HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٣

حدثنا أو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وإسحاق بن إبراهيم (قال إسحاق: أخبرنا. وقال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَا، إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَأْتَزِرُ بِإِزَارٍ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص166
ج ١ ص ٢٤٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٣٣٧
والحيض المنسوب إلى هذه الحيوانات بمعنى السيلان . (الثانية): قيل: للحيض عشرة أسماء: حيضٌ، وطَمْثٌ - بالمثلّثة - وضَحِك، وإكبارٌ، وإعصارٌ، ودِرَاس، وعِرَاك - بالعين المهملة - وفِرَاك - بالفاء - وطَمْس - بالسين المهملة - ونفاس، وأوصلها بعضهم إلى خمسة عشر اسمًا، ونظمها بقوله [من البسيط]: لِلْحَيْضِ عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ وَخَمْسَتُهَا … حَيْضٌ مَحِيضٌ مَحَاضٌ طَمْثُ إِكْبَارُ طَمْسٌ عِرَاكٌ فِرَاكٌ مَعْ أَذًى ضَحِكٌ … دَرْسٌ دِرَاسٌ نِفَاسٌ قُرْءٌ اعْصَارُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٥] (٢٩٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَتَأْتَزِرُ بِإِزَارٍ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الحافظ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) الْحَرَشيّ أبو معاوية النسائيّ، ثم البغداديّ الحافظ تقدّم قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويهْ الإمام الحافظ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، ثم الرازيّ، تقدّم قبل بابين. ٥ - (مَنْصُور) بن المعتمر الكوفي الحافظ، تقدّم قبل باب. ٦ - (إِبْرَاهِيم) بن يزيد النخعيّ الكوفي الفقيه، تقدّم قبل باب. ٧ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ تقدّم قبل باب أيضًا. ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت قبل باب أيضًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): فيه قوله: «قال إسحاق أخبرنا إلخ»، ومعنى ذلك أن شيوخه اختلفوا في كيفيّة التحمّل، فأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير رويا الحديث عن جرير سماعًا من لفظه، ولذا قالا: حدّثنا جرير، وأما إسحاق فسمع قراءة قارئ يقرأ على جرير، ولذا قال: أخبرنا جرير، فقوله: «جرير» مرفوع على الفاعليّة، تنازعه كلّ من «أخبرنا»، و«حدّثنا»، كما مرّ نظيره غير مرّة، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه الثلاثة، فأبو بكر، وزهير ما أخرج لهما الترمذيّ، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير زهير، فنسائيّ، نزيل بغداد، وإسحاق مروزيّ، وعائشة - ﵂ - مدنيّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، على قول من عدّ منصورًا من صغار التابعين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَا)، أي إحدى أزواج النبيّ - ﷺ -، قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في الأصول في الرواية في الكتاب: «عن عائشة: كان إحدانا» من غير تاء في «كان»، وهو صحيحٌ، فقد حَكَى سيبويه في كتابه في «باب ما جَرَى من الأسماء التي هي من الأفعال، وما أشبهها من الصفات مَجْرَى الفعل»، قال: وقال بعض العرب: قال امرأةٌ، فقد نَقَلَ إمام هذه الصنعة أنه يجوز حذف التاء من فِعْلِ ما له فرج من غير فصل، وقد نَقَلَه أيضًا الإمام أبو الحسين بن خَرُوف في «شرح الْجُمَل»، وذكره آخرون، ويجوز أن تكون «كان» هنا التي للشأن والقصة، أي كان الأمر، أو الحال، ثم ابتَدَأَت، فقالت: إحدانا إذا كانت حائضًا أَمَرَها، والله أعلم. انتهى . وإلى هذه اللغة أشار ابن مالك: في «الخلاصة» حيث قال: وَالْحَذْفُ قَدْ يَأْتِي بِلَا فَصْلٍ وَمَعْ … ضَمِيرِ ذِي الْمَجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ (إِذَا كَانَتْ حَائِضًا) تقدّم أن «حائضًا» بلا تاء هو اللغة الفصحى؛ وذلك لكونه وصفًا خاصًّا بالنساء، فلا حاجة إلى إدخال التاء، وجاء أيضًا «حائضة» بتاء بناءً له على حاضت، وجمع الحائض: حُيَّض، مثل راكع ورُكَّع، وجمع الحائضة: حائضات، مثلُ قائمة وقائمات . (أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) حذف مفعوله، أي بالائتزار، ولفظ البخاريّ: «أمرها أن تتّزر» (فَتَأْتَزِرُ) بهمزة ساكنة، مضارع ائتزر، قال القرطبيّ ﵀: الائتزار: شدّ الإزار على الوسط إلى الركبة، وقال ابن القصّار: من السرّة إلى الركبة، وهذا منه - ﷺ - مبالغة في التحرّز من النجاسة، وإلا فالحماية تحصُل بخرقة تحتشي بها. انتهى . [تنبيه]: قوله: «فتَأْتَزر» بالهمزة هكذا رواية المصنف، وهي اللغة الفصحى، وفي رواية البخاريّ: «فتتّزر»، بتشديد التاء الثانية، وأصله تأتزر، بوزن تفتعل، وأنكر أكثر النحاة الإدغام فيه، حتى قال صاحب «المفصّل»: إنه خطأٌ، لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين ، وحكاه الصغانيّ في «مجمع البحرين»، وقال ابن مالك : إنه مقصور على السماع، ومنه قراءة ابن محيصن: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣] بالتشديد، قاله في «الفتح» . وقال العينيّ ﵀ عند شرح قولها «فأتَّزِر» ما نصّه: بفتح الهمزة، وتشديد التاء المثناة من فوقُ وأصله ائتزر بالهمزتين، أولاهما مفتوحة، والثانية ساكنة؛ لأن أصله من أَزَرَ، فنُقل إلى باب افتعل، فصار ائتزر يَأْتَزِرُ، وكذا استُعمِل من غير إدغام في حديث آخر، وهو: «كان النبيّ - ﷺ - يباشر بعض نسائه، وهي مؤتزرة في حالة الحيض»، وقال ابن الأثير: وقد جاء في بعض الروايات: وهي مُتَّزِرة، وهو خطأ؛ لأن الهمزة لا تُدْغَم في التاء. قال العينيّ: فعلى هذا ينبغي أن يقرأ فآتَزِر بالمد؛ لأن الهمزتين إذا اجتمعتا، وكانت الأولى متحركة، والثانية ساكنة، أُبدلت الثانية حرف علة من جنس حركة الأولى، فتبدل ألفًا بعد الفتحة، فكذلك ها هنا؛ لأن أصله أَأْتَزِر، بهمزتين الأولى متحركة، والثانية ساكنة، فأُبدلت الثانية ألفًا، فصار آتزر بالمد. وقال ابن هشام: وعوامّ المحدثين يُحَرِّفونه، فيقرؤونه بألف وتاء مشددة، ولا وجه له؛ لأنه افتَعَل من الإزار، ففاؤه همزة ساكنة، بعد همزة المضارعة المفتوحة، وكذا الزمخشري أنكر الإدغام. وقال الكرمانيّ: فإن قلت: لا يجوز الإدغام فيه عند التصريف، قال صاحب «المفصل»: قول من قال: «اتَّزر» خطأ. قلت: قول عائشة، وهي من فصحاء العرب حجة في جوازه، فالْمُخَطِّئ مخطئٌ. قال العينيّ: إنما يصح ما ادعاه إذا ثبت عن عائشة أنها قالت بالإدغام، فلم لا يجوز أن يكون هذا خطأً مثل ما قال معظم أئمة هذا الشأن، ويكون الخطأ من بعض الرواة، أو من عوامّ المحدثين، لا من عائشة رضي الله تعالى عنها؟. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أشار ابن مالك ﵀ إلى أن الإدغام المذكور شاذّ في «الخلاصة» بقوله: ذُو اللِّينِ فَاتَا فِي افْتِعَالٍ أُبْدِلَا … وَشَذَّ فِي ذِي الْهَمْزِ نَحْوُ «ائْتَكَلَا» (بِإِزَارٍ) بكسر الهمزة، هو ثوب يُحيط بالنصف الأسفل من البدن، يُذكّر، ويؤنّث . وقال في «المصباح»: الإزار معروفٌ، والجمع في القلّة آزرة، وفي الكثرة أُزُرٌ بضمّتين، مثل حِمَار وحُمُر، ويُذكّر ويؤنّث، فيقال: هو الإزار، وهي الإزار، وربّما أُنّث بالهاء، فقيل: إزارة. انتهى باختصار . (ثُمَّ يُبَاشِرُهَا) من المباشرة التي هي أن يمسّ الجلد الجلدَ، أي يمسّ بشرته بشرتها، وليس المراد به الجماع؛ لأن جماع الحائض حرام . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «ثم يباشرها»: أي تلتقي بشرتاهما، والبَشَرة: ظاهر الجلد، والأدمة باطنه، ويعني بذلك الاستمتاع بما فوق الإزار، والمضاجعة، كما قال - ﷺ - للذي سأله عما يحلّ من امرأته الحائض، فقال: «لتشدّ عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها» ، وهذا مبالغة في الحماية، وأما المحرَّم لنفسه فهو الفرج، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، من السلف وغيرهم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [١/ ٦٨٥ و٦٨٦] (٢٩٣)، و(البخاريّ) في «الحيض» (٣٠٠ و٣٠٢)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٦٨)، (١١٤) حدثني يحيى، عن مالك، عن