HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٤

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ. فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ. فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ. فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ ابن رمح (مكان حين، حتى).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص157
ج ١ ص ٢٢٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٧٧
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٣٢] (٢٧٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِر، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَة، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنهُ خَرَجَ لِحَاجَتِه، فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِه، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْن، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ مَكَانَ «حِينَ»«حَتَّى»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ المذكور قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة»جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٥ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، المدنيّ القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابد [٥] (ت ١٢٥) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٦ - (نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن مُطْعِم النوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد الله المدنيّ ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ٩٩) (ع) تقدم في «شرح المقدمة»جـ ٢ ص ٤٨٢. ٧ - (عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) بن شُعبة الثقفيّ، أبو يَعْفُور - بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضمّ الفاء - الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وعائشة - ﵄ -، وعنه الشعبيّ، وعَبّاد بن زياد، ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، وبَكْر بن عبد الله الْمُزَنيّ، والحسن البصريّ، وغيرهم. قال البخاريّ: قال الشعبيّ: كان خير أهل بيته، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال خليفة بن خياط: ولاه الحجاج الكوفة سنة (٧٥)، وذكره في تسمية عُمّال الوليد على الصلاة بالكوفة سنة (٩)، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان من أفاضل أهل بيته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرّره سبع مرّات. ٨ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، أسلم - ﵁ - قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، ومات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في كيفيّة التحمّل، فقتيبة أخذه عن الليث بالسماع، ولذا قال: «حدثنا ليثٌ»، ومحمد بن رمح أخذه سماعًا لقراءة غيره على الليث، ولذا قال: «أخبرنا الليث»، وهذا كلّه من احتياطات المصنّف، وشدّة ورعه؛ إذ ليس ذلك مما يجب، بل هو من المستحسنات، كما قال في «ألفيّة الحديث»: وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ «حَدَّثَنِي» … وَقَارِيءٍ بِنَفْسِهِ «أَخْبَرَنِي» وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً «حَدَّثَنَا» … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا «أَخْبَرَنَا» ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه الثاني، فقد تفرّد به هو، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه إلى الليث مصريّون، وقتيبة بغلانيّ، دخل مصر، وأما يحيى، وسعد ونافع فمدنيّون، والمغيرة - ﵁ - وابنه كوفيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن سعد، عن نافع، عن عروة. ٥ - (ومنها): ما قال في «الفتح»: وفيه رواية الأقران في موضعين؛ لأن يحيى وسعدًا تابعيّان صغيران، ونافع بن جبير، وعروة بن المغيرة تابعيّان وسطان، ففيه أربعة من التابعين في نسق، وهو من النوادر. انتهى . ٦ - (ومنها): رواية الابن عن أبيه: عروة، عن المغيرة ﵀، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) تقدّم أن ميم «المغيرة» تُضمّ، وتُكسر، ودخلت فيه «أل»؛ للمح الوصفيّة، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا كـ«الْفَضْلِ» و«الْحَارِثِ» والنُّعْمَانِ«… فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنَّهُ) أي النبيّ - ﷺ - (خَرَجَ لِحَاجَتِهِ) أي لقضاء حاجته، من البول والغائط، وفي الرواية الآتية:«أنه كان في سفر»، وفي البخاريّ في«المغازي»: أنه كان في غزوة تبوك، على تردّد في ذلك من رُواته، ولمالك، وأحمد، وأبي داود من طريق عبَّاد بن زياد، عن عروة بن المغيرة أنه كان في غزوة تبوك بلا تردّد، وأن ذلك كان عند صلاة الفجر . (فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ) بتشديد التاء من باب الافتعال، من تَبعَ، وَفي بعض النسخ:«فأَتْبَعَه» من الإتباع، من باب الإفعال، قال الجوهريّ ﵀: تَبِعْتُ القومَ تَبَعًا، وتَبَاعَةً - بالفتح -: إذا مشَيْتَ خلفَهُم، أو مَرُّوا بك، فمَضَيتَ معهم، وكذلك اتَّبَعتُهُم، وهو افتَعَلتُ، وأَتْبَعْتُ القومَ، على أَفْعَلتُ: إذا كانوا سَبَقُوكَ، فلَحِقتهم، وأَتْبَعتُ أيضًا غيري، يقال: أتبعتُهُ الشيءَ، فتبعه، قال الأخفش: تَبعْتُهُ، وأَتْبَعْتُهُ بمعنًى، مثلُ رَدِفتُهُ، وأردفْتُهُ، ومنه قوله تعا لي: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ﴾ [الصافّات: ١٠] انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن مما سبق أن اتّبع، وأتبع بوصل الهمزة، وقطعها يكون بمعنى واحد، متعذيًا إلى مفعول واحد، وإن كان الغالب في «أتبع» الرباعيّ أن يكون متعدّيًا لاثنين، كقولك: أتبعت زيدًا عمرًا؛ أي جعلته تابعًا له. [تنبيه]: إنما اتّبعه المغيرة - ﵁ -؛ لأمره - ﷺ - له بذلك، ففي الرواية التالية: «كنت مع النبيّ - ﷺ - في سفر، فقال: يا مغيرةُ خُذ الإداوة، فأخذتها، ثم خرجت معه …» الحديث، وفي رواية النسائيّ، قال: «كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فقَرَع ظهري بعصًى كانت معه، فعَدَلَ، وعدَلتُ معه …» الحديث، وفي لفظ: «تخلّف يا مغيرة، وامضُوا أيها الناس …» الحديث، وفي «السنن الكبرى» للنسائيّ: قال: «كنت مع النبيّ - ﷺ - في سفر، فلما كان في سحَر، ضرب عُنُق راحلتي …» الحديث. وفي قوله: «فاتّبعه المغيرة» التفاتٌ على رأي بعضهم؛ إذ الظاهر أن يقول: فاتّبعته، ويحتمل أن يكون عروة أدّى كلام أبيه بعبارة نفسه ، والأول أوضح، والله تعالى أعلم. (بِإدَاوَةٍ) بكسر الهمزة: إناء صغير، يُحْمَل فيه الماء، جمعه أَدَاوَى، بالفتح، كفَتَاوَى (فِيهَا مَاءٌ) وعند أحمد أن ذلك الماء أخذه المغيرة من وفي سنده عليّ بن يزيد الألهانيّ ضعيفٌ. أعرابيّة، صَبّته له من قِرْبة كانت من جلد ميتة، وأن النبيّ - ﷺ - قال له: «سلها، فإن كانت دبغتها، فهو طهور»، وأنها قالت: إي والله لقد دبغتها، أفاده في «الفتح» . (فَصَبَّ عَلَيْهِ) أي الماء، فالمفعول محذوف (حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ) أي وقت فزاغه من قضاء حاجته، من البول، أو الغائط، والمراد أنه لم تَطُل مدّة ما بين قضاء الحاجة، وبين صبّه الماء عليه (فَتَوَضَّأَ) أي غسل وجهه، ويديه، ومسح برأسه، كما فسّرته الروايات الأُخَر، وأما رجله فبيّنه بقوله (وَمَسَحَ عَلَى الْخُفيْنِ) يعني أنه ما غسله كسائر أعضائه، وإنما اكتفى بمسحه. وفي رواية للبخاريّ: «فغسل وجهه ويديه»، قال في «الفتح»: والفاء في «فغسل» تفصيلية، وتَبَيَّن من ذلك أن المراد بقوله: «توضأ» أي بالكيفية المذكورة، لا أنه غسل رجليه، واستَدَلَّ به القرطبيّ على الاقتصار على فروض الوضوء دون سننه، لا سيما في حال مظنة قلة الماء، كالسفر، قال: ويحتمل أن النبيّ - ﷺ - فعلها، فلم يذكرها المغيرة، قال: والظاهر خلافه. قال الجامع عفا الله عنه: وفيما قاله القرطبيّ نظر لا يخفى؛ لأنه قد ثبت أنه - ﷺ - فعلها، وذكرها المغيرة، ففي رواية المصنّف الآتية: «فتوضّأ وضوءه للصلاة»، وفي رواية: «فغسل يديه، ثم غسل وجهه، ثم ذهب ليغسل ذراعيه، فضاقت الجبّة، فأخرجهما من تحت الجبّة، فغسلهما، ومسح رأسه …»، ورواية أحمد: «أنه غسل كفيه»، وله من وجه آخر، قويّ: «فغسلهما، فأحسن غسلهما»، قال: وأشك أقال: «دَلَكَهما بتراب» أم لا؟