HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٩

وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ وأبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ. ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ».
ج ١ ص ٢٣٤

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص١٦٣
(٧٣٥) حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا إبراهيم بن حمزة، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبيّ - ﷺ - قال: «إذا قام أحدكم إلى الوُضُوء حين يُصبِح، أو لعله قال: من نومه، أو كلمة نحوها، فليُفرِغ على يديه ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده». انتهى. وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: «ثَلَاثًا») ظاهر هذا أن رواية العلاء، عن أبيه أيضًا لم تقع فيها هذه الزيادة، لكن قد عرفت آنفًا من رواية أبي عوانة أنها وقعت فيها، وقد أسلفت آنفًا بأنه يُحمل على أن المصنّف ﵀ لم تقع له هذه الرواية التي فيها الزيادة، فليُتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٧) - (بَابُ حُكْمِ وُلُوغِ الْكَلْبِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٥٤] (٢٧٩) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرَقْهُ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ» . رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرِ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وأبو رَزِين مسعود بن مالك الأسديّ، وأبو صالح ذكوان السمّان. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي رَزِين، فما أخرج له البخاريّ إلا في «الأدب المفرد». ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فمروزيّ، والصحابى، وأبي صالح، فمدنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين: الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ)، أي شرب بطرف لسانه، وقال الفيّوميّ ﵀: وَلَغَ الكلب يَلَغُ وَلْغًا، من باب نَفَعَ، ووُلُوغًا: شَرِب، وسقوط الواو كما في يَقَعُ، ووَلَغَ يَلِغُ، من بابي وَعَدَ وَوَرِثَ لغةٌ، وَيوْلَغُ، مثلُ يَوْجَلُ لغةٌ أيضًا، ويُعدَّى بالهمزة، فيقال: أولغته: إذا سقيته. انتهى . وقال ابن دقيق العيد ﵀ : يقال: وَلَغَ الكلب في الإناء يَلَغُ - بفتح اللام في الماضي والمستقبل جميعًا - وُلُوغًا: إذا شَرِب بطرف لسانه، ويُولَغ: إذا أولغه صاحبه، قال الشاعر: مَا مَرَّ يَوْمٌ إِلَّا وَعِنْدَهُمَا … لَحْمُ رِجَالٍ أَوْ يُولَغَانِ دَمَا وحكى أبو زيد: وَلَغَ الكلب بشرابنا، وفي شرابنا، ويقال: ليس في شيء من الطيور ما يَلَغ غير الذباب. وقال ابن العربيّ ﵀: الولوغ للسباع والكلاب، كالشرب لبني آدم، وقد يُستعمل في الشرب للسباع، ولا يُستعمل الولوغ في الآدميّ، قال: وقال أبو عبيد: الوُلُوغ بضمّ الواو إذا شرب، فإن كثر ذلك، فهو بفتح الواو. انتهى . وقال النوويّ ﵀ في «شرح المهذّب»: قال أهل اللغة: يقال: وَلَغَ الكلب يَلَغُ بفتح اللام فيهما، وحَكَى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب، عن ابن الأعرابيّ أن من العرب من يقول: وَلِغَ بكسرها، والمصدر منها وَلَغًا، ووُلُوغًا، ويقال: أولغه صاحبه، قال: الوُلُوغ في الكلب والسباع كلّها أن يُدخِل لسانه في المائع، فيُحرّكه، ولا يقال: وَلَغَ بشيء من جوارحه غير اللسان، ولا يكون الوُلُوغ لشيء من الطير إلا الذباب، ويقال: لَحَسَ الكلب الإناءَ، وقَفَنَهُ، ولَجَنَهُ، ولَجَدَهُ بالجيم فيهما كلّه بمعنىً، إذا كان فارغًا، فإن كان فيه شيء قيل: وَلَغَ، وقال صاحب «المطالع»: الشرب أعمّ من الولوغ، فكلُّ وُلُوغ شُرْب، ولا عكسَ. انتهى . [تنبيه]: قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله: «إذا وَلَغَ الكلب» يَحْتَمِل وجهين: (أحدهما): أن يكون فيه حذفٌ، على أن يكون المراد: إذا ولغ في الشيء الذي في الإناء. (والثاني): أن لا يكون فيه حذفٌ؛ لأنه إذا ولغ فيما في الإناء، فقد ولغ في الإناء، وكان الإناء ظرفًا لولوغه. وأما الرواية التي فيها: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليُرقه»، فإن أُضمر عند قوله: «في» على أن يُقدَّر في شراب إناء أحدكم، أو في مظروف إناء أحدكم، استُغْنِي عن الإضمار في قوله: «فليُرقه»، وإن لم يُضمر أوّلًا، فلا بدّ من الإضمار آخرًا، وليكن التقدير: فليُرق شرابه، أو مظروفه، أو ما ولغ فيه، أو أشباه ذلك، ويُرَجَّح الثاني بأنّا إذا أضمرنا فليُرق شرابه، أو ما يقارب ذلك، كان الضمير للإناء، وقوله: «ثم ليغسله» الضمير فيه للإناء، فتتّحِد الضمائر، ولا تختلف، وإذا أضمرنا إذا ولغ في شراب إناء أحدكم، كان الضمير في قوله: «فليرقه» للشراب، والضمير في «ثم ليغسله» للإناء، فتختلف الضمائر مع المجاورة في اللفظ، وغيره أولى منه. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى . (فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) ظاهره العموم في الآنية، ومفهومه يُخرِج الماء المستَنقَعَ مثلًا، وبه قال الأوزاعيّ مطلقًا، لكن إذا قلنا بأن الغسل للتنجيس يَجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير، والإضافة التي في «إناء أحدكم» يُلْغَى اعتبارُها هنا؛ لأن الطهارة لا تتوقف على ملكه، وكذا قوله: «فليغسله» لا يتوقف على أن يكون هو الغاسل، قاله في «الفتح» . وقال الحافظ العراقيّ ﵀: استُدلّ بقوله: «في إناء أحدكم» على أنه إنما يُغسل من ولوغ الكلب إذا كان ولوغه في إناء، أما إذا ولغ في ماء مُستَنقع، فإنه لا يُغسل منه، ولا يُنجّسه، وإن كان الماء قليلًا، حكاه الطحاويّ عن الأوزاعيّ، وهو قول شاذّ، فإن ذلك لم يَخرُج مخرج القيد، وإنما خرج مخرج الغالب؛ لكون الغالب وضع مياههم وأطعماتهم في الآنية. انتهى . وكذا قوله: (فَلْيُرِقْهُ) أي فليَصبّه (ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ) لا يُشترط أن يكون المريق، والغاسل صاحب الإناء (سَبْعَ مِرَارٍ») وفي نسخة:«سبع مرّات»، قال أبو البقاء ﵀: أصله مرّات سبعًا على الصفة، فلمّا قُدّمت الصفة، وأضيفت إلى المصدر نُصِبت نصب المصدر. