HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٣

وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. جَمِيعًا عَنْ ابْنِ وَهْبٍ. قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ؛ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» فَقَالَ: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناولها تناولا. بَاب وُجُوبِ غَسْلِ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ إذ حَصَلَتْ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَّ الأَرْضَ تَطْهُرُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَفْرِهَا
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص163
ج ١ ص ٢٣٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٢٠٩
وقوله: (لَا تَبُلْ) «لا» ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، و«تبُل» بفتح أوله، مضارع بال، من باب قال. وقوله: (الَّذِي لَا يَجْرِي) قيل: هو تفسير للدائم، وإيضاح لمعناه، وقيل: احتَرَزَ به عن راكد يَجري بعضه، كالْبِرَك، وقيل: احتَرَز به عن الماء الدائم؛ لأنه جارٍ من حيث الصورة، ساكن من حيث المعنى، ولهذا لم يذكر هذا القيد في حديث جابر - ﵁ - الماضي، بلفظ: «الراكد» بدل «الدائم»، وقال ابن الأنباريّ: الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن والدائر، ومنه أصاب الرأس دَوَامٌ، أي دوار، وعلى هذا فقوله: «الذي لا يَجرِي» صفةٌ مخصِّصةٌ لأحد معنيي المشترك، وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم الذي له نَبْعٌ، والراكد الذي لا نبع له . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٩) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاغْتِسَالِ في الْمَاءِ الرَّاكِدِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٦٤] (٢٨٣) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِر، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجّ، أَنَّ أَبَا السَّائِب، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ حَدَّثَهُ، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُم فِي الْمَاءِ الدَّائِم، وَهُوَ جُنُبٌ»، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْإَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السَّعْديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م دس ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م دس ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التَّسْتُريّ، صدوق [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٤. ٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٦ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤. ٧ - (أَبُو السَّائِب، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ) هو: أبو السائب الأنصاريّ المدنيّ، مولى هشام بن زُهْرَة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زُهْرة، ويقال: مولى بني زُهْرة، ويقال: اسمه عبد الله بن السائب، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، والمغيرة بن شعبة، وسعد بن أبي وقاص - ﵃ -. ورَوَى عنه العلاء بن عبد الرحمن، وصَيْفيّ مولى أفلح، وأسماء بن عبيد، وبكير بن عبد الله بن الأشجّ، وغيرهم. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقةٌ، مقبول النقل، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ووقع في «نوادر الأصول» في الأصل الثامن والستين أنه جُهَنِيّ، وأن اسمه عبد الله بن السائب. انتهى . أخرج له البخاريّ في «جزء القراءة»، والباقون، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٨٣) و(٣٩٥) و(٢٢٣٦) وأعاده بعده. ٨ - (أَبَو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأن له فيه ثلاثةً من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى أبي السائب، وهو والصحابيّ مدنيّان. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بُكير، عن أبي السائب. ٤ - (ومنها): أن أبا السائب هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما له فيه من الأحاديث. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ) تقدّم أنه ابن عبد الله، فهو منسوب إلى جدّه (أَنَّ أَبَا السَّائِب، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ) بضمّ الزاي، وسكون الهاء (حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ)، أي الساكن (وَهُوَ جُنُبٌ»)، جملة في محلّ نصب على الحال، قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: مادّة الجنابة دالّةٌ على البعد، وما يقاربه من المعنى، قال الشاعر [من الطويل]: يَنَالُ نَدَاكَ الْمُعْتَفِي عَنْ جَنَابَةٍ … وَللْجَارِ حَظٌّ مِنْ نَدَاكَ سَمِينُ أي يناله عن بُعد، وتجانب الرجلان: تباعد كلّ منهما عن صاحبه، والْجُنُبُ من الرجال: البعيد الغريب، قال الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وقال الشاعر: مَا ضرَّهَا لَوْ غَدَا لِحَاجَتِنَا … غَادٍ كَرِيمٌ أَوْ زَائِرٌ جُنُبُ أي بعيد، وقد حُمِل عليه قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، فقيل: عن بُعُد، ويُثَنّى هذا ويُجمَعُ، فيقال: هما جنبان، وهم جنبون وأَجْناب، قالت الْخَنْسَاء: فَابْكِي أَخَاكِ لأَيْتَامٍ وَأَرْمَلَةٍ … وَابْكِي أَخَاكِ إِذَا جَاوَرْتِ أَجْنَابًا وقيل: معنى تجنّب الرجلُ الشيء: أي جعله جانبًا وتركه، فقيل: من هذا يقال: رجل جُنُبٌ: أي أصابته جنابة، كأنه في جانب عن الطهارة. والجنابة في عرف حملة الشرع تُطلَق على إنزال الماء، أو التقاء الختانين، أو ما يترتّب على ذلك. قال أبو القاسم الراغب في «المفردات»: وقوله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أي أصابتكم الجنابة، وذلك بإنزال الماء، أو بالتقاء الختانين، ثم قال: وسُمِّيت الجنابة بذلك؛ لكونها سببًا لتجنّب الصلاة في حكم الشرع. انتهى . (فَقَالَ) السائب (كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ) أبو هريرة: - ﵁ - (يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا)، أي يغترف منه بالإناء اغترافًا، قال القرطبيّ ﵀: يعني أن يتناول منه، فيغتسل خارجه، ولا ينغمس فيه، وهذا كما قال مالك حيث سُئل عن نحو هذا، فقال: يحتال، وهذا كلّه محمول على غير المستبحر ، وأما إذا كان كثيرًا مستبحرًا بحيث لا يتغيّر، فلا بأس به؛ إذ لم يتناوله الخبر، وللإجماع على أن الماء إذا كان بحيث لا تسري حركة المغتسل، أو المتوضّئ إلى جميع أطرافه، فإنه لا تضرّه النجاسة إذا لم تُغيّره، وهو أقصى ما فُرّق به بين القليل والكثير في المياه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: أقصى ما فرّق إلخ فيه نظر، بل الصواب أن أصحّ الفرق بين القلّة والكثرة هو ما جاء عن النبيّ - ﷺ - حيث قال: «إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث»، وفي لفظ: «لم ينجس»، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وصححه الحاكم، وابن حبّان، وغيرهما، وقد استوفيت البحث فيه في «شرح النسائيّ» ، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - عنه هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [٢٩/ ٦٦٤] (٢٨٣)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٩٧)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٦٠٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٩٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٢٥٢)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٥٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٥١ - ٥٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٧٧٩)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٦٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم. ٢ - (ومنها): أن النهي للتحريم؛ لأنه الأصل فيه عند محقّقي الأصوليين حتى يصرفه صارف إلى غيره، ولا حاجة إلى تكلّف بعضهم كالقاضي عياض لصرفه إلى التنزيه بكون النهي على طريق التنزّه والإرشاد إلى مكارم الأخلاق؛ لأن هذا لا ينافي التحريم، بل كلّ مناهي الشرع تعود إلى هذا، كما هو ظاهر لمن تأمّله بالإنصاف. ٣ - (ومنها): أن تقييد الحكم بصفة كون الماء دائمًا، يُفهم منه مخالفة هذا الحكم عند كونه جاريًا، فيباح الاغتسال فيه، قال القاضي عياض ﵀: وقوله: «الماء الذي لا يجري» دليلٌ على أن الجاري بخلافه. انتهى . ٤ - (ومنها): هذا النهي عامّ بالنسبة إلى المغتسلين، فيدخل فيه المغتسل، وعلى بدنه أذى، والمغتسل، وليس على بدنه شيء، ويشمل أيضًا نوعي الجنابة: إنزال الماء، والتقاء الختانين، وعامّ أيضًا بالنسبة إلى الأَغسال المختلفة باختلاف نيّاتها، من غسلٍ ينوي فيه رفع الحدث، أو أداء فرض الغسل، أو استباحة الصلاة، أو استباحة ما لا يُستباح إلا بالغسل، فكلّه غسل عن الجنابة، قاله ابن دقيق العيد ﵀. ٥ - (ومنها): أن تقييده بكونه عن الجنابة يُخرج عنه ما ليس بغسل جنابة، كالغسل تبرّدًا وتنظّفًا، قال ابن دقيق العيد ﵀: وهذا قد يخدش في التعليل بالاستقذار والعِيَافة، فإن ذلك قد يحصل بمجرّد الاغتسال، وإن لم يكن عن جنابة، إلا أنها في الجنابة أقوى إن لم يتحقّق سلامة البدن من الأذى. قال: ما ليس بغسل جنابة ينقسم قسمين: أحدهما: ما لا يدخل في باب القرب، كما مثّلناه من التبرّد والتنظّف. والثاني: ما هو داخل في باب القرب، كالأغسال المسنونة، مثلُ غسل العيدين، والكسوف، وغيرهما، فظاهر التقييد بغسل الجنابة يقتضي إباحة ذلك، ولكن فيه نظرٌ يختصّ به، وينفرد عن القسم الأول، وهو أداء العبادة. انتهى . ٦ - (ومنها): هل يتعدّى هذا الحكم إلى الوضوء حتى يكره أن يغمس المحدث أعضاءه في الماء الراكد للطهارة الصغرى؟. أما من لا يقول بالقياس فلا شكّ أنه لا يُعَدّيه إليه، وأما من يقول به، فيُمكن أن يُعَدّيه بجامع الطهارة عن الحدث، إلا أن هذا ليس قياسًا في معنى الأصل، فيكون ملحقًا بفوائد الحديث، وليس أيضًا بقويّ؛ لأنه إن أخذ قياس شَبَه على ضعف قياس الشبه، فالاختلاف بين الحدث الأكبر والأصغر في الأحكام كثير يضعف ذلك القياس، وإن أخذ قياس علّة، فالعلّة المذكورة في هذا الحديث من الاستقذار والعِيَافة قد لا يساوي فيها الحدث الأصغر الحدثَ الأكبرَ، فيمتنع القياس؛ لفقدان شرطه، قاله ابن دقيق العيد ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه ابن دقيق العيد في كلامه هذا أن قياس الوضوء على الاغتسال غير صحيح، فالأولى الاقتصار على الاغتسال، وهو تحقيق جيّد، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه استَدَلَّ أبو يوسف بهذا الحديث على تنجيس الماء المستعمل؛ لأن البول يُنَجِّس الماء، فكذلك الاغتسال، وقد نُهِي عنهما معًا، وهو للتحريم، فيدُلّ على النجاسة فيهما. ورُدّ بأنها دلالة اقتران، وهي ضعيفة، وعلى تقدير تسليمها فلا يلزم التسوية، فيكون النهي عن البول لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه لئلا يَسلُبه الطهورية، ويزيد ذلك وضوحًا قوله في الرواية الآتية من طريق أبي السائب، عن أبي هريرة - ﵁ -: «كيف يفعلُ يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا»، فدَلّ على أن المنع من الانغماس فيه؛ لئلا يَصِير مستعملًا، فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابيّ أعلم بموارد الخطاب من غيره، وهذا من أقوى الأدلة على أن المستعمل غير طَهُور، قاله في «الفتح». وقال العلّامة الشوكانيّ ﵀: وقد استُدِلّ بالنهي عن الاغتسال في الماء الدائم على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلًا للتطهير؛ لأن النهي ها هنا عن مجرد الغسل، فدَلّ على وقوع المفسدة بمجرده، وحكم الوضوء حكم الغسل في هذا الحكم؛ لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء يقذِّر الماء كما يقذره الغسل. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح كون الماء المستعمل طَهُورًا؛ لقوّة أدلّته، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الماء المستعمل: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في الوضوء والاغتسال بالماء المستعمل، فقالت طائفة: لا يجوز الوضوء به. كان مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي لا يرون الوضوء بالماء الذي تُوُضِّئ به. واختُلِف فيه عن الثوريّ، فحَكَى عنه الفاريابي أنه قال كقول هؤلاء، وحَكَى عنه الأشجعيُّ أنه قال: إذا نسيت أن تَمْسح برأسك، وقد توضأت، وفي لحيتك بَلَلٌ أجزأك أن تمسح مما في لحيتك أو يدك، وأن تأخذ ماءً لرأسك أحبّ إليّ. وقال أحمد في جنبٍ اغتسل في بئر فيها من الماء أقل من قلتين، قال: لا يجزيه قد أنجس ذلك الماء. وقالت طائفة: لا بأس بالوضوء بالماء المستعمل؛ لأنه ماء طاهر، وليس مع من أبطل الطهارة بهذا الماء حجة، وليس لأحد أن يتيمم وهو يجد الماء. واحتَجَّ بعضُ مَن يقول بهذا القول بأَخْبَار رُويت عن عليّ، وابن عمر، وأبي أمامة، فيمن نسي مسح رأسه، أو وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل. ثم أخرج ما نُقل عن هؤلاء بأسانيده، ثم قال: وكذلك قال عطاء بن أبي رباح، والحسن البصريّ، والنخعيّ، ومكحول، والزهريّ، وهذا من قولهم يدلّ على طهارة الماء المستعمل، وعلى استعمال الماء المستعمل، وكان أبو ثور يقول: إن توضأ بالماء المستعمل الذي تَوَضّأ به أجزأه إذا كان نظيفًا. قال ابن المنذر ﵀: ومن حجة مَن يرى الوضوء بالماء المستعمل قوله جل ذكره: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] قال: فلا يجوز لأحد أن يتيمم، وماء طاهر موجود، وهذا يلزم من أوجب القول بظاهر الكتاب، وترك الخروج عن ظاهره. واحتُجَّ في إثبات الطهارة للماء المستعمل بحديث جابر - ﵁ -، قال: أَتَى رسول الله - ﷺ - يعودني، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، وصَبّ عليّ من وَضُوئه، متّفق عليه. قال: فهذا الحديث يدل على طهارة الماء المتوضأ به. ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن الرُّبَيِّع أن النبيّ - ﷺ - مَسَحَ رأسه من فضل ماء في يده، فبدأ بموخَّر رأسه إلى مقدمه، ثم جرّه إلى مؤخره. قال ابن المنذر: فدَلّ هذا الحديث على مثل ما دل عليه الحديث الأول، فأجمع أهل العلم على أن الرجل المحدث الذي لا نجاسة على أعضائه لو صَبّ ماء على وجهه أو ذراعيه، فسال ذلك عليه، وعلى ثيابه، أنه طاهر، وذلك أن ماء طاهرًا لاقى بدنًا طاهرًا، وكذلك في باب الوضوء ماءٌ طاهرٌ لاقى بدنًا طاهرًا، وإذا ثبت أن الماء المتوضأ به طاهر، وَجَب أن يَتَطَهَّر به من لا يجد السبيل إلى ماء غيره، ولا يتيمم، وماء طاهر موجود؛ لأن في الحديث عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «الصعيد الطيّب وَضُوء المسلم، ما لم يجد الماء، فإذا وجدت الماء، فأَمْسِسه بشرتك» . فأوجب الله تعالى في كتابه، وعلى لسان نبيه - ﷺ - الوضوء بالماء، والاغتسال به على كل مَن كان واجدًا له ليس بمريض، وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قَطَر منه على ثيابهما طاهرٌ دليلٌ على طهارة الماء المستعمل، وإذا كان طاهرًا فلا معنى لمنع الوضوء به بغير حجة يَرْجِع إليها مَن خالف القول. انتهى كلام ابن المنذر ﵀، وهو تحقيقٌ مفيدٌ. وقال العلّامة الشوكانيّ ﵀: وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعيّ، والشافعيّ، ومالك في إحدى الروايتين عنهما، وأبو حنيفة