HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٣

حدثنا يحيي بن يحيي التميمي. أخبرنا أبو خَيْثَمَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ. فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ. فَبَالَ قَائِمًا. فَتَنَحَّيْتُ. فَقَالَ «ادْنُهْ» فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عقبيه. فتوضأ، فمسح على خفيه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص157
ج ١ ص ٢٢٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٦١
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٣٠] (٢٧٣) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَوْتُ، حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْه، فَتَوَضَّأَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) هو: زهير بن معاوية بن حُدَيج الْجُعْفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٦٢. ٢ - (شَقِيق) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢١] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٣ - (حُذَيْفَة) بن اليمان، واسم اليمان: حِسْل، أو حُسيل، حليف الأنصار، الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٥٧. والباقيان تقدّما قبل حديث، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: الأعمش، عن شقيق. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، ذو مناقب جمّة، وقد أخرج مسلم عنه أن رسول الله - ﷺ - أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابيّ أيضًا استُشهِد بأحد - ﵄ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ شَقِيقٍ) ولأبي داود الطيالسيّ في «مسنده» عن شعبة، عن الأعمش أنه سمع أبا وائل، ولأحمد عن يحيى القطّان، عن الأعمش: حدّثني أبو وائل، فبهذا انتفت تهمة التدليس في سند المصنّف (عَنْ حُذَيْفَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -) وفي رواية النسائيّ: «كنت أمشي مع رسول الله - ﷺ -»، وفي رواية الطبرانيّ من حديث عصمة بن مالك، قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - في بعض سِكَك المدينة، فانتهى إلى سُباطة قوم، فقال: يا حذيفة استرني …» الحديث . (فَانْتَهَى) أي وصل، وفي نسخة: «فانتهينا»، قال في «اللسان»: انتهى الشيءُ وتَنَاهَى، ونَهَّى: بلغ نهايته، و«النهاية»: غاية كلّ شيء وآخرُهُ، والإنهاءُ: الإبلاغ، وأنهيتُ الخبر، فانتهى، وتناهى: أي بلغ، وتقول: أنهيتُ إليه السهمَ: أوصلته إليه. انتهى . (إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ) بضمّ السين المهملة، وتخفيف الموحّدة، قال في «النهاية»: هي الموضَع الذي يُرمَى فيه التراب، والأوساخ، وما يُكنَسُ من المنازل، وقيل: هي الْكُنَاسةُ نفسها، وإضافتها إلى القوم إضافة تخصيص، لا ملك؛ لأنها كانت مواتًا مباحةً. انتهى . وقال النوويّ ﵀: «السُّبَاطة»: هي مُلْقَى القمامةِ والتراب ونحوهما، تكون بفِنَاء الدور مَرْفَقًا لأهلها. وقال في «الفتح»: «السُّبَاطة»: هي المزبلة، والكُناسة، تكون بفناء الدور مَرْفَقًا لأهلها، وتكون في الغالب سَهْلَةً، لا يرتد فيها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص، لا ملك؛ لأنها لاتخلو عن النجاسة، وبهذا يندفع إيراد مَن استشكله؛ لكون البول يُوهِي الجدار، ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة، لا في أصل الجدار، وهو صريح رواية أبي عوانة في «صحيحه»، وقيل: يحتمل أن يكون عَلِمَ إذنهم في ذلك بالتصريح، أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره، لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى، لكن لم يُعْهَد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه - ﷺ -. انتهى . وقال النوويّ ﵀ في «شرحه»: وأما بوله - ﷺ - في سُباطة قوم، فيحتمل أوجهًا: [أظهرها]: أنهم كانوا يؤثرون ذلك، ولا يكرهونه، بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه، والأكل من طعامه، ونظائر هذا في السنة أكثر من أن تحصى، وقد أشرنا إلى هذه القاعدة في «كتاب الإيمان» في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «احتَفَزْتُ كما