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف ﵀) هنا [٢٧/ ٦٥٤ و٦٥٥ و٦٥٦ و٦٥٧ و٦٥٨] (٢٧٩)، و(البخاريّ) في«الوضوء»(١٧٢)، و(أبو داود) في«الطهارة»(٧١ و٧٢)، و(الترمذيّ) في«الطهارة»(٩١)، و(النسائيّ) في«الطهارة»(١/ ٥٣ و١٧٦)، و(ابن ماجه) في«الطهارة»(٣٦٤)، و(مالك) في«الموطّأ»(١/ ٣٤)، و(الشافعيّ) في«مسنده»(١/ ٢١)، و(عبد الرزاق) في«مصنّفه»(٣٣٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في«مسنده»(١/ ٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١/ ١٧٣)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٢٥٣ و٣١٤ و٤٢٤ و٤٦٠)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٥٣٦ و٥٣٧ و٥٣٨ و٥٣٩ و٥٤٠ و٥٤١ و٥٤٢ و٥٤٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٦٤٣ و٦٤٤ و٦٤٥ و٦٤٦)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٩٨)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٢٩٤ و١٢٩٥ و١٢٩٦)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(٥١)، و(الدارقطنيّ) في«سننه»(١/ ٦٣ و٦٤ و٦٥)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(١/ ٢١)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١/ ٢٣٩)، و(البغويّ) في«شرح السنّة» (٢٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب غسل ما ولغ فيه الكلب. ٢ - (ومنها): أن فيه بيانَ نجاسة الكلب، وأن نجاسته مغلّظة، بل هي أغلظ النجاسات، ولذا أُمر بغسلها سبع مرّات، وباستعمال التراب فيه، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): بيان أنه لا يكفي في إزالة ولوغ الكلب إلا سبع غسلات. ٤ - (ومنها): أنه إذا ولغ الكلب في الإناء لا يكفي معالجة سؤره بالتطهير، بل لا بدّ من إراقته، ثم غسل الإناء بعده سبعًا، إحداهنّ بالتراب. ٥ - (ومنها): أن مفهوم الشرط في قوله: «إذا وَلَغَ» يقتضي قَصْرَ الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا: إن الأمر بالغسل للتنجيس يتعدَّى الحكم إلى ما إذا لَحَس، أو لَعِقَ مثلًا، يكون ذكر الوُلُوغ للغالب، وأما إلحاق باقي أعضائه، كيده، ورجله، فمذهب الشافعيّ أنه كذلك؛ لأن فمه أشرفها، فيكون الباقي من باب أولى، وخصه في القديم بالأُولى، وقال النوويّ في «الروضة»: إنه وجه شاذّ، وفي «شرح المهذَّب»: إنه القويّ من حيث الدليل، والأولوية المذكورة قد تُمْنَع؛ لكون فمه محلَّ استعمال النجاسات، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ، من عدم إلحاق باقي أعضاء الكلب بفمه هو الأرجح عندي؛ لقوّة دليله، كما قال، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): وجوب استعمال التراب مرّة واحدةً في الغسلات، والأفضل كونها مع الأولى؛ ليأتي الماء عليه بعدها. ٧ - (ومنها): تعيّن التراب في ذلك، فلا يجوز غيره من المزيلات، والمطهّرات؛ لأمور: ١ - أنه يحصل بالتراب من الإنقاء ما لا يحصل بغيره من المزيلات، والمطهّرات. ٢ - أنه ظهر في البحوث العلميّة الحديثة أنه يحصل من التراب خاصّة إنقاء لهذه النجاسة لا يحصل من غيره، وهذه إحدى المعجزات العلميّة لهذه الشريعة المحمّديّة التي لم ينطق صاحبها عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، فقد ثبت طبيًّا، واكتُشف بالآلات المكبّرة، والمجاهر الحديثة أن في لعاب الكلب مكروبات، وأمراضًا فتّاكةً، لا يُزيلها الماء وحده، ما لم يُستعمل معه التراب خاصّةً - فسبحان العليم الخبير -. ٣ - إن التراب مورد النصّ في الحديث، فالواجب التقيّد بالنصّ، ولو قام غيره مقامه لجاء نصّ يشمله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. ٨ - (ومنها): ما قاله صاحب كتاب «روح الدين الإسلاميّ»: ومن حِكَم الإسلام لوقاية الأبدان تقريره بنجاسة الكلب، وهذه معجزة علميّةٌ للإسلام، سبق بها الطبَّ الحديث، حيث أثبت أن الكلاب تنقل كثيرًا من الأمراض إلى الإنسان حين تصاب بدودة شريطيّة تتعدّاها إلى الإنسان، وتصيبه بأمراض عُضال، قد تَصِل إلى حدّ العدوان على حياته، وقد ثبت أن جميع أجناس الكلاب لا تسلم من الإصابة بهذه الديدان الشريطيّة، فيجب إبعادها عن كلّ ما له صِلَةٌ بالإنسان، من مأكل، أو مشرب. انتهى . ٩ - (ومنها): أنه يجوز استعمال التراب بأن يُطرح الماء على التراب، أو التراب على الماء، أو أن يؤخذ التراب المختلط بالماء، فيُغسل به المحلّ، أما مسح موضع الولوغ بالتراب فقط، فلا يُجزئ. ١٠ - (ومنها): أن ظاهر النصّ عامّ في جميع الكلاب، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك بعض العلماء، فقال: إن الكلب المأذون فيه للصيد، والحرث، والماشية مستثنًى من هذا العموم، وهذا يردّه حديث عبد الله بن المغفّل - ﵁ - الآتي، فإنه ظاهر في أن كلب الصيد ونحوه مأمور بغسل ما ولغ فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١١ - (ومنها): أن حكم النجاسة يتعدّى عن محلّها إلى ما يُجاورها بشرط كونه مائعًا. ١٢ - (ومنها): أن المائعات تنجُس إذا وقع في جزء منها نجاسة. ١٣ - (ومنها): أن الإناء ينجس إذا اتّصل بالمائع النجس. ١٤ - (ومنها): أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغيّر؛ لأن ولوغ الكلب لا يُغيّر الماء الذي في الإناء غالبًا. ١٥ - (ومنها): أن فيه بيان أن ورود الماء على النجاسة يُخالف ورودها عليه؛ لأنه - ﷺ - أمر بإراقة الماء لَمّا وردت عليه النجاسة، وهو حقيقة في إراقة جميعه، وأمر بغسله، وحقيقته تتأدّى بما يُسمّى غسلًا، ولو كان ما يُغسل به أقلّ مما أُريق. ١٦ - (ومنها): أن الأوزاعيّ: أخذ من قوله: «في إناء أحدكم» إخراج ماء المستنقع، لكن الجمهور على أن العبرة بالماء القليل، وهو الراجح. ١٧ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى -: الضمير المنصوب في قوله: «ثم ليغسله» عائد إلى الإناء، والإناء حقيقة في جملته، وقد لا يقع الولوغ فيما يعمّ الإناء، بل يختصّ بما يلاقي بعض الإناء، فهل يقال: إنما يُغسل ما لاقى الشيء الذي حصل فيه الولوغ، أو يقال: يغسل جميع الإناء؟. أما من قال: إن الغسل للنجاسة، أو القذارة، فلا شكّ أنه لا يقول إلا بالغسل فيما لاقاه الولوغ. وأما من قال بالتعبّد، فيلزمه أن يقول بغسل جميع الإناء، ما لاقى الولوغ، وما لم يلاقه؛ عملًا بحقيقة لفظة الإناء، فإن استكرهت هذا، فتأنّس بما قاله المغاربة من المالكيّة: إنه يغسل جميع الذَّكر من المذي؛ عملًا بحقيقة لفظ الذَّكر، وانطلاقها على الجملة، هذا مع كون المعنى معقولًا قطعًا في غسل ما لاقى المذي، وأنه للنجاسة. وإن لم يقل هذا الذاهب إلى التعبّد بغسل الإناء كلّه، واقتصر على الغسل فيما يلاقي عكر عليه هذا في القول بالتعبّد، وذلك بأن يقال: لو كان تعبّدًا لما اختصّ بمحلّ الولوغ، لكن يختصّ، فليس بتعبّد، وحينئذ يحتاج إلى الجواب عن هذا، وهذا الكلام يجري في غسل ظاهر الإناء. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: كون الغسل للنجاسة هو الأظهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم. ١٨ - (ومنها): ما قاله أيضًا: هل يجب هذا الغسل على الفور، أو عند إرادة الاستعمال؟. من قصر الأمر على التعبّد، فيناسبه إيجابه على الفور، وفي كلام بعض المالكيّة بناء على أن الأمر المطلق هل يقتضي الفور؟، وأنه إذا لم يقل بذلك جاز التأخير، هذا معنى قوله. وهو معترض؛ لأنه إذا لم يقل بأن الأمر المطلق على الفور لم يلزم منه انقطاع دلالة هذا الأمر على الفور من حيث إنه أمر مطلق، وقد يدلّ عليه من غير هذا الوجه، وهو التعقيب الذي تدلّ عليه الفاء، أو الظرفيّة التي تدلّ عليها «إذا» مع أن العامل فيها هو الفعل الذي بعدها في لفظ بعض الروايات، فيقتضي الأمر بالغسل المذكور عند الولوغ، فيخرج عنه ما لا يُمكن اعتباره، وهو حالة الولوغ تحقيقًا، ويبقى فيما عداه بحسب الإمكان، والمشهور من مذهب المالكيّة أنه لا يؤمر إلا عند قصد الاستعمال، وأما من قال بالتنجيس، فالأمر ظاهر في ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: كون الغسل فورًا هو الأشبه، والأقرب إلى براءة الذمّة، والمرجّح في الأصول عند تجرّد الأمر المجرّد عن القرائن ، فكيف، وقد حَفّت به هنا، كما قرّره ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - والله تعالى أعلم. ١٩ - (ومنها): بيان لطف الله تعالى بعباده، ورأفته بهم، حيث أباح لهم اقتناء الكلاب للحاجة، كالصيد، ونحوه، كما يأتي في حديث عبد الله بن المغفّل - ﵁ -، ومنعهم من اقتنائها لغير حاجة؛ لما فيه من إلحاق الضرر بالناس بالترويع ونحوه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نجاسة سؤر الكلاب، وطهارته: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلفوا في طهارة الماء الذي يَلَغُ فيه الكلب، فقالت طائفة: الماء طاهر يُتَطَهَّر به للصلاة، ويغسل الإناء كما أَمَر به النبيّ - ﷺ -، وكان الزهري يقول: إذا لم يجد غيره توضأ به، وكذلك قال مالك، والأوزاعي. وقالت طائفة: يتوضأ بالماء الذي وَلَغ فيه الكلب، ثم يتيمم بعده، رُوي هذا القول عن عَبْدة بن أبي لبابة، وبه قال سفيان الثوريّ، وعبد الملك الماجشون، ومحمد بن مسلمة. وقالت طائفة: الماء الذي ولغ فيه الكلب نَجَس يُهَراق، ويغسل الإناء سبعًا أولاهنّ، أو أخراهن بالتراب، هذا قول الشافعيّ، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي ، ثم رجّح ابن المنذر القول بعدم نجاسة الماء الذي ولغ فيه الكلب . وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: اختلف الفقهاء في سؤر الكلب، وما ولغ فيه من الماء والطعام، فجملة ما ذهب إليه مالك، واستقَرّ عليه مذهبه عند أصحابه أن سؤر الكلب طاهرٌ، ويغسل الإناء من ولوغه سبعًا تعبدًا استحبابًا أيضًا لا إيجابًا، وكذلك يستحب لمن وَجَدَ ماء لم يَلَغْ فيه الكلب مع ماء قد وَلَغَ فيه كلب أن يترك الذي ولغ فيه الكلب، وغيره أحب إليه منه، وجاءت عنه روايات في ظاهرها اضطراب، والذي تحصل عليه مذهبه ما أخبرتك، ولا بأس عنده بأكل ما ولغ فيه الكلب، من اللبن والسمن وغير ذلك، ويستحب هَرْق ما ولغ فيه من الماء، وفي الجملة هو عنده طاهر. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والليث بن سعد: سؤر الكلب نجس، ولم يَحُدُّوا الغسل منه، قالوا: إنما عليه أن يغسله حتى يغلب على ظنه أن النجاسة قد زالت، وسواء واحد أو أكثر. وقال الأوزاعيّ: سؤر الكلب في الإناء نجس، وفي المستَنْقَع ليس بنجس، قال: ويغسل الثوب من لعابه، ويغسل ما أصاب لحم الصيد من لعابه. وقال الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور، والطبريّ: سؤر الكلب نجس، ويُغْسَل الإناء منه سبعًا، أولاهن بالتراب، وهو قول أكثر أهل الظاهر، وقال داود: سؤر الكلب طاهرٌ، وغسل الإناء منه سبعًا فرضٌ إذا ولغ في الإناء، وسواء كان في الإناء ماء، أو غير ماء، هو طاهر، ويُغْسَل منه الإناء سبعًا، ويتوضأ بالماء الذي ولغ فيه، ويؤكل غير ذلك من الطعام والشراب الذي ولغ فيه. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: مَن ذهب إلى أن الكلب ليس بنجس فسؤره عنده طاهر، وغسل الإناء من ولوغه سبع مرات هو عنده تعبدٌ في غسل الطاهر خصوصًا لا يَتَعَدَّى، ومن ذهب إلى أن الكلب نجس، وسؤره نجس، ممن قال أيضًا: إن الإناء من ولوغه يغسل سبعًا، قال: التعبد إنما وقع في عدد الغسلات من بين سائر النجاسات. ومما احتج به من قال بنجاسة الكلب قوله - ﷺ -: «طهور إناء أحدكم …» الحديث، فأمره بتطهير الإناء يدلّ على نجاسته. وتعقّبه ابن عبد البرّ بأنه قد يقع التطهير على النجس وعلى غير النجس، ألا ترى أن الجنب ليس بنجس فيما مَسّ ولاصق، وقد قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فأمر الجنب بالتطهّر. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ ملخّصًا . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أرجح الأقوال القول بنجاسة ولوغ الكلب، وأنه إذا ولغ في الإناء وجب غسله سبع مرّات، ويُعفَّر الثامنة بالتراب. قال العلامة الشوكانيّ ﵀ في «شرح المنتقى» ما حاصله: ذهب الجمهور إلى نجاسة الكلب، وذهب عكرمة، ومالك في رواية عنه إلى أنه طاهر، ودليلهم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]؛ إذ لا يخلو الصيد عن التلوّث بريق الكلاب، ولم نؤمر بالغسل. وأجيب عن ذلك بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجّس من الصيد، وعدمُ الأمر؛ للاكتفاء بما في أدلّة تطهير النجس من العموم، ولو سُلِّم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه. انتهى . واستدلّوا أيضًا بما في «سنن أبي داود» عن عبد الله بن عمر، قال: «كانت الكلاب تبول، وتُقبِل وتُدبِر في زمان رسول الله - ﷺ - في المسجد، فلم يكونوا يرشّون شيئًا من ذلك»، وهو في «صحيح البخاريّ»، عن شيخه أحمد بن شبيب، بلفظ: وقال أحمد بن شبيب إلخ. قال ابن المنيّر: لا حجة فيه لمن استَدَلّ به على طهارة الكلاب؛ للاتفاق على نجاسة بولها. قال في «الفتح»: وتُعُقِّب بأن من يقول: إن الكلب يؤكل، وأن بول ما يؤكل لحمه طاهر يقدَح في نقل الاتفاق، لا سيما وقد قال جمع بأن أبوال الحيوانات كلها طاهرة، إلا الآدمي، وممن قال به ابن وهب، حكاه الإسماعيلي وغيره عنه، وسيأتي بيان ذلك. وقال المنذريّ: المراد أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، ثم تقبل وتدبر في المسجد؛ إذ لم يكن عليه في ذلك الوقت