليس بمرضيّ كما أوضحناه، وكذا نسبه الكرمانيّ إلى ابن بطال، وأقرّه عليه، وابن بطال إنما أخذه عن الأصيليّ. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.: (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [٢١/ ٦٢٥] (٢٧٠) و[٢١/ ٦٢٦ و٦٢٧] (٢٧١)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٥٠ و١٥١ و١٥٢ و٢١٧ و٥٠٠)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٤٣)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (٤٥) و«الكبرى» (٣٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٤٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٥٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٠٣ و٢٥٩ و٢٨٤ و١١٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٨٤ و٨٥ و٨٦ و٨٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤٤٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥٩٥ و٥٩٦ و٥٩٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٢١ و٦٢٢ و٦٢٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٠٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الاستنجاء بالماء، بل هو المستحبّ، والمرجّح على الاقتصار على الحجر، وقد ترجم عليه الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: «باب الاستنجاء بالماء»، وفيه ردّ على من منع ذلك، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): خدمة الصالحين، وأهل الفضل، والتبرّك بذلك، وتفقّد حاجاتهم، خصوصًا المتعلّقة بالطهارة. ٣ - (ومنها): جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار؛ ليتمرّنوا على التواضع، وحسن الخلق، خصوصًا إذا أُرصدوا لذلك، مثل أنسٍ - ﵁ -، فقد أخرج الشيخان عن أنس - ﵁ - قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينةَ، ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله إنّ أنسًا غلام كَيِّس، فليخدُمك، قال: فخدمته في السفر والحضر، ما قال لي لشيء صنعته: لم صنعت هذا هكذا؟، ولا لشيء لم أصنعه: لمَ لم تصنع هذا هكذا؟ «. ٤ - (ومنها): مشروعيّة التباعد لقضاء الحاجة عن الناس، والاستتار عن أعين الناظرين، وقد اشتهر هذا من فعله - ﷺ -. ٥ - (ومنها): جواز الاستعانة في أسباب الوضوء. ٦ - (ومنها): استحباب اتّخاذ آنية الوضوء، كالإداوة، ونحوها. ٧ - (ومنها): استحباب حمل الماء معه إلى الكنيف. ٨ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ ﵀ استدل بهذا الحديث على غسل البول. ٩ - (ومنها): أن فيه حجةً على ابن حبيب من المالكيّة حيث منع الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم، لأن ماء المدينة كان عذبًا. ١٠ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على استحباب التوضؤ من الأواني دون الأنهار والْبِرَك، وتعقّبه في «الفتح» بأنه لا يستقيم إلا لو كان النبيّ - ﷺ - وجد الأنهار والبِرَك، فَعَدَلَ عنها إلى الأواني. انتهى . قال النوويّ ﵀ في «شرحه»: وقد استدل بعض العلماء بهذه الأحاديث على أن المستحب أن يتوضأ من الأواني، دون المشارع، والْبِرَك، ونحوها؛ إذ لم يُنْقَل ذلك عن النبيّ - ﷺ -، وهذا الذي قاله غير مقبول، ولم يوافقه عليه أحدٌ فيما نعلم، قال القاضي عياض ﵀: هذا الذي قاله هذا القائل لا أصل له، ولم يُنْقَل أن النبيّ - ﷺ - وجدها، فَعَدَل عنها إلى الأواني. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الاستنجاء بالماء: قال النوويّ ﵀: قد اختَلَف الناس في هذه المسألة، فالذي عليه الجماهير، من السلف والخلف، وأجمع عليه أهل الفتوى، من أئمة الأمصار، أن الأفضل أن يَجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أوّلًا؛ لِتَخِفّ النجاسة، وتَقِلّ مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز الاقتصار على أيهما شاء، سواء وَجَد الآخر، أو لم يجده، فيجوز الاقتصار على الحجر مع وجود الماء، ويجوز عكسه، فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الحجر؛ لأن الماء يُطَهِّر المحل طهارة حقيقيةً، وأما الحجر فلا يطهره، وإنما يُخَفِّف النجاسة، ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفوّ عنها. وبعض السلف ذهبوا إلى أن الأفضل هو الحجر، وربما أوهم كلام بعضهم أن الماء لا يُجزي. وقال ابن حبيب المالكيّ: لا يجزئ الحجر إلا لمن عَدِمَ الماء، وهذا خلاف ما عليه العلماء، من السلف والخلف، وخلاف ظواهر السنن المتظاهرة. انتهى كلام النوويّ . وقال في «الفتح» عند البخاريّ ﵀: «باب الاستنجاء بالماء»: أراد بهذه الترجمة الردّ على مَن كرهه، وعلى مَن نَفَى وقوعه من النبيّ - ﷺ -، وقد رَوَى ابنُ أبي شيبة بأسانيد صحيحة، عن حذيفة بن اليمان - ﵄ - أنه سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: إذًا لا يزال في يدي نَتْنٌ، وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء، وعن ابن الزبير قال: ما كنا نفعله، ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبيّ - ﷺ - استَنْجَى بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه مَنَع الاستنجاء بالماء؛ لأنه مطعوم. انتهى . وقد تقدّم أن ابن المنذر حَكَى عن سعد بن أبي وقّاص، وحُذيفة، وابن الزبير - ﵃ - أنهم كانوا لا يرون الاستنجاء بالماء، وعن سعيد بن المسيّب، قال: ما يفعل ذلك إلا النساء، وقال عطاء: غسل الدبر مُحدَث. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كلّ هذه الأقوال يردّها ما ثبت عن النبيّ - ﷺ - من الأحاديث الكثيرة الصحيحة، فالاستنجاء بالماء سنّة ثابتةٌ، قد وردت به أحاديث كثيرة: (فمنها): حديث أنسٍ - ﵁ - المذكور في الباب. (ومنها): حديث عائشة - ﵂ - أنها قالت لنسوة: «مُرْنَ أزواجكنّ أن يستنجوا بالماء، فإني أستحييهم منه، إن رسول الله - ﷺ - كان يفعله»، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ. (ومنها): حديث أبي هريرة - ﵁ -: «كان النبيّ - ﷺ - إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة، فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر، فتوضّأ»، وهو حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وغير ذلك.
مصادر المؤلف (١٨)