زيد بن أسلم، أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -، فقال: ما يَحِلّ لي من امرأتي، وهي حائض؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لتشُدّ عليها إزارها، ثم شأنك باعلاها». و(الترمذيّ) فيه (١٣٢)، و(النسائيّ) في «الحيض» (١/ ١٥١ و١٨٩)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٦٣٥ و٦٣٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١٣٧٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٢٣٧) (١/ ٦٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٢٥٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥٥ و١٣٤ و١٧٠ و١٧٤ و١٨٢ و١٨٧ و١٨٩ و٢٠٦ و٢٠٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٤٢ و٢٤٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٠٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٦٤)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ١٧٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٣١٠ و٣١٢ و٣١٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣١٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٩١ و٨٩٢ و٨٩٣ و٨٩٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٧٦ و٦٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان جواز مباشرة الحائض، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أمر الرجل زوجته الحائض أن تتّزر، فإذا اتّزرت جاز له مباشرتها. ٣ - (ومنها): الأخذ بالأحوط خشية الوقوع في الحرام. ٤ - (ومنها): بيان أن المباشرة تكون فوق الإزار، لا تحته، وفيه خلاف سيأتي ترجيح الجواز في المسألة التالية أيضًا - إن شاء الله تعالى -. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من ضبط النفس، وقوّة الإرادة، حيث لا تغلبه شهوته. ٦ - (ومنها): جواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع معها في لحاف واحد، إذا ائتزرت. ٧ - (ومنها): أنه أبدى في «الفتح» وجهًا مفرّقًا بين ابتداء الحيض وما بعده؛ لظاهر التقييد بقولها: «فور حيضتها»، قال: ويؤيّده ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن، عن أم سلمة - ﵂ -: «أن النبيّ - ﷺ - كان يتّقي سَوْرة الدم ثلاثًا، ثم يباشر بعد ذلك» ، ويُجمع بينه وبين الأحاديث الدالّة على المبادرة إلى المباشرة على اختلاف هاتين الحالتين. انتهى . ٨ - (ومنها): أن عرق الحائض طاهر؛ لأن الاضطجاع معها في لحاف واحد لا يخلو غالبًا من إصابة العرق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم مباشرة الحائض: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يباشر المرأة من نسائه، وهي حائض، قال: ورَوَينا عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال فيما يحل للرجل من امرأته حائضًا: ما فوق الإزار، لا يَطَّلعَنّ إلى ما تحته حتى تطهر، وقالت عائشة - ﵂ -: تَشُدّ إزارها على أسفلها، ثم يباشرها، وبمثل هذا المعنى قال سعيد بن المسيِّب، وشُريح، وعطاء، وطاوس، وسليمان بن يسار، وقتادة، وكان مالك بن أنس يقول: تشدّ إزارها، ثم شأنه بأعلاها، وكان الشافعيّ يقول: دَلَّت السنة على اعتزال ما تحت الإزار، وإباحة ما فوقه. ورَخَّصَ أحمد، وإسحاق، وأبو ثور في مباشرتها، ورَوَينا عن عليّ، وابن عباس - ﵃ - قالا: ما فوق الإزار، وعن أم سلمة، أنها أباحت مضاجعة الحائض، إذا كان على فرجها خِرْقة. ورَخَّصت طائفة لزوج الحائض إتيانها دون الفرج، ورَوَينا هذا القول عن عكرمة، والشعبيّ، وعطاء، وقال الحكم: لا بأس أن يَضَعَه على الفرج، ولا يُدْخِله، وقال الحسن: له أن يَلْعَب على بطنها، وبين فخذيها، وقال سفيان الثوريّ: لا بأس أن يباشرها زوجها إذا أنقَى موضع الدم، وقال أحمد: ما دون الجماع، وقال إسحاق: لو جامعها دون الفرج، فأنزل لم يكن به بأس، وقال النخعيّ: إن أم عمران لتعلم أني أطعن بين أَلْيتها ، وهي حائض. قال ابن المنذر ﵀: الأعلى، والأفضل اتباع السنة، واستعمالها، ثبت أن النبيّ - ﷺ - أَمَر عائشة - ﵂ - أن تتزر، ثم يباشرها، وهي