يَحْتَفِز الثعلب …» الحديث. [والوجه الثاني]: أنها لم تكن مختصّة بهم، بل كانت بفناء دُورهم للناس كلِّهم، فأضيفت إليهم؛ لقربها منهم. [والثالث]: أن يكونوا أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة، إما بصريح الإذن، وإما بما في معناه. انتهى . وقال العلامة العينيّ ﵀: هذا كلّه على تقدير أن تكون السباطة ملكًا لأحد، أو لجماعة معيّنين، وقال الكرمانيّ ﵀: وأظهر الوجوه أنهم كانوا يؤثرون ذلك، ولا يكرهونه، بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه، والأكل من طعامه، قال العينيّ: هذا أيضًا على تقدير أن تكون السباطة ملكًا لقوم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا وجه لمثل هذا الاستشكال؛ لأن العادة جارية بين الناس في أن الكُناسة لا يُمنع أحدٌ أن يقضي فيها حاجته، وهذا عرف مستمرّ على مرّ الدهور والأعصار، فلا داعي للتضايق بمثل هذه التأويلات المتكلّفة، فافهم، والله تعالى أعلم. [فإن قلت]: كان من عادته - ﷺ - التباعد في المذهب، وقد روى أصحاب السنن بسند حسن، عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -: «أن النبيّ - ﷺ - كان إذا ذهب المذهب أبعد» ، والمذهب بالفتح: الموضع الذي يُتغوّط فيه. [أجيب]: بأنه يَحْتَمل أن يكون - ﷺ - مشغولًا في ذلك الوقت بأمور المسلمين، والنظر في مصالحهم، فلعلّه طال عليه الأمر، فأتى السباطة حين لم يمكنه التباعد، ولو تكلّف ذلك لتضرّر بحبس البول؛ قاله العينيّ. وقال القاضي عياض ﵀: وأما سبب بوله - ﷺ - في السباطة التي بقرب الدُّور مع أن المعروف من عادته - ﷺ - التباعد في المذهب، أنه - ﷺ - كان من الشغل بأمور المسلمين، والنظر في مصالحهم بالمحل المعروف، فلعله طال عليه المجلس حتى حَفَزَه البول، فلم يمكنه التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السُّباطة لدَمْثِها، وأقام حُذيفة بقربه؛ ليستره عن الناس، قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي حَسَنٌ ظاهرٌ. انتهى . [فإن قلت]: روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعريّ قال: كنت مع رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دَمِثًا في أصل جدار، فبال، ثم قال - ﷺ -: «إذا أراد أحدكم أن يبول، فليرتدْ لبوله موضعًا»، فهذا يُخالف ما تقدّم. [أجيب]: بأنه يجوز أن يكون الجدار هنا عاديًّا، غير مملوك لأحد، أو يكون قعوده متراخيًا عن جِرْمه، فلا يُصيبه البول، أفاده العينيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي موسى - ﵁ - المذكور ضعيف؛ لأن في سنده مجهولًا، وهو شيخ أبي التيّاح الضُبعيّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَبَالَ) النبيّ - ﷺ - في تلك السباطة (قَائِمًا) حال من الفاعل، قال حذيفت - ﵁ - (فَتَنَحَّيْتُ) أي تباعدت عن موضعه - ﷺ - تأدّبًا معه على ظنّ أنه يَكرَه القرب منه في تلك الحالة كما هو العادة (فَقَالَ:) - ﷺ - («ادْنُهْ») أي اقرب، وهو بضمّ النون فعل أمر من دنا يدنو، كغزا يغزو، والهاء للسكت جيء بها؛ لكون الفعل معتلًّا حُذف آخره للجزم، كما قال في «الخلاصة»: وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كـ«أَعْطِ مَنْ سَأَلْ» وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كـ «ع» أَوْ … كـ«يَعِ» مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا إنما دعا النبيّ - ﷺ - حُذيفة - ﵁ - ليستره عن الناس، كما سبق من رواية الطبرانيّ: «فقال: يا حذيفة استرني …». قال الحافظ ﵀: وليس فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول؛ لأن رواية البخاريّ بلفظ: «فأشار إليّ» تدلّ على أنه دعاه بالإشارة، لا بالكلام. وتعقّبه العينيّ بأنه تردّه رواية الطبرانيّ المذكورة، حيث قال: «يا حذيفة استُرْنِي»، فإنها صريحة في التلفظ، قال: ويمكن أن يُجمع بين الروايتين بأن يكون - ﷺ - أشار أوّلًا بيده، أو برأسه، ثم قال: «استرني»، وقال أيضًا ما معناه: إنه لا يدلّ على جواز الكلام وعدمه؛ إذ إشارته - ﷺ -، أو قوله: «استرني» لم يكن إلا قبل شروعه في البول. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا التوجيه الأخير هو الأولى بالاعتماد عليه، فلا داعي للاستشكال، ولا للاعتراض، فالصواب أنه - ﷺ - إنما دعا حذيفة - ﵁ - قبل شروعه في البول، لا بعد شروعه، حتى نستشكل الكلام على البول، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَدَنَوْتُ) أي قَرُبت منه - ﷺ - (حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ) - ﷺ - (فَتَوَضَّأَ) معطوف على محذوف؛ أي فأتيته بماء، فتوضّأ، وفي رواية البخاريّ: «ثم دعا بماء، فجئته بماء، فتوضّأ»، وفي رواية النسائيّ: «وكنت عند عقبيه حتى فرغ، ثم توضّأ»، وفي رواية أحمد: «أتى سُباطة قوم، فتباعدت منه، فأدناني حتى صرتُ قريبًا من عقبه، فبال قائمًا، ودعا بماء، فتوضّا به، ومسح على خفّيه». [تنبيه]: قال في «الفتح»: قوله: «ثم دعا بماء» زاد مسلم وغيره من طُرُق عن الأعمش: «فتنحيت، فقال: ادْنُهْ، فدنوت حتى قمت عند عقبيه»، وفي رواية أحمد، عن يحيى القطان: «أَتَى سُباطة قوم، فتباعدت منه، فأدناني حتى صِرْتُ قريبًا من عقبيه، فبال قائمًا، ودعا بماء، فتوضأ، ومسح على خفيه»، وكذا زاد مسلم وغيره فيه ذكر المسح على الخفين، وهو ثابت أيضًا عند الإسماعيلي وغيره، من طُرُقْ عن شعبة، عن الأعمش، وزاد عيسى بن يونس فيه، عن الأعمش، أن ذلك كان بالمدينة، أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» بإسناد صحيح، وزعم في الاستذكار أن عيسى تفرد به، وليس كذلك، فقد رواه البيهقيّ من طريق محمد بن طلحة بن مُصَرِّف، عن الأعمش كذلك، وله شاهد أخرجه الطبرانيّ من حديث عِصْمَة بن مالك قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - في بعض سِكَك المدينة، فانتهى إلى سُباطة قوم، فقال: يا حذيفةُ استرني …» فذكر الحديث. واستدلّ به على جواز المسح في الحضر، وهو ظاهرٌ، ولعل البخاريّ اختصره؛ لتفرد الأعمش به، فقد رَوَى ابن ماجه من طريق شعبة أن عاصمًا رواه له عن أبي وائل، عن المغيرة: «أن رسول الله لمجم أتى سباطة قوم، فبال قائمًا»، قال عاصم: وهذا الأعمش يروله عن أبي وائل، عن حذيفة، وما حفظه - يعني أن روايته هي الصواب - قال شعبة: فسألت عنه منصورًا، فحدثنيه عن أبي وائل، عن حذيفة - يعني كما قال الأعمش - لكن لم يذكر فيه المسح، فقد وافق منصورٌ الأعمشَ على قوله: «عن حذيفة» دون الزيادة، ولم يَلتَفِت مسلم إلى هذه العلة، بل ذكرها في حديث الأعمش؛ لأنها زيادة من حافظ، وقال الترمذيّ: حديث أبي وائل، عن حذيفة أصح - يعني من حديثه عن المغيرة - وهو كما قال، كان جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين؛ لكون حماد بن أبي سليمان وافق عاصمًا على قوله: «عن المغيرة»، فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما، فيصح القولان معًا، لكن من حيث الترجيح روايةُ الأعمش ومنصور؛ لاتفاقهما أصحّ من رواية عاصم وحماد؛ لكونهما في حفظهما مقال. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّا، والله تعالى أعلم. (فمَسَحَ) وفي نسخة: «ومسح» بالواو (عَلَى خُفَّيْهِ) أي بعد غسل سائر أعضاء الوضوء، ومسح الرأس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حذيفة - ﵁ - هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [٢٢/ ٦٣٠ و٦٣١] (٢٧٣)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (٢٢٤ و٢٢٥ و٢٢٦) وفي «المظالم» (٢٤٧١)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٣)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (١٣)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١٨ و٢٦ و٢٧ و٢٨)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٣٠٥)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٧٥١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٤٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٢٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٩٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ١٧١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٦١)، و(ابن حبان) في «صحيحه» (١٤٢٤ و١٤٢٥ و١٤٢٧ و١٤٢٨ و١٤٢٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٠٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٩٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٩٨ و٤٩٩ و٥٠٠ و٥٠١ و٥٠٢ و٥٥٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٢٥ و٦٢٦)، وفي «الحلية» (٤/ ١١١)، و(الخطيب البغداديّ) في «تاريخه» (٥/ ١١ - ١٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة المسح على الخفّين. ٢ - (ومنها): جواز المسح في الحضر؛ لأن ذلك كان منه - ﷺ - وفي المدينة، كما سبق في رواية عصمة بن مالك عند الطبرانيّ، وخالف في ذلك قوم، فخصّوه بالسفر، وهو قول باطلٌ تردّه الأحاديث الصحيحة. ٣ - (ومنها): جواز البول قائمًا، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): جواز البول بالقرب من الدار. ٥ - (ومنها): جواز البول في سُباطة الناس بغير إذنهم؛ لجريان العادة بذلك. ٦ - (ومنها): جواز قرب الإنسان من البائل إذا كان يبول قائمًا، وأما إذا كان قاعدًا فالأولى البعد عنه. ٧ - (ومنها): أدب الصحابيّ الجليل حذيفة ﵀، حيث تنحّى عن النبيّ - ﷺ - مع كونه تابعًا له، وخادمه؛ حتى لا يتأذّى باستحيائه من قضاء حاجته؛ لقربه منه. ٨ - (ومنها): ما قيل: إنما استدنى النبيّ - ﷺ - حُذيفة - ﵁ -؛ ليستتر به عن أعين الناس وغيرهم من الناظرين؛ لكونها حالةً يُستَخفَى بها، ويُستَحىَ منها في العادة، وكانت الحاجة التي يقضيها بولًا من قيام، ويؤمن معها خروج الحدث الآخر، والرائحة، فلهذا استدناه، وجاء في الحديث الآخر لَمّا أراد قضاء الحاجة قال -: «تَنَحّ»؛ لكونه كان يقضيها قاعدًا، فتحصل الرائحة، وما يتبعها، ولهذا قال بعض العلماء: في هذا الحديث من السنّة القرب من البائل إذا كان قائمًا، فإذا كان قاعدًا فالسنة الإبعاد عنه. انتهى . ٩ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن مدافعة البول، ومصابرته مكروهة؛ لما فيه من الضرر. ١٠ - (ومنها): مشروعيّة طلب البائل من صاحبه الذي يُدلي عليه القرب منه؛ ليستره. ١١ - (ومنها): جواز استخدام الحُرّ دون إكراه. ١٢ - (ومنها): استحباب خدمة المفضول للفاضل. ١٣ - (ومنها): استحباب التستّر عند البول. ١٤ - (ومنها): بيان جواز كون الساتر حالة البول إنسانًا. ١٥ - (ومنها): بيان أن البول ينقض الوضوء. ١٦ - (ومنها): دفع أشدّ المفسدتين بأخفّهما، والإتيان بأعظم المصلحتين إذا لم يمكنا معًا، وبيان أنه - ﷺ - كان يُطيل الجلوس لمصالح الأمة، ويُكثر من زيارة أصحابه وعيادتهم، فلما حضره البول، وهو في بعض تلك الحالات لم يؤخّره حتى يبعد كعادته؛ لما يترتّب على تأخيره من الضرر، فراعَى أهمّ الأمرين، وقدّم المصلحة في تقريب حذيفة منه؛ ليستره من المارّة على مصلحة تأخيره عنه؛ إذ لم يمكن جمعهما؛ قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في سبب بول النبيّ - ﷺ - قائمًا: قد ذَكَر العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك أوجهًا، حكاها الخطابيّ، والبيهقيّ، وغيرهما من الأئمة: [أحدهما]: وهو مرويّ عن الشافعيّ ﵀ أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، قال: فنَرَى أنه كان به - ﷺ - وجع الصلب إذ ذاك. قال الجامع عفا الله عنه: ما أبعد هذا الوجه، فأين الدليل عليه؟. [والثاني]: أن سببه ما رُوي في رواية ضعيفة، رواها البيهقيّ، وغيره: أنه - ﷺ - بال قائمًا؛ لعلّة بِمَأْبَضه - والْمَأْبَض بهمزة ساكنة بعد الميم، ثم باء موحدة - وهو باطن الرُّكْبة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا أيضًا من جنس ما قبله؛ لضعف مستنده. [والثالث]: أنه لم يَجِد مكانًا للقعود، فاضطر إلى القيام؛ لكون الطرف الذي من السُّباطة كان عاليًا مرتفعًا. [والرابع]: أنه إنما بال قائمًا؛ لكونها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب، بخلاف حالة القعود، ولذلك قال عمر - ﵁ -: البول قائمًا أحصن للدبر. [والخامس]: أنه - ﷺ - فعل ذلك؛ لبيان الجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة يبول قاعدًا، ويدلّ عليه حديث عائشة - ﵄ - قالت: «مَن حدّثكم أن النبيّ - ﷺ - كان يبول قائمًا فلا تصدِّقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا»، رواه الترمذيّ، والنسائيّ بإسناد جيّد . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ضعف هذه الأوجه، إلا الخامس، فالذي يترجّح عندي أنه - ﷺ - إنما فَعَل ذلك لبيان الجواز، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم البول قائمًا: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اخَتَلف أهل العلم في البول قائمًا، فثبت عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنهم بالوا قيامًا، وممن ثبتٌ ذلك عنه: عمر بن الخطاب، وروي ذلك عن عليّ، وثبت ذلك عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وسهل بن سعد، ورُوي ذلك عن أنس، وأبي هريرة، وفعل ذلك محمد بن سيرين، وعروة بن الزبير. وقد رَوَينا عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم، ورُوي ذلك عن الشعبيّ، وقال ابن عيينة: كان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائمًا، ورُوي عن أبي موسى الأشعريّ أنه رأى رجلًا يبول قائمًا، فقال: ويحك، أفلا قاعدًا، بنو إسرائيل كانوا في شأن البول أشدّ منكم، إنما كان مع أحدهم شَفْرته، أو مِقراضه لا يصيب منه شيئًا إلا قطعه. وفيه قول ثالث: وهو أن البول إن كان في موضع رَمْل، وما أشبه ذلك لا يتطاير منه شيء، فلا بأس بذلك، وإن كان في موضع صلب، يتطاير عليه منه، فأكره ذلك، ولْيَبُلْ جالسًا، هكذا قال مالك بن أنس. قال ابن المنذر ﵀: في هذا الباب ثلاثة أخبار، عن رسول الله - ﷺ -، خبران ثابتان، وخبر معلولٌ، فأما الخبران الثابتان، ففي أحدهما أن النبيّ - ﷺ - بال قائمًا، ثم أخرج بسنده حديث حذيفة المذكور هنا. وأما الخبر الثاني، ففي البول في حال الجلوس، ثم أخرج بسنده عن عبد الرحمن بن حَسَنَةَ - ﵁ - قال: كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين، فخرج علينا رسول الله - ﷺ -، وفي يده دَرَقَةٌ، فبال وهو جالسٌ . قال: وأما الخبر المعلول، فحدّثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر: رآني رسول الله - ﷺ - أبول قائمًا، فقال: «يا عمر لا تَبُلْ قائمًا»، قال: فما بُلْتُ قائمًا بعدُ. وهذا الخبر لا يثبت؛ لأن فيه عبد الكريم أبا أمية، متّفقٌ على ضعفه. قال ابن المنذر ﵀: البول جالسًا أحبّ إليّ؛ للثابت عن نبيّ الله - ﷺ - أنه بال جالسًا، ولأن أهل العلم لا يختلفون فيه، ولا أنهى عن البول قائمًا؛ لثبوت حديث حذيفة، وقد ثبت عن عمر أنه قال: ما بلت قائمًا منذ أسلمت، فقد يجوز أن يكون عمر إلى الوقت الذي قال هذا القول لم يكن بال قائمًا، ثم بال بعد ذلك قائمًا، فرآه زيد بن وهب، فلا يكون حديثاه متضادين. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ هو الصواب؛ لوضوح حجّته. والحاصل أن البول قائمًا جائز بلا كراهة؛ لحديث حُذيفة - ﵁ - المتّفق عليه، ولكن الأولى أن يبول قاعدًا؛ لأنه أكثر أحوال النبيّ - ﷺ -، كما يدلّ عليه حديث عائشة - ﵄ - المتقدّم. [فإن قلت]: إنها قالت: «ما كان يبول إلا قاعدًا»، ففيه نفي بوله - ﷺ - قائمًا، فكيف الجمع بينه، وبين حديث حذيفة - ﵁ - هذا؟. [أجيب]: بأن نفيها مُستنِدٌ إلى علمها، لا إلى الواقع، فحيث لم تره - ﷺ - يبول قائمًا في البيت نفت ذلك، وحيث رآه حذيفة - ﵁ - قائمًا خارج البيت أثبته، والمثبت مقدّم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ؛ لأنه عنده زيادة علم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٣١] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْل، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ، وَيقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيض، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَ، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (مَنْصُور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا بيان لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة ﵀ أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير - ﵁ -، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. (يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ) أي في التحفّظ من البول، والاحتراز من رشاشاته، وقد بيّن ابن المنذر ﵀ وجه هذا التشديد، فأخرج من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه «سمع أبا موسى، ورأى رجلًا يبول قائمًا، فقال: ويحك، أفلا قاعدًا»، ثم ذكر قصّة بني إسرائيل (وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ) قال