غَلَقٌ. قال: ويبعد أن تترك الكلاب تنتاب المسجد حتى تَمْتَهنه بالبول فيه. وتُعُقِّب بأنه إذا قيل بطهارتها لم يمتنع ذلك، كما في الهرة، والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجَعْلِ الأبواب عليها، ويشير إلى ذلك ما زاده الإسماعيليّ في روايته، من طريق ابن وهب في هذا الحديث عن ابن عمر، قال: «كان عمر يقول بأعلى صوته: اجتنبوا اللغو في المسجد، قال ابن عمر: وقد كنت أَبيت في المسجد على عهد رسول الله - ﷺ -، وكانت الكلاب الخ»، فأشار إلى أَن ذلك كان في الابتداء، ثم ورد الأمر بتكريم المسجد حتى من لغو الكلام، وبهذا يندفع الاستدلال به على طهارة الكلب. وأما قوله: «في زمان رسول الله - ﷺ -»، فهو وإن كان عامًّا في جميع الأزمنة؛ لأنه اسم مضاف، لكنه مخصوص بما قبل الزمن الذي أُمر فيه بصيانة المسجد. انتهى ما في «الفتح» . والحاصل: أن القول بنجاسة وُلُوغ الكلب هو الراجح عندي؛ لقوّة حجته، وأما سائر أجزائه، فطاهر؛ لأنه لم يقُم دليل على نجاسته، فهو باقٍ على البراءة الأصليّة، فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم غسل ولوغ الكلاب: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف أهل العلم في عدد ما يُغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه، فكان أبو هريرة، وابن عباس، وعروة بن الزبير، وطاوس، وعمرو بن دينار، ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، يقولون: يغسل سبع مرات. وذهبت طائفة إلى أنه يُغسَل ثلاث مرات، هكذا قال الزهريّ، وقال عطاء: كل ذلك قد سمعت سبعًا، وخمسًا وثلاث مرات. وقال بعضهم: يُغسَل الإناء من ولوغ الكلب فيه كما يُغسَل من غيره. انتهى . وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: اختَلَف العلماء في العمل بظاهر هذا الحديث، فذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من فقهاء المسلمين إلى أن الإناء يُغسَل من ولوغ الكلب سبع مرات بالماء. وممن رُوي عنه ذلك بالطرُق الصحاح أبو هريرة، وابن عباس، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وطاوس، وعمرو بن دينار، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود. وقال الزهريّ: يغسل ثلاث مرات. وقال عطاء: كلّ ذلك قد سمعت سبعًا وخمسًا وثلاث مرات. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والليث بن سعد إلى أنه يُغسَل بلا حَدّ. قال أبو عمر ﵀: قد ثبت عن النبيّ - ﷺ - في هذا ما يَرُدّ قول هؤلاء، فلا وجه للاشتغال به، ولقد رُوي عن عروة بن الزبير أنه كان له قَدَحٌ يبول فيه، فولغ فيه الكلب، فأمر عروة بغسله سبعًا؛ اتِّباعًا للحديث في ذلك. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ ملخّصًا . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحق الذي لا يجوز أن يُعدَل عنه هو القول بوجوب غسل ولوغ الكلاب سبع مرّات، بل ثمان مرّات، كما سيأتي؛ لوضوح حجته كالشمس في رابعة النهار، والذين قالوا بغير هذا إما يُعتذر عنهم بأنه لم يصل إليهم الخبر، أو أعرضوا عنه؛ لما ظنّوه أرجح منه، والظنّ قد يُصيب، وقد يُخطئ، وهذا خطأ بلا شكّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال في «الفتح»: خالف ظاهر هذا الحديث المالكية والحنفية، فأما المالكية فلم يقولوا بالتتريب أصلًا، مع إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم؛ لأن التتريب لم يقع في رواية مالك، قال القرافي منهم: لقد صحّت فيه الأحاديث، فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها؟، وعن مالك رواية أن الأمر بالتسبيع للندب، والمعروف عند أصحابه أنه للوجوب، لكنه للتعبد؛ لكون الكلب طاهرًا عندهم، وأبدى بعض متأخريهم له حكمةً غير التنجيس. وعن مالك رواية بأنه نجس، لكن قاعدته أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فلا يجب التسبيع للنجاسة بل للتعبد، لكن يَرِد عليه قوله - ﷺ - في أول هذا الحديث: «طُهُور إناء أحدكم»؛ لأن الطهارة تُستَعمل إما عن حدث أو خبث، ولا حَدَث على الماء، فتعيّن الخبث. وأجيب بمنع الحصر؛ لأن التيمم لا يَرفع الحدث، وقد قيل له: طُهُور المسلم، ولأن الطهارة تُطلَق على غير ذلك، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله - ﷺ -: «السواك مَطهَرة للفم». والجواب عن الأول بأن التيمم ناشئ عن حدث، فلما قام مقام ما يُطَهِّر الحدثَ سُمِّي طَهُورًا، ومن يقول بأنه يرفع الحدث يمنع هذا الإيراد من أصله. والجواب على الثاني أن ألفاظ الشرع إذا دارت بين الحقيقة اللغوية والشرعية حُمِلت على الشرعية إلا إذا قام دليل. ودعوى بعض المالكية أن المأمور بالغسل من وُلُوغه الكلبُ الْمَنْهيّ عن اتخاذه دون المأذون فيه يَحتاج إلى ثبوت تقدم النهي عن الاتخاذ على الأمر بالغسل، وإلى قرينة تدلّ على أن المراد ما لم يؤذن في اتخاذه؛ لأن الظاهر من اللام في قوله: «الكلب» أنها للجنس، أو لتعريف الماهية، فيحتاج المدَّعِي أنها للعهد إلى دليل، ومثله تفرقة بعضهم بين البدويّ والحضريّ. وادَّعَى بعضهم أن ذلك مخصوص بالكَلْب الكَلِب، وأن الحكمة في الأمر بغسله من جهة الطبّ؛ لأن الشارع اعتبر السبع في مواضع منه، كقوله: «صُبُّوا عليّ من سبع قِرَب»، وقوله: «مَن تصبّح بسبع تمرات عَجْوة». وتُعُقّب بأن الكلب الْكَلِب لا يقرب الماء، فكيف يؤمر بالغسل من ولوغه؟. وأجاب حفيد ابن رُشْد بأنه لا يقرب الماء بعد استحكام الكَلَب منه، أما في ابتدائه فلا يمتنع. وهذا التعليل وإن كان فيه مناسبة لكنه يستلزم التخصيص بلا دليل، والتعليل بالتنجيس أقوى؛ لأنه في معنى المنصوص. وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب بأنه رجس، رواه محمد بن نصر المروزيّ بإسناد صحيح، ولم يصحَّ عن أحد من الصحابة خلافه. والمشهور عن المالكية أيضًا التفرقة بين إناء الماء فيراق، ويغسل وبين إناء الطعام فيؤكل، ثم يغسل الإناء تعبدًا؛ لأن الأمر بالإراقة عامّ، فيُخَصُّ الطعام منه بالنهي عن إضاعة المال. وعورض بأن النهي عن الإضاعة مخصوص بالأمر بالإراقة، ويترجح هذا الثاني بالإجماع على إراقة ما تقع فيه النجاسة من قليل المائعات، ولو عَظُم ثمنه، فثبت أن عموم النهي عن الإضاعة بخلاف الأمر بالإراقة. وإذا ثبتت نجاسة سؤره كان أعمّ من أن يكون لنجاسة عينه، أو لنجاسة طارئة، كأكل الميتة مثلًا، لكن الأول أرجح؛ إذ هو الأصل، ولأنه يلزم على الثاني مشاركة غيره له في الحكم كالهرة مثلًا، وإذا ثبتت نجاسة سؤره لعينه لم يدُلّ على نجاسة باقيه إلا بطريق القياس، كأن يقال: لعابه نجس، ففمه نجس؛ لأنه متحلِّب منه، واللعاب عَرَقُ فمه، وفمه أطيب بدنه، فيكون عرقه نجسًا، وإذا كان عرقه نجسًا كان بدنه نجسًا؛ لأن العرق متحلِّب من البدن، ولكن هل يلتحق باقي أعضائه بلسانه في وجوب السبع والتتريب أم لا؟ تقدمت الإشارة إلى ذلك من كلام النوويّ. وأما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب، واعتذر الطحاويّ وغيره عنهم بأمور: [منها]: كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع. وتُعُقِّب بأنه يَحْتَمِل أن يكون أفتى بذلك، لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نَسِيَ ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضًا فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية مَن روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، وأما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وَرَدَت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة، فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عنه، وهو دون الأول في القوّة بكثير. [ومنها]: أن الْعَذِرَة أشدّ في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يُقَيَّد بالسبع، فيكون الوُلُوغ كذلك من باب أولى. وأجيب بأنه لا يلزم من كونها أشدّ منه في الاستقذار أن لا يكون أشدّ منها في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النصّ، وهو فاسد الاعتبار. [ومنها]: دعوى أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نَهَى عن قتلها نُسِخ الأمر بالغسل. وتُعُقِّب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جدًّا؛ لأنه من رواية أبي هريرة، وعبد الله بن مُغَفَّلٍ - ﵄ -، وقد ذَكَر ابن مغفل أنه سمع النبيّ - ﷺ - يأمر بالغسل، وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب. [ومنها]: إلزام الشافعية بإيجاب ثمان غَسَلات؛ عملًا بظاهر حديث عبد الله بن مغفل الذي أخرجه مسلم، ولفظه: «فاغسلوه سبع مرات، وعَفِّروه الثامنة في التراب»، وفي رواية أحمد: «بالتراب». وأجيب بأنه لا يلزم من كون الشافعية لا يقولون بظاهر حديث عبد الله بن مغفل أن يتركوا هُمْ العمل بالحديث أصلًا ورأسًا؛ لأن اعتذار الشافعية عن ذلك إن كان مُتَّجِهًا فذاك، وإلا فكلٌّ من الفريقين مَلُومٌ في ترك العمل به، قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وقد اعتذر بعضهم عن العمل به بالإجماع على خلافه، وفيه نظرٌ؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصريّ، وبه قال أحمد بن حنبل في رواية حرب الكرمانيّ عنه، ونُقِل عن الشافعيّ أنه قال: هو حديث لم أقف على صحته، ولكن هذا لا يُثبِت العذر لمن وقف على صحته. وجنح بعضهم إلى الترجيح لحديث أبي هريرة على حديث ابن مغفل، والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ بحديث ابن مغفل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس، والزيادةُ من الثقة مقبولةٌ، ولو سلكنا مسلك الترجيح في هذا الباب لم نَقُل بالتتريب أصلًا؛ لأن رواية مالك بدونه أرجح من رواية من أثبته، ومع ذلك فقلنا به؛ أخذًا بزيادة الثقة. وجَمَعَ بعضهم بين الحديثين بضرب من المجاز، فقال: لَمّا كان التراب جنسًا غير الماء جُعِل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودًا باثنتين. وتعقّبه ابن دقيق العيد بأن قوله: «وعَفِّروه الثامنة بالتراب» ظاهر في كونها غسلةً مستقلةً، لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع، كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازًا، وهذا الجمع من مُرَجِّحات تعيّن التراب في الأولى، والكلام على هذا الحديث، وما يتفرع منه منتشر جدًّا، ويمكن أن يُفْرَد بالتصنيف، ولكن هذا القدر كافٍ في هذا المختصر، والله المستعان. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان أقوال العلماء، وأدلّتها، بما لها وما عليها، ومما يأتي من حديث عبد الله بن مغفّل - ﵁ - أن أرجح الأقوال هو القول بوجوب غسل وُلُوغ الكلب ثمان مرّات، مع تتريب إحداهنّ، وكونها الأُولى هو الأَولى؛ لوضوح حجته النيّرة الواضحة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: وللعينيّ الحنفيّ تعقّبات على ما سبق عن «الفتح»، وكلها تعصّباتٌ محضة، قد ذكرت تفنيدها في «شرح النسائيّ»؛ أخذًا مما قاله المحقّقون من الحنفيّة، كصاحب «السعاية في شرح الوقاية»، والعلّامة المباركفوري في كتابيه: «أبكار المنن»، و«تحفة الأحوذيّ»، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قال ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى -: الإناءُ عامّ يدخل تحته أحوال الإناء لما كنّا قد قرّرنا في عموم الحكم في الأحوال إذا كان التخصيص ببعضها يخالف ما دلّ عليه اللفظ من العموم في الذوات على خلاف ما يقوله بعض المتأخّرين، فعلى هذا يدخل فيه الإناء الذي فيه الطعام؛ للعموم، ولمالك - رحمه الله تعالى - قول أنه لا يغسل إلا إناء الماء دون إناء الطعام، قال في «المدوّنة»: إن كان يُغسل سبعًا للحديث ففي الماء وحده. انتهى. ووُجِّه ذلك بأمرين: أحدهما: مبنيّ على تخصيص العامّ بالعرف، والعرف أن الطعام محفوظ عن الكلاب، مصونٌ عنها؛ لعزّته عند العرب، فلا يكاد الكلب يَصِل إلا إلى الماء، فيُقيّد اللفظ بذلك. الثاني: أن في الحديث «فليُرقه، وليغسله سبع مرّات»، والطعام لا يجوز إراقته؛ لحرمته، ولنهيه - ﷺ - عن إضاعة المال، متّفق عليه. ويجيء على البحث المتأخّر وجه ثالث، وهو أن يقال: هو عامّ في الأواني، مطلقٌ في أحوالها عَمِلنا به فيما إذا كان فيها الماء، والمطلق إذا عُمِل به مرّةً كفى في تأدّي الواجب، فلا يبقى حجة في إناء الطعام. فأما الوجه الأول فمبنيّ على تخصيص العموم بالعرف، وفيه مَنْعٌ في الأصول، والراجح عند كثير من الأصوليين خلافه. وأما الثاني، فضعيفٌ؛ لأن عموم الأمر بالإراقة يقتضي إراقة الطعام أيضًا، وتحريم إراقته ممنوع بعد دلالة العموم على الأمر بها، وماليّته أيضًا يمنعها القائل بتنجيسه بعد الولوغ فيه. وأما الاستدلال بالنهي عن إضاعة المال، فسيأتي البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. وأما الوجه المتأخّر فمتأخّر؛ لما بيّنّا أنا لو خصّصناه ببعض أحواله لكان الخارج عن تلك الأحوال مخصوصًا عن العموم مع دلالة العموم على تناوله، ووجوب المحافظة عليها. انتهى كلام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - وهو بحثٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): نهيه - ﷺ - عن إضاعة المال خاصّ بالمال عامّ بالنسبة إلى ما يَلَغ فيه الكلب، وما لم يَلَغ فيه، وأمره - ﷺ - بإراقة ما ولغ فيه الكلب خاصّ بالنسبة إلى ما لم يَلَغ فيه، عامّ بالنسبة إلى المال وغير المال، فكلّ واحد منهما عامّ من وجه، خاصّ من وجه. فلئن قال أحد الخصمين: أَخُصّ عموم الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب بالماء؛ عملًا بنهيه - ﷺ - عن إضاعة المال، قال خصمه: أَخُصّ نهيه - ﷺ - عن إضاعة المال بما لم يلغ فيه الكلب؛ عملًا بقوله: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليُرقه»، فإذا تقابلا فلا بدّ من الترجيح، وقد يُرجّح العمل بهذا الحديث؛ لوجهين: أحدهما: أن يقال: النهي عن إضاعة المال عاتم مخصوص بالاتّفاق، فإنه يُخرج عنه المائعات التي تغلو قيمتها، وتكثر بعد وقوع قطرة من البول فيها، والعموم في هذا الحديث غير مخصوص بالإجماع - أي حيث لم يُجْمَع على تخصيصه - فإن القائل بالنجاسة يعمّ به كلّ ما يُولَغُ فيه، والعمل بالعموم الذي لم يُجمَع على تخصيصه أولى من العمل بالعموم الذي أُجمع على تخصيصه. فإن قال: لا أسلِّم أن المائع الذي وقعت فيه قطرة البول مالٌ بعد وقوعها فيه، قال خصمه: لا أسلِّم أن الطعام مال بعد ولوغ الكلب فيه. الوجه الثاني: أن يقال: مقصود ذلك الحديث النهي عن التبذير، وإضاعة المال من غير غرض صحيح، والمقصود من هذا الحديث إما الإبعاد، وإما التنزّه عما لحقه سؤر الكلب؛ لنجاسته، أو لقذره، وهذا المقصود أخصّ بالنسبة إلى ما يقع فيه الولوغ من ذلك المقصود - أي النهي عن إضاعة المال - وقد ظهر اعتباره في بعض ما يقع فيه الولوغ، فالعموم بالنسبة إلى هذا المقصود أمسّ من العموم بالنسبة إلى ذلك المقصود إذا اعتبرنا المقاصد. انتهى كلام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - بحثٌ نفيسٌ. وحاصله ترجيح القول بعموم الإناء إناء الماء والطعام؛ لقوة مُدرَكه، كما حقّقه آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): لفظ الإناء لَمّا كان عامًّا دخل تحته إناء الفَخَّار غير المزجَّج مما يتشرّب الماء وغيره، ويغوص فيه، وقد حُكم بطهارته بالغسل، فقد يُجعل أصلًا لمسألة اختُلِف فيها، وهي أن الفَخّار إذا اتّصَل به نجسٌ غَوّاصٌ، كالبول، هل يطهر بالغسل؟ وكذلك ما يناسبه مثل الزيتون يُمَلَّح بماء نجس، والقَمْح يُنقَع بماء نجس، وهذا البحث بناء على نجاسة الماء، فيستمرّ من غير اعتراض؛ لأنه حينئذ لا فرق بين أن يَلَغَ في الماء الذي في الإناء، أو يؤخذ الماء الذي في الإناء بعد وُلُوغه، ويُجعَل في إناء فَخّار. قال الطحاويّ - رحمه الله تعالى - لَمّا تكلّم في مسألة نزح ماء البئر: فإن قال قائل: فأنتم قد جعلتم ماء البئر نجسًا بوقوع النجاسة فيها، فكان يقتضي ذلك أن لا تَطهُر البئر أبدًا؛ لأن حيطانها قد تشرّبت ذلك الماء النجس، واستكنّ فيها، فكان ينبغي أن تُطمّ. قيل له: ألم تر العادات جرت على هذا؟ وقد فَعَل عبد الله بن الزبير ما ذكرنا في ماء زمزم ، ورآه أصحاب رسول الله - ﷺ -، فلم يُنكروا ذلك عليه، ولا أنكره من بعدهما، ولا رأى أحد منهم طَمّها، وقد أمر رسول الله - ﷺ - في الإناء الذي قد نَجِسَ من ولوغ الكلب فيه أن يُغسل، ولم يأمر أن يُكْسَر، وقد تشرّب من الماء النجس، فكما لم يأمر بكسر الإناء في ذلك، فكذلك لا يُؤمر بِطَمّ تلك البئر، فهذه فائدة استنتجها الطحاويّ من هذا الحديث، ذكره ابن دقيق العيد ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة هذا البحث أن الإناء الذي أُمر بغسله من وُلُوغ الكلب عامّ، فيتناول ما يتشرّب الماء، كالفخّار، وما لا يتشرّبه كأواني الزجاج، فلا فرق بين النوعين في وجوب غسله فقط، ولا يلزم كسر النوع الأول، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): قال الحافظ العراقيّ - رحمه الله تعالى -: هل تتعدّد الغسلات في ولوغ الكلب بتعدّد الولغات من كلب واحد، أو كلبين، فأكثر؟ خلاف بين أصحابنا - يعني الشافعيّة - والأصحّ أنه يكفي للجميع سبع، وقيل: يجب لكلّ وَلْغة سبعٌ، وقيل: يكفي السبع في وَلَغَات الكلب الواحد، وتتعدّد بتعدّد الكلاب، وكذلك لو تنجّس بنجاسة أجنبيّة غير الكلب لم تجب الزيادة على السبع، بل يندرج الأصغر في الأكبر، كالحدث على الصحيح، وادَّعَى النوويّ، وابن الرفعة نفي الخلاف فيه، وليس بجيّد، ففيه وجه حكاه الرافعيّ في الشرح الصغير أنه يجب غسله للنجاسة الأجنبيّة أيضًا. انتهى كلام العراقيّ - رحمه الله تعالى - ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٥٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ : «فَلْيُرِقْهُ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٧. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقَاني - بضمّ المعجمة، وسكون اللام، بعدها قافٌ - أبو زياد الأسديّ الكوفيّ، لقبه شَقُوصَا - بفتح المعجمة، وضمّ القاف الخفيفة، وبالمهملة - صدوقٌ يُخطئ قليلًا [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) (ع)، تقدّم في «المقدّمة» ٥/ ٢٧. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ)، أي بإسناد عليّ بن مُسهر، عن الأعمش المذكور قبله، حال كون متنه مثل متنه. [تنبيه]: رواية إسماعيل بن زكريّاء التي أحالها المصنّف هنا على رواية عليّ بن مسهر لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٥٦] (…) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. والباقون تقدّموا في ثاني أحاديث هذا الباب. وقوله: (إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ) قال في «الفتح»: كذا هو في «الموطأ»، والمشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه عنه: «إذا وَلَغَ»، وهو المعروف في اللغة، يقال: وَلَغ يَلَغ - بالفتح فيهما -: إذا شَرِبَ بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرَّكه، وقال ثعلب: هو أن يُدخِل لسانه في الماء وغيره من كل مائع، فيحرّكه، زاد ابن دُرُسْتُوَيْهِ: شَرِب أو لم يشرَب، وقال ابن مكيّ: فإن غير مائع يقال: لَعِقَه، وقال المطرزيّ: فإن كان فارغًا يقال: لَحَسَه. وادَّعَى ابنُ عبد البر أن لفظ «شَرِبَ» لم يروه إلا مالك، وأن غيره رواه بلفظ «وَلَغَ»، وليس كما ادَّعَى، فقد رواه ابنُ خزيمة، وابن المنذر، من طريقين عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، بلفظ: «إذا شَرِب»، لكن المشهور عن هشام بن حسان بلفظ: «إذا وَلَغ»، كذا أخرجه مسلم وغيره من طُرُق عنه. وقد رواه عن أبي الزناد شيخِ مالك بلفظ: «إذا شرب» ورقاءُ بن عمر، أخرجه الْجَوْزَقيّ، وكذا المغيرة بن عبد الرحمن، أخرجه أبو يعلى، نعم، ورُوِيَ عن مالك بلفظ: «إذا ولغ»، أخرجه أبو عبيد في «كتاب الطهور» له، عن إسماعيل بن عمر عنه، ومن طريقه أورده الإسماعيليّ، وكذا أخرجه الدارقطنيّ في «الموطآت» له، من طريق أبي عليّ الحنفيّ، عن مالك، وهو في نسخة صحيحة من «سنن ابن ماجه»، من رواية رَوْح بن عُبادة، عن مالك أيضًا، وكأنّ أبا الزناد حدَّث به باللفظين؛ لتقاربهما في المعنى، لكن الشرب كما بينا أخصّ من الوُلُوغ، فلا يقوم مقامهُ. انتهى . وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى أولَ الكتاب قال: [٦٥٧] (…) - (وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ المذكور قريبًا. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن عُليّة، أبو بشر الأسديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وهشام بن حسّان هو: القُرْدوسيّ. وقوله: (أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) قال النوويّ ﵀: معنى الغسل بالتراب هو أن يُخلَط التراب في الماء حتى يتكدّر، ولا فرق بين أن يُطرح الماء على التراب، أو التراب على الماء، أو يأخذ الماء الكدِرَ من موضع، فيغسل به، فأما مسح موضع النجاسة بالتراب، فلا يُجزئ، ولا يجب إدخال اليد في الإناء، بل يكفي أن يُلقيه في الإناء، ويحرّكه، ويُستحبّ أن يكون التراب في غير الغسلة الأخيرة؛ ليأتي عليه ما يُنظّفه، والأفضل أن يكون في الأولى. انتهى كلام النوويّ ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) هكذا رواية ابن سيرين فيها التتريب، قال في «الفتح»: ولم يقع في رواية مالك التتريب، ولم يثبت في شيء من الروايات عن أبي هريرة إلا عن ابن سيرين، على أن بعض أصحابه لم يذكره، ورُوي أيضًا عن الحسن، وأبي رافع، عند الدارقطنيّ، وعبد الرحمن والد السُّدّيّ، عند البزار. واختلف الرواة عن ابن سيرين في محل غسلة التتريب، فلمسلم وغيره من طريق هشام بن حسّان عنه: «أُولاهنّ»، وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين، وكذا في رواية أبي رافع المذكورة، واختُلِف عن قتادة، عن ابن سيرين، فقال سعيد بن بَشِير عنه: «أُولاهنّ» أيضًا، أخرجه الدارقطنيّ، وقال أبان، عن قتادة: «السابعة»، أخرجه أبو داود، وللشافعيّ عن سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين: «أولاهن، أو إحداهنّ»، وفي رواية السدّيّ، عند البزار: «إحداهنّ»، وكذا في رواية هشام بن عروة، عن أبي الزناد عنه. فطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: «إحداهنّ» مُبْهَمَةٌ، و«أولاهنّ»، و«السابعة» مُعَيَّنةٌ، و«أو» إن كانت في نفس الخبر فهي للتخيير، فمُقتضى حمل المطلق على المقيد أن يُحْمَل على أحدهما؛ لأن فيه زيادة على الرواية المعينة، وهو الذي نَصَّ عليه الشافعيّ في «الأُمّ»، و«البُوَيطيّ»، وصرح به المرعشيّ، وغيره من الأصحاب، وذكره ابن دقيق العيد، والسبكيّ بحثًا، وهو منصوص كما ذكرنا، وإن كانت «أو» شَكًّا من الراوي، فرواية من عَيَّن ولم يَشُكَّ أولى من رواية من أبهم أو شك، فيبقى النظر في الترجيح بين رواية «أُولاهنّ» ورواية «السابعة»، وروايةُ «أولاهن» أرجح من حيث الأكثرية، والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضًا؛ لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نَصَّ الشافعي في حرملة على أن الأُولى أَوْلى، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله في «الفتح» تحقيقٌ نفيسٌ، خلاصته ترجيح رواية «أُولاهن» روايةً ودرايةً على غيرها، فيكون التتريب في الغسلة الأولى، حتى يتحقّق التنظيف المطلوب على الوجه الأحسن والأليق، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله - ﷺ -: «أولاهنّ»، وفي رواية: «أُخراهنّ» الذي يُفهَم منه أن المراد بالأولى المبتدأ بها، وبالأخرى المختتم بها، وفيه نزاع، وهو أن الأخرى تأنيث آخر - بفتح الخاء - وأن ذلك لا يدلّ إلا على المغايرة، لا على الانتهاء. قال ابن مالك - رحمه الله تعالى -: الفرق بي نآخرة وأخرى أن التي هي أنثى آخر لا تدلّ على الانتهاء، كما لا يدلّ عليه مذكّرها، فلذلك تعطف عليهما مثلهما من صنف واحد، كقولك: عندي رجل، وآخر، وآخر، وعندي امرأةٌ، وأُخرى، وأُخرى، وليس كذلك آخرة تدلّ على الانتهاء، كما يدلّ عليه مذكّرها، ولذلك لا يُعطَف عليهما مثلهما من صنف واحد، فلا يقال: جاء زيدٌ أول، وعمرو آخر، ورجلٌ آخر. وقال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب - رحمه الله تعالى -: لا يقال: العشر الأُخَر؛ لأن الأُخَرَ جمع أُخرى، وأُخرى تأنيث آخر، ومدلوله وصفٌ مغاير بمتقدّمٍ ذِكرُهُ، وإن كان متقدّمًا في الوجود، وكذلك مؤنّثه ومجموعه، وليست دلالته على المتأخّر في الوجود حتى صارت نسيًا منسيًّا، فتقول: مررت بزيد، ورجلٍ آخر، فلا يُفهم من ذلك إلا وصفه لمغاير متقدّم ذكره، وهو زيد، حتى صار معناه أحد الشيئين، ولا يُفهم من ذلك كونه متأخّرًا وجودًا، ومن ثمّ لم يقولوا: ربيع الآخَر، ولا جمادى الأُخرى؛ لعلمهم بانتفاء دلالة ذلك على مقصودهم؛ لأن المقصود التأخّر الوجوديّ، فعدلوا إلى ربيع الآخِرِ - بكسر الخاء - وإلى جمادى الآخِرة، حتى تَحْصُل الدلالة على مقصودهم في التأخّر الوجوديّ. انتهى ، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قال ابن دقيق العيد ﵀ أيضًا: قوله: «فاغسلوه سبعًا، أولاهنّ، أو أخراهنّ بالتراب»، قد يدلّ لما قاله بعض أصحاب الشافعيّ: إنه لا يكفي ذرّ التراب على المحلّ، بل لا بُدّ أن يجعله في الماء، ويوصله إلى المحلّ. ووجه الاستدلال أنه جعل مرّة التتريب داخلةً في قسم مسمَّى الغسلات، وذَرّ التراب لا يُسمّى غسلًا، قال: وهذا ممكنٌ، وفيه احتمالُ أنه إذا ذَرّ التراب على المحلّ، وأتبعه بالماء يصحّ أن يقال: غَسَلَ بالتراب، ولا بُدّ من مثل هذا في أمره - ﷺ - في غسل الميت بماء وسِدْر عند من يرى أن الماء المتغيّر بالطاهر غير طَهُور، إن جرى على ظاهر الحديث في الاكتفاء بغسلة واحدة؛ إذ بها يحصل مسمَّى الغسل، وهذا جيّد. إلا أن قوله: «وعفِّروه» قد يُشعر بالاكتفاء بالتتريب بطريق ذَرّ التراب على المحلّ، فإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيرًا لغةً، فقد ثبت ما قالوه ، لكن لفظة التعفير حينئذ تُطلق على ذرّ التراب على المحلّ، وعلى إيصاله بالماء
مصادر المؤلف (٣٧)

١. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢. وفي نسخة: «سبع مرّات».

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٧٢.

٤. «شرح الإلمام بأحاديث الأحكام» ٢/ ٢١٠ - ٢١١.

٥. «عارضة الأحوذيّ» ١/ ١٣٤.

٦. «المجموع» ٢/ ٥٨٨.

٧. «شرح الإلمام»٢/ ٢١٣ - ٢١٤.

٨. «الفتح»١/ ٣٣٠.

٩. «طرح التثريب»٢/ ١٢٠.

١٠. راجع:«زهر الربى»١/ ٥٣.

١١. «الفتح» ١/ ٣٣٠.

١٢. راجع: «توضيح الأحكام» للشيخ البسّام ﵀ ١/ ١٤٣ - ١٤٤.

١٣. «شرح الإلمام» ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٥.

١٤. «شرح الإلمام» ٢/ ٢٦١ - ٢٦٣.

١٥. راجع: ما حقّقته في: «التحفة المرضيّة» في الأصول ص ١٣٨.

١٦. هكذا قال ابن المنذر أن أصحاب الرأي يقولون: يُغسل سبعًا بالتراب، وفيه نظر؛ لأنهم يقولون: يُغسل ثلاثًا، بلا ترتيب، فتنبّه.

١٧. «الأوسط» ١/ ٣٠٦ - ٣٠٨.

١٨. راجع: «التمهيد» ١٨/ ٢٦٩ - ٢٧٨.

١٩. «نيل الأوطار» ١/ ٤.

٢٠. «الفتح» ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥.

٢١. راجع: «الأوسط» ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥.

٢٢. راجع: «التمهيد» ١٨/ ٢٦٧ - ٢٦٩.

٢٣. هذا القول هو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في أبواب التيمّم - إن شاء الله تعالى -.

٢٤. «الفتح» ١/ ٣٣١ - ٣٣٣.

٢٥. «شرح الإلمام» ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٧.

٢٦. «شرح الإلمام» ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٩.

٢٧. «الْفَخّار» بفتح الفاء، وتشديد الخاء: الطين المشويّ، وقبل الطبخ هو خَزَفٌ، وصَلْصَال. قاله في: «المصباح» ٢/ ٤٦٤.

٢٨. هو ما رواه الطحاويّ في: «شرح معاني الآثار» (١/ ١٧) بسند حسن، عن عطاء بن أبي رَبَاح أن حَبَشِيًّا وقع في زمزم فمات، فأمر ابن الزبير، فَنُزِح ماؤها، فجَعَل الماء لا ينقطع، فَنَظَر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير: حسبكم. انتهى.

٢٩. قد عرفت فيما سلف أن نجاسة الكلب محلّ نظر، فلا تنس، والله تعالى أعلم.

٣٠. «شرح الإلمام» ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠.

٣١. «طرح التثريب» ٢/ ١٢٥ - ١٢٦.

٣٢. وفي نسخة: «ولم يذكر».

٣٣. «الفتح» ١/ ٣٣٠.

٣٤. «شرح النوويّ» ٣/ ١٨٦.

٣٥. «الفتح» ١/ ٣٣١.

٣٦. «شرح الإلمام» ٢/ ٢١٤ - ٢١٨.

٣٧. أي: بعض أصحاب الشافعيّ الذين قالوا: لا يكفي ذَرّ التراب على المحلّ.