في رواية عنه. واحتجُّوا بهذا الحديث، وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة، واحتج لهم بما رُوي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء، لا بما تساقط منه. وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملًا، بل مصيره مستخبثًا بتوارد الاستعمال، فيبطل نفعه، ويوضِّح ذلك قولُ أبي هريرة: «يتناوله تناولًا»، وباضطراب متنه، وبأن الدليل أخصّ من الدعوى؛ لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة، والمدَّعَى خروج كل مستعمل عن الطَّهُورية. وأجيب عن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملًا، ولو سُلِّم فالدليل أخص من الدعوى؛ لأن المدَّعَى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه مسلم وأحمد من حديث ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة، وأخرجه أحمد أيضًا، وابن ماجه بنحوه من حديثه، وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، وصححه من حديثه بلفظ: اغتَسَلَ بعضُ أزواج النبيّ - ﷺ - في جَفْنَة، فجاء النبيّ - ﷺ - ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال: «إن الماء لا يُجْنِب». وأيضًا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال. وأجيب عن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم، لا بما تساقط، بأنه لا يكون حجةً إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك؛ لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم، كالحسن البصريّ، والزهريّ، والنخعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين، ونسبه ابن حزم إلى عطاء، وسفيان الثوريّ، وأبي ثور، وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فَنِي؛ لأنهم لم يكونوا يتوضئون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير، لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف، وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار. وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطَّهُورية، وتحتم البقاء على البراءة الأصلية، لاسيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة، كحديث: «خُلِق الماء طهورًا»، وحديث مسحه - ﷺ - رأسه بفضل ماء كان بيده، وغيرهما. قال الجامع عفا الله عنه: ومن الأحاديث الدالّة على مذهب من قال بطهوريّة الماء المستعمل حديث صَبِّه - ﷺ - لوَضُوئه على جابر - ﵁ -، وتقريره للصحابة على التبرك بوَضُوئه، متّفقٌ عليه. ومنها: حديث أبي جحيفة - ﵁ - قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة، فأُتي بوَضُوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وَضوئه، فيتمسحون به، متّفقٌ عليه. وحديثُ أبي موسى - ﵁ - عنده أيضًا قال: دعا النبيّ - ﷺ - بقَدَح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومَجّ فيه، ثم قال لهما - يعني أبا موسى وبلالًا -: «اشْرَبَا منه، وأَفْرِغَا على وجوهكما ونُحوركما»، متّفقٌ عليه. وحديث السائب بن يزيد - ﵁ - قال: ذهبت بني خالتي إلى النبي - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وَجِعٌ - أي مريض - فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ، فشربت من وَضوئه، ثم قمت خلف ظهره. . . الحديث، متّفق عليه. فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء: إن هذه الأحاديث غاية ما فيها الدلالة على طهارة ما توضأ به - ﷺ -، ولعل ذلك من خصائصه - ﷺ -. قلنا: هذه دعوى غير نافقة، فإن الأصل أن حكمه - ﷺ -، وحكم أمته واحد إلا أن يقوم دليل يَقْضِي بالاختصاص، ولا دليل هنا، وأيضًا الحكم بكون الشيء نجسًا حكمٌ شرعيّ يَحتاج إلى دليل يلتزمه الخصم فما هو؟