حائض، ولا يَحرُم عندي أن يأتيها دون الفرج، إذا اتّقى موضع الأذى، والفرجُ بالكتاب، وبإتفاق أهل العلم مُحَرَّم في حال الحيض، وسائرُ البدن إذا اختلفوا فيه على الإباحة التي كانت قبل أن تحيض، وغير جائز تحريم غير الفرج، إلا بحجة، ولا حجة مع مَن مَنَعَ ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقال غير واحد من العلماء: من حيث أمركم الله: أن يعتزلوهن في حال الحيض، والمباح منها بعد أن تطهر هو الممنوع منها قبل الطهارة، والفرج مُحَرَّم في حال الحيض بالكتاب، والإجماع، وسائرُ البدن على الإباحة التي كانت قبل الحيض. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وقال النوويّ ﵀: (اعلم): أن مباشرة الحائض أقسام: [أحدها]: أن يباشرها بالجماع في الفرج، فهذا حرام بإجماع المسلمين، بنصّ القرآن العزيز، والسنة الصحيحة، قال أصحابنا: ولو اعتَقَد مسلم حِلَّ جماع الحائض في فرجها، صار كافرًا مرتدًّا، ولو فعله إنسان غير معتقد حِلَّه، فإن كان ناسيًا، أو جاهلًا بوجود الحيض، أو جاهلًا بتحريمه، أو مُكْرَهًا، فلا إثم عليه، ولا كفارة، وإن وَطِئها عامدًا عالِمًا بالحيض والتحريم مختارًا، فقد ارتَكَب معصية كبيرةً، نَصّ الشافعي على أنها كبيرة، وتجب عليه التوبة، وفي وجوب الكفارة قولان للشافعيّ، أصحهما وهو الجديد، وقول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، وجماهير السلف أنه لا كفارة عليه، وممن ذهب إليه من السلف: عطاءٌ، وابن أبي مليكة، والشعبيّ، والنخعيّ، ومكحول، والزهريّ، وأبو الزناد، وربيعة، وحماد بن أبي سليمان، وأيوب السختيانيّ، وسفيان الثوريّ، والليث بن سعد - رحمهم الله تعالى أجمعين -. والقول الثاني، وهو القديم الضعيف أنه تجب عليه الكفارة، وهو مرويّ عن ابن عباس، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وقتادة، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأحمد في الرواية الثانية عنه. واختَلَف هؤلاء في الكفارة، فقال الحسن، وسعيد: عِتْقُ رقبة، وقال الباقون: دينار، أو نصف دينار، على اختلاف منهم في الحال الذي يجب فيه الدينار، ونصف الدينار، هل الدينار في أول الدم، ونصفه في آخره، أو الدينار في زمن الدم، ونصفه بعد انقطاعه؟ وتعلقوا بحديث ابن عباس المرفوع: «مَن أتى امرأته، وهي حائض، فليتصدق بدينار، أو نصف دينار»، وهو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، فالصواب ألّا كفّارة، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «حديث ضعيف باتّفاق الحفّاظ» غير صحيح، فقد صححه جمع من الأئمة، وهو الذي يظهر لي، فممن صحّحه الحاكم، والذهبيّ، وابن القطّان الفاسيّ، وابن دقيق العيد، وابن حجر، ومن المتأخرين الشوكاني، وأحمد شاكر، والألبانيّ، قال الحافظ ﵀ ما حاصله: الصواب تصحيحه، فكم من حديث قد احتجّوا به، فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا الحديث، كحديث بئر بضاعة، وحديث القلّتين، ونحوهما، وفي ذلك ما يَرُدّ على النوويّ دعواه أنه ضعيف باتفاق الأئمة، وتبعه في ذلك ابن الصلاح. انتهى . وقد حقق الكلام فيه العلامة أحمد شاكر: فيما كتبه على الترمذيّ تحقيقًا بالغًا، فارجع إليه، تجد علمًا جمًّا . والحاصل أن الحديث صحيح، وهو حجة لمن أوجب التصدّق بدينار، أو نصف دينار، وأن الراجح أن «أو» للتخيير، فيكون من الواجب المخيّر بين أن يعطي دينارًا، أو نصف دينار، وقد حقّقت البحث في هذا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد علمًا ، وبالله تعالى التوفيق. [القسم الثاني]: المباشرة فيما فوق السرة، وتحت الركبة بالذَّكَر، أو بالقبلة، أو المعانقة، أو اللمس، أو غير ذلك، وهو حلال، باتفاق العلماء، وقد نَقَل الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وجماعة كثيرة الإجماع على هذا، وأما ما حُكِي عن عَبِيدة السلمانيّ وغيره، من أنه لا يباشر شيئًا منها بشي منه، فشاذٌّ منكر، غير معروف، ولا مقبول، ولو صَحّ عنه لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة المشهورة المذكورة في «الصحيحين» وغيرهما