الفيّوميّ ﵀: هو إناء من زُجاج، والجمع القوارير، وهو أيضًا وِعَاءُ الرُّطَب، والتمر، وهي الْقَوْصَرَّةُ، وتُطلق القارورة على المرأة؛ لأن الولد، أو المنيّ يَقِرّ في رَحِمِها كما يَقِرّ الشيءُ في الإناء، أو تشبيها بآنية الزجاج؛ لصعفها، قال الأزهريّ: والعرب تَكْنِي عن المرأة بالقارورة، والْقَوْصَرَّة. انتهى . وقال في «اللسان»: سُمِّيت قارورةً؛ لاستقرار الشراب فيها. انتهى . (وَيَقُولُ) أي أبو موسى - ﵁ - (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هم أولاد يعقوب، وإسرائيل لقبه، ويقال: معناه بالعربيّة عبد الله؛ لأن «إسرا» بمعنى عبد، و«إيل» اسم من أسماء الله تعالى بالسريانيّة، كما يقال: جبرائيل، وميكائيل (كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ) قال العينيّ ﵀: الضمير في «كان» ضمير الشأن، والجملة الشرطيّة خبره، وبهذا لا يَرِدُ سؤال الكرمانيّ بقوله: فإن قلت: «بنو» جمع، فلم أفرد ضمير «كان» الراجع إليه؟ . قال القرطبيّ ﵀: مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حُمِّلوه، ويؤيّده رواية أبي داود، ففيها: «كان إذا أصاب جسد أحدهم»، لكن رواية البخاريّ بلفظ: «ثوب أحدهم» صريحة في الثياب، فلعلّ بعضهم رواه بالمعنى؛ قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمله على ما يعمّ الجسد والثوب أولى، فالظاهر أن هذا مما كُلّفوا به، فكانوا يقطعون ما أصابه شيء من البول، سواء كان ثوبهم، أو جسدهم، فتطهير النجاسة عندهم بالقطع، كما كان توبتهم بقتل النفس، والله تعالى أعلم. وقوله: (بَوْلٌ) فاعل «أصاب» (قَرَضَهُ) أي قطعه، يقال: قرضت الشيء قَرْضًا، من باب ضرب: قطعته بالمقراض . (بِالْمَقَارِيضِ) بالفتح: جمع مِقْراض، بالكسر، قال الفيّوميّ: ولا يقال إذا جمعت بينهما: مِقْراض، كما تقول العامّة، وإنما يقال عند اجتماعهما: قَرَضته بالمقراضين، وفي الواحد: قَرَضته بالمقراض. انتهى . وقوله: «بالمقاريض» يردّ حَمْل من حمل القَرْض على الغسل بالماء؛ قاله في «الفتح» . (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) - ﵁ - (لَوَدِدْتُ) أي لتمنّيتُ، واللام هي الموطّئة للقسم، والمؤذنة به، يقال: وَدّه يودّه من باب تَعِبَ وَدًّا بفتح الواو، وضمّها: إذا أحبه، والجملة جواب القسم المقدّر؛ أي: والله وددتُ، وللبخاريّ: «ليته أمسك» (أَنَّ صَاحِبَكُمْ) بفتح همزة «أنّ»؛ لوقوعها موقع المفرد، كما قال في «الخلاصة»: وَهَمْزَ «إِنَّ» افْتَحْ لِسَدّ مَصْدَرِ … مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ وهي هنا في تأويل المصدر مفعول «وددت»؛ أي وددت عدم تشديد صاحبكم، والمراد بالصاحب أبو موسى الأشعريّ - ﵁ -، والخطاب لأبي وائل ومن معه ممن حضر مجلس حُذيفة - ﵁ - حين تحديثه بهذا الحديث. (لَا) نافية، ولذا رفع الفعل بعدها (يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ) أي أدّاه إلى أن يبول في قارورة. قال النوويّ ﵀: مقصود حذيفة - ﵁ - بهذا أن هذا التشديد خلافُ السنة، فإن النبيّ - ﷺ - بال قائمًا، ولا شكّ في كون القائم مُعَرَّضًا للرّشيش، ولم يَلْتَفت النبيّ - ﷺ - إلى هذا الاحتمال، ولم يتكلَّف البول في قارورة، كما فعل أبو موسى - ﵁ -، والله تعالى أعلم. انتهى . (فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضمّ التاء من فوقُ، ومعناه: رأيتُ نفسي، وبهذا التقدير يندفع سؤال من يقول: كيف جاز أن يكون الفاعل والمفعول عبارةً عن شيء واحد؛ وهذا التركيب جائز في أفعال القلوب؛ لأنه من خصائصها، ولا يجوز في غيرها ، إلا ما أُلحق بها، كفقد، وعدم، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى غير مرّة. وقوله: (أنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وقع في النسخ برفع «رسولُ» مضبوطًا بالقلم، وعلى هذا فيكون معطوفًا على الفاعل، وأتى بـ «أنا» فاصلًا؛ لأن العطف على الضمير المتّصل المرفوع بدون فاصل ضعيف، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُتَّصِلْ أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ ووقع عند البخاريّ بلفظ: «رأيتني أنا والنبيّ - ﷺ -»، فقال العينيّ ﵀: قوله: «أنا» للتأكيد؛ لصحّة عطف لفظ «النبيّ» على الضمير المنصوب على المفعوليّة، والتقدير: رأيتُ نفسي، ورأيت النبيّ - ﷺ -، وقال الكرمانيّ ﵀: بنصب «النبيّ»؛ لأنه عطف على المفعول، لا على الفاعل، وعليه الرواية، قال العينيّ: ويجوز رفع «النبيّ» أيضًا؛ لصحّة المعنى عليه، ولكن إن صحّت رواية النصب يُقتصر عليها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لم يتعرّض أحد من شرّاح «صحيح مسلم» لبيان الرواية: هل هي بنصب «ورسول الله»، أو برفعه؟ إلا ما وقع في ضبط القلم، كما أسلفته آنفًا، والظاهر أن الوجهين جائزان، إن لم تثبت الرواية بأحدهما، فتتعيّن، فيكون المعنى على الرفع: رأيت نفسي، ورآني رسول الله - ﷺ -، وعلى النصب: رأيت نفسي، ورأيت رسولَ الله - ﷺ -، ومما يؤكّد الرفع وقوع الفصل بـ «أنا»؛ لأن النصب لا يحتاج إليه، كما أوضحه ابن مالك ﵀ في كلامه السابق، والله تعالى أعلم. (نَتَمَاشَى) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي حال كوننا متماشيين (فَأتى) - ﷺ - (سُبَاطَةً) تقدّم أنه بالضمّ، كالْكُنَاسة وزنًا ومعنًى (خَلْفَ حَائِطٍ) أي جدار، ويجيء بمعنى البستان، كما تقدّم، لكن الظاهر هنا الأول (فَقَامَ) - ﷺ - (كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ) أي تنحّيتُ، وابتعدت منه - ﷺ - حتى كنت على نَبْذة؛ أي ناحية، قال الجوهريّ: جلس فلانٌ نَبْذةً - بفتح النون، وضمّها: - أي ناحيةً، وانتبذ فلانٌ: أي ذهب ناحيةً. انتهى . وإنما انتبذ حذيفة - ﵁ - عنه - ﷺ -؛ لئلا يتأذّى به لو دنا منه بالاستحياء عن خروج شيء منه عند البول، فلما بال - ﷺ - قائمًا، وأمن ما خشيه حذيفة أمره بالقرب منه. وقال الكرمانيّ ﵀: وإنما بَعُد منه - ﷺ -، وعينه تراه؛ لأنه كان يحرسه - ﷺ -، قال العينيّ ﵀: هذا إنما يتأتّى قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ لأنه - ﷺ - كان يحرسه جماعة من الصحابة - ﵃ - قبل نزولها، فلما نزلت تركوا الحراسة. انتهى . (فَأشَارَ إِلَيَّ) أي أشار النبيّ - ﷺ - إلى حذيفة - ﵁ - بعد أن ابتعد منه إلى أن يأتيه، فيستره عن أعين الناظرين، وقد سبق في الرواية أنه قال له: «ادْنُهْ»، وجمعنا بين الروايتين أنه - ﷺ - جمع بين الإشارة والقول، وأن ذلك كان قبل شروعه في البول، فلا يكون دليلًا لإباحة الكلام في حالة البول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: قوله: «فأشار إليّ» يدلّ على أنه لم يبعد منه بحيث لا يراه، وإنما صَنَعَ ذلك؛ ليجمع بين المصلحتين: عدمِ مشاهدته في تلك الحالة، وسماع ندائه لو كانت له حاجة، أو رؤية إشارته إذا أشار له، وهو مستدبره، وليست فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول؛ لأن هذه الرواية بَيَّنَت أن قوله في رواية مسلم: «ادنُهْ» كان بالإشارة، لا باللفظ. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرف فيما ذكرته آنفًا أنه لا حاجة إلى هذا التأويل؛ لأن قوله: «ادنُهْ» كان قبل شروعه في البول، لا فيه، فلا يلزم ما ذكره، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: وأما مخالفته - ﷺ - لِمَا عُرِف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة، وعن أعين النّظّارة، فقد قيل فيه: إنه - ﷺ - كان مشغولًا بمصالح المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول، فلو أبعد لتضرر، واستَدْنَى حذيفة ليستره من خلفه، مِن رؤية مَن لعله يمر به، وكان قدامه مستورًا بالحائط، أو لعله فعله لبيان الجواز، ثم هو في البول، وهو أخفّ من الغائط؛ لاحتياجه إلى زيادة تكشّف، ولما يقترن به من الرائحة، والغرض من الإبعاد: التستر، وهو يحصل بإرخاء الذيل، والدنُوّ من الساتر. انتهى . (فَجِئْتُ) إليه - ﷺ - (فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ) وفي نسخة «عَقِبيه» بالتثنية، ولا اختلاف بينهما؛ لأن المفرد المضاف يعمّ، فيكون بمعنى التثنية، و«العقب» بفتح العين، وكسر القاف: مؤخّر القدم، وهي مؤنّثة (حَتَّى فَرَغَ) غاية لقيامه عند عقبه؛ أي قمت عند عقبه - ﷺ - إلى أن انتهى من بوله. والحديث متّفق عليه، وقد سبق بيان مسائله في الحديث الماضي، فلا حاجة إلى إعادته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٣٣)