، قاله الشوكانيّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال القولُ بطهارة الماء المستعمل، وأنه تجوز الطهارة به؛ للأدلّة الواضحة الكثيرة، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [خاتمة]: نختم بها هذا الباب: (اعلم): أن مما يتعلّق بهذا الباب من المسائل المهمّة ما أصدره مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربيّة السعودية من القرار تجاه المياه المتلوّثة بالنجاسات إذا عُولجت بواسط الوسائل الفنّيّة، ثم زالت منها النجاسة، فقد قرّر ما يلي: قرارٌ رقم ٦٤ في ٢٥/ ١٠/ ١٣٩٨ هـ الآتي: بعد البحث والمداولة والمناقشة قرّر المجلس ما يلي: بناءً على ما ذَكَره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغيّر بنجاسة يطهر إذا زال تغيّره بنفسه، أو بإضافة ماء طهور إليه، أو زال تغيّره بطول مكث، أو تأثير الشمس، ومرور الرياح عليه، أو نحو ذلك؛ لزوال الحكم بزوال علّته. وحيث إن المياه المتنجّسة يمكن التخلّص من نجاستها بعدّة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنّيّة الحديثة لأعمال التنقية يُعتبر من أحسن وسائل التطهير حيث يبذل الكثير من الأسباب المادّيّة لتخليص هذه المياه من النجاسات كما يشهد بذلك ويقرّره الخبراء المختصّون بذلك ممن لا يتطرّق الشكّ إليهم في عملهم وخِبْرتهم وتجاربهم. لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خِلْقتها الأولى، لا يُرى فيها تغيّر بنجاسة في طعم ولا لون ولا ريح، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها منها، كما يجوز شربها إلا إذا كانت هناك أضرار صحيّة تنشأ عن استعمالها، فيمتنع ذلك؛ محافظة على النفس، وتفاديًا للضرر لا لنجاستها. والمجلس إذ يقرّر ذلك يستحسن الاستغناء عنها في استعمالها للشرب متى وُجِد إلى ذلك سبيل؛ احتياطًا للصحّة، واتّقاءً للضرر، وتنزّهًا عما تستقذره النفوس، وتنفر منه الطباع. والله الموفّق، وصلى الله على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم. انتهى قرار مجلس هيئة كبار العلماء، والله تعالى أعلم. وأما مجلس مجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة العالم الإسلاميّ في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرّمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩ م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ فقد نظر في السؤال عن حكم ماء المجاري بعد تنقيته، هل يجوز رفع الحدث بالوضوء والغسل به؟ وهل تجوز إزالة النجاسة به؟. وبعد مراجعة المختصّين بالتنقية بالطرق الكيماويّة، وما قرّروه من أن التنقية تتمّ بإزالة النجاسة منه على مراحل أربع، وهي الترسيب، والتهوية، وقتل الجراثيم، وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجهاسة أثرٌ في طعمه ولونه وريحه، وهم مسلمون، عدولٌ، موثوق بصدقهم وأمانتهم. قرّر المجمع ما يأتي: إن ماء المجاري إذا نُقّي بالطرق المذكورة وما يُماثلها، ولم يَبقَ للنجاسة أثر في طعمه، ولا في لونه، ولا في ريحه صار طَهُورًا، يجوز رفع الحدث، وإزالة النجاسة به؛ بناءً على القاعدة الفقهيّة التي تقرّر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثرٌ فيه، والله أعلم. انتهى قرار مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة العالم الإسلاميّ. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أجمع عليه المجلسان من طهارة ماء المجاري بعد المعالجة بالطرق الحديثة، بحيث لم يبق للنجاسة أثرٌ من طعم،
مصادر المؤلف (٩)

١. «الفتح» ١/ ٤١٣.

٢. راجع: «تهذيب التهذيب» ٤/ ٥٢٦.

٣. راجع: «شرح الإلمام» ٢/ ٢٦ - ٢٩.

٤. «المستبحر» هو الذي يُعدّ كالبحر.

٥. «المفهم» ١/ ٥٤٣.

٦. راجع: «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى» ٢/ ١٠ - ٢٠.

٧. «شرح الإلمام» ٢/ ٣٥ - ٣٦.

٨. «شرح الإلمام» ٢/ ٣٥ - ٣٦.

٩. حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود في: «سننه» (١/ ٩٠).