في مباشرة النبيّ - ﷺ - فوَق الإزار، وإذنه في ذلك، بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده. ثم إنه لا فرق بين أن يكون على الموضع الذي يستمتع به شيء من الدم، أو لا يكون، هذا هو الصواب المشهور الذي قطع به جماهير أصحابنا وغيرهم من العلماء؛ للأحاديث المطلقة، وحَكَى المحاملي من أصحابنا وجهًا لبعض أصحابنا أنه يَحرُم مباشرة ما فوق السرة وتحت الركبة، إذا كان عليه شيء من دم الحيض، وهذا الوجه باطلٌ لا شكّ في بطلانه، والله تعالى أعلم. [القسم الثالث]: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها عند جماهيرهم وأشهرها في المذهب أنها حرام. والثاني أنها ليست بحرام، ولكنها مكروهة كراهة تنزيه، وهذا الوجه أقوى من حيث الدليل، وهو المختار. والوجه الثالث إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، ويَثِقُ من نفسه باجتنابه، إما لضعف شهوته، وإما لشدة ورعه جاز، وإلا فلا، وهذا الوجه حسن، قاله أبو العباس البصريّ من أصحابنا. وممن ذهب إلى الوجه الأول، وهو التحريم مطلقًا: مالك، وأبو حنيفة، وهو قول أكثر العلماء، منهم سعيد بن المسيب، وشريحٌ، وطاوس، وعطاء، وسليمان بن يسار، وقتادة. وممن ذهب إلى الجواز عكرمة، ومجاهد، والشعبيّ، والنخعيّ، والحكم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن، وأصبغ، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود، وقد قدمنا أن هذا المذهب أقوى دليلًا، واحتجوا بحديث أنس الآتي: «اصنَعُوا كل شيء إلا النكاح»، قالوا: وأما اقتصار النبيّ - ﷺ - في مباشرته على ما فوق الإزار، فمحمول على الاستحباب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان أقوال أهل العلم، وأدلّتهم، أن الأرجح هو مذهب القائلين بجواز مباشرة الحائض مطلقًا فوق الإزار وتحته إلا الفرج؛ لقوّة حجته، كما أشار إليه ابن المنذر ﵀ في كلامه السابق، وصرّح به النوويّ ﵀ في كلامه المذكور آنفًا، ولكن الأولى أن يكون فوق الإزار اتّباعًا للسنة. والحاصل أن الاستمتاع بالحائض جائز غير الجماع في الفرج، كما نصّ عليه - ﷺ - بقوله: «اصنَعُوا كلّ شيء إلا النكاح»، أي الجماع في الفرج، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر اختلاف أهل العلم في وطء الرجل زوجته بعد أن تطهر قبل الاغتسال: قال ابن المنذر ﵀: اختَلَفُوا في وطء الرجل زوجته بعد انقطاع دمها قبل أن تغتسل، فمنعت من ذلك طائفة، وممن منع منه، أو كَرِه سالمُ بن عبد الله، وسليمان بن يسار، والزهريّ، وربيعة، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وقالت فرقة: إذا أدرك الزوج الشَّبَقُ أمرها أن تتوضأ، ثم أصاب منها إن شاء، رُوي هذا القولُ عن عطاء، وطاوس، ومجاهد. واحتج بعض من نَهَى عن ذلك بظاهر الكتاب، وهو قول الله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]، وبمنع الجميع الزوج وطأها في حال و«الغُلْمة» بضم الغين، وضبطها بعضهم بكسرها: شدّة شهوة الضراب. الحيض، فلما اختلفوا بعد إجماعهم من منع وطئها في حال الحيض، وجب أن يكون التحريم قائمًا حتى يتفقوا على الإباحة، ولم يتفقوا قط إلا بعد أن تطهر بالماء، في حال وجود الماء. قال ابن المنذر: فأما ما رُوي عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، فقد رَوَينا عن عطاء، ومجاهد خلافَ هذا القول، ثبت عن عطاء أنه سئل عن الحائض أنها تَرَى الطهر، ولم تغتسل أتحل لزوجها؟ فقال: لا حتى تغتسل، ثم أخرج عن ابن جريج، عن عطاء، وعن مجاهد، أنهما قالا: لا يأتيها حتى تحلّ لها الصلاة. قال: فهذا ثابت عنهما، والذي رَوَى عن طاوس، وعطاء، ومجاهد الرخصةَ ليثُ بن أبي سليم، وليث ممن لا يجوز أن يقابل به ابن جريج، ولو لم يخالفه ابن جريج لم تثبت رواية ليث بن أبي سليم، وإذا بطلت الروايات التي رُوِيت عن عطاء، وطاوس، ومجاهد كان المنع من وطء مَن قد طَهُرت من المحيض، ولم تتطهّر بالماء كالإجماع من أهل العلم، إلا ما قد ذكرناه من منع ذلك، ولا نجد أحدًا ممن يُعَدّ قوله خلافًا قابلهم إلا بعض من أدركنا من أهل زماننا، ممن لا أن يقابَلُ عوام