١. كذا ذكره الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ في «الاستيعاب» في ترجمة سعد بن عبادة - ﵁ -، وقال: ولم يختلفوا أنه وُجد ميتًا في مغتَسَله، وقد اخضرّ جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلًا يقول، ولا يرون أحدًا، ثم ذكر البيتين المذكورين، وقال الشيخ الألبانيّ ﵀ بعد ذكر كلام ابن عبد البرّ ﵀ المذكور: ولكن لم أجد له إسنادًا صحيحًا على طريقة المحدّثين. انتهى «إرواء الغليل» ١/ ٩٤.

٢. حديث صحيح، رواه أبو داود برقم (٢٧)، وابن ماجه برقم (٣٠٠).

٣. الصاروج: النورة، وأخلاطها التي تصرج بها الحياض والحمامات.

٤. «المغني» ١/ ١٥٦ - ١٥٧.

٥. وفي نسخة: «ومعه ميضأة» بالواو.

٦. «المصباح المنير» ١/ ١٥٦ - ١٥٧.

٧. «الفتح» ١/ ٣٠٢.

٨. قد نظمت أبياتًا، بيّنت فيها أطوار المولود من حين كونه جنينًا في بطن أمه، إلى آخر شيخوخته، تقدّمت في «شرح المقدّمة»، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

٩. «عمدة القاري» ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠.

١٠. راجع «عمدة القاري» ٣/ ٤٤٠.

١١. «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٣، و«المصباح المنير» ٢/ ٦٦٣.

١٢. في «ق»: العُفُوصة: المرارة، والقبض. اهـ.

١٣. راجع «المصباح المنير» ١/ ٢٧١.

١٤. «الفتح» ١/ ٣٠٢.

١٥. «الفتح» ١/ ٣٠٤.

١٦. راجع «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٣.

١٧. «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٣.

١٨. «الفتح» ١/ ٣٠٢.