، وللبخاريّ في «الجهاد»: «أنه تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه»، زاد أحمد: «ثلاث مرات، فذهب يُخرِج يديه من كميه، فكانا ضيقين، فأخرجهما من تحت الجبة»، ولأحمد: «فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات»، فكلّ هذه الروايات نصّ في كونه - ﷺ - توضّأ وضوءًا كاملًا، ومن الغريب أن يخفى هذا على القرطبيّ مع أنه يشرح أحاديث «صحيح مسلم»، فيذكر الاحتمال المتقدّم، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ) وفي نسخة: «وفي حديث ابن رُمْح» (مَكَانَ «حِينَ» «حَتَّى» (يعني أنه وقع اختلاف بين شيخيه: قتيبة، ومحمد بن رُمح، فذكر قتيبة بلفظ: «حين فرغ من حاجته»، وذكر ابن رُمح بلفظ: «حتى فرغ من حاجته». قال النوويّ ﵀: أما قوله: «فصبّ عليه حين فرغ من حاجته»؛ فمعناه: بعد انفصاله من موضع قضاء حاجته، وانتقاله إلى موضع آخر، فصبّ عليه في وضوئه، وأما رواية «حتى فرغ» فلعلّ معناها: فصبّ عليه في وُضوئه حتى فرغ من الوضوء، فيكون المراد بالحاجة: الوضوء، وقد جاء في الرواية الأخرى مُبيَّنًا أن صبّه عليه كان بعد رجوعه من قضاء الحاجة، والله تعالى أعلم. انتهى . [تنبيه] قال في «الفتح»: وحديث المغيرة - ﵁ - هذا ذكَرَ البزار أنه رواه عنه ستون رجلًا، وقد لخصتُ مقاصد طرقه الصحيحة في هذه القطعة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أراد بقوله في هذه القطعة ما ذكره في «الفتح» من أوجه الروايات المختلفة، وما يستفاد منها، وأنا - بعون الله تعالى - تبعته في هذا الشرح، فذكرت ما ذكره، وزدته مما فتح الله عليّ من تحقيقات غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [٢٢/ ٦٣٢ و٦٣٣ و٦٣٤ و٦٣٥ و٦٣٦ و٦٣٧ و٦٣٨] (٢٧٤) و[٢٣/ و٦٣٩ و٦٤٠ و٦٤١ و٦٤٢] (٢٧٤)، وسيأتي في «الصلاة» أيضًا، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٨٢ و٢٠٣ و٢٠٦) و«الصلاة» (٣٦٣ و٣٨٨ (و(٢٩١٨) و«المغازي» (٤٤٢١) و«اللباس» (٥٧٩٨ و٥٧٩٩)، و(أبو داود) في «الطهارة» (١٤٩ و١٥٠)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (١٥٥)، و(النسائيّ) (١/ ٦٣ و٧٦ و٨٢ و٨٣)، (وابن ماجه) في «الطهارة» (٥٤٥)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٣٥ و٣٦)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٣٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٧٥٧ و٧٥٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٧٤٧ و٧٤٨ و٧٤٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٧٦ و١٧٧ و١٧٨ و١٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٤٤ و٢٤٦ و٢٤٧ و٢٤٨ و٢٤٩ و٢٥٠ و١٢٥ و٢٥٣ و٢٥٤ و٢٥٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١/ ٢٥٧ و٢٥٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٢٨ و٦٢٩ و٦٣٥ و٦٣١ و٦٣٢) وفي «الحلية» (٧/ ٣٣٥)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٨٣ و٨٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٢٦ و١٣٣٨ و١٣٤٢ و١٣٤٦ و١٣٤٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢٧١ و٢٧٤ و٢٨٣)، و(البغويّ) في شرح السنّة«(٢٣٦)، و(الطبرانيّ) في»المعجم الكبير« (٨٥٨ و٨٦٥ و٨٧٢ و٨٧٣ و٨٧٤ و٨٧٥ و٨٧٦ و٨٧٧ و٩٦٧ و٩٦٨ و٩٧١ و٩٧٢ و٩٧٦ و٩٧٧ و٩٨٤ و٩٨٥ و٩٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان مشروعيّة المسح على الخفّين. ٢ - (ومنها): استحباب الإبعاد عند قضاء الحاجة، والتواري عن الأعين. ٣ - (ومنها): استحباب الدوام على الطهارة؛ لأمره - ﷺ - المغيرة أن يتبعه بالماء، مع أنه لم يستنج به، وإنما توضّأ به حين رجع، كذا قيل، وهو محلّ نظر. ٤ - (ومنها): جواز الاستعانة في صبّ الماء على المتوضئ، وقد رُوي عن عمر وابنه - ﵄ - كراهة ذلك، وقد روي عنهما خلاف ذلك، فرُوي عن عمر أن ابن عبّاس - ﵃ - صبّ على يديه الوَضُوء، وقال ابن عمر: لا أبالي أعانني رجل على وضوئي، وركوعي، وسجودي، وهو الصحيح؛ قاله القرطبيّ ﵀ . ٥ - (ومنها): غسل ما يُصيب اليد من الأذى عند الاستجمار، وأنه لا يكفي إزالته بغير الماء. ٦ - (ومنها): الاستعانة على إزالة الرائحة بالتراب ونحوه، وقد يُستنبَط منه أن ما انتَشَر عن المعتاد لا يزال إلا بالماء، هكذا قيل، وليُتأمّل. ٧ - (منها): جواز الانتفاع بجلود الميتة، إذا دُبِغَت. ٨ - (ومنها): جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى يُتَحَقَّق نجاستها؛ لأنه - ﷺ - لبس الجبّة الرومية، ولم يَستَفصِل. ٩ - (ومنها): أن القرطبيّ ﵀ استَدَلَّ به على أن الصوف لا يَنجَس بالموت؛ لأن الجبة كانت شامية، وكانت الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات، ولم يسأل النبيّ - ﷺ - عن ذلك، ولا توقّف فيه . ١٠ - (ومنها): أن فيه الردَّ على مَن زَعَم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في المائدة؛ لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وكانت هذه القصة في غزوة تبوك، وهي بعدها باتّفاق، وقد تقدّم حديث جرير البجليّ في معنى ذلك قريبًا. ١١ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة التشمير في السفر، ولبس الثياب الضيِّقة فيه؛ لكونها أعون على ذلك. ١٢ - (ومنها): المواظبة على سنن الوضوء حتى في السفر؛ لأنه - ﷺ - توضأ وضوءًا كاملًا، كما تقدّم بيانه، لا كما ظنّ القرطبيّ أنه اقتصر على فروض الوضوء دون السنن؛ لأنه إنما قال ذلك دون تأمّل الروايات المختلفة التي فسّر بعضها بعضًا، فلو تأمّلها لاتّضح له خلاف ما قال، فقد بُيّن في بعضها أنه توضّأ ثلاثًا ثلاثًا، كما قدّمنا بيان ذلك آنفًا، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد. ١٣ - (ومنها): قبول خبر الواحد في الأحكام، ولو كانت امرأةً، سواء كان ذلك فيما تَعُمّ به البلوى أم لا، لأنه - ﷺ - قَبِلَ خبر الأعرابية كما تقدم بيانه. ١٤ - (ومنها): أن الاقتصار على غسل مُعْظَم المفروض غسله لا يجزئ؛ لإخراجه - ﷺ - يديه من تحت الجبة، ولم يَكْتَفِ فيما بقي منهما بالمسح عليه، وما أكثر تساهل العوامّ في هذه المسألة، فترى بعضهم لا يعتنون بإكمال محلّ الفرض في الغسل، ولا سيّما إذا كانت عليهم ثيابٌ ضيّقةٌ، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم. ١٥ - (ومنها): أنه يُستَدَلّ به للمذهب الصحيح القائل بوجوب تعميم الرأس بالمسح، وهو مذهب مالك، والبخاريّ، لكونه - ﷺ - كَمَّلَ بالمسح على العمامة، ولم يَكْتَف بالمسح على ناصيته فقط، وقد تقدّم في المسائل المذكورة في «باب صفة الوضوء» أن هذا المذهب هو الحقّ، وحاصله أن تعميم الرأس بالمسح واجب، ولكن لا يجب على الشعر فقط، بل على الرأس، وما عليه من العمامة، ونحوها، والله تعالى أعلم. ١٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: فيه دليلٌ على أن يسير التفريق في الطهارة لا يُفسدها، قال أبو محمد عبد الوهّاب: لا يُختَلف في أن التفريق غير المتفاحش لا يُفسد الوضوء، واختُلف في الكثير المتفاحش، فرُوي عن ابن وهب أنه يُفسده في العمد والسهو، وهو أحد قولي الشافعيّ، وحُكي عن ابن عبد الحكم أنه لا يُفسده في الوجهين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ في قول آخر، وعند ابن القاسم أنه يُفسده مع العمد، أو التفريط، ولا يُفسده مع السهو، وقال أبو الفضل عياضٌ: إن مشهور المذهب أن الموالاة سنّةٌ، وهذا هو الصحيح؛ بناءً على ما تقدّم من أن الفرائض محصورة في الآية، وليس في الآية ما يدلّ على الموالاة، وإنما أُخذت من فعل النبيّ - ﷺ -؛ إذ لم يُروَ عنه قطّ أنه فرّق تفريقًا متفاحشًا، واختلف في الفرق بين اليسير والكثير، فقيل: ذلك يرجع إلى الاجتهاد، وليس فيه حدّ، وقيل: جفاف الوضوء هو الكثير. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أن الموالاة من مستحبّات الوضوء؛ لأنه لم يَرِد ما يدلّ على وجوبه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١٧ - (ومنها): مشروعيّة خدمة أهل العلم والفضل. ١٨ - (ومنها): جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز صلاة النبيّ - ﷺ - خلف بعض أمته، حيث صلّى هنا خلف عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، وسيأتي في «كتاب الصلاة» صلاته خلف أبي بكر - ﵁ -. ١٩ - (ومنها): بيان حكم المسبوق في صلاته، وهو أنه يُصلّي مع الإمام ما أدركه، ثم يقضي بعد سلام الإمام ما سُبِق به، ولا يسقط ذلك عنه، قال النوويّ: بخلاف قراءة الفاتحة، فإنها تسقط عن المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النووي من سقوط الفاتحة عن المسبوق، وإن قال به جمهور الفقهاء، إلا أنه خلاف الراجح، وقد حقّقت المسألة في «شرح النسائيّ» بأدلّتها، وسأتعرّض لها في هذا الشرح أيضًا في الموضع المناسب لها من «كتاب الصلاة» - إن شاء الله تعالى -. ٢٠ - (ومنها): طلب اتّباع المسبوق للإمام في ركوعه وسجوده وجلوسه، وإن لم يكن موضع جلوس المأموم. ٢١ - (ومنها): أن المأموم إنما يفارق الإمام بعد سلامه، لا قبله. ٢٢ - (ومنها): أن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، حيث إن الصحابة - ﵃ - فعلوها في أول الوقت، ولم ينتظروا رسول الله - ﷺ -، وأثنى عليهم في ذلك. ٢٣ - (ومنها): أن من بادر إلى الطاعة يُشكَر. ٢٤ - (ومنها): أن الإمام الراتب إذا تأخّر عن أول الوقت استُحِبَّ للجماعة أن يقدّموا أحدهم، فيصلّي بهم، إذا وَثقوا بحسن خلق الإمام، وأنه لا يتأذّى من ذلك، ولا يترتّب عليه فتنة، فأما إذا لم يَأمنوا أذاه، فإنهم يصلّون في أول الوقت فرادى، ثم إن أدركوا الجماعة بعد استُحبّ لهم إعادتها معهم، كما أمر النبيّ - ﷺ - أبا ذرّ - ﵁ - بذلك، فقد أخرج المصنّف في «الصلاة»، عن أبي ذرّ - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء، يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ، فإنها لك نافلة»، وفي لفظ: «ثم إن أقيمت الصلاة، فصلّ معهم، فإنها زيادة خير»، وفي لفظ: قال: «صلِّ الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصلِّ». ٢٥ - (ومنها): بيان فضل عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - حيث قدّموه للصلاة بهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٣٣] (…) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ: فَغَسَلَ وَجْهَهُ ويَدَيْه، وَمَسَحَ بِرَأْسِه، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنة، وقد تغيّر قبل موته بثلاث سنين، لكنه حُجب عن الناس، فلم يُحدّث بعد اختلاطه (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. و«يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ» هو الأنصاريّ المذكور في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد يحيى بن سعيد الماضي، وهو عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جُبير، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه - ﵁ -. وقوله: (وَقَالَ) الضمير لعبد الوهّاب الثقفيّ؛ أي قال عبد الوهّاب في روايته بعد قوله: «فتوضّأ»: «فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، وَمَسَحَ بِرَاسِه، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ»، يعني أنه فسّر قوله: «فتوضّأ» بقوله: «فغسل .. إلخ». [تنبيه]: رواية عبد الوهّاب هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية الليث، ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (١٨٢) حدثنا عمرو بن عليّ، قال: حدثنا عبد الوهّاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: أخبرني سعد بن إبراهيم، أن نافع بن جبير بن مُطْعِم أخبره أنه سمع عروة بن المغيرة بن شعبة، يحدِّث عن المغيرة بن شعبة: «أنه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر، وأنه ذهب لحاجة له، وأن مغيرة جَعَلَ يَصُبُّ الماء عليه، وهو يتوضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٣٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: بَيْنَا أنا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، إِذْ نَزَلَ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ إِدَاوَةٍ كَانَتْ مَعِي، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) المذكور قبل حديثين. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (أَشْعَثُ) بن أبي الشعثاء سُليم بن الأسود المحاربيّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (الْأَسْوَدُ بْنُ هِلَالٍ) المحاربيّ، أبو سلّام الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ جليلٌ [٢] (ت ٨٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥٣، له عند المصنّف حديثان فقط، هذا، وتقدّم له في «الإيمان» برقم [١١/ ١٥٣] (٣٠) حديث معاذ بن جبل - ﵁ -، مرفوعًا: «أتدري ما حقّ الله على العباد؟ …» الحديث. وقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) قال القرطبيّ ﵀: أي ليلةً من الليالي، وهي منصوبة على الظرفيّة، كما تقول: ذات مرّة؛ أي مرّةً من المرّات، ويقال للمذكّر: ذا صباح، وذا مساء، كما قال الشاعر [من الوافر]: عَزَمْتُ عَلَى إِقَامَةِ ذِي صَبَاحِ … لأَمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٣٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: يَا مُغِيرَةُ خُذِ الإدَاوَةَ، فَأَخَذْتُهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ، ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْن، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا، فَضَاقَتْ عَلَيْه، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْه، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاة، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْه، ثُمَّ صَلَّى). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُسْلِم) بن صُبيح - بالتصغير - الْهَمْدانيّ مولاهم، أبو الضُّحَى الكوفيّ العطار، مشهور بكنيته، وقيل: مولى آل سعيد بن العاص. رَوَى عن النعمان بن بشير، وابن عباس، وابن عمر، وشُتَير بن شَكَل، ومسروق بن الأجدع، وعبد الرحمن بن هلال، وعلقمة بن قيس، وغيرهم، وأرسل عن علي بن أبي طالب. ورَوَى عنه الأعمش، ومنصور، وأبو يعفور الصغير، وسعيد بن مسروق، وفِطْر بن خَلِيفة، وعطاء بن السائب، وعمرو بن مُرّة، ومغيرة بن مِقْسَم، وحصين بن عبد الرحمن، والحسن بن عبد الله، وجابر الجعفيّ، وأبو حَصين الأسديّ، وعاصم بن بَهْدَلة وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، قال ابن سعد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكان ثقةً كثير الحديث، وقال ابن زَبْر: مات سنة مائة، وقال النسائيّ: ثقةٌ، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو حَصِين، قال: رأيت الشعبيّ، وإلى جنبه مسلم بن صُبَيح، فإذا جاءه شيءٌ، قال: مات ترى يا ابن صُبَيح؟ وقال العجليّ: تابعيّ، ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا. [تنبيه]: وقع خطأ في هامش النسخة التي حقّقها محمد ذهني (١/ ١٥٨) حيث كُتب فيها هنا ترجمة مسلم بن خالد الزنجيّ، بدل مسلم بن صُبيح، وهذا غلط بلا شكّ، ومن العجائب أن مسلم بن خالد ليس من رجال مسلم أصلًا، كما هو ظاهر من ترجمته في «التهذيب» وغيره، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى وليّ التوفيق. ٢ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الكوفيّ المذكور قبل باب. والباقون تقدّموا في سند أول الباب، وكذا شرح الحديث، ومسائله. وقوله: (فِي سَفَرٍ) هو في غزوة تبوك، وكان ذلك قبل الفجر، كما ثبت ذلك في بعض طرقه في «الصحيح»، وكانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع من الهجرة . وقوله: (خُذِ الْإِدَاوَةَ) بالكسر: إناء من جلد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٣٦] (…) - (وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ تَلَقَّيْتُهُ بِالْإِدَاوَة، فَصَبَبْتُ عَلَيْه، فَغَسَلَ يَدَيْه، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَغْسِلَ ذِرَاعَيْه، فَضَاقَتِ الْجُبَّةُ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّة، فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْه، ثُمَّ صَلَّى بِنَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم تقدّموا قريبًا، فشيخاه، وعيسى تقدّموا في ثاني أحاديث الباب، والباقون تقدّموا في السند الماضي. و«إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ»: هو ابن راهويه، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدمت قريبًا. وقوله: (تَلَقَّيْتُهُ) أي استقبلته، يقال: لَقِيَهُ، كرَضِيَه، وتلَقّاه، والتقاه . وقوله: (بِالْإدَاوَةِ) - بالكسر -، وهي والركوة، والمِطهرة، والميضأة، بمعنًى متقارب، وهو إناء الوضوء . وقوله: (ثُمَّ ذَهَبَ) أي شرع، وأخذ. وقوله: (فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ) قال النوويّ ﵀: فيه جواز مثل هذا، للحاجة، وفي الخلوة، وأما بين الناس، فينبغي أن لا يُفعَل لغير حاجة؛ لأن فيه إخلالًا بالمروءة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ينبغي أن لا يُفعَل .. إلخ» فيه نظر، فقد فعله النبيّ - ﷺ - أمام المغيرة، ألا يكون أسوة؟، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٣٧] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَسِيرٍ، فَقَالَ لِي: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِه، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى فِي سَوَادِ اللَّيْل، ثُمَّ جَاءَ، فَأفرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَة، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا، حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّة، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْه، وَمَسَحَ بِرَأْسِه، ثُمَّ أَهْويتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْه، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضل [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ سنّيٌّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يُدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٩. [تنبيه]: قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: زكريّا مدلّسٌ، ولم أره من حديثه إلا بالعنعنة، لكن أخرجه أحمد عن يحيى القطّان، عن زكريّا، والقطّان لا يَحمِل من حديث شيوخه المدلّسين إلا ما كان مسموعًا لهم، صرّح بذلك الإسماعيليّ. انتهى ، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٤ - (عَامِر) بن شَرَاحيل الشَّعبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠١) أو بعد ذلك، عن مائة سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. والباقيان تقدّما قريبًا، وكذا شرح الحديث، ومسائله. [تنبيه]: هذا الإسناد مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. وقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلة من الليالي. وقوله: (فِي مَسِيرٍ): هو السير، وقد يكون الطريقَ الذي يُسار فيه، وقد تقدّم أنه في غزوة تبوك. وقوله: (حَتَّى تَوَارَى فِي سَوَادِ اللَّيْلِ) أي اختفى عن بصري، وغاب عنّي بسبب احتجابه بظلام الليل. وقوله: (ثُمَّ أَهْويتُ) أي مددتُ يدي، ويقال: أشرت إليه، قال الجوهريّ: يقال: أهوى إليه بيده ليأخذه، قال الأصمعيّ: أهويتُ بالشيء: إذا أومأت به، وقال غيره: أهويتُ؛ أي قصدتُ الهُويّ من القيام إلى القعود، وقيل: الإهواء: الإمالة انتهى . قال ابن بطال ﵀: فيه رحمة العالم، وأن للخادم أن يَقْصِد إلى ما يَعرِف من عادة مخدومه قبل أن يَأمره، وفيه الفهم عن الإشارة، وردّ الجواب عما يُفْهَم عنها؛ لقوله: فقال: «دعهما». انتهى . وقوله: (لِأَنْزِعَ خُفيْهِ) بكسر الزاي، من باب ضرب. وقوله: (دَعْهُمَا) أي اترك الخفّين. وقوله: (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا) أي القدمين، قال ابن الملقّن ﵀: الضمير في قوله: «دَعْهما» للخفّين، وفي قوله: «أدخلتهما» للرجلين، فا لضميران مختلفان. انتهى . وقوله: (طَاهِرَتَيْنِ) قال في «الفتح»: كذا للأكثر، وللكشميهنيّ: «وهما طاهرتان»، ولأبي داود: «فإني أدخلت القدمين الخفين، وهما طاهرتان»، وللحميديّ في «مسنده»: قلت: يا رسول الله، أيَمْسَح أحدنا على خفيه؟ قال: «نعم إذا أدخلهما، وهما طاهرتان»، ولابن خزيمة من حديث صفوان بن عَسّال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نَمْسَح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا، إذا سافرنا، ويومًا وليلةً إذا أقمنا«، قال ابن خزيمة: ذكرته للمزنيّ، فقال لي: حدَّث به أصحابنا، فإنه أقوى حجة للشافعي. انتهى. وحديث صفوان، وإن كان صحيحًا لكنه ليس على شرط البخاريّ، لكن حديث الباب موافق له في الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس، وأشار المزنيّ بما قال إلى الخلاف في المسألة. ومحصله: أن الشافعي والجمهور حملوا الطهارة على الشرعية في الوضوء، وخالفهم داود، فقال: إذا لم يكن على رجليه نجاسة عند اللبس، جاز له المسح، ولو تيمم ثم لبسهما لم يُبَح له عندهم؛ لأن التيمم مبيح لا رافع، وخالفهم أصبغ. قال الجامع عفا الله عنه: قد حقّقنا في «شرح النسائيّ»، أن الراجح كون التيمّم رافعًا، لا مبيحًا، وسيأتي البحث هنا في محلّه - إن شاء الله تعالى -. قال: ولو غَسَل رجليه بنيّة الوضوء، ثم لبسهما، ثم أكمل باقي الأعضاء لم يُبَح المسح عند الشافعي ومن وافقه على إيجاب الترتيب، وكذا عند من لا يوجبه؛ بناءً على أن الطهارة لا تتبعض، لكن قال صاحب «الهداية» من الحنفية: شرطُ إباحة المسح لبسهما على طهارة كاملة، قال: والمراد بالكاملة وقت الحدث، لا وقت اللبس، ففي هذه الصورة إذا كَمَّل الوضوء، ثم أحدث جاز له المسح؛ لأنه وقتَ الحدث كان على طهارة كاملة. انتهى. قال الحافظ: والحديث حجة عليه، لأنه جعل الطهارة قبل لبس الخف شرطًا لجواز المسح، والمعلَّق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط، وقد سَلَّم أن المراد بالطهارة الكاملةُ. قال الجامع عفا الله عنه: هذا تعقّب جيّدٌ، وقد قدّمتُ البحث في هذا مستوفًى في المسألة التاسعة من مسائل حديث جرير - ﵁ -، ورجحت القول باشتراط كمال الطهارة قبل لبس الخفّ، كما دلّ عليه ظاهر الحديث، حيث قال - ﷺ -: «فإني أدخلتهما، طاهرتين»، وقال: «نعم إذا أدخلهما، وهما طاهرتان»، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. قال: ولو توضأ مرتبًا، وبقي غسل إحدى رجليه، فلبس ثم غسل الثانية، ولبس لم يُبَح له المسح عند الأكثر، وأجازه الثوريّ، والكوفيون، والمزنيّ صاحب الشافعيّ، ومُطَرِّف صاحب مالك، وابن المنذر، وغيرهم؛ لصدق أنه أدخل كلًّا من رجليه الخفين، وهي طاهرة. وتُعُقّب بأن الحكم المرتب على التثنية، غير الحكم المرتب على الوحدة، واستضعفه ابن دقيق العيد؛ لأن الاحتمال باقٍ، قال: لكن إن ضم إليه دليلٌ يدلّ على أن الطهارة لا تتبعض اتجه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: مذهب الأولين عندي أقرب لأنه الذي يقتضيه ظاهر النصّ؛ إذ طهارة الوضوء لا تكون معتبرة إلا بكمالها. وقد أجاد الإمام ابن خزيمة ﵀ حيث ترجم في «صحيحه»، فقال: باب الدليل على أن لابس أحد الخفّين قبل غسل كلا الرجلين إذا لبس الخفّ الآخر بعد غسل الرجل الأخرى، غير جائز له المسح على الخفّين إذا أحدث؛ إذ هو لابس أحد الخفّين قبل كمال الطهارة، والنبيّ - ﷺ - إنما رخَّص في المسح على الخفّين إذا لبِسهما على طهارة، ومن ذكرنا في هذا الباب صفته هو لابس أحد الخفين على غير طهر؛ إذ هو غاسل إحدى الرجلين، لا كلتيهما عند لبسه أحد الخفّين. انتهى كلام ابن خزيمة ﵀ . وقال ابن الملقّن ﵀: وأصرح من حديث المغيرة - ﵁ - هذا في الدلالة على الطهارة الكاملة حديثا أبي بكرة، وصفوان بن عسّال - ﵄ -، فأما حديث أبي بكرة - ﵁ -، فلفظه: «إن رسول الله - ﷺ - أرخص للمسافر ثلاثة أيام، ولياليهنّ، وللمقيم يومًا وليلةً، إذا تطهّر، فلبس خفّيه أن يَمسح عليهما»، حديث صحيح، رواه ابن خزيمة، وابن حبّان في «صحيحيهما»، وقال الشافعيّ: إسناده صحيح، وقال البخاريّ: حديث حسنٌ. فقد شرط إكمال الطهارة، وعقّبه بحرف الفاء. وأما حديث صفوان - ﵁ -، فرواه الدارقطنيّ بلفظ: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نمسح على الخفّين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا، إذا سافرنا، ويومًا وليلةً إذا أقمنا». انتهى . والحاصل أن أرجح المذاهب مذهب من اشترط لبس الخفّين على طهارة كاملة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. [فائدتان] : (الأولى): المسح على الخفين خاصّ بالوضوء، لا مدخل للغسل فيه بإجماع، والله تعالى أعلم. (الثانية): لو نزع خفيه بعد المسح قبل انقضاء المدة عند من قال بالتوقيت، أعاد الوضوء عند أحمد، وإسحاق، وغيرهما، وغسل قدميه عند الكوفيين، والمزنيّ، وأبي ثور، وكذا قال ما لك، والليث، إلا إن تطاول، وقال الحسن، وابن أبي ليلى، وجماعة: ليس عليه غسل قدميه، وقاسوه على من مسح رأسه، ثم حلقه أنه لا يجب عليه إعادة المسح، وفيه نظر؛ قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: عندي في هذا النظر نظرٌ، فبأي حجة نوجب عليه غسل قدميه، فإن نظرنا إلى النصوص، فلا نصّ، وإن نظرنا إلى الإجماع فلا إجماع، فإن المسألة خلافيّة، فكيف يكون نزع الخفّ ناقضًا للوضوء، فالذي يترجّح عندي ما ذهب إليه الحسن، ومن معه، فتبصر بالإنصاف، وقد استوفيت هذا البحث في «شرح النسائيّ»، فراجعه تجد فيه تحقيقات نفيسة، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) قال ابن الملقّن ﵀: فيه إضمارٌ، تقديره: فأحدث، فمسح عليهما؛ لأن وقت جواز المسح بعد الحدث، ولا يجوز قبله؛ لأنه على طهارة الغسل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن في بعض طرقه في «الصحيح» أنه - ﷺ - تبرّز قِبَلَ الغائط، وأنه اتّبعه بالإداوة، فتعيّن حمله على أن المراد: فأحدث، فمسح عليهما، لا أنه جدّد الوضوء. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «لأن وقت جواز المسح بعد الحدث، ولا يجوز قبله» هذا يحتاج إلى دليل؛ فما المانع من المسح، لو أراد أن يجدّد الوضوء؟، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أَولَ الكتاب قال: [٦٣٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثنا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ عُرْوَةً بْنِ الْمُغِيرَة، عَنْ أَبِيه، أنَّهُ وَضَّأَ النَّبِيَّ - ﷺ - فتوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْه، فَقَالَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون المعروف بالسمين، المروزيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٥ أو) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٥٤. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلُوليّ - بفتح السين المهملة، ولامين - مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ، تُكُلِّم فيه للتشيع [٩]. رَوَى عن إسرائيل، وزهير بن معاوية، وإبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي، والحسن بن صالح، وداود بن نصير الطائي، وهريم بن سفيان، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو نعيم، وهو من أقرانه، وابنا أبي شيبة، وعباس العنبري، وأبو كريب، وابن نمير، والقاسم بن زكريا بن دينار، وأحمد بن سعيد الرِّبَاطي، وعباس الدُّوري، ويعقوب بن شيبة السدوسي، وجماعة. قال ابن معين: ليس به بأس. وقال العجلي: كوفي ثقةٌ، وكان فيه تشيع، وقد كتبت عنه. وذكره ابن حبان في «الثقات». قال البخاري: مات سنة (٢٠٤)، وقال أبو داود وغيره: مات سنة (٢٠٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٢٧٤) و(٢٨٨) و(٥٣٨) و(١١٢٧) و(١١٩٠) و(١٧٦٦) و(٢٣٣٧) و(٢٤٦٠). ٣ - (عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) الْهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، مولى عمرو بن عبد الله الوادعيّ، أخو زكريا بن أبي زائدة، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٦]، رَوَى عن قيس بن أبي حازم، وعبد الله بن أبي السفر، وعون بن أبي جُحيفة، وأبي إسحاق السبيعيّ، والشعبيّ، وعكرمة، مولى ابن عباس، وجماعة. ورَوَى عنه ابن أخيه يحيى بن زكريا، وبهز بن أسد، وزيد بن الحباب، وعبد الرحمن بن مهديّ، وأبو عامر الْعَقَديّ، والنضر بن شُميل، وإسحاق بن منصور السَّلُوليّ، وهُشيم، ومحمد بن عرعرة، والأصمعيّ، وغيرهم. قال ابن مهديّ: كان كَيِّس الحفظ، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالحٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ليس به بأس، وقال الآجريّ، عن أبي داود: عمر يَرَى القدر، وقال في موضع آخر: زكريا أعلى من أخيه عمر بكثير، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وقال الْعُقيليّ: كان يَرَى القدرَ، وهو في الحديث مستقيم، وقال يعقوب بن سفيان: عمر لا بأس به، وزكرياء ثقةٌ. تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٧٤) و(٥٥٣) و(٢٦٩٣). والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا شرح الحديث، ومسائله. وقوله: (وَضَّأَ النَّبِيَّ - ﷺ -) أي صبّ عليه ماء الوضوء. وقوله: (فَقَالَ لَهُ) أي