أهل العلم به . واحتجّ بعض من أدركنا ممن يخالف ما عليه عوام أهل العلم، فقال: نَهَى الله ﵎ عن وطء الحائض، وأباح وطأ الطاهر بقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]، وأجمعوا أن للزوج وطأ زوجته الطاهر، ولو كانت إذا انقطع دمها إنما تطهر باغتسالها وجب ما لم يكن الغسل منها أنها حائض، وليس على الحائض عند الجميع غسل، والحيض معنًى، والطهر ضدّه، ولما حظر الله تبارك اسمه وطأ الحائض، وأباح وطأ الطاهر، ولزم الحائض الاسم لطهور الدم، وجب أنها طاهر؛ لانقطاعه وطهور النقاء. وقال آخر: حَرَّم الله ﷿ وطأ الحائض حتى تطهر بقول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ الآية، قال: وكان وطؤها إذا طهرت من الحيض قبل أن تطهر بالماء مباحًا؛ لأن النهي لما لم يقع في هذه الحال كان داخلًا في جملة قوله - ﷺ -: «وما سكت عنه فهو معفو عنه». وقال آخر: وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فإذا يَطْهُرن يَحْتَمِل غسلهنّ فروجهنّ، ويَحْتَمِل اغتسلن. قال ابن المنذر ﵀: والذي أقول به ما عليه جُلُّ أهل العلم، أن لا يطأ الرجل زوجته إذا طهرت من المحيض، حتى تطهر بالماء. انتهى كلامه ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ (ح)، وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْأَسْوَد، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ إِحْدَانَا، إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا - قَالَتْ -: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعد ما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٥٩. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو حفص، ويقال: أبو بكر الفقيه الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. أدرك عمر، وروى عن أبيه، وعم أبيه علقمة بن قيس، وعائشة، وأنس، وابن الزبير، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، ومالك بن مِغْوَل، والأعمش، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ، والعجليّ، وابن خِرَاش: ثقة، وزاد ابن خِرَاش: من خيار الناس، وقال محمد بن إسحاق: قَدِمَ علينا عبد الرحمن بن الأسود حاجًّا، فاعتَلَّت إحدى قدميه، فقام يصلي حتى أصبح على قدم، فصلى الفجر بوضوء العشاء ، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال خليفة: مات قبل المائة، وقال في موضع آخر: مات في آخر خلافة سليمان، وقال ابن حبّان: مات سنة تسع وتسعين ومائة، وكذا جزم به ابن قانع، وقال أبو حاتم: أُدْخِل على عائشة، وهو صغير، ولم يسمع منها، وقال ابن حبان: كان سنه سنّ إبراهيم النخعيّ. قال الحافظ: فعلى هذا كيف يدرك عمر؟. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٢٩٣) و(٥٧٢) و(٨٣٥) و(١١٩٠)، وأعاده بعده، و(٢١٩٣). والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: هذا الحديث رواه أبو إسحاق الشيبانيّ من حديث عائشة، ومن حديث ميمونة - ﵄ -. فأما حديث عائشة - ﵄ -، فأخرجه الشيخان من رواية عليّ بن مسهر، عن الشيبانيّ بسند المصنّف، وقال البخاريّ بعده: تابعه خالد، وجرير، عن الشيبانيّ. قال في «الفتح»: قوله: «تابعه خالد» هو ابن عبد الله الطحّان الواسطيّ، وجرير، هو ابن عبد الحميد، أي تابعا عليّ بن مسهر في رواية هذا الحديث، عن أبي إسحاق الشيبانيّ بهذا الإسناد، وللشيباني فيه إسناد آخر كما سيأتي عقبه. ومتابعة خالد وصلها أبو القاسم التنوخيّ في «فوائده» من طريق وهب بن بقية عنه. ومتابعة جرير وصلها أبو داود، والإسماعيليّ، والحاكم في «المستدرك»، وهذا مما وَهِمَ في استدراكه؛ لكونه مُخَرَّجًا في «الصحيحين» من طريق الشيبانيّ. ورواه أيضًا عن الشيبانيّ، عن عبد الرحمن بن الأسود، بسنده هذا منصور بن أبي الأسود، أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» . وأما حديث ميمونة - ﵂ -، فأخرجه الشيخان أيضًا، أخرجه البخاريّ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ، والمصنّف من طريق خالد بن عبد الله الطحّان، عن الشيبانيّ، عن عبد الله بن