١. وفي نسخة: «فانتهينا».

٢. وفي نسخة: «ومسح».

٣. راجع «الفتح» ١/ ٣٩٣.

٤. «لسان العرب» ١٥/ ٣٤٤ - ٣٤٥.

٥. «النهاية» ٢/ ٣٣٥.

٦. «الفتح» ١/ ٣٩٤.

٧. «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٦.

٨. حديث صحيحٌ، أخرجه أصحاب السنن، وسنده حسن.

٩. «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٦.

١٠. راجع «عمدة القاري» ٣/ ١٠.

١١. راجع «عمدة القاري» ٣/ ٢٠٤.

١٢. «الفتح» ١/ ٣٩٢ - ٣٩٤.

١٣. راجع «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٧.

١٤. «الفتح» ١/ ٣٩٣.

١٥. حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ برقم (١٢)، والنسائيّ (٢٩)، وابن ماجه (٣٠٣).

١٦. أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وغيرهما بإسناد صحيح.

١٧. «الأوسط» ١/ ٣٣٣ - ٣٣٨.

١٨. وفي نسخة: «عند عقبيه».

١٩. راجع «الأوسط» ١/ ٣٣٦.

٢٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٧.

٢١. «لسان العرب» ٥/ ٨٨.

٢٢. راجع «عمدة القاري» ٣/ ٢٠٦.

٢٣. «عمدة القاري» ٣/ ٢٠٥.

٢٤. «الفتح» ١/ ٣٩٤.

٢٥. راجع «المصباح» ٢/ ٤٩٧.

٢٦. «المصدر السابق» ٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨.

٢٧. ١/ ٣٩٤.

٢٨. «شرح مسلم» ٣/ ١٦٧.

٢٩. راجع «عمدة القاري» ٣/ ٢٠٤.

٣٠. «عمدة القاري» ٣/ ٢٠٤.

٣١. راجع «الصحاح» ٢/ ٤٩٧.

٣٢. راجع «عمدة القاري» ٣/ ٢٠٥.

٣٣. «الفتح» ١/ ٣٩٣.