كلّم المغيرة النبيّ - ﷺ - في شأن خفّيه، وأراد أن ينزعهما. وقوله: (فَقَالَ: «إِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ) ضمير»قال «للنبيّ - ﷺ -، وجملة:»إني .. إلخ«علّة لمحذوف، دلّت عليه الروايات السابقة؛ أي قال له:»دعهما، فإني أريد أن أمسح عليهما؛ لأني أدخلتهما طاهرتين«، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الغسّاني الجيّاني ﵀ بعد ذكره سند الإمام مسلم ﵀ من طريقي زكريّا، وعمر ابني أبي زائدة ما نصّه: هكذا رُوي لنا عن مسلم إسناد هذا الحديث عن عمر بن أبي زائدة، من جميع الطُّرُق ليس بينه وبين الشعبيّ أحدٌ، وذكر أبو مسعود أن مسلم بن الحجاج خَرَّجه عن ابن حاتم، عن إسحاق، عن عمر بن أبي زائدة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبيّ. وهكذا قال أبو بكر الْجَوْزقيّ في كتابه الكبير، قال: ورواه زكريّا، عن عامر الشعبيّ، عن عروة، ثم قال: ورواه عُمر بن أبي زائدة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبيّ، عن عروة. قال أبو بكر: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الشَّرْقيّ، قال: نا محمد بن حيّويه الإسفرايينيّ، قال: نا عبد الله بن رجاء، نا عمر بن أبي زائدة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبيّ، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه أنه وضّأ النبيّ - ﷺ -، قال: فأهويتُ إلى خفّيه، فقال: «دعهما، فإني أدخلتهما، وهما طاهرتان»، فمسح على خفّيه. وذكر البخاريّ في «تاريخه» أن عمر بن أبي زائدة قد سمع من الشعبيّ، وأنه كان يَبعَث ابنَ أبي السفر، وزكرياء إلى الشعبيّ يسألانه. انتهى كلام أبي علي الجيّانيّ ﵀ . قال النوويّ ﵀ بعد ذكره كلام الجيّانيّ هذا ما نصّه: وقد ذَكَر الحافظ، أبو محمد خلف الواسطيّ في «أطرافه» أن مسلمًا رواه عن ابن حاتم، عن إسحاق، عن عمر بن أبي زائدة، عن الشعبيّ، كما هو في الأصول، ولم يذكر ابن أبي السفر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن سند المصنّف المذكور هنا بلا واسطة ابن أبي السفر صحيح؛ لأن البخاريّ، وهو من هو في نقده قد أثبت سماع عمر بن أبي زائدة عن الشعبيّ، فالظاهر أنه سمع هذا الحديث منه، ولا يعارضه ما ذكره الْجوزقيّ من أنه أدخل ابن أبي السفر واسطة بينه وبين الشعبيّ؛ لإمكان حمله على أنه سمعه بواسطة، وبدونها، وقد ثبت نظير هذا في أحاديث الثقات. وعلى تقدير ترجيحه فلا يؤثّر في الصحّة؛ لأن المصنّف إنما ذكره متابعة لرواية أخيه زكريّا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٣) - (بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٣٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثنا يَزِيدُ - يَعْني ابْنَ زُريعٍ - حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ، قَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟» فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْه، فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّة، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّة، وَألقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْه، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْه، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِه، وَعَلَى الْعِمَامَة، وَعَلَى خُفَّيْه، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْم، وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاة، يُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأ إِلَيْه، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَقُمْتُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعٍ) - بفتح الموحّدة، وكسر الزاي - أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن عبد الوارث بن سعيد، وفُضيل بن سليمان، وعبد الوهاب الثقفيّ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، ومعتمر بن سليمان، وابن أبي عديّ، ويزيد بن زُريع، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأبو بكر البزار، وموسى بن هارون، وزكرياء بن يحيى الساجيّ، وابن خزيمة، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال النسائيّ: صالحٌ، وقال مرةً: لا بأس به، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ووثّقه مسلمةُ بن قاسم. قال ابن أبي عاصم: مات سنة سبع وأربعين ومائتين. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط ، برقم (٢٧٤) و(٤٢١) و(٩٨٧) و(٢١٢٤) و(٢٢٩٨). ٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُريْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) هو: حميد بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة الْخُزَاعيّ مولاهم، وقيل غير ذلك، البصريّ، واسم أبي حميد: تِير، ويقال: تيرويه، ويقال: زاذويه، ويقال: داور، ويقال: طَرْخان، ويقال: مِهْران، ويقال: عبد الرحمن، ويقال: مَخْلَد، ويقال غير ذلك. ثقة مدلّس [٥]. روى عن أنس بن مالك، وثابت البناني، وموسى بن أنس، وبكر بن عبد الله المزنيّ، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، والحسن البصري، وغيرهم. وروى عنه ابن أخته حماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو من أقرانه، وحماد بن زيد، والسفيانان، وشعبة، ومالك، وابن إسحاق، والمعتمر بن سليمان، ووهيب بن خالد، والقطان، وزائدة، وغيرهم. قال البخاري: قال الأصمعي: رأيت حميدًا، ولم يكن بطويل. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال الدارمي: قلت لابن معين: يونس بن عبيد أحب إليك في الحسن أو حميد؟ قال: كلاهما. قال الدارمي: يونس أكبر من حميد بكثير. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، وأكبر أصحاب الحسن قتادة، وحميد. وقال ابن خِراش: ثقة صدوق، وقال مرة: في حديثه شيء، يقال: إن عامة حديثه عن أنس إنما سمعه من ثابت. وقال يحيى بن أبي بكير، عن حماد بن سلمة: أخذ حميد كتب الحسن فنسخها، ثم ردها عليه. وقال الأصمعي، عن حماد: لم يَدَع حميد لثابت علمًا إلا ووعاه، وسمعه منه. وقال مؤمل عن حماد: عامة ما يروي حميد عن أنس سمعه من ثابت. وقال أبو عبيدة الحداد عن شعبة: لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثًا، والباقي سمعها من ثابت، أو ثبّته فيها ثابت. وقال علي بن المديني عن أبي داود: سمعت شعبة يقول: سمعت حبيب بن الشهيد يقول لحميد وهو يحدثني: انظر ما تحدث به شعبة، فإنه يرويه عنك، ثم يقول هو: إن حميدًا رجل نَسِيّ، فانظر ما يحدثك به. وقال عيسى بن عامر بن أبي الطيب، عن أبي داود، عن شعبة: كل شيء سمع حميد عن أنس خمسة أحاديث. وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان حميد الطويل إذا ذهبتَ تَقِفه على بعض حديث أنس يَشُكّ فيه. وقال الحميدي، عن سفيان: كان عندنا شُوَيْبٌ بصري، يقال له: دُرُست، فقال لي: إن حميدًا قد اختلط عليه ما سمع من أنس، ومن ثابت، وقتادة عن أنس إلا شيئًا يسيرًا، فكنت أقول له: أخبرني بما ثبت عن غير أنس، فأسأل حميدًا عنها، فيقول: سمعت أنسًا. وقال يوسف بن موسى، عن يحيى بن يعلى المحاربي: طرح زائدة حديث حميد الطويل. وقال ابن عديّ: له أحاديث كثيرة، وقد حدث عنه الأئمة، وأما ما ذُكر عنه أنه لم يسمع من أنس إلا مقدار ما ذُكر، وسمع الباقي من ثابت عنه، فأكثر ما في بابه أن بعض ما رواه عن أنس يُدَلّسه، وقد سمعه من ثابت. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، إلا أنه ربما دلس عن أنس. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: هو الذي يقال له: حميد بن أبي داود، وكان يدلس، سمع من أنس ثمانية عشر حديثًا، وسمع من ثابت البناني، فدلس عنه. وقال أبو بكر البرديجي: وأما حديث حميد فلا يُحتجّ منه إلا بما قال: حدثنا أنس. وقال الحافظ أبو سعيد العلائي: فعلى تقدير أن تكون أحاديث حميد مُدَلَّسةً، فقد تبيّن الواسطة فيها، وهو ثقة صحيح . وقال الحافظ: رواية عيسى بن عامر أن حميدًا إنما سمع من أنس خمسة أحاديثَ قول باطلٌ، فقد صرّح حميد بسماعه من أنس بشيء كثير، وفي «صحيح البخاري» من ذلك جملة، وعيسى بن عامر ما عرفته، وحكاية سفيان عن دُرُست ليست بشيء، فإن دُرُست هالك، وأما ترك زائدة حديثه فذاك لأمر آخر؛ لدخوله في شيء من أمور الخلفاء. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما قاله الحافظ العلائيّ، فأحاديث حميد كلها صحيحة؛ لأنه على تقدير أنه لم يسمع بعضها عن أنس، فقد عُرف من دلّس عنه، وهو ثابتٌ البنانيّ، وهو ثقة جليل، فتبيّن أن تدليسه لا يضرّ. وبهذا يُردّ على الحافظ في عدّه حميدًا الطويل من أهل الطبقة الثالثة من مراتب المدلّسين، وهم الذين أكثروا من التدليس، فلم يُحْتَجّ بهم إلا إذا صرّحوا بالسماع، والحقّ أنه ممن يُقبل تدليسه؛ لكونه لا يدلّس إلا عن ثقة. وبه يتبيّن أيضًا أن قول ابن حبّان: «إنه لا يوجد في الدنيا من يُدلس عن ثقة غير سفيان بن عيينة» غير صحيح، فقد ثبت عن حميد الطويل أنه لا يدلس إلا عن ثقة، فافهم هذا، فإنه مهمّ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال رُسْته، عن يحيى بن سعيد: مات حميد الطويل، وهو قائم يصلي، وأرّخه ابن سعد وجماعة سنة (١٤٢)، وقال إبراهيم بن حميد الطويل: مات سنة (٤٣)، وقد أتت عليه (٧٥) سنة، ولم أسمع منه شيئًا، وكذا أرّخه عمرو بن علي وغيره. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا. ٤ - (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. [تنبيه]: قد تكلّم النقّاد في هذا الإسناد، فقال الحافظ أبو عليّ الغسانيّ: قال أبو مسعود الدمشقيّ: هكذا يقول مسلم في حديث ابن بزيع، عن يزيد بن زُريع، عن عروة بن المغيرة، وخالفه الناس، فقالوا فيه: حمزة بن المغيرة، بدل عروة، وأما أبو الحسن الدارقطنيّ، فنَسَبَ الوهم فيه إلى محمد بن عبد الله بن بَزِيع لا إلى مسلم، هذا آخر كلام الغسانيّ. قال القاضي عياض ﵀: حمزة بن المغيرة هو الصحيح عندهم، في هذا الحديث، وإنما عروة بن المغيرة في الأحاديث الأُخَر، وحمزة وعروة ابنان للمغيرة، والحديث مرويّ عنهما جميعًا، لكن رواية بكر بن عبد الله بن المزنيّ إنما هي عن حمزة بن المغيرة، وعن ابن المغيرة، غير مُسَمًّى، ولا يقول بكر: عروة، ومَن قال: «عروة» عنه فقد وَهِمَ، وكذلك اختُلِف عن بكر، فرواه معتمر في أحد الوجهين عنه، عن بكر، عن الحسن، عن ابن المغيرة، وكذا رواه يحيى بن سعيد، عن التيميّ، وقد ذكر هذا مسلم، وقال غيرهم: عن بكر، عن المغيرة، قال الدارقطنيّ: وهو وَهَمٌ. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما ذكروه أن الصحيح في هذا الإسناد إنما هو عن بكر بن عبد الله المزنيّ، عن حمزة بن المغيرة، لا عن عروة، وذلك لمخالفة محمد بن عبد الله بن بَزِيع للحفّاظ فيه، فقد رواه النسائيّ في «سننه» عن عمرو بن عليّ الفلاس، وحميد بن مسعدة، كلاهما عن يزيد بن زُريع، قال: حدثنا حميد، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله المزنيّ، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، قال: «تخلّف رسول الله - ﷺ - …» الحديث. ورواه أبو عوانة في «مسنده» فقال: حدّثنا يوسف القاضي، قال: حدّثنا مسدّد، قال: حدّثنا يزيد بن زُريع، قال: ثنا حميد، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله المزنيّ، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، قال: «تخلّف رسول الله - ﷺ - …» الحديث. فقد اتّفق ثلاثة من الحفّاظ الذين رووا الحديث عن يزيد بن زريع على أن بكرًا المزنيّ إنما رواه عن حمزة بن المغيرة، لا عن عروة، فرواية محمد بن عبد الله بن بزيع مخالفًا لهم، حيث جعله عن بكر، عن عروة بن المغيرة تعتبر شاذّة. والحاصل أن الحديث مرويّ عن حمزة، وعروة ابني المغيرة بن شعبة - ﵁ -، لكن رواية بكر المزنيّ إنما هي عن حمزة بن المغيرة، عن ابن المغيرة غير مسمّى، ولا يقول بكر: عن عروة. أما روايته عن حمزة فقد قدّمناها من تخريج النسائيّ وأبي عوانة، وأما روايته عن ابن المغيرة غير مسمّى، فقد رواها مسلم هنا من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدّثني بكر بن عبد الله، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه. ومن طريق يحيى بن سعيد القطان، عن سليمان التيميّ، عن بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، قال بكر: وقد سمعت من ابن المغيرة. ورواها أيضًا ابن أبي شيبة في «مصنّفه»، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن التيميّ، عن بكر بن عبد الله، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه. وخلاصة القول أن الصحيح كون رواية بكر المزني، عن حمزة، لا عن عروة، وأن الخطأ فيه من شيخ مسلم، محمد بن عبد الله بن بزيع، كما قال الدارقطنيّ، لا من مسلم كما ظنّه أبو مسعود الدمشقيّ؛ لأنه لا دليل على ذلك؛ إذ لم يوجد أحد ممن روى عن شيخه من سلك الجادّة، فروى ما يوافق الحفاظ، فيذكر في روايته حمزة بدل عروة، فأما إذ لم يوجد هذا فليس نسبة الخطأ والوهم إلى مسلم صوابًا؛ إذ لا حجة فيه، فتبصّر ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) تقدّم أن الصواب في هذا حمزة أخوه، لا عروة (عَنْ أَبِيهِ) المغيرة بن شعبة - ﵁ - أنه (قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي تأخّر عن الناس (وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ) أي بأمره، وفي رواية النسائيّ: «تخلّف يا مغيرة، وامضوا أيها الناس»، وفي رواية له: «فقرع ظهري بعصًا كانت معه، فعدل، فعدلت …» الحديث (فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ) أي من بول، أو غائط (قَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟» فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ) - بكسر الميم -: الإداوة، والفتحُ لغةٌ، ومنه حديث: «السواك مَطْهَرَةٌ للفم» - بالفتح - وكلُّ إناء يُتَطَهَّر به مَطْهَرةٌ، والجمع المطاهر؛ قاله الفيّوميّ ﵀ . والمعنى هنا: أي فأتيته بإناء فيه ماء للطهارة. (فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ) وفي الرواية الآتية في الصلاة من طريق عروة بن المغيرة، عن أبيه: «وغسل يديه ثلاث مرّات، ثم غسل وجهه …» الحديث. (ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ) بكسر السين المهملة، وضمّها، يقال: حسر عن ذراعه حَسْرًا، من بابي ضرب، وقتل: كشف، وفي المطاوعة: فانحسر، وحسرت المرأة ذراعها، وخمارها : كشفته، فهي حاسرٌ بغير هاء . (عَنْ ذِرَاعَيْه، فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ) - بضمّ الكاف، وتشديد الميم -: مدخل اليد، ومخرجها من الثوب، جمعه أكمام، وكِمَمَة - بكسر، ففتح - كعِنبَةٍ . والمعنى أنه - ﷺ - لَمّا أراد أن يشمّر الثوب عن ذراعه؛ ليمكنه غسلهما ضاق عليه الكمّ (فَأَخْرَجَ يَدَهُ) المراد جنس اليد، فيشمل اليدين، وفي رواية أبي داود: «ثم حسر عن ذراعيه، فضاق كُمَّا جبّته، فأدخل يديه، فأخرجهما من تحت الجبّة، فغسلهما إلى المرفق» (مِنْ تَحْتِ الْجُبَّة، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ) - بفتح الميم، وكسر الكاف، بوزن مَجْلِس -: مُجْتَمَع رأس الكتف والْعَضُد (وَغَسَلَ ذِرَاعَيْه، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ) قال في «القاموس»: الناصية، والناصاة: قُصَاصُ الشعر. انتهى . (وَعَلَى الْعِمَامَةِ) أي ومسح على العمامة مع الناصية، ففيه تكميل مسح الرأس بالعمامة، فليس فيه حجة لمن قدّر مسح الرأس بربعه؛ لأنه ما اكتفى بمسح الناصية، بل أكمله بمسح العمامة، فيكون دليلًا لمن يرى وجوب تعميم الرأس بالمسح، إما مباشرة، أو بما عليه من العمامة ونحوه. وقال النوويّ ﵀: هذا مما احتجّ به أصحابنا على أن مسح بعض الرأس يكفي، ولا يشترط الجميع؛ لأنه لو وجب الجميع لَمَا اكتفى بالعمامة عن الباقي؛ فإن الجمع بين الأصل والبدل في عضو واحد لا يجوز، كما لو مَسَحَ على خفّ واحد، وغسل الرجل الأخرى، وأما التتميم بالعمامة فهو عند الشافعيّ، وجماعة على الاستحباب؛ لتكون الطهارة على جميع الرأس، ولا فرق بين أن يكون لَبِس العمامة على طهر، أو على حدث، وكذا لو كان على رأسه قلنسوة، ولم ينزعها مسح بناصيته، ويستحب أن يُتِمّ على القلنسوة كالعمامة. ولو اقتصر على العمامة، ولم يمسح شيئًا من الرأس لم يُجْزِه ذلك عندنا بلا خلاف، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأكثر العلماء رحمهم الله تعالى. وذهب أحمد بن حنبل ﵀ إلى جواز الاقتصار، ووافقه عليه جماعة من السلف. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد ومن معه من جواز الاقتصار على مسح العمامة هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك. والحاصل أنه يجب تعميم الرأس بالمسح، إما مباشرة، أو على ما لا يلاقيه من العمامة، ونحوها، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في المسألة العاشرة من مسائل الحديث [٥٤٤] (٢٢٦) فراجعه تستفد علمًا جَمًّا. [تنبيه مهمّ]: ثم وجدت للعلّامة أبي الحسن عبيد الله بن محمد المباركفوريّ، صاحب «مِرْعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ﵀ بحثًا نفيسًا في هذه المسألة أحببت إيراده هنا؛ تتميمًا للفوائد، وتكميلًا للعوائد، قال ﵀: استُدِلّ بقوله: «فمسح بناصيته، وعلى العمامة» لما ذهب إليه مالك، والشافعيّ، ومن معهما من أنه لا يجوز اقتصار المسح على العمامة، بل لا بدّ مع ذلك من المسح على الناصية، قيل: رواية مسلم هذه مفصّلة يُحمَل عليها ما في بعض طرقها، من أنه - ﷺ - مسح على الخفّين والعمامة، أخرجها الترمذيّ، وصححها. وذهب أحمد، وغيره من فقهاء أصحاب الحديث إلى جواز الاقتصار على مسح العمامة. واحتجّوا بحديث عمرو بن أُميّة - ﵁ - عند أحمد، والبخاريّ، وابن ماجه، وبحديث بلال - ﵁ - عند أحمد، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وبحديث سلمان - ﵁ - عند أحمد، وبأحاديث أبي أمامة، وخزيمة بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي ذرّ - ﵃ - عند الطبرانيّ، وبحديث أنس - ﵁ - عند البيهقيّ، وغير ذلك من الأحاديث التي ذكرها الزيلعيّ في «نصب الراية». واعتذر الأولون عن هذه الأحاديث بوجوه، كلُّها مخدوشة: (فمنها): أنها معلولة، مضطربةُ الأسانيد، وفيها رجال مجهولون. وتُعُقّب بأن أكثرها أحاديمث صحيحة مستقيمة، كما حقَّق صحّتها الحافظ في «التلخيص» وغيره. (ومنها): أن أحاديث المسح على العمامة من أخبار الآحاد، فلا تعارض الكتاب؛ لأن الكتاب يوجب مسح الرأس. وتُعُقّب بأن الآية لا تنفي الاقتصار على المسح على العمامة؛ لأن من قال: قَبَّلتُ رأس فلان يصدُق، ولو بحائل. (ومنها): أن الله تعالى فرض المسح على الرأس، والحديث في المسح على العمامة محتَمِل للتأويل، فلا يُترك المتيقّن للمحتَمِل، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس. وتُعُقّب بأن هذا الوجه