شدّاد، عنها. ثم قال البخاريّ - ﵀ -: ورواه سفيان، عن الشيبانيّ. قال في «الفتح»: قوله: «رواه سفيان»، يعني الثوريّ «عن الشيبانيّ»، يعني بسند عبد الواحد، وهو عند الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، نحوه، وقد رواه عن الشيبانيّ أيضًا بهذا الإسناد خالد بن عبد الله، عند مسلم - يعني الحديث التالي - وجرير بن عبد الحميد، عند الإسماعيلي، وذلك مما يَدْفَع عنه توهّم الاضطراب، وكأن الشيبانيّ كان يُحَدّث به تارةً من مسند عائشة، وتارة من مسند ميمونة، فسمعه منه جرير، وخالد بالإسنادين، وسمعه غيرهما بأحدهما. ورواه عنه أيضًا بإسناد ميمونة حفص بن غياث، عند أبي داود، وأبو معاوية، عند الإسماعيليّ، وأسباط بن محمد، عند أبي عوانة في «صحيحه». انتهى ملخّص ما في «الفتح» ، وهو بحثُ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقولها: (أَنْ تَأتَزِرَ) معناه: أن تَشُدَّ إزارًا تستر سرتها وما تحتها إلى الركبة فما تحتها. وقولها: (فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا) هو بفتح الفاء، وإسكان الواو، معناه: مُعْظَمها، ووقتُ كثرتها. و«الحيضة» بفتح الحاء: أي الحيض. وقال القاضي عياض - ﵀ -: «في فَوْر حيضها» فَوْرُ الشيء جَأشُه، واندفاعه، وانتشاره، وفورُ الحيض معظم صبّه، ومنه فَوْرُ العين، وفورُ القِدْر: إذا جاشا، قال الله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، ومنه في الحديث: «فإن شدّة الحرّ من فَوْر جهنّم»، رواه البخاريّ، وفي كتاب أبي داود: «في فَوْح حيضتنا»، وكذلك في البخاريّ: «من فوح جهنم»، و«فيح جهنّم»، والكلّ بمعنى واحد. انتهى . وقال الفيّوميّ: فار الماءُ يفورُ فَوْرًا: نَبَعَ، وجَرَى، وفارت القِدْرُ فورًا وفَوَرَانًا: غَلَتْ، وقولهم في الشُّفْعة: على الْفَوْر من هذا، أي على الوقت الحاضر الذي لا تأخير فيه، ثم استُعْمِل في الحالة التي لا بُطْءَ فيها، يقال: جاء فلانٌ في حاجته، ثم رجع من فَوْره، أي من حركته التي وصل فيها، ولم يسكن بعدها، وحقيقته أن يَصِلَ ما بعد المجيء بما قبله من غير لُبْث. انتهى . وقال أبو نعيم - ﵀ - في «المستخرج»: فَوْرُ الحيض: شِدّته، وأوّله. انتهى . وقولها: (وَأيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ إلخ) قال النوويّ (٢) - ﵀ -: أكثر الروايات فيه بكسر الهمزة، مع إسكان الراء، ومعناه: عُضْوُه الذي يستمتع به، أي الفرج، ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء، ومعناه: حاجته، وهي شهوة الجماع، والمقصود: أملككم لنفسه، فيَأمَن مع هذه المباشرة الوقوعَ في المحرَّم، وهو مباشرة فرج الحائض، واختار الخطابيّ هذه الرواية، وأنكر الأولى، وعابها على المحدثين. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: «وأيّكم يملك إربه» قيّدناه بكسر الهمزة، وإسكان الراء، وبفتح الهمزة وفتح الراء، وكلاهما له معنى صحيح، وإن كان الخطّابيّ أنكر الأول على المحدّثين، ووَجْهُ الأول أن الإِرْب: العضو، والآراب: الأعضاءُ، فكَنَت به عن شهوة الفرج؛ إذ هو عضوٌ من الأعضاء، وهذا تكلّفٌ، بل في «الصحاح» أن الإرب العضو، والدَّهاء، والحاجة أيضًا، وفيه لغات: إِرْبٌ، وإِرْبةٌ، وأَرَبٌ، ومَأرَبةٌ، ويقال: هو ذو أَرَبٍ، أي ذو عقل، فقولها: «يملك إربه» بالروايتين، تعني حاجته للنساء. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الأَرَبُ بفتحتين، والإِرْبةُ بالكسر، والْمَأرُبَةُ بفتح الراء وضمّها: الحاجة، والجمع المآرب، والأَرَبُ في الأصل: مصدرٌ، من باب تَعِبَ، يقال: أَرِبَ الرجلُ إلى الشيء: إذا احتاج إليه، فهو آربٌ على فاعلٍ، والإِرْبُ بالكسر يُستَعْمَلُ في الحاجة، وفي العُضْو، والجمع آراب، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمَال، وفي الحديث: «وكان أملككم لإربه»، أي لنفسه عن الوقوع في الشهوات. انتهى . وقال أبو نعيم - ﵀ - في «المستخرج»: الإرب: الحاجة، وقال النضر: الإرب العقلُ، يعني: أيكم يصبر كما صبر - ﵇ -؟. انتهى . وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٤٢)