يرجع إلى الوجه الثاني، وقد تقدّم جوابه، وتوضيحه أنه أجزأ المسح على الشعر، ولا يسمّى رأسًا. [فإن قيل]: يُسمّى رأسًا مجازًا بعلاقة المجاورة. [قيل]: والعمامة كذلك بتلك العلاقة، فإنه يقال: قبّلت رأسه، والتقبيل على العمامة، ويؤيِّد ذلك حملهم قراءة الجرّ في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في آية الوضوء على حالة التخفّف، فتأمّل. (ومنها): أن أحاديث المسح على العمامة مجملة، وحديث المغيرة - ﵁ - عند مسلم مفصَّلٌ، فتُحمل عليه، ويقال: إن أداء المفروض من مسح الرأس وقع بمسح الناصية؛ إذ هي جزء الرأس، وصارت العمامة تَبَعًا له، يعني أن المسح على العمامة كان زائدًا على أصل الفرض، وتعميمًا وتكميلًا، فرَخَّص لهم - ﷺ - بفعله بعد مسح الواجب أن يقتصروا من الاستيعاب على مسح العمائم. وتُعُقِّب بأنه لا موجب لحمل أحاديث المسح على العمامة على حديث المغيرة، فإنها وقائع مختلفة، ليست حكاية عن فعل واحد في وقت واحد، وأما أن المسح على العمامة كان زائدًا على أصل الفرض، وإتمامًا، ففيه أنه مجرّد دعوى، لا دليل عليها، فلا يُلتفت إليها. (ومنها): أنها حكاية حال، فيجوز أن تكون العمامة صغيرةً رقيقةً بحيث تمنع وصول البلّة منها إلى الرأس. وتُعُقّب بأن الكلّ من قوله، وفعله، وتقريره حجة لنا، وفي إنشاء مثل هذه الاحتمالات في أفعاله - ﷺ -، وأحواله من غير دليل ردٌّ للسنّة الصحيحة الثابتة، وأيضًا لا يَتحقّق وصول البلّة إلى الرأس إلا إذا كانت العمامة غير ذات أكوار، وفيه إبطال لمسمّى العمامة. (ومنها): أنه يَحتَمِل أن ذلك كان قبل نزول المائدة. وتُعُقّب بأنه لا يثبت النسخ بالاحتمال حتى يُعلَم التاريخ، وأيضًا لا منافاة بين الآية وبين أحاديث المسح حتى يُحتاج إلى التوفيق، أو ادّعاء النسخ. (ومنها): ما قال محمد بن الحسن في «موطّئه»: بلغنا أن المسح على العمامة كان فتُرِك. وتُعُقّب بأنه لا يثبت النسخ بمجرّد قول محمد بن الحسن، ولا بدّ لمن يَدَّعي النسخ أن يأتي بالحديث الناسخ الصحيح الصريح. (ومنها): أن الخطاب في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] كالخطاب في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولا يجوز مسح الوجه في التيمّم بحائل، فكذلك في الرأس. وتُعُقّب بأنه قد ثبت بالأحاديث الصحيحة المسح على العمامة، فقلنا به، ولم يثبت مسح الوجه في التيمّم بحائل، لا بحديث صحيح، ولا ضعيف، ولا بأثر صحابيّ، ولذلك لم يذهب إليه أحد من الأئمة، ولا حاجة إلى ردّ أحاديث المسح على العمامة بمثل هذا العذر الواهي. (ومنها): أن المراد بقوله: «مسح عمامته» مسح ما تحتها من قبيل إطلاق الحالّ على المحلّ. وتُعُقّب بأن هذا مجاز، وهو خلاف الأصل، فلا يُحمَل عليه إلا بدليل، ولا دليل. (ومنها): أنه يَحتَمِل أنه مسح ناصيته، وسَوَّى عمامته بيديه، فحسِبَ الراوي تسوية العمامة عند المسح مسحًا؛ لكونه بعيدًا. وتُعُقّب بأنه نسبة للخطأ إلى الصحابة من غير دليل، ورفعٌ للثقة بالأحاديث بمثل هذه الاحتمالات الضعيفة. (ومنها): أنه يَحتَمِل أنه كان ذلك لمرض منعه كشف رأسه، فصارت العمامة كالجبيرة. وتُعُقّب بأن هذا أيضًا احتمالٌ محضٌ، فلا يُلتفت إليه؛ لما فيه من ردّ السنة الصحيحة الثابتة. وبهذا علمتَ أن الحقّ ما ذهب إليه الإمام أحمد، ومن معه من ثبوت المسح على العمامة، كثبوته بالإجماع على الرأس. والحاصل أنه ثبت المسح على الرأس فقط، وعلى العمامة، فقط، وعلى الرأس والعمامة، والكلّ صحيح ثابت عن رسول الله - ﷺ -، مذكور في كتب الأئمة الصحاح، والنبيّ - ﷺ - مُبيّن لأمر الله، فقصر الإجزاء على بعض ما ورد لغير موجب ليس من دأب المنصفين. انتهى كلام عبيد الله المباركفوريّ ﵀ في «شرحه على المشكاة» ببعض تصرّف، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَعَلَى خُفَّيْهِ) أي ومسح أيضًا على خفّيه (ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ) أي وصلنا إلى الصحابة الذين تقدّموا على النبيّ - ﷺ -، وعلى المغيرة، بأمره - ﷺ - (وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاةِ) هي صلاة الصبح، كما بُيِّن في رواية أخرى (يُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ -) أي عَلِمَ عبد الرحمن بن عوف بحضور النبيّ - ﷺ - (ذَهَبَ) أي شرع، وبدأ (يَتَأَخَّرُ) عن إمامته؛ لظنّه أنه - ﷺ - يتقدّم، فيؤمّ الناس (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ) أي أشار النبيّ - ﷺ - إلى عبد الرحمن؛ ليُتمّ صلاته إمامًا (فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ) وفي الرواية الآتية: «فلما سلّم عبد الرحمن بن عوف» (قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَقُمْتُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا) - بفتح السين، والموحّدة، والقاف -، مبنيًّا للفاعل؛ أي الركعة الأولى التي فاتتنا قبل حضورنا. زاد في رواية عروة الآتية: «فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبيّ - ﷺ - صلاته أقبل عليهم، ثم قال: أحسنتم، أو قال: قد أصبتم، يَغْبِطهم أن صَلَّوا الصلاة لوقتها». [فإن قلت]: كيف بقي عبد الرحمن بن عوف إمامًا في صلاته، وتأخر أبو بكر الصديق - ﵄ - ليتقدم النبيّ - ﷺ -؟. [أجيب]: بوجود الفرق بينهما، وذلك أن في قضية عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبيّ - ﷺ - التقدم؛ لئلا يَخْتَلّ ترتيب صلاة القوم، بخلاف قضية أبي بكر - ﵁ -، فإنه كان في أول ركعة من صلاته، فلا يحصل بتقدّم النبيّ - ﷺ - على الناس اختلالٌ؛ أفاده النوويّ ﵀ ، ومسائل الحديث قد استوفيتها في الباب الماضي، فلا حاجة إلى إعادتها هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤٠] (…) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَة، عَنْ أَبِيه، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْن، وَمُقَدَّمِ رَأْسِه، وَعَلَى عِمَامَتِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٣. ٣ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطفيل، ثقة، من كبار [٩] (ت ١٨٧)، وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤١] (١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ) تقدّم أنه حمزة بن المغيرة بن شعبة، وتقدّم أن من قال فيه عروة بن المغيرة، فقد وَهِمَ، والحديث، وإن كان مرويًّا عن حمزة، وعروة كليهما، إلا رواية بكر بن عبد الله المزنيّ عن حمزة، لا عن أخيه عروة، فتنبّه. وقد تقدّم شرح الحديث، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤١] (…) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ بَكْرٍ، عَنِ الْحَسَن، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَة، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي، غير: ١ - (الْحَسَنِ) وهو: الحسن بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ فاضلٌ مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلّس، من كبار [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٦. [تنبيه]: هذا الإسناد فيه أربعة تابعيون، رَوَى بعضهم عن بعض، وهم سليمان بن طَرْخان، وبكر بن عبد الله، والحسن البصريّ، وابن المغيرة، واسمه حمزة، كما بيّنته آنفًا، وهؤلاء التابعيون الأربعة بصريون إلا ابن المغيرة، فإنه كوفيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤٢] (…) (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ الْحَسَن، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ مِنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِه، وَعَلَى الْعِمَامَة، وَعَلَى الْخُفَّيْنِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديّ، أبو بكر بُندار البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ المذكور في الباب الماضي. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. ٤ - (التَّيْمِيُّ) هو: سليمان بن طَرْخَان أبو المعتمر المذكور في السند الماضي. وقوله: (قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ مِنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول ببلادنا: «سمعت» بالتاء في آخره، وليس بعدها هاء، وقال القاضي هو عند جميع شيوخنا «سمعته» يعني بالهاء في آخره بعد التاء، قال: وكذا ذكره ابن أبي خيثمة، والدارقطنيّ، وغيرهما، قال: ووقع عند بعضهم، ولم أروه: «وقد سمعتُ» من ابن المغيرة، يعني بحذف الهاء، وقد تقدم سماعه الحديث منه، هذا كلام القاضي ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل معنى كلام بكر ﵀ هذا أنه سمع هذا الحديث عن الحسن البصريّ، عن ابن المغيرة بن شعبة، وسمعه أيضًا من ابن المغيرة دون واسطة الحسن، ثم إن قوله: «وقد سمعته» بالضمير أصرح في سماعه هذا الحديث، من قوله: «وقد سمعتُ» بدون الضمير؛ لاحتمال أن يكون المعنى أنه أراد مطلق السماع منه لهذا الحديث أو لغيره، فمعظم نسخ مسلم بدون هاء، وقد وقع في بعضها بالهاء، كما أشار إليه عياض، وبالهاء رواه النسائيّ في سننه. والحاصل أن الرواية وإن كانت بدون هاء إلا أنها تُحمل على الهاء؛ لأن حذف العائد المنصوب جائز في كلام العرب بكثرة؛ لكونه فضلةً، كما قال في «الخلاصة»: ....................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَـ «مَنْ نَرْجُو يَهَبْ» وقال أيضًا: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
مصادر المؤلف (٥١)

١. وفي نسخة: «ليث بن سعد».

٢. وفي نسخة: «فاَتْبَعَهُ».

٣. وفي نسخة: «وفي حديث ابن رمح».

٤. «الفتح» ١/ ٣٤٣.

٥. «الفتح» ١/ ٣٦٧.

٦. «الصحاح» ٣/ ٩٩١.

٧. راجع «الفتح» ١/ ٣٤٣.

٨. قال الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» (١٧٥١٥): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا مُعان بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهليّ، عن المغيرة بن شعبة، قال: دعاني رسول الله - ﷺ - بماء، فأتيت خِبَاء، فإذا فيه امرأة أعرابية، قال: فقلت: إن هذا رسول الله - ﷺ -، وهو يريد ماء يتوضأ، فهل عندك من ماء؟ قالت: بأبي وأمي رسول الله - ﷺ -، فوالله ما تُظِلّ السماء، ولا تُقِلّ الأرض رُوحًا أحبّ إلي من روحه، ولا أعزّ، ولكن هذه القربة مَسْكُ ميتة، ولا أحبّ أُنَجِّس به رسول الله - ﷺ -، فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبرته، فقال: «ارجع إليها، فإن كانت دبغته فهي طهورها»، قال: فرجعت إليها، فذكرت ذلك لها، فقالت: إي والله، لقد دبغتها، فأتيته بماء منها، وعليه يومئذ جبة شامية، وعليه خُفّان وخمار، قال: فأدخل يديه من تحت الجبة، قال: من ضيق كميها، قال: فتوضأ، فمسح على الخمار والخفين. انتهى.

٩. «الفتح» ١/ ٣٦٧.

١٠. «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٨.

١١. المراد فوائد حديث المغيرة - ﵁ - بطرقه المختلفة، سواء في الروايات التي ساقها المصنّف، أم في الروايات التي أشرت إليها في الشرح، لا خصوص سياق الرواية التي فرغت من شرحها، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.

١٢. «المفهم» ١/ ٥٢٩.

١٣. «المفهم» ١/ ٥٣٠.

١٤. «المفهم» ١/ ٥٣٠.

١٥. «شرح النوويّ»٣/ ١٧٣.

١٦. «صحيح البخاريّ» ١/ ٥٦.

١٧. «المفهم» ١/ ٥٢٩.

١٨. وفي نسخة: «حدّثنا».

١٩. وفي نسخة: «فضاقت، فأخرج يده».

٢٠. «الإعلام» ١/ ٦١٢.

٢١. راجع «القاموس» ص ١١٩٨.

٢٢. «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٨.

٢٣. «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٩.

٢٤. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢٥. «الفتح» ١/ ٣٧٠.

٢٦. «عمدة القاري» ٣/ ١٥١.

٢٧. «الفتح» ١/ ٣٧٠.

٢٨. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦١٣.

٢٩. «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٩٦ - ٩٧.

٣٠. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٢١ - ٦٢٢.

٣١. ذكر هاتين الفائدتين في «الفتح» ١/ ٣٧١.

٣٢. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦١٣.

٣٣. «تقييد المهمل» ٣/ ٧٩١ - ٧٩٢.

٣٤. «شرح النوويّ» ٣/ ١٧٠ - ١٧١.

٣٥. هكذا سجّل له في برنامج الحديث (صخر)، وذكر في «تهذيب التهذيب» عن صاحب «الزهرة» أن مسلمًا روى عنه تسعة أحاديث، وهو محلّ نظر، والله تعالى أعلم.

٣٦. أي صحيح الحديث.

٣٧. راجع «تهذيب التهذيب» ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤.

٣٨. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٨ - ٨٩، و«شرح النوويّ» ٣/ ١٧١.

٣٩. راجع ما كتبه الشيخ ربيع بن هادي في كتابه «بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ» ص ٨٣ - ٨٩ فقد أجاد، وأفاد.

٤٠. حديث صحيح، أخرج أحمد في «مسنده» رقم (٧) و(٦٣)، والنسائيّ في «سننه» رقم (٥).

٤١. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨٠.

٤٢. كان في «المصباح» تقييده بكونه من باب ضرب، فحذفته؛ لأنه من بابي ضرب، وقتل كسابقه، كما تفيده عبارة «القاموس المحيط»، حيث قال: حسره يَحْسُرُه - أي بالضمّ -، ويَحْسِرُهُ - أي بالكسر -: كشفه. انتهى.

٤٣. «المصباح المنير» ١/ ١٣٥.

٤٤. راجع «المصباح المنير»، و«المعجم الأوسط» في مادّة كم.

٤٥. «القاموس المحيط» ص ١٢٩، و«المصباح» ٢/ ٦٢٤.

٤٦. «القاموس» ص ١٢٠٥.

٤٧. راجع «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.

٤٨. «شرح النوويّ» ٣/ ١٧٣.

٤٩. وفي نسخة: «أن نبيّ الله - ﷺ -».

٥٠. وفي نسخة: «سمعته من ابن المغيرة».

٥١. وفي نسخة: «سمعته من ابن المغيرة».