١. راجع: «حاشية الطحطاويّ على مراقي الفلاح» ص ١٣٩، مع «تحفة الحبيب» ١/ ٣٤٠.

٢. راجع: «تحفة الحبيب حاشية إقناع الخطيب» ١/ ٣٤٠ - ٣٤١.

٣. وفي نسخة: «كانت».

٤. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٠٣.

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٥٩.

٦. «المفهم» ١/ ٥٥٥.

٧. وعزاه الخضريّ في: «حاشيته» إلى النحاة البغداديين، راجعه ٢/ ٣٢١.

٨. راجع: «شواهد التوضيح» ص ١٨٢ - ١٨٣.

٩. «الفتح» ١/ ٤٨١.

١٠. «عمدة القاري» ٣/ ٣٩٤.

١١. راجع: «المعجم الأوسط» ١/ ١٦.

١٢. «المصباح المنير» ١/ ١٣.

١٣. «عمدة القاري» ٣/ ٣٩٧.

١٤. هذا مرسل أخرجه في: «الموطّأ»، فقال:

١٥. «المفهم» ١/ ٥٥٥ - ٥٥٦.

١٦. المراد فوائد حديث عائشة - ﵂ - بطرقه وألفاظه المختلفة، لا خصوص السياق المشروح الآن، فتنبّه.

١٧. هذا الحديث عزاه في: «الفتح» إلى ابن ماجه، لكني لم أجده فيه، والله تعالى أعلم.

١٨. «الفتح» ١/ ٤٨٢.

١٩. هكذا نسخة «الأوسط»، ولعل الصواب: «إذا اتّقى»، والله أعلم.

٢٠. هكذا نسخة «الأوسط»، ولعله «بين أَلْيتيها» بالتثنية، وهي بفتح الهمزة، ولا تُكسر، كما قاله في: «القاموس» وغيره، والله تعالى أعلم.

٢١. «الأوسط» ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٨.

٢٢. راجع: «التلخيص الحبير» ١/ ١٦٦.

٢٣. راجع: تعليقه على الترمذيّ ١/ ٢٤٥ - ٢٥٤.

٢٤. راجع: «ذخيرة العقبى» ٥/ ٣٠ - ٣٤.

٢٥. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٠٥.

٢٦. «الشَّبَقُ - بفتحتين -: شدّة الغُلْمة، وطلب النكاح». اهـ. «لسان العرب» ١٢/ ٣٧.

٢٧. هكذا النسخة، والظاهر أنه سقط منه شيء، والأصل: «ممن لا يصلح» إلخ، أو نحو ذلك، والله أعلم.

٢٨. هذا الذي عزاه ابن المنذر إلى بعض من أدركه هو مذهب الحنفيّة، فإنهم يقولون: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض يجوز أن يطأها الزوج قبل أن تغتسل، وأما إن انقطع لأقله، فلا إلا أن تغتسل، أو تتيمّم وتصلي، أو تكون الصلاة دينًا في ذمتها، بأن فاتتها، راجع: «حاشية الطحطاوي» ص ١٤٦ - ١٤٧.

٢٩. هكذا النسخة بالطاء في الموضعين، ولعله بالظاء، فليُحرّر.

٣٠. «الأوسط» ٢/ ٢١٣ - ٢١٥.

٣١. وفي نسخة: «قال: أخبرنا».

٣٢. وفي نسخة: «حدّثنا».

٣٣. يكثر مثل هذا في تراجم كثير من العبّاد، فيقال: فلان صلّى الصبح بوضوء العشاء أربعين سنةً، أو نحوها، والحقّ أن مثل هذا ليس مما يُمدَح به الإنسان؛ لأنه خلاف هدي النبيّ - ﷺ -، فإنه لم يثبت أنه - ﷺ - كان يصلّي الصبح بوضوء العشاء، وخير الهدي هديه - ﷺ -، فتأمل بعين الإنصاف، فإن اتّباع السنة خير لا يعدله شيء مما يظنّه الظانّ أنه خير، وقد تقدّم بيان هذا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٣٤. «الفتح» ١/ ٤٨٢.

٣٥. «الفتح» ١/ ٤٨٣.

٣٦. «إكمال المعلم» ٢/ ١٢١.

٣٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣،

٣٨. «المستخرج على صحيح مسلم» ١/ ٣٥٢.

٣٩. «شرح النووي» ٣/ ٢٠٤.

٤٠. «المفهم» ١/ ٥٥٦.

٤١. «المصباح المنير» ١/ ١١.

٤٢. «المستخرج على صحيح مسلم» ١/ ٣٥٢.